بقلم/ د. ثروت عكاشة
وزيرا للثقافة ونائب رئيس الوزراء المصري سابقا

خمسون عاما من العطاء

 

صُدفة تلك أم منحة من الله عزّ و جلّ  هى التى دفعت دكتورة زينب عبد العزيز أستاذة الأدب الفرنسى و تاريخ الفنون بالجامعات المصرية إلى تكريس حياتها و جهودها على مدى عمرها  لخدمة قضية شائكة بالغة التعقيد تدرأ بها عن عقيدة الإسلام ما يلّفقه له خصومه فى الخارج، فأصدرت ما يربو على عشرين كتابا علميا باللغة العربية و الفرنسية ، و ذرعت محافل المعرفة شرقا و غربا تذود عن العقيدة بحماس عرّضها لهجوم مكثّف ، ثم كرّست سنوات عديدة لتترجم معانى القرآن الكريم لتنقية الترجمات الفرنسية التى صدرت على مرّ الزمان من الشوائب ، فى أسلوب رصين أخّاذ ضمّنت هوامشه المآخذ التى انحرف فيها كبار المستشرقين عن جلدة الصواب ، إما بقصدٍ أو بسوء  نية أو عجزٍ عن إدراك معانيه الدفينة.

 و حسبُ كل عالم أن يكون مثل هذا العطاء من نصيبه ، و لكن هذه السيدة لم تقنع بهذا المجد التليد وحده ، فإذا هى تضيف إلى جهودها العلمية و جهادها الشاق عشق الفن التصويرى حتى غدت من نجومه اللامعات المبدعات ، تنأى بنفسها عن لعبة التجريد.  

*  *  *    

لم يعد فن " البورتريه" أمام ما حققه الفنان البندقى الشهير " كاناليتو" امتيازا للإنسان وحده ، يستعرض من خلاله ملامحه الشخصية و مظهره الاجتماعى بعد أن جعل مناظره الطبيعية " بورتريهات" بالغة الإتقان و الروعة تغنّى من خلالها بمفاتن عشيقته " البندقية"  ( فينيسيا )  التى استحوذت على روحه و كيانه ، فانبرى يُسجّل باللون روائع جمال مدينته المحبوبة مخلّدا على الدهر قنواتها و جندولها و سفنها و قناطرها و قصورها الباروكية الشامخة و أحفال سكانها الصاخبة ، و إذا هو يبتكر " بورتريه المكان"  بديلا عن " البورتريه الشخصى" التقليدى . و ها هى ذى الفنانة المبدعة زينب عبدالعزيز تدلى بدلوها الفنى فى مجال البورتريه المكانى كمصوّرة نسيج وحدها فى حلبة المناظر الطبيعية بأنحاء مصر و النوبة و أسوان و شرم الشيخ و سيناء و المملكة السعودية ، بل و فى أحراش أوغندا و مساقط مياهها ، و إن كان لها العديد من اللوحات التى تتناول المجموعات البشرية من السكان العاملين فى مشروع إنقاذ آثار النوبة و أهالى المنطقة و تسجيل أسلوب حياتهمو اهتماماتهم البيئية بل و بورتريهاتهم الشخصية التى انتقتها بعناية ملحوظة ، فسيطرت عَبْر مشوارها الفنى الممتد على أدوات التعبير و على الجوانب التقنية لِتنفُذَ الى ما وراء السطح    و الشكل فتُعايش أعماق النفس البشرية و تستخلص جوهر كنهها ، و تعبّرعن روح المكان  و عن الإشراق المنبعث من باطنها . و من هنا لعب الضوء بصفة عامة فى إنتاجها دوراً أساسياً ، و بات يفوح من لوحاتها عطرٌ يستقر فى وجدان المشاهد .      

       و كانت سباّقة الى اختيار العديد من المناطق المصرية النائية ، فكانت كما أسلفت أول من تناول النوبة و أسوان بالتسجيل المصوّر قبيل مشروع ترحيل أهاليها و بعده ، ثم شبه جزيرة سيناء بأنحائها المتباينة التضاريس و نجوعها التى ما تزال على الفطرة ، و ساحل شرم الشيخ الساحر ، و وحات الجزيرة العربية و شواطئها ، فتعايشت مع ذلك كله بحسّها   و وجدانها و فرشاتها ، معبّرة عمّا يجول بخاطرها وما يساورها من إنفعالات دون أن تُقحم ذاتها فيما تُصوّر لأنها دُرّبت على أن تتوارى باستحياء و تواضع وراء أعمالها ، تاركة لوحاتها تُحدّث عن نفسها ببلاغة ما تلبث أن تنفذ سريعا الى القلوب .

