أوباما.. بنديكت 16.. والأوسكار!

                                                                       

 منذ الرابع من يونيو 2009 وحتى اليوم (11/6/2009)، لم يتوقف سيل التعليقات حول الخطاب القائم على المغالطات، الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما فى جامعة القاهرة، دون أن يوجهه – على غير العادة، لا للحضور ولا للدولة المضيفة، وكأنه يضعهم منذ الوهلة الأولى فى حيّز التبعية الذي إرتضوه لأنفسهم طواعية، وبذلك فعليهم الإستماع ثم القيام بالتنفيذ..

وعلى الرغم من أن هذا السيل من الكتابات قد إمتد من التهليل اللزج إلى التحليل الرصين، إلا أن أحدا لم ينتبه إلى التوافق الشديد بين كلٍ من أوباما وبنديكت 16، فى هذه المسرحية القديمة-الجديدة التى يؤديانها، رغم إختلاف المجالين، ببراعة جديرة بالأوسكار! وقبل أن ننتقل إلى عرض التوافق الفاتيكانى، نتناول فى عجالة أهم المغالطات الواردة في الخطاب الأمريكي:

تحت شعار تسويقى قائم على عبارة "المصالح المشتركة"، وعرض سريالي طُمست فيه معالم الواقع الإستعمارى التدميرى الأمريكى، وعبارات بهلوانية الرشاقة، تحدث أوباما عن الحرب الشاملة على الإرهاب وأنها لن تتوقف! ومعروف أن عبارات الإرهاب والتطرف والعنف تتساوى لديه وهى المسميات التى تم إلصاقها بالإسلام منذ أحداث مسرحية 11 سبتمبر 2001، الثابت صناعتها محلياً، للتلفع بشرعية دولية لإقتلاع الإسلام والمسلمين.. وذلك تنفيذا لقرارات مجمع الفاتيكان الثانى (1965).. أى أن هذه الحرب المعلنة على الإسلام لن تتوقف وإنما اتخذت مسميات تمويهية جديدة!

وتحدث عن القضية الفلسطينية بأن طالب الفلسطينيين بوقف "العنف"، ولم يشر إلى جرائم الحرب والقتل العرقى والإبادة الجماعية التى يمارسها الصهاينة ضد الفلسطينيين، على مرأى ومسمع من العالم أجمع، ولم يذكر الحصار المفروض على غزة للآن خاصة بعد دكها لأكثر من ثلاثة أسابيع بالفوسفور الأبيض والأسلحة المحرمة دوليا، دون أن يعاقب الصهاينة، وإكتفى بالإشارة إلى حل الدولتين! وعدم مصداقية هذا الهرج أن أرض فلسطين قد تم إحتلالها بوحشية وقحة لم تترك منها إلا الفتات الذي ينهشونه خطوة خطوة.. وقد تم إحتلال القدس تماما عام 1967، ومنذ عام 1980 جعلها الصهاينة العاصمة الموحدة لدولة إسرائيل.. وقد أعلن نتنياهو بمناسبة "العيد ال 42" لإحتلال الجزء الشرقي من القدس قائلا: " القدس الموحدة هى عاصمة إسرائيل. إن القدس كانت وستظل دوما لنا. ولن يتم تقسيمها أو انقسامها أبدا بعد الآن".. وبإقتراح أوباما مباحثات مباشرة بين الفلسطينيين والصهاينة واستبعاد الولايات المتحدة فقد ضمن غرق الملف نهائيا في قاع الوحل!

وتحدث عن السلاح النووى فى الوقت الذى يقود فيه الأنظمة العربية، الضامنة للوجود الصهيوني، إلى مساندة حربه المرتقبة ضد إيران، دون الإشارة إلى الترسانة النووية التى يمتلكها الصهاينة والتى تمثل خطراً حقيقياً على كل منطقة الشرق الأوسط بل وعلى العالم أجمع.. وتناول الحديث عن الديمقراطية دون الإشارة إلى أنها كانت الذريعة الكاذبة لدك العراق إلى ما قبل العصر الحجري، كما غض الطرف فى نفس الوقت عن قوانين "باتريوت 1 وباتريوت 2" التى تكبّل حريات مواطنيه بصورة لا سابقة لها في التاريخ!

أما حديثه عن حقوق المرأة فقد تناسى، المسلم السابق، أن تعاليم الإسلام خاصة بالرجل والمرأة على السواء ولا تفرق بينهما إلا في الميراث والشهادة، وكلاهما مشروح سببه بوضوح لا لبس فيه ولا يمس كرامة المرأة أو مركزها، وأن القرآن الكريم بدأ بفعل أمر: " اقرأ"، وهو أمر موجه للجميع، وكل ما طرحه، برشاقته المحسوبة، فى هذه النقطة فيدخل فى نطاق مؤتمرى المرأة والسكان.. وأهدافهما الإنفلاتية معروفة! ولا أقول شيئا عن الفتات التى ينوى تقديمها لشعوب قامت سياسة بلده بتحطيمها وأبادت بنياتها الأساسية ودمرت إقتصادها واستولت على ثرواتها وحولهتا إلى خرائب غير صالحة للعيش الآدمي، وحتى وإن كانت هذه الفتات تعد بالمليار الذى تشدق به، فما جدواها خاصة وأنها وعود ناجمة عن دولة مفلسة.. مفلسة فى كل شىء إلا من العنف والغطرسة وتلال من الأكاذيب!!

