فضائح الفاتيكان التي لا تتوقف

 

Articale02022018.jpg - 21.66 kb

غلاف كتاب "طريق الآلام"

 

تحت عنوان "طريق الألآم" صدرت الترجمة الفرنسية للكتاب الصادر بنفس العنوان بالإيطالية، للكاتب الإيطالي چيانلويچي نوتسي، الذي أخذ على عاتقه الكشف عن خبايا الفاتيكان وجرائمه التي فاضت وطفحت وغطت روائحها الآفاق. وقام الفاتيكان آنذاك بمحاكمة الكاتب إلا أنه حصل على البراءة لصحة الوثائق التي استعان بها! وقد بدأ هذه السلسلة عام 2011 بكتاب "الأرشيف السري للفاتيكان" الذي كشف فيه العديد من الجرائم والاغتيالات. والكتاب يباع بثمانية وخمسون يورو للحد من انتشاره، أي حوالي ثلاثة أضعاف سعر الكتاب العادي في فرنسا. وللمؤلف كتابان آخران: "قداسته، فضيحة في الفاتيكان" و"الخطيئة الأولى"..

ومن أهم القضايا السرّية التي سبق وكشف عنها: الاغتيال الغامض للبابا يوحنا بولس الأول ولقائه مع المونسنيور مارسينكوس الذي لم يجرؤ أحد عن التحدث عنه ؛ المفاوضات السرية التي دارت بين الفاتيكان والحكومة الإيطالية لغلق ملف مقتل إيمانويلا اورلاندي ؛ التحويلات المالية الخرافية التي تمت عن طريق بنك الفاتيكان ؛ المؤامرات المتعلقة بالإتجار في المخدرات ؛ وجود لوبي جنسي من الشواذ في الكرسي الرسولي والمساومات التي يقوم بها ذلك اللوبي ؛ وكلها فضائح يتم كشفها بالوثائق لأول مرة.. ومن الواضح ان جميعها تعوق محاولات الإصلاح المزعوم الذي يحاول البابا فرانسيس القيام به إلا ان المسكوت عنه أعتى وأعنف في إدانته وتواطؤه.

أما في كتاب "طريق الألآم" الذي ظهرت ترجمته الى الفرنسية حديثا، فقد استعان الكاتب بمئات التسجيلات والوثائق السرية غير المطلع عليها من قبل، ليكشف عن المعركة الدائرة حاليا التي يقودها البابا ضد الفساد المتفشي في تلك المؤسسة الدينية العتيقة في كل شيء.  فيبدو للبعض أنه ثوري خطير النزعة أو منقذ للعالم، بينما تورطه هذه الوثائق على الأقل من حيث الصمت والتعتيم الذي يتّبعه في العديد من الحالات. وكلها تسجيلات ووثائق تكشف عمليات الإتجار في السلاح والمافيا والاغتيالات التي تتواصل ؛ وعملية الإفلاس المصطنعة والمخالفات المالية لبنك الفاتيكان ومئات الحسابات المزورة ؛ وعمليات غسيل الأموال والاستيلاء على تبرعات الأتباع.. لذلك يغوص القارئ بالتدريج في ذلك العالم الخفي ليكتشف خباياه غير الأمينة حتى يكاد يختنق.

إلا ان ما يقوم به الضالعون في الغش والتحريف تتسع حلقاته بسرقة بعض الوثائق، والمساومات الابتزازية، والتصنت السري.. وكلها محاولات تتم من أجل الحفاظ على نظام أكثر من فاسد تصيب القارئ بالقلق والارتياب في أعرق مؤسسة مسيحية في العالم. ويبدو ان مهمة إصلاح ذلك الكيان من المحال للنفوذ الذي تتمتع به قيادات هذه العصابة التي يشبهها البعض بأنها أشبه ما تكون بعش الدبابير أو الأفاعي..

وأول ما يكشف عنه الكاتب كيف يقوم رجال الفاتيكان بنهب أمواله التي تعد أغنى مؤسسة في العالم ؛ وكيف يقطن الكرادلة في شقق مساحتها مئات الأمتار لكل منها ويدفعون إيجارا يساوى حفنة من الفول السوداني ؛ والمعروف ان الفاتيكان يمتلك غابة من الأبنية سواء في روما او في جميع أنحاء العالم. كما يكشف الكاتب عن كم الأموال المودعة في بنك الفاتيكان والتي يتم استخدامها في مجالات فاضحة او محرمة من قبيل الإتجار في السلاح وغسيل الأموال، او عمليات التوريدات والإنشاءات التي تتم بلا عطاءات رسمية وبضعف أو أضعاف ثمنها.

كما تناول المؤلف الفضائح الجنسية التي يغوص فيها العديد من كبار رجال الفاتيكان والكرسي الرسولي حتى ان البعض منهم تطلق عليه فيما بينهم أسماء ممثلات خليعات أو منحرفات شهيرات. وهو ما يمثل ملمحا أبعد ما يكون عن الدين او عن تلك الديانة التي يحاولون فرضها على العالم رغم كل ما بها من تحريف متراكم على مر العصور. كما لا يغفل الكاتب الكشف عن السلطة الكنسية العليا وكيفية تحكمها وتدخلها في الشئون الداخلية لبلدان العالم بفضل العديد من المؤسسات المدنية والتعليمية والصحية وغيرها والتي يديرها زبانيته.

