الفاتيكان وعصر التنوير..

 

تساءل العديد من القراء عما جاء فى مقال "خطاب ال 138 والفاتيكان" ومطلب البابا بنديكت السادس عشر بأنه "يتعين على المسلمين أن يسلكوا الطريق الذي سلكته وأتمته الكنيسة الكاثوليكية تحت ضغوط عصر التنوير"، وعبارته الأخرى والأكثر وضوحا: "أن العالم الإسلامى يجد نفسه اليوم فى حاجة ملحّة أمام مهمة شديدة الشبه بتلك التى تم فرضها على المسيحيين إبتداء من عصر التنوير، والتى أتى لها مجمع الفاتيكان الثانى بحلول جذرية للكنيسة الكاثوليكية بعد أبحاث طويلة مضنية"..

لذلك سنتناول هنا موضوع " الفاتيكان وعصر التنوير" باختصار شديد أو بالقدر الذي يسمح به تناول عدة قرون فى بضعة صفحات! ومن هنا سينقسم التناول إلى جزئين أساسيين، الفاتيكان كدولة وكرسى بابوي، ثم عصر التنوير، وتسبقه نبذة عن عصر الظلمات الذي كان سببا فى انطلاقة واستمرار عصر التنوير..

1 ـ الفاتيكان:

ينقسم مسمى الفاتيكان إلى جزئين: مدينة دولة الفاتيكان، ويمكن تشبيهه بالبنتاجون، من حيث أن له قوانينه الغامضة، المقلقة على الأقل كنظام دولة لا دولة لها، وكل الذين ينتمون إليه يميلون إلى الحذر والإبهام.. فدولة مدينة الفاتيكان هذه تنعم بوضع دولى لا مثيل له فى العالم، من حيث تاريخها المثقل بالدماء عبر القرون، ومن حيث حداثة ميلادها كدولة، إذ تم إنشاؤها فى 11/2/1929! وذلك بناء على معاهدة لاتران التى حددت مكانها ومساحتها فى تلك الهكتارات الأربعة وأربعين، على أحد تلال روما السبعة والمسمى فاتيكانوس، ومنه اسم الفاتيكان. فهى ليست دولة بمعنى الكلمة، وإنما هو وضع يسمح للمؤسسة الكنسية بالتدخل في الشؤن الدولية. لكن ما من أحد يعترض على عدم المشروعية هذه، والجميع يغضون الطرف.

والمسمى الآخر، وهو: الكرسي الرسولى أو البابوي، نسبة إلى بولس الرسول، ويترأس إدارة الشؤن الدينية المتعلقة بالكنيسة الكاثوليكية في العالم. والاثنان، مدينة دولة الفاتيكان والكرسي الرسولي يترأسهما البابا. وهو ما يكشف عن مدى إستمرار تمسك البابوية بالسلطة المدنية أو الدنيوية، التي انسحبت منها، على الأقل اسما، بموجب معاهدة لاتران عام 1929.

وترجع هذه التقسيمة أو تحديد مساحة الفاتيكان، وكانت تسمى قبل ذلك "الممالك البابوية"، إلى الوضع التاريخي، إذ كانت تلك الممالك تضم مساحات شاسعة، إستحوذ عليها البابوات على مر التاريخ، بناء على وثيقة مزوّرة، قام بتزويرها أحد البابوات فى عام 754 م، وتسمى " هبة قسطنطين".. وتعنى أن الإمبراطور قسطنطين كان قد وهب البابا سيلفستر الأول، عام 335، أى بعد تأليه السيد المسيح بعشرة أعوام..  بما أن البابا خليفة القديس بطرس، فإن له الأولوية على البطرياركات الشرقية التالية: إنطاكيا، والإسكندرية، والقسطنطينية، والقدس. وكذلك الأولوية على كافة أسقفيات العالم. وتشير الوثيقة إلى أن قسطنطين قام بالتنازل للبابا عن قصر لاتران، وهو أكبر وأجمل قصر شيد حتى ذلك الوقت. وتنص على أن بازليكا مدينة لاتران فى روما والتى بناها قسطنطين ستترأس كافة الكنائس حتى كنيستا القديس بطرس والقديس بولس. وهي الكنيسة التي أصبح نيكولا ساركوزى رئيسا فخريا لها يوم الخميس 20 ديسمبر 2007..

