التواطؤ يعني المساهمة في مخالفة أو جريمة والتعتيم عليها ؛ تقديم مساعدة لمن يقوم بهذه المخالفة، أي أنها  نوع من التفاهم الإجرامي ؛ او اتفاق سرى أو ضمني بين شخصين او عدة اشخاص ؛ أو تقديم مساعدة سرية لشخص ما لإتمام عملية مشاركة في الجريمة. وأيا كان المعنى فهي مشاركة إجرامية، تزويريه وغير أمينة بين شخصين أو عدة أشخاص. وحينما توحه هذه التهمة الى البابا في الفاتيكان فهو يفقد أهليته الوظيفية الدينية ويجب أن تنزع منه هذه الصلاحية.

وما من إنسان في يومنا هذا يجهل الفضيحة المدوية التي كادت تطيح بالمؤسسة الفاتيكانية وبمن فيها، بكل أسف هذه الأيام. و"الأسف" هنا لتحديد ان هذه الدوامة الإباحية كان يتعيّن عليها الإطاحة فورا بكل تلك المجموعة المنحلة، لولا ان نطاق التواطؤ أكبر بكثير وأكثر قوة بحيث تمكن من حماية الرأس التي تداري على هذا الفساد.

فلقد تقدم المونسنيور ڤيجانو ، الذي كان يعمل في الولايات المتحدة، باتهامات خطيرة ضد البابا فرنسيس، وهذا الأخير ليس من حقه أن يتهرب أو أن يرى عدم ضرورة التعليق على اتهامات المونسنيور ڤيجانو قائلا: "لن أتفوه بكلمة حول هذا الموضوع"، أو أن يحاول كنس الموضوع برمته وكـأنه لا يعني شيئا، وينتقل في خطبته الأسبوعية الى موضوع "النفايات البلاستيكية التي تغطي المحيطات" !

وفي هذه الرسالة، التي تم نشرها يوم 25 أغسطس 2018، والمكونة من أحد عشر صفحة، تتناول فضيحة ماكّاريك أسقف واشنطن، القواد الجنسي المعروف، ولوبي الشواذ الموجود في الفاتيكان. فالمونسنيور ڤيجانو كاتب الرسالة، يقصد بوضوح كشف البابا ويطلب منه بأدب شديد أن يقوم بتقديم استقالته شخصيا، هو ومعاونيه في هذه الجريمة، لأنهم كانوا على دراية بتصرفات الكاردينال تيودور ماكّاريك وقاموا بتغطية فضائحه. والأكثر من ذلك إن المونسنيور ڤيجانو يؤكد وجود "لوبي شواذ" في الفاتيكان..

وفي واقع الأمر لوبي الشواذ هذا ليس الفضيحة الوحيدة الموجودة في الفاتيكان، وإنما هناك الفضائح المالية والاختلاسات والمزورون الذين يحمون بنك الفاتيكان وما يقوم به من غسيل أموال، وفضيحة بنك أمبروزيانو، ومقتل مديره تحت أحد كباري لندن، وتجارة الأعضاء، والمافيا، وتجارة السلاح.. وتمتد القائمة بالفضائح وكلها ثابتة على ذلك الكيان، لكن الأكثر إثارة للفضول هو الصمت الذي يخيم على هذه الفضائح ويعتم عليها.

وأيا كان الوضع، فهذه هي أول مرة يقوم فيها أحد الكنسيين بمطالبة البابا بالاستقالة، فكان يجب ان يتم التنفيذ فورا لأن المونسنيور ڤيجانو يؤكد ان البابا كان على دراية بكل هذه الفضائح واستمر في حماية ماكّريك وأنه لم يأخذ في الاعتبار العقوبات التي كان البابا السابق بنديكت السادس عشر قد فرضها عليه، وإنما قام بتعيين ماكّريك "مستشاره الخاص" الذي عاونه على تعيين عددا من أساقفة الولايات المتحدة، بما فيهم الكرادلة بلازكونج من شيكاغو، وجوزيف توببن من نوراك. كما قام باتهام الكرادلة سودانون، وبرتوني، وبارولين في التعتيم على الحقائق، ويصر على ان هناك العديد من الكرادلة والأساقفة الآخرين الذين كانوا على دراية بالموضوع. ومنهم الكاردينال دونالد هويرل خليفة ماكّريك كأسقف لواشنطن.

