الفن الحديث وغسيل الأموال..

 

 

(بيكاسو قبل وبعد أن إنقلب من االفن الأصيل إلى عبثيات الفن الحديث)

 

 

فى 16/5/2014  نشرت جريدة "ليزيكو" (Les Echos) الفرنسية مقالا تحت عنوان : "غسيل الأموال : ظلال قاتمة على سوق الفن" ، بقلم مارتين روبير ، توضح فيه الكاتبة كيف "تزايد عدد المختصين الذين يرحبون بالإرتفاع اللافت للنظر لأسعار الأعمال الفنية، وكيف أنه يرجع إلى حد كبير إلى غسيل الأموال. فبالنسبة للأخصائيين ليس من السهل تتبع العمليات المريبة التى يحميها التعتيم وعدم الإعلان عن المزادات".. وكانت صحيفة "يو إس إيه توداى" (USA Today) قد أثارت نفس الموضوع فى شهر نوفمبر 2013 ، عقب المبيعات الجنونية الأسعار فى خريف ذلك العام فى السوق الفنية بمدينة نيو يورك. ويتساءل الكاتب : "هل أصبح الفن عملية إجرامية ؟.. فلم يعد أحد اليوم بقادر على أن يقدم تفسيرا دقيقا حول تلك الأعمال ذات الأرقام الفلكية" !

 

ومن ناحية أخرى ، لا شك فى أن مستوى الثروات قد تزايد على الصعيد العالمى ، وأصبح الفن من العلامات المميزة لتلك الطبقة من الناس. وقد ساهمت خبيرة الضرائب ڤيرچينيا هيم (V. Heem) والخبير المثمن داڤيد هوت (D. Hotte) فى كتابة بحث بعنوان : "الصراع ضد غسيل رؤوس الأموال" ، حيث أوضحا أن تجارة الأعمال الفنية يصعب السيطرة عليها لأن التقييم يكون ذاتيا والمبالغ المطروحة طائلة. وعمليات غسيل الأموال والتهرب من الضرائب متداولة على الصعيد العالمى ولها تاثير فجائى وغير مبرر على إرتفاع أسعار السوق".ثم يضيفا قائلا : "وتكمن المشكلة الأساسية فى أنه يتم تداول ملايين الدولارات سرا بين أشخاص مجهولين أو حتى إفتراضيين"..

 

وفيما يلى نعرض لواحدة من أهم قضايا غسيل الأموال التى تناولتها الصحافة الغربية العام الماضى. ففى 30 إبريل قام قاضى نيو يورك ، چيسّ فورمان (Jesse Forman)، بفرض غرامة ستة ملايين وأربعمائة ألف دولار على تاجر اللوحات هللى نحماد (Helly Nahmad) ، وحكم عليه بالسجن لمدة عام ويوم. وهللى نحماد ينتمى لواحدة من أقوى عائلات تجار الفن فى العالم، وهو متهم بعقد صفقات غير قانونية، وغسيل الأموال ، كما أنه على صلة بما يطلقون عليه "الجرائم المنظمة" ، وعلى علاقة بالمافيا، وبالرياضيين المضاربون فى البورصة، وبعض النجوم السينمائيين ، وأصحاب البنوك فى وول ستريت .. وهى شبكة من الأصدقاء والمعارف تطرح العديد من التساؤلات.

 

وهللى نحماد هذا لم يتم الأربعين من العمر ، وهو مدير قاعة عرض للأعمال الفنية فى مدينة نيو يورك وتحمل إسمه. وهو إبن الملياردير داڤيد نحماد ، الذى تقدر مجلة "فوربس" ثروته بحوال مليارين  دولار. وعائلة نحماد أصلا من يهود سوريا قبل أن يهاجروا ليستقروا فى الولايات المتحدة الأمريكية. وهى عائلة مشهورة بإقتناء كميات كبيرة من اللوحات وتخزينها لسنوات ، مع إختلاق حملة دعائية إعلامية منتظمة، متصاعدة الوتيرة ، ثم يطرحون تلك المجموعة للبيع بمبالغ طائلة. وهم يمتلكون واحدة من أكبر مجموعات الفنانين التأثيريين ، تصل إلى حوالى خمسة آلاف لوحة ، من بينها ثلاثمائة لوحة للفنان بابلو بيكاسو. ويقدر إجمالى سعر هذه  المجموعة الضخمة إجمالا بمبلغ أربعة مليار دولار.

 

وفى 11/12/2014 كتبت كاترين كوشار (C. Cochard) فى جريدة "لو طان" الفرنسية (Le Temps) تحت عنوان "هللى نحماد ، خبايا داكنة لتجار الفن" ، أن هللى نحماد الذى كان يجب أن يمضى عاما ويوما فى السجن قد تم الإفراج عنه بعد إحتجازه أربعة أشهر ، أى أنه لم يعامل معاملة السجناء وإنما احتجزوه إلى أن يتم التلاعب فى الأوراق للإفراج عنه.. وحُكم عليه فى قضية "مراهنات غير قانونية" فى مجال الرياضة ، فقط لا غير ، عقوبتها هى المدة التى أمضاها حجزا !. وكان القاضى قد تلقى خطابات تأييد ودفاع عن هللى من ستين شخصية مرموقة إضافة إلى نفوذ والده ، الذى يعد من بين حفنة من الأشخاص الذين يمثلون لوبى سوق اللوحات ومقتنيها فى أمريكا.