وتواصل وثيقة "هبة قسطنطين" المزورة تزويد كنيستا بطرس وبولس بممتلكات ثرية. كما وهب الإمبراطور للبابا لقب رئيس أساقفة روما، الذي يمكّنه من استقبال أعضاء مجلس الشيوخ، وأنه سيحصل على نفس التكريم والمميزات التى يحصل عليها أعضاء مجلس الشيوخ. ومثلها مثل الإمبراطور، فإن كنيسة روما سوف يكون لها الحاشية الخاصة بها، وطاقم الضيافة الخارجى والداخلي، والحرس الداخلى والخارجي. كما سوف ينعم البابا بنفس الحقوق الفخرية والتبجيلية كالإمبراطور، ومن بينها إرتداء التاج الإمبراطورى والرداء القرمزى وإجمالا كافة العلامات والشارات الخاصة بالتمييز الإمبراطوري. أى إن كل الهيلمان البذخي الذي ينعم به قادة تلك المؤسسة مبنى على وثيقة مزورة وهو أبعد ما يكون عن تعاليم السيد المسيح عليه السلام..

وتضيف الوثيقة أن الإمبراطور قد أضفى على البابا شرف التكريم الذي يحصل عليه الفارس وجواده. كما تضيف الوثيقة أن الإمبراطور قسطنطين قد منح البابا وكل من يخلفونه من بعده إضافة إلى قصر لاتران مدينة روما وكل المقاطعات التى من حولها وكافة مدن إيطاليا وكافة المناطق الغربية للإمبراطورية.

وظل العمل بهذه الوثيقة المزوّرة ساريا ومستخدما إلى أن قام العالِم لورنزو فالا (L.Valla) وأثبت تزييفها عام 1442. إلا أن المؤسسة الكنسية لم تعترف بتزويرها سوى فى القرن التاسع عشر، ورغمها، لم تتنازل عما استولت عليه زورا وبهتانا. ويمثل البحث الذي أجراه فاللا حجر الأساس لتيار نقد النصوص والوثائق الدينية الذي وصل به القس ريشار سيمون إلى القمة فى القرن السابع عشر.

وظلت هذه "الممالك البابوية" حتى الثورة الفرنسية، عندما تم إرسال الجنرال نابليون بونابارت وإستولى على روما فى 6/2/1798، وطالب البابا بالتنازل عن السلطة المدنية. وتواصل الصراع البابوى للحفاظ على السلطتين حتى تم توحيد إيطاليا وتحديد مقر البابا أيام موسولينى و إنشاء "مدينة دولة الفاتيكان" عام 1929.

ولم تكن وثيقة "هبة قسطنطين" Constatine's Donation)) هي الوثيقة المزورة الوحيدة في تلك المؤسسة الكنسية وإنما هناك عدد لا حصر له من الوثائق المعروف باسم "القرارات المزورة " False Decretals ) ) والتى أضفوا عليها عبارة " التزوير الورع " خجلا وتمويها Pious Forgery ) ) .. وهو ما يكشف عن الأساس الفاسد وغير الشرعى الذي يرتفع عليه بنيان ذلك الصرح الفاتيكاني..

2 ـ عصر الظلمات:

عصر الظلمات هى تلك الفترة الممتدة فيما بين الإعتراف الرسمى بالمسيحية كديانة وحيدة للإمبراطورية الرومانية، فى أواخر القرن الرابع، حتى بدايات عصر التنوير فى القرن السابع عشر، والتى تمت فيها محاربة العلم ومنع التعليم إلا على الكنسيين، بل لقد تم منع الأتباع من قراءة الأناجيل. ويندرج في هذه الفترة كل ما اعتراها من أحداث خاصة فى القرون الوسطى، كمحاكم التفتيش والحروب الدينية والحروب الصليبية، التى تم توجيهها للمسلمين وللمسيحيين المنشقين على كاثوليكية روما، وحرق الناس أحياء وحرق المكتبات والكتب، وخاصة ما يطلقون عليه "عام الخلاص" سنة 1492، الذي تخلص فيه التطرف الكنسي من المسلمين واليهود في إسبانيا، ومحارق البروتستانت فى فرنسا وأوروبا.