وحينما يصل الفساد الى قمة التدرج الكنسي ومجرميها فالمطالبة باستقالة المنفلتين الوقحاء هو أدني ما يمكن المطابة به، إذ كان يجب إقالتهم بالإجماع، إذا ما كان للأهالي كلمة يقولونها.. لأن البابا كان يعلم بكل التفاصيل ولم يقم بأي تصرف ضد هذه الجرائم الجنسية والاعتداء على آلاف الأطفال.

والأكثر من ذلك ان تعليقات البابا لا تشرفه ولا نذكر هنا سوى ذلك الأسقف في الفاتيكان الذي اعترف قائلا: "إن كبار موظفي الكاثوليكية يتقاضون رواتبهم من جورج سوروس". وهنا لا بد من إضافة: "في يوليو الماضي قال البابا فرنسيس لجريدة "لا ربوبليكا" الإيطالية أن الولايات المتحدة الأمريكية "لديها رؤية مشوهة عن العالم وان الأمريكان يجب ان تحكمهم حكومة عالمية في أسرع وقت ممكن وإن ذلك لمصلحتهم". وهو ما يكشف إلى أي مدى تمتد إمكانيات صانعي النظام العالمي الجديد والى أي مدى يرتبط به البابا فرنسيس.

بل والأكثر من ذلك، البابا فرنسيس كان يريد منح "الحقير مونسنيور كابوتزي، سكرتير كوكوبالمريو، أحد المنحرفين الذين قال سنة 2014 متحدثا عن "العناصر الإيجابية في العلاقات المثلية". وخاصة ان كابوتزي هذا هو الذي كان قد نظم في المبنى الملاصق لبازيليكا القديس بطرس في روما، حفل ماجن للشواذ المثليين مع تعاطي المخدرات. وحينما داهمهم البوليس المسكن، بناء على شكوة الجيران من الصخب، كان هو فاقد الوعي من المخدرات بحيث اضطر البوليس الى نقله للمستشفى. فأن يقوم كابوتزي بإعطاء مسكنا لأحد أعوان مولر، يكشف عن علاقة البابا بهذه المجموعة وتواطؤه معهم.

والوشاية بصمت البابا وبعض كبار العاملين في الفاتيكان ليست بجديدة ففي عام 2013 قام القس البولندي أوكّو بالشكوة دون جدوى واتهام ما قام بتشبيهه ب "حصان طروادة حامل الشواذ داخل الفاتيكان" وانتشار شبكة دعارة المثليين بين القساوسة ومختلف الفئات قائلا: "أنها مافيا سرية تنتهز النظام الطبقي وأنواع "اللوبي" الموجودة وقانون الصمت.

والحق يقال، ان تاريخ البابوية وكل تلك المؤسسة الإجرامية لا يشرّف أي إنسان، وخاصة أتباع تلك المؤسسة، ويثبت أنها جديرة بالهدم فالعصابة الحالية ليست الوحيدة في هذا المبني المنفلت: فما أكثر الباباوات في الكنيسة الكاثوليكية الرومية الذين كان لهم نشاطات جنسية قبل أو بعد انتخابهم، بينما كان غيرهم متزوجون فعلا. بل وكثيرون منهم كانت لديه علاقات جنسية ثبتت في التاريخ، وعددا منهم كان لديهم أطفال، بل ومنهم أطفال غير شرعيين. وبعضهم تم وصفهم في السجلات أنه كانت لديهم علاقات جنسية غير شرعية. بل وتم وصف بعضهم على أنه كانت لديهم علاقات مثلية أو أنهم من مرتكبي زنا المحارم، ومنهم على سبيل المثال:

البابا يوليوس الثاني (1503ـ 1513) كانت له ثلاثة بنات غير شرعيات ؛ والبابا بولس الثالث  (1534ـ 1549) كان له أربع أبناء غير شرعيين ثلاثة بنين وابنة من رفيقته سيلفيا روفيني ؛ والبابا جريجوار الثالث عشر (1572ـ 1585) حصل على "إكليل الرأس" في مدينة بولونيا في يونيو 1539 وبعد ذلك أقام علاقة منفلتة مع مجدلينا فولشيني وأنجب منها ابنا يدعي جياكومو بونكامباني، سنة 1548 ، أي بعد تسع سنوات من حصوله على سيامة كاهن ؛ والبابا سيرج الثالث (904ـ 911)، كان والد البابا يوحنا الحادي عشر (931ـ936) ؛ والبابا يوحنا العاشر (914ـ 928) كانت له علاقة غرامية مع الأرستقراطية ثيودورا إيري ؛ وبابا يوحنا الثاني عشر (955ـ 963) كانت متهما بالفسق وزنا المحارم ؛ والبابا إسكندر السادس (1492ـ 1503) كانت له علاقة غرامية مع فانوتسا كتاني منذ كان في درجة القساوسة، وبما أنه كان من عائلة بورجيا (الطبقة الحاكمة) فقد أنجب منها أربعة أبناء وتولى حمايتهم..