وإذا ما قمنا بتلخيص الخطاب فى كلمات لوجدنا أنه أتى ليحيطنا علماً بأنه فُرضت علينا الشراكة، بمعنى أن تكون لنا نفس الإهتمامات ونفس التحديات، وأن نقوم بتنفيذ مطالب السيادة الأمريكية الظالمة بأيدينا، أو بقول آخر: جاء يحيطنا علما بأنه علينا التواطؤ فى تحالف عربى-أمريكى-صهيونى ضد الإسلام والمسليمن.. أو بقول أوضح: جاء يسند إلينا مهمة تصفية العالم الإسلامى والعربى بأيدى المهرولين من أبنائه، من خلال لعبة "حوار الحضارات"، التوأم الجديد للعبة "حوار الأديان" التي انفضح أمرها..

وعبارة "حوار الأديان"، لمن لا يعرف معناها، هى أحد قرارات مجمع الفاتيكان الثانى (1965) الذى كان قد قرر إقتلاع اليسار فى عقد الثمانينات؛ وإقتلاع الإسلام فى عقد التسعينات، حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم؛ وقرار تنصير العالم تطلب إنشاء لجنتين: إحداهما لتنصير الشعوب، والأخرى للحوار.. والحوار فى النصوص الفاتيكانية يعنى "فرض الإرتداد والدخول فى سر المسيح" كما يعنى "كسب الوقت حتى تتم عملية التنصير".. ومن بين قراراته أيضا: فرض الاشتراك في عمليات التنصير على كافة المسيحيين فى العالم، كما فرض الإستعانة بالكنائس المحلية فى عمليات التبشير والتنصير. الأمر الذي يضع ولاء الأقليات المسيحية محل نظر بالنسبة للبلدان المسلمة التى يعيشون فيها..

وإستكمالا لوضوح الرؤية بالنسبة للقارئ غير المتابع للأحداث، فعندما لم يتم تنصير العالم وفقا للترتيبات المفترضة، قام مجلس الكنائس العالمى، فى يناير 2001، بإسناد مهمة اقتلاع الإرهاب والعنف، الذي هو الإسلام في نظرهم، إلى الولايات المتحدة، بحكم أنها باتت أقوى دولة بعد أن تم إقتلاع اليسار، على أن يتم ذلك فى هذا العقد أى في غضون عام 2010.. وفى 11 سبتمبر من نفس عام 2001 إختلقت السياسة الأمريكية مسرحيتها الشهيرة، القائمة على نظرية التدمير تحت السيطرة، للتلفع بشرعية دولية لاقتلاع الإسلام والمسلمين.. وتم إلصاق مسمى الإرهاب والعنف بالإسلام بشتى الوسائل التى يمكن أو لا يمكن تصورها..

ولمن لا يذكر أو لم يعاصر الأحداث فى عقد الثمانينات، أوضّح فى عجالة أن إقتلاع اليسار قد تم بتضافر الجهود بين البابا السابق، يوحنا بولس الثانى، والرئيس الأمريكى السابق دونالد ريجان، بالتواطؤ مع الرئيس السوفييتي جورباتشوف.. فبلا عميل أو طاقم من العملاء فى مختلف المجالات، داخل المسرح الذي يتم العبث فيه، لا يمكن لقوى الشر مجتمعة أن تحقق أغراضها..

ولكل من فاته متابعة خطب البابا بنديكت 16 أثناء رحلته إلى الأراضى المقدسة من 8 إلى 15 مايو الماضى، أى منذ أقل من شهر تقريبا قبل خطاب أوباما، نشير بإقتضاب إلى النقاط المشتركة التى تناولاها –رغم التفاوت الواضح بينهما شكلاً وأسلوباً:

*  بدء حوار مع الإسلام بأسلوب جديد بعيدا عن إنقسامات الماضى

*  إقتراح الأراضى المقدسة كمكان للتعايش السلمي بين اليهود والمسيحيين والمسلمين

*  توضيح أن العنف والتطرف يسيئان إلى الإسلام

*  إنقاذ حل الدولتين فى المشكلة الإسرائيلية الفلسطينية 

*  المطالبة بحرية العقيدة وحرية إختيار الدين، كما أوضحها كلا منهما تحديداً، وإحترام حقوق الإنسان فى

   المجتمعات الإسلامية مع إتاحة فرصة أكبر للديمقراطية ولتحرير المرأة

*  الإعتراض على التسليح والتسليح النووى وعلى إستخدام العنف لحل الخلافات، مع التلويح لإيران..

