"ليتمّ تلجيم الحق مدى الحياة" !

ذلك هو الشعار وتلك هي كلمة السر التي يتصرف الفاتيكان بمقتضاها.. فما من احدٍ يجهل اليوم الى أيّ مدى تمثل الاستقالة الجماعية للأساقفة الشيليين مرحلة جديدة في صراع الكنيسة ضد الشذوذ الجنسي. فلم تعد المسألة بضعة أفراد سقطوا تحت إغراء الشيطان، وإنما مسألة الكنيسة بأسرها، بداً من البابا نفسه. فالفضيحة الكبرى التي تمس كنيسة شيلي لها جوانبها الداكنة المحبطة. فحتى وإن أشارت الى الشعور بالتعالي الذي يتم تلقينه لرجال الكنيسة في بداية إعدادهم، والذي يمكن ان يتحول الى تصريح بإباحة كل شيء، بفضل تآمر الصمت، فذلك لا يمنع من ان البابا يتعامل مع هذه القضية بمكاييل جد متفاوتة.

تنظيم الجريمة

لقد قام الفاتيكان سنة 1929 بصياغة خطاب رسولي بعنوان "تناول الجريمة"، وينص على الإجراءات التي يجب اتخاذها في حالة اتهام القساوسة بأخطاء جسيمة أيا كانت، بحيث تصبح أي تهمة غير مؤثرة على الجاني ولا يمكن مطاردته قانونيا، ابتداء من ذلك التاريخ ولمدة قرون قادمة.. وأيا كان الأمر فالبابا فرانسيس وحتى يومنا هذا يلوّح بهذا الخطاب الفاتيكاني ليمنع أي تحقيق قانوني، خاصة في نطاق القساوسة الشواذ..

ذلك هو المعيار المخزي لآلة فرض الصمت لتغطية الجرائم. وتدور الخطة بانضباط تام: فما أن تبدأ أولى الاتهامات حتى يقوم القس المعني بأخذ أجازه ويبتعد. وتقوم الكنيسة بالتعتيم حتي يمكنه مواصلة مهنته كرجل دين في إبراشية أخرى، أو حتى بنقله في بلد آخر. ومثل هذه التصرفات من قِبل الكنيسة التي اعتذرت رسميا يوم 7 نوفمبر الماضي "عن صمتها الطويل الإجرامي" جد فاضحة. فلقد تم ترتيب كل شيء حتى لا يدان رجل كنيسة ولا يحاكم أبدا بمحكمة مدنية.

وهذا الانفلات الجنسي الذي يمس أغلبية الهيكل الكنسي، منذ قرون، أدى الى ان هذه المؤسسات، الفاتيكان والكنائس، انتهى بها الأمر لأن تكون "مفرخة شواذ" تلوّث مجتمعات العالم.. وأيا كانت الأسباب التي يقدمونها فهناك سبب أساسي شديد المنطق ولا يذكره أحد، بل ولا يقترب منه أي مسئول: وهو لا يعني العلاقة بين التبتل الكنسي والشذوذ، ولكن السبب الذي من أجله تم فرض التبتل على الكنيسة بأيدي المؤسسة الكنسية.

سبب الجريمة

ما من إنسان يجهل اليوم ان الحواريين كان منهم متزوجون، وأن السيد المسيح كانت له مريم المجدلية التي تعتم عليها الكنيسة. إلا ان السياسة المغرضة والنهم الكنسي قد أديا الى صياغة عدة وثائق ابتداء من القرن الرابع، الذي كانت تتشكل فيه المسيحية وتتكون، أديا الى صياغة عدة وثائق ابتداء من القرن الرابع، تفرض فيه العزوبية لأسباب مختلفة. وكان هناك دوما استثناءات وخروج عن القاعدة، فالقائمة معروفة حتى الباباوات الذين كانوا متزوجون ولديهم أطفالا. غير أنه لم يتم فرض التبتل رسميا إلا في مجمع لاتران سنة 1123، وتم فرض التبتل نهائيا على الكنيسة بأيدي الكنسيين. وهو ما يعني ان هذا القانون المزعوم لا يمت الى القوانين الإلهية بصلة، مثله مثل كل تاريخ العقيدة المسيحية، ويمكن إلغاؤه بكل بساطة.

والحقيقة المؤسفة الناجمة عن تعليق أوتُيّ على رسالة كوزّ يشرح كيف ان قرار العزوبية هذا قد تم اتخاذه لتفادي ضياع الممتلكات الكنسية في حالة وفاة أي كنسي، ومنعها من أن تضيع في عملية الميراث وتذهب للأطفال وامهم المدنيين. أو بعبارة أخرى لكيلا تتسلل أموال الكنيسة للمجتمع المدني، فالجشع كان يمنع التنازل عن أية دراهم أو حتى عن أي حزمة خضار من مزارعهم وتذهب للأبناء الشرعيين وأمهم. أي ان اصدار وفرض قانون العزوبية لم يكن من أجل الرب أو المسيح كما يقولون، وإنما حماية لأموال الكنيسة. لذلك يمكن إلغاؤه بكل بساطة وإنقاذ العالم من الشواذ..