فلقد تم حرق ثمانية قرون من الثقافة الإسلامية وكتب الترجمة التى قام بها المسلمون من اليونانية والتى تمثل، فى واقع الأمر، القاعدة الثقافية التى قامت عليها أوروبا الجاهلية أو الهمجية آنذاك. فقد إختفى كل ما كتب من عام 711 إلى عام 1492.. ومما له مغزاه فى علم الأخلاق والتسامح أن يحتفلوا عام 1992 بمرور خمسمائة عام على إقتلاع الإسلام من إسبانيا..

ومن أشهر الوسائل التى استخدمها الفلاسفة والعلماء لمحاربة عصر الظلمات ما يعرف بإسم "الكتابات السرية" التى كان يتم تداولها سرا كمخطوطات، بعد ان أطبقت الكنيسة يدها على المطبعة والمطبوعات بالخطب الرسولية ولم يعد من الممكن طباعة أى كتاب إلا بموافقتها. ومن أشهر هذه الكتابات "وصية الأب جان ملييه" (J.Mesliers) ، و "دراسة الدين " للفيلسوف دي مارسيه Du Marsais) ) ، و"موعظة الخمسون" للفيلسوف الأديب الساخر فولتير.

3 ـ عصر التنوير:

عبارة عصر التنوير تعنى إختصارا الحركة الفكرية والثقافية والفلسفية التى سيطرت على أوروبا عامة، وخاصة فى فرنسا، فى القرن الثامن عشر، وإن كانوا يحددونها أساسا فيما بين عام 1685 و1815. وقد تركزت جهودهم لمحاربة القهر والطغيان الكنسى المتواصل، بل لقد تمخض عن هذا التيار التنويرى عبارة "معاداة الإكليروسية" anticléricalisme ) ) التى صارت مذهبا ممتدا  حتى يومنا هذا.ومن أشهر العبارات التى أُطلقت آنذاك، ما قاله الأديب الفرنسى إميل زولا (1840-1904) : " إن الحضارة لن تصل إلى كمالها حتى يسقط آخر حجر من آخر كنيسة على آخر قسيس" (الأناجيل الأربعة ، 1899) ..

وأول ما يجب تحديده هنا هو عدم جواز إطلاق عبارة "عصر التنوير" على أى مجال إسلامي، فالإسلام لم يعرف فى حياته "عصر الظلمات" التى مارستها المؤسسة الكنسية لكي يتحرر المسلمون من هذه الوصمة، مثلما يقول البعض أو يطالب بالتنوير في البلدان الإسلامية!! فقد مارست المؤسسة الكنسية عصر الظلمات بالفعل بينما بدأ الإسلام بفعل أمر "اقرأ"، كما فرض العلم والتعليم ونشره على كل مسلم ومسلمة.

ومن أهم ما أعلنه ديكارت فى فرنسا أن النهضة الفلسفية يجب أن تكون عِلمانية، أى قائمة على العلم والمنطق وبعيدة عن الدين ورجاله، رافضا أن تكون الفلسفة مجرد "خادمة للاهوت" ـ فكثيرا ما تم استخدام الفلاسفة حتى يفلسفوا ويمنطقوا ما لا فلسفة ولا منطق له.. والظروف الخاصة بفرنسا ومركزيتها وكاثوليكية الدولة وعدم التسامح الديني، وموقفها من حركة الإصلاح الدينى ومحاولة إقتلاع البروتستانت، جعلت من الفلسفة فى ذلك البلد فلسفة معادية للكنيسة بصفة عامة ، خاصة بعد تقدم العلوم اللغوية ودراسة النصوص الدينية وترجماتها .