 

ويقول رودلف جوتييه ، محامى دافيد نحماد ، بمناسبة الإفراج عن إبنه هللى، بعد أربعة أشهر من الحجز ، أنه تم سحب كل التهم الموجهة إليه فيما عدا تهمة "المراهنات الرياضية غير المشروعة"، وهى التى تم إعتقاله بسببها ، كما تم الإفراج عن 95 % من أمواله التى كان قد تم التحفظ عليها فى بنوك سويسرا..

 

وتوضح كاتبة المقال الأول، مارتين روبير ، أن هناك عدة طرق لغسيل الأموال ، منها الفاتورة المزورة ، بمعنى أنها تتضمن أرقاما أعلى بكثير مما تم دفعه فى اللوحة لتقديمها لمصلحة الضرائب ، بما أن هذه الأموال التى تدفع فى اللوحات معفاة من الضرائب أصلا. و هناك البيع بالمزاد العلنى المزور ، و المزادات بالهاتف ، حينما تتعدى العملية المليون دولار. كما يمكن القيام بعملية غسيل الأموال والإستثمار فى نفس الوقت. أما عن أشهر قاعتين للمزادات فى العالم ، قاعة سوزبيز وقاعة كريستيز الدوليتان ، فلا تفصحان أبدا عن سير العمليات بهما ، وقد قامتا بتقديم خطابات دفاعية عن هللى نحماد للإفراج عنه.

 

أما إريك ڤيرنييه (Eric Vernier) أخصائى الكشف عن غسيل الأموال، فقد أوضح فى محاضرة ألقاها فى جامعة أولكو قائلا : "يعتقد الجمهور ورؤساء المؤسسات خطأً أن غسيل الأموال لا يتعلق إلا بقطاع البنوك. إلا أن الحقيقة أكثر تعقيدا ، فالنقود تخرج حتما من البنوك ، لكن كل القطاعات تدخل ضمنا فى العملية. فكل عام يتم غسل ثلاثة آلاف وخمسمائة مليار دولار على الصعيد العالمى. وهو ما يمثل تقريبا 5 % من الثروة القومية لبلد ما فى العام. أما النقود القذرة فتقدر بسبعة مليار دولار فى العام ، أى بما يعادل 10 % من الثروة القومية. وهى أرقام فلكية تكشف عن الموقف الإقتصادى الصعب لهذه السنوات الأخيرة خاصة". وقد قام بالتفريق بين النقود السوداء ، الناجمة عن تجارة المخدرات وتجارة السلاح ؛ وبين ما أطلق عليه عبارة النقود الرمادية ، أى الناجمة عن العمولات والتهرب الضريبى ، إضافة إلى النشاطات غير المشروعة كأموال كازينوهات القمار وسوق الفن.

 

وقد بدأت حكومات العالم تتخذ تدابير متعددة للصراع ضد غسيل الأموال ، وذلك بوضع مؤسسات لرقابة هذه العمليات ، إلا أنه من الصعب متابعتها فى مختلف البلدان. ففى 2013 أصدرت اللجنة الأوروبية قانونا يلزم قاعات العرض بالإعلان عن شراء لوحة يتعدى ثمنها سبعة آلاف وخمسمائة يورو نقدا، وكذلك التبليغ عن أى عملية مشكوك فيها. أما الولايات المتحدة فتفرض الإعلان عن أى بيع لوحة بأكثر من عشرة آلاف دولار. ومن المعروف فى جميع البلدان إن عملية غسيل الأموال عقوبتها السجن ، ولكن من الواضح أن لكل قانون ثغراته التى تسمح بالتحايل بحيث يبدو وكأنه لم يكن رغم الإلتزام به شكلا !!

 

أما فى الصين ، ثانى أكبر سوق للفن بعد الولايات المتحدة ، فالتعتيم سائد ولا توجد حدود للدفع النقدى ، والمعروف أنه على الأقل من 30 إلى 50 % من عمليات بيع اللوحات بها متعلقة بغسيل الأموال.   

 

وإن كانت هناك نقاط أساسية يمكن الخروج بها من هذا المقال وغيره كثير، فهى أن عملية غسيل الأموال شديدة الإرتباط بالأسعار الفلكية التى يتم بها تداول اللوحات الفنية. وإن حكومات العالم إذا ما استطاعت إتخاذ الإجراءات للحد من النصب والتزوير ، فإن تفاصيل سير العمليات نفسها يظل من الصعب الحصول عليها على مستوى الصعيد العالمى خاصة للترابط الشديد أو المساندة المتبادلة التى يتسم بها هؤلاء المتحكمون فى اللعبة.. أى ، بقول آخر ، يبدو أن الوضع سيبقى على ما هو عليه  ، خاصة بعد أن تم نقل نشاط مثل هذه القاعات الكبرى إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط !

 

وفيما يلى عناوين بعض الكتب الحديثة التى تناولت أشهر عمليات غسيل الأموال المتعلقة بالفن بالنصب والتزوير فى هذا المجال :

 

 

 

- L’Affaire Beltracchi, de Stefan Koldehoff et Tobias Timm, avril 2013 ;

 

- Les Wildenstein, de Magali Serre, 2013 ;

 

- L’Affaire Wildenstein, histoire d’une spoliation, de Claude Dumont-Beghi, 2012 ;

 

- Money Laundering through Art : a Criminal Justice Perspective, by Fausto Martin De Sanctis,  may 2013 ;

 

- La Lutte contre le blanchiment des capitaux, de V. Heem & D. Hotte, décembre 2004.

 

                                                                            

 

زينب عبد العزيز

 

2  إبريل 2015