إحتفالية يوبيل بوجهين

 


 

فى الثامن من ديسمبر 2015 ، تاريخ عيد الحمل بلا دنس ، تم إفتتاح يوبيل فوق العادة مختلف عن إيقاعها التقليدى. وبينما كان البابا فرنسيس يفتح بابى كاتدرائية القديس بطرس، نطق العبارة التقليدية بالإيطالية قائلا: "إفتحوا باب العدل" ! وكان البابا قد أصر على حيوية وفاعلية مجمع الفاتيكان الثانى (1962ـ1965) إذ قرر تقديم موعد اليوبيل عدة سنوات ليواكب مرور خمسون عاما على مجمع الفاتيكان الثانى الذى "كان لقاء حقيقيا مع رجال زماننا" ، على حد تعبيره ، مواصلا : "إذ حث الكنيسة التى يدفعها الروح القدس على الخروج عن العقبات التى أدت إلى إنغلاقها على نفسها طوال القرون السابقة. و"العقبات" هنا تعنى بعض العقائد التى فرضتها الكنيسة طوال القرون السابقة ، ولا نذكر منها إلا ما أدى إلى معاداة السامية ! وسوف تُفتح أبواب مقدسة أخرى فى كاتدرائيات العالم، للمشاركة فى هذه الإحتفالية. ولقد جدد البابا بمحاولته فتح اليوبيل على أكبر عدد من الناس. ففى يوم الأحد الماضى فتح الباب المقدس لكاتدرائية مدينة بانجى قبل الموعد قائلا: "ليصبح شعب إفريقيا الوسطى قلب العالم" ! وإفريقيا الوسطى قد إنتهى بها تعدادها إلى أن أصبح 80 % مسيحيين و10 % مسلمين. وهو ما جعله يهتم بفرض ذلك "القلب" نموذجا للعالم.

وإذا ما كان إهتمام البابا فرنسيس يندرج فى برنامجه لجعل الكنيسة أكثر إنفتاحا وأكثر رحمة، فهناك دائما وجه آخر لكل أفعاله. ففى أول سبتمبر 2015 طلب من كل القساوسة مسامحة كل إمرأة كاثوليكية أجهضت أو تسببت فى الإجهاض. والرحمة هنا تنعكس على العقائد. إلا أن تغيير العقائد فى يومنا هذا بأى حجة كانت أو سبب سياسى ، إجتماعى، أو دينى، فهو يُثبت قطعا أن هذه العقائد متغيّرة، وأن هذا التغيير يثبت أنها عقائد ليست منزّلة، لكنها تخضع لأهواء وظروف رجال الدين. والدليل على ذلك، أن فكرة اليوبيل هذا ترجع إلى سبعة قرون مضت، أى أن يسوع ليست لديه أية فكرة عنها ولا حتى عن تكوين المسيحية الحالية ، التى تمت أساسياتها طوال الأربعة قرون الأولى وكل ما تلاها.

إن البذخ غير المسبوق الذى واكب هذا اليوبيل يرجع إلى أن البابا يريد "أن يجعل منه حدثا كونيا، يُحتفى به لأول مرة على الصعيد العالمى". لذلك تم إذاعة الإحتفالية على العالم. لكن فى واقع الأمر، هذا الإحتفال الممتد لمدة عام، لا يهدف فحسب إلى إعادة إحياء حماس مليار ومائتين ألف كاثوليكى لدينهم الذى فتر، لكن هذا الصخب والإستعراض الزائف يندرج وفقا لمجمع الفاتيكان الثانى تحت بند توحيد الكنائس وتنصير العالم!

بذخ صارخ :

