تأملات تجريدية حول "نيوم"

 

 

الخط المستقيم الأحمر المتعدد الأضلاع يوضح حدود مدينة نيوم وما تم استقطاعه من مصر

 

 

لمن لا يعرف، فالاسم التجريدي لمدينة "نيوم" مشتق من اللاتينية "نيو" (neo) والميم مأخوذة من الكلمة العربية "مستقبل".. والغريب أن يتم اشتقاق لا مبرر له لاسم أجنبي أساسا لأن حرف الميم موجود في اللغات اللاتينية أيضا. وفرض كلمة أجنبية على المشروع، لها دلالتها خاصة وانه من الثابت علميا وتاريخيا في كل القرون، أن اللغة العربية من أثرى لغات العالم من كثرة وسهولة اشتقاقاتها الشديدة الدقة. ومن الغريب أن تعني كلمة "نيوم": "وحش، شيطان أو شخص شرير بلا إنسانية" في قاموس "ڤيكسيونير" الفرنسي ! والتجريد ليس في اسم المدينة فحسب ولا في وصفها على الموقع الرسمي الخاص بها، وإنما ينبثق منها، من نفس تخطيطها القائم على أراضي مملوكة لثلاثة دول هي المملكة السعودية ومصر والأردن! فلأول مرة في التاريخ تقام مدينة على أراضي من ثلاثة دول وتفصل المياه كثير من أجزائها خاصة مع مصر. وذلك هو ما نطالعه في الخريطة بعاليه والتي تم نشرها في موقعين رسميين وغاب عن الخرائط الأخرى المنشورة حول نفس الخير.

 ومما توصف به على الموقع الخاص بها، قبل صفحات من الكلام التفصيلي، ما يلي:

"أنها أكثر المشاريع طموحا في العالم، على أرض جديدة بالكامل، وهدف بناؤها هو من أجل أسلوب حياة جديدة.. مدينة حيث نعيش المستقبل فهو مفهوم لا منافس له ولا مثيل له في الذكاء، ولا ينافسه التاريخ، ومبني على أكبر موارد الإنسانية التي هي: الخيال... و"نيوم" هي نوع جديد من الغد في مجال عمل مكان على الأرض لا مثيل له على الأرض. أنها بصمة جديدة لحياة على مستوى لم نره من قبل حيث الابتكار يخلق نوعا جديدا لزمن ملهم لحضارة إنسانية (...) أنها موقع استراتيجي على أحد أهم الشرايين الاقتصادية، سيجعل من "نيوم" قطبا للتجارة والابتكار والمعرفة. وسوف يعمل مشروع نيوم كمنطقة اقتصادية بقوانينها الخاصة بها من ضرائب وتنظيمات، تم اختلاقها لتفعيل نمو صحّي وثري للمنطقة والمستثمرين والمقيمين"...

ومن أهم ما يميز تلك المدينة ـ الدولة كما تطلق عليها بعض المواقع، أنها ستدار أساسا بالروبوتات وبالخيال.. و"روبوتات" هي جمع "روبوت"، أي إنسان آلي وفقا لشرح الموقع.. "ويأتي هذا المشروع في إطار التطلعات الطموحة لرؤية عام 2030، بتحول المملكة الى نموذج عالمي في مختلف نواحي الحياة"، نموذج لا مكان فيه للإسلام والمسلمين إذ سيتيح للسعوديات ارتداء البيكيني إن شئن...

ولا شك في ان هذه الديباجة، خاصة الفقرة الأولى منها، أشبه ما تكون بذلك الفن التجريدي الذي ابتكروه وفرضوه علينا وعلى شعوب العالم لكي يجرّد ويدمر التعبير الفني الإنساني الممتد منذ القدم حتى تم اختلاق تلك العبثيات التجريدية في القرن العشرين، والتي اكتسحت مختلف تياراتها كل ما له علاقة بالفن... أما الفقرة الثانية المتعلقة بمدينة "نيوم"، فأهم ما تكشف عنه هو: "أنها منطقة اقتصادية لها قوانينها الخاصة بها وتنظيمات تم اختلاقها خصيصا من أجل "نيوم"، قوانين متعلقة بالضرائب والتنظيمات الحياتية الترفيهية التي تم ابتداعها لتفعيل نمو صحي وثري للمنطقة وللمستثمرين ولأثرياء العالم، وبالطبع للمقيمين المرتبطون بها..

