البابا فرنسيس فى إفريقيا

 

 

أمضى البابا فرنسيس خمسة أيام فى أواخر نوفمبر 2015 ، فى جولة بين ثلاثة بلدان إفريقية بدأت بكينيا مرورا بإوغندا وإنتهاء بإفريقيا الوسطى. وكان يود الإعلان من خلال رحلته هذه أن الأخوّة لا تزال ممكنة بين المسيحيين والمسلمين. وسواء أكان فى كينيا وأوغندا أو إفريقيا الوسطى ، كان خطاب البابا للأتباع يتضمن جُملا ذات مغزى : "أصمدوا بصلابة فى الإيمان، قاوموا الخوف من الآخر، لا تخشو شيئا". كما حث الكنيسة على "الوحدة لأن الفُرقة بين عقائدها المختلفة تضعف ترابطها". كما قام بتكريم الشهداء الكاثوليك والأنجليكان بالذهاب إلى مدفن مونيونو ، وأوضح أن السلام يمكنه أن يعود فى ذلك الحىّ المسمى "ﭙيكى 5". وهو جزء من آخر حىّ يضم مسلمين فى مدينة بانجى. وهى منطقة رمزية ، إذ باتت لا تحوى سوى 12000 مسلما ، لا يغادرون منازلهم خشية أن تقتلهم الميلشيات المسيحية. وقد أعلن أحد قساوسة الكنيسة الإنجيلية الدولية الجديدة قائلا ، ويقصد الكاثوليك، : "أنهم يريدون أن يجعلوا من البلد بلدا خاليا من المسلمين" ! أما الطريق المؤدى إلى هذه الضاحية فكانت كل حوانيته مغلقة لعدم وجود زبائن يجازفون بأرواحهم. تلك كانت الرؤية الأولى الواضحة لزيارة البابا فرنسيس التى تضم فى الواقع عناصر أخرى..

وحيث أن البابا كان يحمل رسالة سلام ومصالحة بين الأديان ، فقد طلب من أهالى إفريقيا الوسطى ومدينة بانجى تحديدا ، بحضور رئيسة الجمهورية بالنيابة ، السيدة كاترين سامبا ـ بانزا قائلا : "قاوموا الخوف من الآخر ، الخوف ممن لا ينتمى إلى عرقنا وإلى آرائنا السياسية وإلى عقيدتنا الدينية". وفى محاولة للحد من العنف الدموى الدينى الذى ساد بين الأهالى ومزقوا نسيجه منذ عام 2013 ، أعلن البابا عند زيارته مسجد بانجى : "أن المسيحيين والمسلمين إخوة ، ويجب أن نعتبر أنفسنا كذلك، وأن نتصرف على هذا الأساس". وعندما تحدث إلى الشباب تحدث حتى عن "حب الأعداء" !

وفى أوغندا، قبل وصوله إلى بانجى، أعلن : "إن أوغندا قد عاشت إستشهاد المسيحيين. ليْتهم يعاونوننا على نشر فرحة الإنجيل بلا خوف" ، وهى عبارة يبدو أنها تمثل الدافع الأساسى لرحلته فى إفريقيا إذ وضعها على موقعه فى تويتر قائلا : "إن أوغندا قد عاشت عصر إستشهاد المسيحيين. ليتهم يعاونوننا على نشر الفرحة [...]" ، وتوقف عندها وأغفل عبارة "الإنجيل بلا خوف" ، ووضع مكانها قوسان وثلاثة نقاط ! وهو ما يؤدى إلى طريقتين مختلفتا المعنى : أمام المسيحيين طلب من الشهداء معاونته على نشر الإنجيل بلا خوف ؛ وعلى موقعه فى تويتر الذى سيراه الجميع ، مسيحيون ومسلمون ، طلب المساعدة لينشر الفرحة ! وأنهى خطابه قائلا : "عمدوا ، إحيوا كل يوم هبة الروح القدس".

وهناك عبارة أخرى تناثرت فى خطبه : "أن الحوار المسكونى بين الأديان ليس من قبيل الرفاهية ، وليس إختياريا". أى بقول آخر ، أنه إجبارى ، بما أنه أحد أهم قرارات مجمع الفاتيكان الثانى ، وتم إصداره كقرار ومعه تفسيره الذى يعنى : تنصير العالم.