أما عن العلاقات المثلية الشهيرة، فقد توفى البابا بولس الثاني (1464ـ 1471) وهو منغمسا في حفل ممارسة الرذيلة مع المثليين ؛ والبابا سيكست الرابع (1471ـ 1484) كان معروفا أنه من الشواذ وكان يهوى الشبان الصغار واللوطيين، ويكثر العطايا ويقوم بالترقية الى درجة أسقف مقابل خدمات الجنسية ؛ والبابا يوليوس الثاني (1503ـ 1513) بخلاف إنجابه ثلاث فتيات غير شرعيات أيام كان أسقفا فقد تم اتهامه بالشذوذ الجنسي وقام مجمع لاتران الخامس سنة 1511 باتهامه بأنه "لواطي تكسوه العادات المخجلة" ؛ والبابا ليون العاشر (1513ـ 1521) كان شاذا أيضا ويفرط في ممارساته الخارجة ؛ والبابا يوليوس الثالث كانت له علاقة غرامية ممتدة مع الكاردينال إينوتشنزو تشوكي دلمونتي. وقد أكد سفير فينسيا آنذاك ان هذا الأخير كان يتقاسم فراش البابا..

وذلك في الموسوعات العامة والكنسية، أما في كتاب نيجل كوثورن "الحياة الجنسية للباباوات، يوميات فضائح الفاتيكان" فيمكن قراءة فضائح لا يمكن تصورها طوال مائتان صفحة مقرفة.

وهنا تجدر الإشارة الى ثلاثة تواريخ لأهميتها:

1545ـ1563: أقر مجمع ترانت ان العزوبية والعذرية أهم من الزواج ؛

1869: مجمع الفاتيكان الأول يقر عقيدة "معصومية البابا من الخطأ ؛

1993: أعلن البابا يوحنا بولس الثاني: "ان العزوبية ليست أساسية في الكادر الكنسي، إذ ان يسوع المسيح لم يعلنها كقانون".. أي أنها ليست عقيدة ولكن بدعة من البدع التي فرضها الباباوات والمجامع مثلها مثل عقائد المسيحية. فالعزوبية لم تفرض إلا حفاظا على أموال الفاتيكان لكيلا تتسرب للقطاع المدني، تجاه الزوجة والورثة عند وفاة رجل الدين. فلماذا لا يتم إلغاء هذا القانون ؟

ومن الغريب ملاحظة ان كافة المقالات المتعلقة بهذه الفضيحة الحالية لا تذكر سوى تقرير لجنة التحقيقات الجنسية في الولايات المتحدة، وهو يقع في أكثر من الفين صفحة، وخطاب مونسنيور ڤيجانو وتلك الآلاف من الضحايا المعتدى عليهم وفقا لذلك التقرير وتم تحطيم معنوياتهم. فلماذا لم يتناول أي شخص الأبعاد الحقيقية لهذه المأساة وأشاروا الى كافة القضايا والاتهامات التي تمت طوال القرون الماضية، وجميعها مسجلة، وترفع عدد الضحايا الى ملايين لا تحصى، أو الإشارة الى تلك المليارات من الدولارات التي تم صرفها كتعويض للضحايا ؟ أليس لكل هذه الضحايا الإنسانية حق في تعويض عادل وان يروا مبني الفساد الفاتيكاني قد تم هدمه حتى آخر حجر ـ على رأى الكاتب الفرنسي الشهير والقس السابق، إميل زولا، حين قال: "ان الحضارة لن تستقيم إلا اذا سقط آخر حجر من آخر كنيسة على رأس آخر قسيس".

إن حماية الضحايا لن تتم إلا على هذا الأساس. فهل أتباع ذلك المبنى لديهم الشجاعة للدفاع عن أبنائهم؟

                                                                                          زينب عبد العزيز

                                                                                           سبتمبر 2018