وبخلاف التقدم فى العلوم فإن أهم ما اتى به عصر التنوير هو دراسة هذه النصوص الدينية ومقارنة الترجمات التى تمت عن اللغة اليونانية ، المكتوب بها كل النصوص الإنجيلية والتراثية ، وإكتشافهم عمليات التغيير والتبديل والتحريف ، وأخطاء الترجمة المتعمدة والتى بُنيت عليها عقائد متعددة ، كما قاموا بعمل حصر للتناقضات الواردة بالأناجيل ، كالتناقض فى موعد ومكان ميلاد يسوع، وإختلاف مدة تبشيره، واختلاف شجرة العائلة وامتدادها، وعدد الحواريين، واختلاف يوم وموعد صلبه وبعثه بين الأناجيل، الخ.. ولا يسع المجال هنا لمزيد من الأمثلة، لكنهم أثبتوا أنها بالآلاف. كما أثبتوا أن التاريخ الكنسى ملىء بالأساطير والخرافات، لذلك تضافرت جهود الكثير من العلماء لإعادة صياغته. وهو ما نجم عنه محاولات البحث عن يسوع التاريخى والفصل بينه وبين يسوح الإيمان أو كما تقدمه الكنيسة! وهو التيار الذي واصل أعماله معهد "ويستار" وندوة عيسى Jesus Seminar)) التى إقيمت فى مطلع التسعينات من القرن الماضي بأمريكا وأثبتوا فيها أن 82 % من الأقوال المنسوبه لعيسى لم يتفوه بها، و86 % من الأعمال المنسوبة إليه لم يقم بها. ولا تزال أعمالها تتواصل لإثبات صحة الأماكن التي تنقّل بينها.

ويعد القس ريشار سيمون (1638ـ1712) أشهر من إرتبط إسمه بهذا المجال فى فرنسا، إذ أرسى قواعد نقد النصوص الإنجيلية وكيفية إقرار درجة مصداقيتها وأصالتها بعيدا عن أية تأثيرات، بل لعله أول من أثبت أن موسى ليس هو كاتب أو مؤلف الأسفار الخمسة خاصة إنه يتحدث عن وفاته ودفنه.. ومن مؤلفات ريشار سيمون: "تاريخ نقد العهد القديم" (1678)، و "تاريخ نقد العهد الجديد" (1689)، و"دراسة ترجمات العهد الجديد" (1690)، و "تعليق على العهد الجديد" (1693). كما قام بالفحص الدقيق للوثائق مشيرا إلى عمليات التعديل والتبديل التى تمت وعدم التوافق التاريخى بين الأحداث المذكورة والأحداث الفعلية.

ومن أهم ما أثبته العلماء الدارسين لنصوص العهد الجديد أن معاداة السامية ترجع إلى الأناجيل وأعمال الرسل وخاصة إلى بولس. وهو ما كانت له آثاره فى القرون التالية. ومع تزايد الإعتراضات البروتستنتية والسوسنية، أتباع سودزينى، اللذين رفضوا تأليه المسيح، وان مريم "أم الله"، والأسرار الكنسية، وخاصة الإفخارستيا وفكرة أن المناولة أو قطعة البسكويت "تتحول إلى لحم ودم المسيح فعلا وحقا" واستبعدوا أية قيمة للتراث الكنسي. وكان الفيلسوف سْبينوزا، منذ عام 1670، قد قام بمهاجمة المعجزات والأسرار ومناقشة مصداقية النصوص ليصل إلى " أن المسيحية ليست سوى ظاهرة تاريخية مرتبطة بحقبة زمانية معينة"..

وتمثل "الموسوعة" الفرنسية وما واكبها من معارك (1751ـ1766) أهم سلاح تم إستخدامه فى عصر التنوير، بتضافر جهود العديد من العلماء والفلاسفة، لنشر العلوم الحديثة للقارىء فى مختلف مجالاتها، والإطاحة بالأفكار المسيحية التى لا يتقبلها العقل وكل ما يفرضه الدين من أساطير ومفاهيم لا علاقة لها بالعقل والمنطق، وخاصة عدم التسامح والاستبداد. مما تولد عنه تيار الإلحاد فى أوروبا والأزمة المعروفة باسم "أزمة المعتقد". فالإلحاد لم يكن معروفا فى فرنسا قبل النصف الثانى من القرن السادس عشر. والبنيان السياسى والأخلاقى والدينى فى القرن السابع عشر كان قد تصدع من جراء هذه الأزمة وأدت بالفلاسفة وقطاع كبير من طبقة المثقفين برفضهم كلية للحلول اللهوتية وسلطة الكنيسة.