أما الحدث الأهم فى زيارته فهو فتح باب الكاتدرائية فى بانجى ، معلنا بذلك بداية إحتفالية عام الرحمة الذى سيبدأ رسميا فى روما يوم 8 ديسمبر الحالى. وبهذا الإجراء أعلن البابا أنه تمنى أن يفتح فى إفريقيا فترة غفران و"أن يصبح شعب إفريقيا الوسطى قلب العالم". ثم أضاف : "إن أى شخص سيعبر هذا الباب ستغفر له خطاياه" ، وذلك أمام أربعة آلاف من أبراشية المنقذ المقدس ، وقبل أن يفتح باب الكاتدرائية على مصراعيه حدد قائلا : "مهمتكم هى تجسيد قلب الرب بين مواطنيكم"، مضيفا : وهكذا "ستصبح بانجى العاصمة الروحية للعالم أجمع : إن سنة الرحمة هى خاصة بالنسبة لهذا البلد ولكل البلدان التى عرفت محنة الحرب" ! أى أنها للعالم أجمع.. وهنا لا يمكن إلا أن نسأل : ألا تدرك هذه المؤسسة الفاتيكانية أنه بمحاولتها إقتلاع الناس من عقيدتهم وإيمانهم أنها تثير العداوات التى لا تنتهى بين مواطنى البلد الواحد ؟ ألا تبدو الإجابة واضحة فى جميع أنحاء العالم ؟

وسائل تأمين هذه الزيارة :

لم يحدث فى أى ظرف أن يؤدى إنتقال البابا إلى مثل هذا الكم الهائل من التدابير الإحتياطية الشديدة. فقد كانت هناك طائرات هيلكوبتر تجوب السماء لحراسة موكبه، وفرق المدرعات المصفحة الفرنسية ، و10900 جندى وفرق الخوذات الزرقاء المغربية والمحلية وغيرها. كل هذا الكمّ من المسلحين تم تجنيدهم لهذه المهمة ولحماية مطار بانجى. وتم وضع جندى مسلح من هيئة الأمم فى كل سيارة تقل الصحافة والإعلام والمدعوين. بينما كانت الفرق الدفاعية الفرنسية على أهبة الإستعداد. فقد وضعت فرنسا 900 جندى  حول بانجى وجندت الحكومة المحلية حوالى 500 من رجال البوليس المسلحين.

وكانت الخوذات الزرقاء والفرق العسكرية الفرنسية تعاون البوليس المحلى منذ يوم الأحد قبل وصول البابا ، يمشطون العاصمة بانجى وطرقاتها ، كما تمت تقوية وتدعيم وسائل الحماية فى كافة الأماكن التى سيمر بها موكبه خاصة فى حى "ﭙيكى 5" حيث يوجد المسجد الرئيسى الذى زاره صباح يوم الإثنين.

ورغم الفقر المدقع اللا إنسانى الذى تعانى منه هذه الدولة، فإن الطريق الذى سيسلكه البابا والمرافقون له قد تم رصفه بالأسفلت وتنظيفه، إذ كانت البولدوزرات تعمل طوال أسابيع قبل مجيئه لتمهيد الطرق وتغطية الحفرات لتجميل بانجى وشوارعها. بل حتى الشباب تم تكليفه بتنظيف جوانب الطرقات وإعادة دهان جدران البيوت المتشققة لتغطية ما يكسوها من بؤس ودموع.. إن سبب هذا البؤس معروف قطعا لكن ، كل تلك التكاليف والنفقات التى تسببت فيها رحلة البابا والموكب المرافق له ، من ذا الذى تحملها ؟!

إفريقيا الوسطى :

إفريقيا الوسطى من أفقر بلدان العالم إذ تحتل الترتيب 180 من 186 دولة على الكرة الأرضية. ومنذ عدة عقود وهى فى حرب قاتلة بين المسيحيين والمسلمين. حروب أدت إلى هروب عشرات الآلاف من المسلمين إلى الغابات أو إلى بلدان مجاورة هربا من السرقات والإغتصابات والعنف. ولا يبقى سوى 12000 مسلما محاصرون فى حى "ﭙيكى 5"، معزولون منذ عدة أشهر عن بقية العاصمة بسبب الميلشيات المسيحية التى تحاصرهم وتمنعهم من الخروج حتى لشراء حاجياتهم من الطعام ، وإلا تعرضوا للموت.