وقد إنتهت الإحتفالية بعرض للصوت والضوء على واجهة كاتدرائية القديس بطرس. واكتست جدرانها بصور فوتوغرافية رائعة عن الطبيعة بمختلف مجالاتها، وهى صور مرتبطة بمؤتمر المناخ والإحتباس الحرارى المنعقد حاليا فى فرنسا. وهذا العمل الفنى المذهل المهدى للبابا قد تم عرضه على جميع وسائل الإتصال. وقد قام بتنفيذه مجموعة من كبار المصورين والسينمائيين العالميين. وهذا الإنتاج الخرافى فى جماله قامت بتمويله مؤسسات عالمية ومتعددة الجنسيات تتبع البنك الدولى. ومن هؤلاء المانحين: "كونتكت فور كلايمت" المتعاونة مع وزارة البيئة الإيطالية، وتدعوا للإجهاض، ولنظرية الچندر ، والمساواة بين الرجل والمرأة إنحلاليا، وغيرها من الدعاوى المجنونة ؛ و"ڨولكان إنكربوريشن" التابعة لﭙول آلن الذى يستثمر حدود التقنيات والمعارف الإنسانية ويعمل على تغيير المستقبل ، وهو شريك مؤسس لشركة مايكروسوفت ؛ و"لى كا شينج فاونديشن" الداعى الأساسى للعولمة من خلال التعليم والصحة ؛ وشركة "أوكيانوس فاونديشن" التى تستثمر فى المناخ ؛ و"اُسكورا ديچيتال" التى تعمل على تغيير العالم. وكل هؤلاء المانحين هم بالفعل من دعاة العولمة وتنفيذ التغيرات المرتقبة. ولعل هذه الهدية المفرطة البذخ كانت المقابل الذى تقاضاه البابا نظير كتابته وثيقة "ممجد أنت" المتعلقة بالمناخ !

والمرء يُدهش من أن البابا فرنسيس الذى يزعم أنه "مدافع متحمس عن الفقراء، والضواحى الفقيرة، والمحتاجين" قد قبِل مثل هذه الهدية من ذلك البنك ومليارديريه الذين هدفهم ليس سوى تحقيق مزيد من الأرباح لمستثمرين هم مليارديرات مسبقا! وإن كان هناك أى معنى لهذه السقطة البابوية، فهى دليل قاطع على أن الوجه الذى يود أن يكون خفيا ، يفضح ميول البابا وفاتيكانه وكرسيه المقدس، ويغرقهم تواطؤاً فى النظام العالمى الجديد. وقد أشرت إلى أدلة أخرى فى المقال المعنون : "النظام العالمى الجديد ودين أستانة"،

مجمع الفاتيكان الثانى :

لمن لا يعرف شيئا عن ذلك المجمع، فإنه قد أصدر أربعة دساتير، وثلاثة بيانات، وتسع قرارات متفاوتة الحجم. وقام بتكوين مجلسين بابويين أحدهما لتنصير العالم، والآخر للحوار بين الأديان. ومن أهم قراراته : تبرأة اليهود من دم المسيح بوثيقة "فى زماننا هذا" الفاجرة. وذلك بعد أن ظلت الكنيسة تلعنهم لمدة ألفى عام وجعلتهم يتكبدون كل ما هو وارد من قرارات فى مجامعها وفى كتب التاريخ. ونتيجة هذا الجنوح وإنعكاسه على الأتباع فى الغرب هو تباعدهم عن الكنيسة. كما قرر ذلك المجمع إقتلاع اليسار فى عقد الثمانينات ، بما فى ذلك لاهوت التحرر، لكى لا يبقى أى نظام منافس للرأسمالية التى يرتبط بها الفاتيكان إرتباطا وثيقا ؛ كما قرر إقتلاع الإسلام فى عقد التسعينات حتى تبدأ الألفية الثالثة والعالم كله متنصر. كما قرر توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثويكية روما. ولأول مرة فى حياة الكنيسة تقوم بإصدار قرار ينص على مشاركة كافة المدنيين وكافة الكنائس المحلية فى عملية تنصير العالم. لذلك كان من الأجدر تسميته "المجمع المشئوم" وليس الإحتفال بخمسينيته !

إن الذين تابعوا النصوص التى أصدرها مجمع الفاتيكان الثانى هذا سيدركون عملية التزييف الكبرى التى تمت بواسطة وثيقة "فى زماننا هذا" لصالح اليهود، والتى تناقض كلية العقائد المسيحية. كما أنهم يعلمون أن هذا المجمع قد إخترقه الكاردينال بيا الذى تولى عملية تبرأة اليهود بمساعدة القساوسة الذين كانوا من أصل يهودى وإعتنقوا المسيحية وأدوا إلى إنحراف مجمع الفاتيكان الثانى عن عقائده. فلولا هؤلاء اليهود الذين إعتنقوا المسيحية لما وقعت الكنيسة فى مثل هذه التنازلات والتلفيقات فى حق عقائدها ونصوصها.