وهنا لا بد من توضيح أنه يجب الفصل بين معنى عبارتي "مقاومة الإكليروس" و " الإلحاد " : فالأولى تعنى رفض الفكر الكنسى ومحاولة رجال الدين السيطرة على المجتمع ، بينما الثانية تعنى إنكار وجود الله .

 

وقبل الربط بين هذه الإشارات التوضيحية وخطاب ال138 مسلما إلى البابا، لا بد من الإشارة إلى المجامع الكنسية فى عجالة، والفرق بين مسمى مجمع عادى، أى ينعقد لرأب أية مشكلة خاصة بالدين والأتباع، وهى تقريبا خاصة بكل كنيسة على حدة، وبين المجامع المسكونية، أى العالمية، بمعنى أنها ملزمة لكافة الكنائس والملوك والرؤساء المسيحيين، بموجب إعتراف الجميع بسيادة بابا روما.

ومن أهم هذه المجامع "مجمع ترانت" الذي بدأ عام 1545 وإمتد إجتماعه 18 عاما على 25 دورة، وتتالى عليه ثلاث باباوات، وتنقل بين ثلاث مدن، وإنتهى عام 1563. ومجرد إلقاء نظرة على التواريخ ندرك مواكبته لأية أحداث وأهمها محاربة البروتستنتية. ومن أهم قراراته فرض أن الكتاب المقدس منزل وأن " الله هو المؤلف الوحيد له"! وأصر على تأكيد الخطيئة الأولى والأسرار السبعة وفرض "حلول المسيح فعلا وحقا" فى الإفخارستيا، كما فرض "أن ممتلكات الكنيسة هي ملكية شخصية لله"!! ورفض مطلب البروتستانت ليكون من حق الجميع الحصول على نسخة من الإنجيل وقراءته بلغة كل شعب.. وهو ما يكشف إلى أى عهد كان محرّما على الأتباع قراءة الأناجيل حتى لا يكتشفوا ما تم بها من تغيير أو متناقضات..

وقد إنعقد مجمع الفاتيكان الأول (1869- 1870) للإحتجاج على تقليص "الممالك البابوية" و إدانة الأخطاء العصرية والعلمانية والتقدم العلمى أوالمطالبة بالحريات وكل ما هو ناجم عن الثورة الفرنسية، كما أقر رئاسة بابا روما على كافة الكنائس، معصوميته من الخطأ بأثر رجعى بما أنه "الممثل الرسمي لله" على الأرض.

أما مجمع الفاتيكان الثاني (1963ـ1965) فهو يعد أول مجمع هجومي في التاريخ، وجعل "مريم أم ألله " و "أم الفادي"، وبصفتها "أم المنقذ" فهى تساهم فى عملية الفداء مثلها مثل ابنهاـ وهو ما يخالف عقيدة أن المنقذ الوحيد لخلاص البشر هو المسيح وفقا للأناجيل، وطالب بمحاصرة الإلحاد، وتجديد الخطاب الديني، وغرس الإنجيل فى كل بلدان العالم اعتمادا على الغرس الثقافي، واقتلاع اليسار ولاهوت التحرر فى أمريكا اللاتينية، واقتلاع الإسلام!

وترد عبارة تنصير المسلمين بوضوح لا لبس فيه، فى قرارات الدورة الخامسة، البند السادس عشر، إذ يقول النص: "إلا أن هدف الخلاص يتضمن أيضا الذين يعترفون بالخالق، ومن بينهم أولا وأساساً المسلمين، الذين بممارستهم إيمان أبراهام، يعبدون معنا الإله الواحد، الرحيم، الذي سيحاكم الناس آخر يوم".. وهي الجملة التي صيغت عليها وثيقة" في زماننا هذا"، والتى استبعد فيها الفاتيكان المسلمين من سلالة سيدنا إبراهيم ووضع الإسلام ضمن عقائد جنوب آسيا!!