       و هى تترك نفسها للدلالات الجوهرية توحى إليها بما تنطوى عليه دون أن تُعنّى نفسها بالتنقيب وراءها ، فحسبها التقاط هذه الدلالات و تسجيلها بينا هى تحسّ إحساساً عفويا بالبهجة التى أفاضها الله على الكون إحساسا عميقا ، فهى ترى الوجود بما يحوى من خَلْقٍ و خُلُق سوياً لا مكان للشر فيه ، على حين إذا أرادت تصوير البهجة و الصلة بين الله  و الكون ، و ما يربط الوجود بالله من عشق و تسبيح فاضت بذلك مواهبها الفنية الخلاّقة فيضا غزيرا ، فأضفت على اللوحة المصوّرة إشراقة عذبة بألوانها الزاهية الجذّابة ، فإذا الوجوه تنفرج عن بِشْرٍ و تألق ، و إذا التكوينات الفنية تجمع بين الطهارة و الجمال           و الإشراق ، و تبعد البُعد كله عن الحذلقة و الإسراف ، فإذا خطوطها متأوّدة فى رهافة أخّاذة ، و إذا ألوانها نضرة لكأننا نمرح وسط بستان زاخر بشتى الأزهار. لقد انطلقت بين المروج و الغابات و الأحراش و الصحارى و الوديان و الطبيعة البِِكر تستنشق نسائم الحرية  و الإنطلاق ، و كان ذلك خيرا لنا إذ فعلت ، فلقد استطاعت بذكائها اللمّاح و دأبها و إصرارها أن تجعل من باقاتها النضرة سمة ذات مذاق خاص.

       و الراجح أن فنّانتنا قد تراءت لها فى جولاتها كثرة  من رؤى المشاهد الخلوية ، فجنحت أحيانا الى تصويرها مع الغسق ، و إذا بين أيدينا تسجيل واف لهذا الانطباع الذى يُشيع فى نفس المتأمّل هدأة الغروب و سكينته. كما لم يفُتها أن تضمّن نماذجها تقنية الفاتح و الداكن " كيارو سكورو" الضاربة الى الحُمرة تارة و إلى الخُضرة الزاهية المتألقة أروع تجسيد و براعة بلا ضريب حتى يكاد المُشاهد يبادر بالتصفيق إعجابا و نشوة أمام ما يتجلّى أمامه من علاقة رصينة بين الفراغ و العناصر التى يضمها ، ولا غرو فقد جعلها إحساسها الرهيف باللون و التصميم أقدر ما تكون على التعبير عن ذاتها المحلّقة دوما. و لن نصادف إلا قليلا ما هو أشدّ واقعية أو أشدّ دلالة من أعمالها المصوّرة ، فمهما طَوَتْها الأحقاب فلن يقع عليها نظر المشاهد إلا و يحسّ ما تستثيره أقوى حواسه اللمسية التى تمتلك ناصيتها و القدرة الفائقة على التعبير عنها. فلقد لقنت منذ تتلمذت وهى فى سن الخامسة عشرة على يدى المغفور له زوجها الفنان لطفى الطنبولى أن المحاكاة الأمينة للحواف المحوّطة لا تُعد منظرا طبيعيا بحق ، و أن تصوير الطبيعة يختلف كل الإختلاف عن تصوير الشخوص. كما فطنت منذ بداية مشوارها الفنى إلى أن الضوء و الغلاف الجوى المحيط يؤديان دورا مختلفا فى تصوير المناظر البريّة عنه فى تصوير الشخوص ، و أن لهذين العنصرين فى المناظر الطبيعية أهمية لا تقل عن أهمية القيم اللمسية.

       و إذا ما تفحّصنا إنتاجها بإمعان نلمس ترابطا موضوعيا بين أسلوبها و الفن المصرى القديم ، فلوحاتها استمرار و تواصل لنفس المفهوم المنادى بخلود القيمة الجمالية الإنسانية    و بساطة التعبير ، وهى الدعائم نفسها الذى يرتكز عليه أسلوبها.

     و أخيرا ، يسترعى انتباهنا أنه فى نفس الزمن الذى طالع فيه الفنان اليابانى المعاصر" إيكوؤو هيراياما"  (1930 ـ 1989 ) الجماهير باستخدام تقنية " الطيف الظلّى" ( سيلويت ) ، أعنى تصوير شخوصه و أشكاله خالية من التفاصيل ــ وهى التقنية التى أطلق عليها مجمع اللغة العربية اسم " الرسم الشبحى" الذى يُظهر منظر شخص أو غيره بلون قطعى لا فرق فيه بين ظل و نور ــ  أقول تصادف أن تزامن ابتكار زينب عبدالعزيز هذه التقنية بنجاح ملحوظ فى أعمالها المصوّرة نلحظه فى العديد من مشاهدها. لقد اكتشفت أبعاداً جديدة فى أساليب التصوير بعد أن كثّفت هلامية الأطياف و أثيرية الأجسام و حوّلتها الى واقع ملموس .

 

     د. ثروت عكاشة       

المعادى فى 5 يناير2005

 

السيرة الذاتية - ا.د. زينب عبد العزيز