والغريب واللافت للنظر حصول الكاتب على كل هذه الوثائق الرسمية الحقيقية التي ضمنها في كتابه أو استعان بها لكتابته وإثبات جرائمها، وكيف سُمح له بنشرها، وكلها وثائق رسمية أصلية. أي ان هناك قطعا صلة ما بالأيادي العليا الراسخة في تلك الألاعيب الإجرامية والتي تعبث بمصائر العالم تحت مسمى الفاتيكان والكرسي الرسولي.

واللافت للنظر أيضا ان الكاتب لم يتعرض للجانب السياسي لهذه المؤسسة الفاسدة والمفسدة، المعروفة بمواقفها المغرضة المزدوجة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وذلك منذ مجمع الفاتيكان الثاني سنة 1965. فبعد أن قامت بترسيخ لعبة قيام اليهود بقتل وصلب المسيح، واستعانت بنصوصهم الدينية لتبرر النسيج الجديد لما أطلقت علية الكنيسة عبارة "المسيحية"، نسبة للمسيح عليه السلام، وتوجد لها جذورا دينية شرعية، قامت بتأليه المسيح سنة 325 في مجمع نيقية، الذي دعي اليه الإمبراطور الروماني قسطنطين، وسمح لهم بممارسة عقيدتهم رسميا مثلهم مثل باقي الديانات المنتشرة آنذاك. ثم قامت الكنيسة باختلاق وفرض الروح القدس في مجمع القسطنطينية الأول سنة 381. ويا له من نسيج ...

وما ان تم للكنيسة ما شاءت وفرضت مخططاتها، بدأت باضطهاد اليهود بصورة وحشية مهينة لعدة قرون، وتوارث الباباوات هذا العداء الذي كان كل مبرره مسح الآثار اليهودية من العقيدة المسيحية.. وكلها قصص وأحداث معروفة وثابتة تاريخيا. واستمر الوضع الي ان حان موعد انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني (1963ـ1965) ونجح اليهود في اختراقه عن طريق الكاردينال بيا وغيره، وصدرت القرارات التي أطاحت بأصول المسيحية إذ كان من أهم قراراته تبرأة اليهود من دم المسيح رغم قرون ممتدة من ادانة اليهود ؛ واقتلاع اليسار في عقد الثمانينات ؛ وتنصير العالم ؛ واقتلاع الإسلام في عقد التسعينات حتى تبدأ الالفية الثالثة والعالم كله متنصر. وحين بدأت الألفية الثالثة والإسلام لا يزال متألقا، أصدر مجلس الكنائس العالمي قراره للولايات المتحدة باقتلاع الإسلام وحددت لهم مهلة عشر سنوات لاقتلاع "محور الشر" على حد قولهم. والجميع يعلم كيف بدأ جورج بوش الابن غدره بعبارة "أنها ستكون حرب صليبية ممتدة".. وبدأت مسرحية 11 سبتمبر 2011 التي تكاتف فيها الغرب الصليبي المتعصب لتدمير عدة بلدان إسلامية وسحق وابادة عدة ملايين من المسلمين ولا تزال الجرائم مستمرة والمسلمون متواطئون صمتا وتخاذلا وتواطئا.

لقد قررت هذه الجزئية من المعلومات في عشرات المقالات حتي الملل، لكن يبدو ان لا حياة لمن تنادي..

أما عن الفاتيكان والصهاينة والقضية الفلسطينية التي انتهت الي عملية القتل العرقي التام وإبادة للفلسطينيين بحيث تبدو وكأنهم ماتوا قضاء وقدر، بعد تحويل غزة الى أكبر معتقل مكشوف في العالم والكل صامت صمت القبور والحجر، صامت بقلوب أكثر قسوة من الحجر، ليتم التخلص من قضية اغتصاب ارض فلسطين وابادة أصحابها ليستولي عليها صهاينة مجرمون لا حق ديني أو تاريخي لهم في هذه الأرض..

وبينما يواصل الفاتيكان تدخلاته في جميع بلدان العالم الإسلامي والعربي لتنصيره، بعد أن فرض على جميع الأتباع وعلى الكنائس المحلية المشاركة في عملية تنصير المسلمين وبلدانهم، يقوم من ناحية أخري حاليا للبحث عن الجذور اليهودية للمسيحية ليزداد نفوذهم توطئة لتنصيرهم، لكنها أحلام.. أحلام تكتسح جهود أي إنسان يحاول فضح ذلك الكيان الشيطاني الذي نما وتوحش ليقوم بتنصير العالم بفضل تواطؤ المسلمين وتخاذلهم في الدفاع عن دينهم وبلدانهم..

                                                                                             

                                                                                              2  فبراير 2018