بعد هذا التحايل على الدين لتبرأة اليهود من دم المسيح وفقا لما يرد فى أكثر من مائة آية، هل سيتم سحب كل هذه الآيات من الأناجيل؟ هل سيتم رفع طريق الآلام من الكنائس؟ هل سيقال للكاثوليك أن الكنيسة خدعتكم منذ عشر قرون لتدافع عن مصالح دولة غازية مستعمِرة ومغتصبة لأرض فلسطين ؟ هل سيتم الإعتراف لهم بأن المسيحية الكاثوليكية الرومية هى إستمرار للعديد من الوثنيات القديمة؟ وخاصة هل سيقال لهم أن عقيدتهم قد تم إنشاؤها بعد عام 70 وهدم المعبد، وأن من أنشأها هم اليهود، وأن العهد القديم كُتب فى المدرسة الماسّورية عام 930 م، وأن المسيحيين فى القرن الأول وما بعده لم يكن لديهم أية دراية عن يسوع المصلوب وكانوا يعبدون الإله آتيس بدليل أن مجمع نيقية الأول عام 325 لم يذكر فى عقيدة الإيمان عملية صلب يسوع وإنما ذُكرت فى مجمع خلقيدونيا عام 351 ؟!.

مثل كل هذا التلاعب بالدين مطلوب من المسلمين أن يقوموا به في الإسلام، وأن يحذفوا ما يشاء البابا بنديكت من القرآن، ويلغوا التوحيد بالله لنعبد معه "ربنا يسوع المسيح" الذى تم تأليهه فى مجمع نيقية عام 325، و "نُحب القريب" الذى أجبرنا على إقتلاع ديننا ونشكره على "الخلاص" منه، وللبابا الحمد !!!

وللعلم: إن القرار السادس من قرارات مجمع الفاتيكان الثاني، في البند الثالث من الفصل الأول يقول: "يسوع المسيح أُرسل إلى العالم كوسيط بين الله والبشر. وبما أنه الله فإن كل الكمال الإلهي يسكن فيه جسديا"! فهل ذلك هو ما يؤمن به المسلمون، يا أيها الموقعون على أننا نعبد نفس الإله؟!.

لقد أعلن الكاردينال وولتر كاسبار فى المؤتمر الذى عقدته منظمة سانت إيجيديو، وهى أكبر منظمة تبشيرية تابعة للفاتيكان، من 21 إلى 23 أكتوبر، فى المدة بين تقديم ذلك الخطاب المشبوه وإنتظار رد البابا، قائلا: "فيما يتعلق بالمسلمين إن القيام بعمل تفسير وتعديل للقرآن بناء على مواقف تاريخية وثقافية، دون التخلى عن المضمون الأساسي، ليست مسألة مغلقة بل على العكس مفتوحة ومتاحة، وهو نفس رأى البابا قبل وبعد خطابه في راتسبون".. وهو ما يعنى ضمناً أن خطابه هناك كان متعمدا مقصوداً، وأن سبّه للإسلام وللنبى عليه صلوات الله كان متعمداً..

 

والأمر مرفوع إلى كل من يجد فى نفسه بقية من إيمان، في جميع المؤسسات الإسلامية، وكل المسلمين أينما كانوا، للدفاع عن الإسلام.. فلقد تم تحديد موعد لقاء أعضاء "النخبة المختارة"، التى حظيت برضاء الفاتيكان للإجتماع باللجنة الكنسية الموقرة التى ستتدارس معهم كيفية تنفيذ قرارات" قداسة البابا" لعمل تفسير جديد للقرآن بعد تعديله وحذف ما لا يروقه فيه، وذلك فيما بين أواخر فبراير 2008 وأوائل مارس، أى قبل سفر قداسته إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليعلن فى الخطاب الرسمى الذى اختار وحدد أن يلقيه فى "جراوند زيرو" ، أى مكان الثلاثة أبراج التى نسفوها فى الحادى عشر من سبتمبر 2001 ليتلفعوا بشرعية دولية لاقتلاع الإسلام، وهو ما يدور حاليا بصورة لايجروء أى إنسان على إنكارها !..

وحسبي الله ونعم الوكيل..

                                                        زينب عبد العزيز

                                                        11  أغسطس 2008