وكل هذه النقاط المشتركة بين الخطابين تفسر الترحيب الشديد الصادر عن الفاتيكان، بل أن كثير من الخبراء يشعرون "أن ثمة شىء ما يتم الإعداد له فى الخفاء".. بل أنها توضح لماذا لم يعلن البابا معارضته صراحة لموقف أوباما من الإجهاض ووسائل منع الحمل، وإنما تمالك من أجل منفعة مشتركة أكبر بكثير..

وقد علّق الأب جيوزيبى صرّاف، أسقف الكلدانيين فى القاهرة، لمكتب الإستعلامات الدينية ((SIR قائلا: "إن الرسالة الناجمة عن الخطاب تعنى العمل معا لإيجاد حلٍ لبرنامج متكامل: الديمقراطية، الإرهاب، حرية العقيدة، حقوق الإنسان، كرامة المرأة، العولمة، وكلها قضايا فى قلب الصراع بين المعتدلين والأصوليين فى العالم الإسلامى. نرجو ان يتمكن الإسلام والعالم العربى من التقاط هذه اليد الممدودة"..

أما مندوب الفاتيكان بالأراضي المقدسة، الأب بيير باتستا بيتزابللا، فقال: "نحن حيال تغيير استراتيجي للأمريكان، وهو تغيير سيتم الترحيب به فى العالم العربى. إن خطاب الرئيس الأمريكى شديد الإتزان، بتأكيده على ثبات الروابط مع إسرائيل وفى نفس الوقت تبنى موقفاً جديداً مع العالم العربي، وهو ما سوف يوجه إنطلاقة جديدة للبحث عن حل للمشكلة الرئيسية: الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" ..

ولعل أهم من أدرك الوضع وعبر عنه بوضوح هو الأب جيمس ماسّا، المسؤول عن الحوار بين الأديان فى أسقفية الولايات المتحدة، فقد أشار إلى "التوافق الشديد الوضوح" بين خطاب أوباما ورسالة بنديكت 16 التى تضمنتها خطبه إلى المسلمين أثناء رحلته إلى الأردن وإسرائيل الشهر الماضى قائلا: " إن التوافق الشديد الوضوح بين الإثنين يكشف عن منظور جغرافي-سياسي مغرى: أشبه ما يكون بموقف يوحنا بولس الثانى ورونالد ريجان عندما تكاتفا ووحّدا قواهما منذ ربع قرن مضى ليهزما الشيوعية. فالبابا والرئيس يمكنهما أن يتكاتفا لبناء تقارباً تاريخياً بين الإسلام والغرب"..

ومعنى هذا "التقارب التاريخي" لم يعد بحاجة إلى أى توضيح، فما يدور حاليا هو محاولة مستميتة إعتمادا على التواطؤات الداخلية فى المجالات السياسية والدينية لتنفيذ أحد قرارات مجمع الفاتيكان الثانى لإقتلاع الإسلام بأيدي بعض المسلمين.

أما الأب الجزويتى الأسترالى دانيال ماديجان، المخضرم فى الحوار الكاثوليكى الإسلامى، فقال : "إن هناك إشارات مبشّرة بالخير من جانب حفنة من القيادات الإسلامية والثقافية ، المستعدون للقاء البابا والرئيس فى منتصف الطريق"، مشيرا إلى وثيقة "كلمة سواء" التى قام الأمير غازى بن طلال بتولى حملة صياغتها بكل ما بها من تنازلات دينية، إعتبرها الفاتيكان نتيجة إيجابية لهجوم البابا على الإسلام فى  محاضرة راتسبون التى لم يعتذر عنها، ثم أعقب هذه الوثيقة الفضيحة قمة دينية فى مدريد برئاسة منظمة العالم الإسلامى، وأخرى فى هيئة الأمم..

ويعيد الأب ماسّا تأكيد وجهة نظره قائلا: "آخر مرة تحالف فيها أحد البابوات وأحد الرؤساء فى واحدة من أهم وأضخم التغيرات التي تمت في العالم، كان ريجان ويوحنا بولس الثانى فى مواجهة الشيوعية. وهذا التحالف قد أظهر فاعليته.. فاعليته القصوى"!! وهذه "الفاعلية القصوى" التى يتغنى بها الأب ماسّا تشير إلى إقتلاع الشيوعية فعلا كنظام بديل للرأسمالية، مثلما يحاولون إقتلاع الإسلام، كدين مصوّب لما تم فى المسيحية من تحريف ومصوّب لرسالة التوحيد التى حرفها اليهود والنصارى وحادوا عنها..

فهل كل هذه الحقائق بحاجة إلى مزيد من التوضيح من أننا حيال مأساة كاسحة بكل المقاييس؟ مأساة لن يوقفها إلا أن نكف عن التواطؤ وعن التنازلات وعن خيانة الدين والوطن.. لذلك لا يسعنى إلا تقديم هذه الحقائق، التى لم تعد خافية، إلى كافة أصحاب القرار فى العالم الإسلامى والعربى علّها تعاونهم على تصويب المصار.. بدلا من زج شعوبها إلى هاوية بلا قاع !!.

                                                             

 

                                                                     11/6/2009