والستة ملايين يهودى الذين يقال أنهم ماتوا فى المحرقة والذين لا بد من الإيمان بذلك بأى ثمن ، بناء على قرار فرضته محكمة نارنبورج على العالم رقم غير صحيح. فاللافته الأولى كانت تحمل رقم مليون ونصف،بعد التعديل، وفقا للوثائق التى أوردها روجيه جارودى فى كتابه "الأساطير المؤسسة لإسرائيل"، وغيره كثير. فوفقا لوثيقة "فى زماننا هذا" لم تعد الكنيسة تتحدث عن أهمية دورها فى تنصير اليهود وإنما باتت تتطلع إلى اليوم "الذى كل شعوب العالم ستتوجه فيه بالصلاه إلى الرب يسوع بإيمان واحد" ! وهو ما يعنى تنصير المسلمين ، بما أنهم يمثلون أكثر من مليار ونصف، والذين يرفضون عملية تأليه يسوع ، وأنه إبن الله (وهو ما لا يفهمه حتى الأتباع)، ولا يؤمنون ببعثه أو بأنه صعد وجلس عن يمين الآب الذى هو نفسه كما تنص عقيدة التثليث.

إن كل ما يدور على الأرض حاليا منذ خديعة 11/9 وكل ما نجم عنها أليس نتيجة ذلك القرار المشين بتنصير العالم ؟ ألم يحن بعد الوقت لمراجعة كل هذه القرارات العنصرية المجحفة التى ترمى إلى إنتزاع المسلمين من جذورهم وفرض عليهم عقيدة تم نسجها عبر المجامع والبابوات ؟

 

وهناك إحتفالية أخرى قادمة يوم 16 الحالى، تم الإعداد لها فى هيئة الأمم ، للإحتفال بمرور خمسين عاما على وثيقة "فى زماننا هذا" التى "حددت نهاية الكراهية المسيحية ضد اليهود"، على حد تعبير برنار هنرى ليڨى الذى إلتقى البابا فرنسيس فى 9 ديسمبر الحالى ومعه دڨيد روزن كبير الحاخامات والأمريكى مايكل لانداو ، فى إجتماع عمل لتحديد منهج وأهداف ذلك الإحتفال الذى سيقام بالتعاون مع مؤسسة ڨاد ياشيم (متحف المحرقة)، الذى يبدو أنه بات يرشد الفاتيكان ويسحبه من طرف أنفه !!

إحتياطات أمنية فوق العادة :

"روما تحت الحصار"، عنوان تصدّر جريدة أوبسيرفاتور الفرنسية عن حق ! فالإجراءات الأمنية المحيطة باليوبيل متفردة فعلا : فقد تم إغلاق بعض الطرق ووضع مجندين بتسليح عالى فى المواصلات وتم الإتفاق مع قوات الجيش والمسئولين عن الطيران المدنى بعمل "منطقة ممنوعة من الطيران" فوق الفاتيكان وبعض الأماكن ، وعمل إتفاق خاص فيما يتعلق بالطائرات مجهولة الهوية، كما أن كل حىّ ميدان القديس بطرس تم تحديده "منطقة حمراء" مع عمل دوريات مشتركة من البوليس والجيش. وكافة البائعين الجائلين والمرشدين السياحيين لم يعد من حقهم التواجد فى المنطقة. كما تم إعداد فرق من البوليس بالزى الرسمى وغيرهم بالزى المدنى يجوبون محطات المترو وكافة الطرقات. وكل ذلك الحصار ليس من أجل يوم واحد لكنه سيمتد حتى 20 نوفمبر القادم. وكل ذلك بخلاف 2500 "متطوع" من تنظيم "فرسان مالطة السيادى" ، وهو فى الواقع البوليس السرى للفاتيكان، وقد تم تجنيده أيضا لمدة عام لحراسة ميدان سان سولبيس.