بعض النماذج المؤسفة

ان تصرفات كل ذلك البنيان الشيطاني متعددة الأوجه، فهو من ناحية يتحدث عن التبتل وحب السماء، ومن ناحية أخرى يُدخل الانفلات الجنسي في كيانه بصخب فاضح. فكل هذه الفضائح المتعمدة الا تبدو وكأنها تمهد لإباحة الشذوذ وغيره بأمر من السلطة الفاتيكانية العليا ؟ وفيما يلي بعض أحدث الفضائح في هذا المجال:

1 ـ جيمس مارتان الذي عينه البابا فرانسيس كمستشار في أمانة الكرسي الرسولي للاتصالات، وهو جوزيتي أمريكي يرأس تحرير مجلة "أمريكا"، ومشهور بمحاولاته المتكررة لصالح عالم الشواذ بأنواعه. كما أنه ينتقد بشدة تعاليم الكنيسة المتحفظة فيما يتعلق بالشواذ. وقد أصدر العام الماضي كتابا بعنوان يفضح الكثير من النوايا الخفية: "تشييد الجسور: كيف يمكن للكنيسة الكاثوليكية ومجتمع الشواذ إقامة علاقة احترام متبادل ومتعاطف وشديد الرهافة".. واللهم لا تعليق، سوى ان كلمة "الجسور" و"تشييد الجسور" من كلمات البابا الشهيرة في الكثير من خطبه..

2 ـ التعليق الفاضح الذي قاله البابا فرنسيس للمدعو خوان كارلوس كروز، أحد ضحايا القس كاديما. فبينما كان يحكي قصة اغتصابه لجريدة "الجارديان" البريطانية، ولقائه الخاص مع البابا فرانسيس، ذكر التعليق الذي قاله البابا: "يا خوان كارلوس، كونك من الشواذ فلا أهمية لذلك. إن الرب قد خلقك هكذا ويحبك بما انت عليه، وذلك لا يعنيني. البابا أيضا يحبك كما انت. وعليك ان تكون سعيدا كما انت" !!

وهل لي أن أضيف وأذكّر ذلك البابا أن الرب لا يصنع الشواذ وإنما الكنسيون المنحرفون في كل رتب ودرجات الفاتيكان الذي يلوث المجتمعات على الصعيد العالمي ؟.

3 ـ في إيطاليا، وعلى مقربة من مقر البابوية، أقيمت في عيد العنصرة، يوم 20 مايو 2018، احتفالية حاولوا التعتيم عليها لكن العديد من الصحف نشرت خبرها ونشرت إعلان الدعوى لذلك القداس. وقد قام بترتيبها مسيحيون منحرفون في عدة إبرا شيات، بالتعاون مع القساوسة المحليين.  وفي مدينة ردجيو إيميليا وقف الشواذ بأنواعهم والوانهم القوس قزحية، داخل الكنيسة، ومعهم الأسقف مسيمو كاميزاسكا الذي ترأس الصلاة الشاذة التي أرادها رئيس إبراشية رچينا باسيس القريبة من أوساط الشواذ. ويلاحظ الإعلان عن هذا القداس المسخرة في اعلى المقال، حيث الصليب محاط وغارق في ألوان رمز الشواذ..

فهل ممكن لكنيسة، أيا كانت، ان تكون أكثر انفلاتا وإباحية ؟

السبب الحقيقي لهذا الخلط الفاضح

منذ مجمع الفاتيكان الثاني وقراره الشهير "تنصير العالم" نتابع سباقا مهووسا وغير إنساني، قاده الباباوات الثلاث التالين لذلك المجمع. فكل ما يعنيهم هو كيفية زيادة عدد الأتباع وكيفية تنصير العالم بأي وسيلة وبأي ثمن. يلملمون أي ناس حتى وإن كانوا مجرمين، أو بلا مأوى، او من كافة طبقات المجتمعات المختلفة الدنيا، لا يعنيهم. وخاصة لا يعنيهم ان كان اعتناقهم المسيحية بفضل الرشاوي التي يقدمونها لهم أو مختلف الخدمات الأخرى مقابل تغيير العقيدة. المهم هو تزايد العدد.

ان هؤلاء الباباوات يبدو أنهم لا يدركون ان ما يحصلون عليه هو "عقيدة" مشتراه، نعم، مشتراه بالمقابل وبالخدمات والمزايا.. لكن المهم بالنسبة لهم هو المساهمة في تنصير العالم. يجمعون حثالة المجتمعات ليصلوا الى هدفهم النهائي: عالم بديانة واحدة هي "المسيحية" فقط لا غير.

وهو أيضا نفس السبب الذي من أجله نعايش ذلك الجنون المفتعل بكافة الوسائل، السياسية والحربية وغيرها كثير، لاقتلاع الإسلام والمسلمين. إذ ان محاولة اقتلاع دين منزّل من عند الله، ولم يتغيّر نصه على الإطلاق منذ أن تم تنزيله، ليتم فرض عقيدة كل نصوصها عبارة عن "نسيج من الرقع"، فتاريخ تكوينها ثابت ومسجل، فذلك أكثر وأكبر من عبارة "مهزلة إجرامية"، أنه اقتلاع أكثر من مليار ونصف مسلم من دينهم.

                                                                                      زينب عبد العزيز

                                                                                       26 مايو 2018