والديانات الأساسية فى إفريقيا الوسطى ، إجمالا، هى : المسيحية 80 % (منهم 50 % بروتستانت و30 % كاثوليك)، و10 % مسلمون و10 % وثنيون. فكيف يمكن لهذه الأقلية من المسلمين المعدمون أن تمثل تهديدا أيا كان للمسيحيين ؟ لكنهم يدفعون ثمنا غاليا فى محاولتهم الحفاظ على إسلامهم.

والتعليم فى إفريقيا الوسطى يتبع النظام الفرنسى، مع شئ من التفاوت فيما يتعلق بإمكانية الدخول فى منظومة التعليم بناء على معايير إجتماعية وجغرافية وخاصة دينية. ففى إفريقيا الوسطى مثلها مثل معظم البلدان الإفريقية ، بخلاف المرحلة الإبتدائية فإن التعليم مدفوع الأجر تدرّجيا. والمسلمون من أفقر الجماعات الإفريقية، وفى غالبية الأحيان لا يمكنهم التكفل بمصاريف أبنائهم. أما بالنسبة للمسيحيين فإن الكنيسة ومؤسساتها المختلفة تقوم بهذه المهمة. والنتيجة هى أن المسيحيين يصلون إلى التعليم الجامعى وبالتالى فهم الذين يحصلون على معظم الوظائف الحكومية وفى القطاع الخاص. لذلك لا يبقى للمسلمين سوى الوظائف الدنيا. وكثيرا ما نلحظ اللافتة الصغيرة ومكتوب فيها على صدر أحد العاملين بالفندق إسم "ميخائيل محمد". وحينما تسأله من باب الفضول ، فإن الجواب الذى يمكن إستنتاجه شديد الألم. فلكى يحصل حتى على إحدى هذه الوظائف عليه تغيير ديانته.

وتحتوى إفريقيا على مناجم ألومنيوم ونحاس وذهب وماس ويورانيوم وآبار بترول. ويوجد بها مليار برميل ، بل يقول بعض الخبراء أنها قد تصل إلى خمسة مليارات برميل ، إضافة إلى عشرين ألف طن من إحتياطى اليورانيوم ، كما أن الماس من نوعيات عالية الجودة ويتم إستخراج حوالى خمسمائة الف قيراط خام فى العام الواحد ، وهو ما يضع إفريقيا الوسطى فى المرتبة الرابعة أو الخامسة فى العالم من حيث الجودة.

زيارة البابا :

رغم كافة المحاولات التى قام بها المسئولون فى فرنسا لكى يقوم البابا بتأجيل زيارته لأفريقيا فقد باءت جميعها بالفشل وأصر على القيام بها ، غير عابئ بخطورة الموقف خاصة فى إفريقيا الوسطى.

وبخلاف التبشيرى ، فقد كان البابا يواصل محاولاته للجمع بين المذاهب المسيحية المختلفة ، ويواجه تصعيد التبشير الإنجيلى ، وتهدأة الجو فى بانجى قبل الإنتخابات ، وجعل بانجى عاصمة العالم فى إحتفالية "الرحمة" التى تمتد لمدة عام ، ومنح الناخبين تأييده المعنوى والدينى. لكى لا أقول شيئا عن الجانب الإقتصادى أو المالى اللذان ينعم بهما الفاتيكان بإستثماراته الخاصة فى إفريقيا.

إن قراءة مقال كنت قد كتبته عام 2009 بمناسبة السينودس المتعلق بإفريقيا ، سيلقى مزيدا من الضوء على خبايا هذه الزيارة البابوية. وكان عنوان المقال

"تنصير إفريقيا" 

 تنصير إفريقيا !

وصبيحة مغادرة البابا قام بعض المسلحين المسيحيين بقتل أحد المسلمين ، وهو أب لثلاثة أطفال ، وكان متجها للأجزخانة لشراء دواء لهم..

من الواضح أنه قد تم إستيعاب درس البابا وتطبيقه !

ومن الواضح أيضا أن دكتاتورية الوقاحة المطلقة ، التى تقودها واشنطن ، أصبحت المعيار المقدس الذى يقلده الفاتيكان بورع !

 

زينب عبد العزيز

5 ديسمبر 2015