خبايا ليست كاثوليكية النزعة :

إن بابوية فرنسيس تبدو على منحنى حاد ، فهناك ثلاثة أحداث تلقى بظلالها القاتمة على البابوية ، وذلك بخلاف كل ما يدينها عبر القرون الماضية. فالحلقة الثانية من فضائح "ڨاتيليكس" تتضمن صدور كتابين يكشفان عن الفضائح المالية مقدمة بالصور من وثائق محفوظة تثبت يقينا "عدم الشفافية وعدم الوضوح والقذارة" داخل الكنيسة، على حد تعبير الصحافة. ورغمها، فهذه الفضائح ليست وحدها هى التى تلقى بتلك الغيوم الداكنة على تلك المؤسسة. ففى 5 أكتوبر وقبل إفتتاح سينودس العائلة ، تقدم المونسينيور كارامْسا بالإعلان عن شذوذه الجنسى وقدم صديقه رسميا ، وهو ما كان يمكن أن يؤثر على السينودس خاصة أنه أعلن هن وجود ثمانية آلاف شاذ فى الفاتيكان، غير أن هذه الجملة قد سُحبت من الإعلام فورا. وهناك الخطاب الذى وقعه 13 كاردينالا تعبيرا عن عدم رضاهم عن سير السينودس وتم الإعلان عنه يوم 11 أكتوبر،  وكان ينتقد الطابع غير الديمقراطى لخط سير السينودس. وكل ذلك الغليان الداخلى الذى يموج فى الفاتيكان ألا يكشف عن إن هناك أشياء مرعبة تدور داخل تلك الجدران المحمية "بورع" شديد ؟!

أما عن وضع هذه الإحتفاليات تحت رعاية عقيدة "الحمل بلا دنس"، فهنا أيضا نلحظ قلفطة صارخة، لأن مريم بلا خطيئة الحمل غير واردة فى الأناجيل، مثلها مثل التحول والبعث، وكلها عقائد نسجت فيما بعد. كما أن عقيدة الحمل بلا دنس وصعود العذراء ترجعان تباعا إلى عام 1854 و1950 ، وهى عقائد مرتبطة بتأليه يسوع الذى تم إختلاقه وفرضه فى مجمع نيقية الأول سنة 335 م. وبما أنهم جعلوا يسوع إنسان حقيقى وإله حقيقى فكان لابد له من أم على نفس المستوى ! مع العلم أن عقيدة صعود العذراء لم يقرها أى مجمع وإنما ترجع لقرار أحد البابوات فى منتصف القرن العشرين !

وعودة إلى اليوبيل، فإن برجوليو لم يقم بمده عبر الكره الأرضية لمجرد أنه يود مشاركة الجميع فى تجربة "الرحمة" كما يقول ، ولكن لتنصير الشعوب. فقد سأل أحد الصحفيين البابا الراحل يوحنا بولس الثانى، الذى كان له يوبيله أيضا، عن رأيه فى ذلك العدد من المسيحيين الذين يغادرون الكنيسة ؟ فأجاب بهدوء باسم : "لايعنينى، ويكفينى كل الذين يدخلون المسيحية فى إفريقيا" !

وبمناسبة إفريقيا، وبخلاف كل أسباب الموت التقليدية من قبيل حمى المستنقعات ومرض نقص المناعة والمجاعات والإرهاب الكنسى للتنصير والإستعمار الجشع منذ خمسة قرون، والتبشير ، فإن المجاعات والموت يجوبان تلك القارة المنكوبة بلا رادع. فهى تعانى منذ قرون من جشع مصيبتين ابتليت بهما : الغرب المسيحى المتعصب، المستحوذ على كل شئ هناك، والمؤسسة الفاتيكتنية التى تشاركه النصاب، إذ أن كلاهما لا ينظر إلى إفريقيا إلا من خلال جشعهم النهم ليس على أنها مجرد قارة وإنما : "أنها قارة ترقد على كنوز متعددة وثروات لا حصر لها" ..

ليت الصور التالية ، وهى نتيجة لعملهم الجشع ، الإستعمارى والتبشيرى ، والتصرف والكيل بمكيالين ، ليتها تفتح تلك المدعوة : "ابواب الرحمة" وتحث ضمائرهم وتجعلهم يفكرون ويتصرفون إنسانيا...

  

 

 

 

زينب عبد العزيز 

13   ديسمبر 2015

رابط مقال :"النظام العالمى الجديد ودين أستانا"