وقد قالوا عنها أنها "محور سيجمع أفضل العقول والشركات معا لتخطي حدود الابتكار".. بينما قال ولي العهد السعودي: "أنها أول مدينة رأسمالية في العالم، وأنه لن يكون في "نيوم" غير المستثمر والعامل في أحد المشاريع والسائح.. هذا هو الشيء الفريد الذي سيُحدث ثورة"، أي وكأنها مدينة تُبني لأثرياء العالم.. بينما قال صندوق الاستثمارات العامة السعودي: "أن مدينة "نيوم" ستكون مملوكة للصندوق بالكامل.. ولن تتبع المدينة القواعد واللوائح المعمول بها في بقية السعودية التي تطبق أحكام الشريعة"! أي إنه لن يكون للشريعة وأخواتها أي وجود، وكل الأراضي والمياه المستقطعة من مصر ومن الأردن ستصبح سعودية صرف وفقا لقانون "نيوم".

ونطالع عنها إجمالا في عدة مواقع فرنسية وفي نفس الصفحة الخاصة بها: ان مدينة "نيوم" تقع في منطقة طابوق، بشمال غرب السعودية، وتضم ألف كم2 أراضي من مصر وجزء من الأطراف الأردنية لتمتد الى خليج العقبة، كما تضم 468 كم من السواحل الممتدة والشطآن المليئة بالشعب المرجانية، وجبال تصل الى ارتفاع 2500 مترا، ومساحة إجمالية تصل إلى 26,500 كم مربع، وتضم مجموعة من الجزر المتفردة.. كما أن هذه المساحة بحجمها غير المنطقي، هي أكبر من مدينة نيويورك بثلاثة وثلاثين مرة، وضعف مساحة قبرص تقريبا (9,251 كم2 )، وأكبر من سلوفينيا (20,273 كم2 )، وأكبر مما اغتصبه الصهاينة من أرض فلسطين (20,770 كم2)، وأقل من المانيا بحوالي الفين كم2..

وتقول مجلة "اكسبرس" الفرنسية في 26/10/2017، تحت عنوان: "مشروع جنوني لتأليف مستقبل الإنسانية": "من المفترض أن هذا المشروع سيمسك بزمام مستقبل الحضارة الإنسانية، وهي الطاقة والمياه، وسهولة الانتقال، والتقنيات البيولوجية، والتغذية، والعلوم التكنولوجية والرقمية، والتقنيات العليا، ووسائل الإعلام، والتسلية والملاهي في إطار السياحة (...)، ولمن يخشى أن تقع مدينة "نيوم" تحت قوانين السعودية الرجعية الصارمة، يسارع مشيّدوها بتحديد أنها منطقة خاصة، لها قوانينها الذاتية المصممة لها خصيصا"..

أما المحلل الفرنسي تييري ميسان فقد كتب في موقعه الشهير يوم 6 مارس 2018 ما يلي:

"لقد أعلنت السعودية عن رغبتها في بناء مدينة ضخمة عالية التقنية في أكتوبر 2017. وهذه المنطقة ستدار بقانون خاص بها وفقا للنمط الغربي، دون الإشارة الى أية مرجعية للوهابية بل ولا حتى إلى الإسلام".. كما أوضح ان المدير التنفيذي هو الألماني كلاوس كلاينفيلد، المدير السابق لشركات ألكواَ ـ أركونا وسيمنز، والمدير الحالي (عند اختياره) لمجموعة بيلدربرج"... ومجموعة بيلدربرج أسسها كلا من دافيد روكفيلر والأمير برنار سنة 1954، وهي بلا شك أقوى شبكات التأثير في العالم، إذ تضم نخبة العالم في التمويل والاقتصاد والسياسة والإعلام، وهي عبارة عن حكومة عالمية حقيقية خفية، وما تتخذه من قرارات استراتيجية أساسية في اجتماعاتها تؤخذ في الاعتبار، أي يتم تنفيذه.. ومن أغرب ما قاله تييري ميسان عن هذا المشروع، الذي لم تظهر له أصداء تُذكر في الإعلام العالمي او المحلي:

"أن السيسي قد قرر أن يضم جزءا من جنوب سيناء يشتمل على مدينة شرم الشيخ وجزء من مدينة الغردقة الشاسعة. وهو ما يعني استقطاع هذه المنطقة المقابلة لطابوق، مثلما تنازل للسعودية في ابريل 2016 عن جزيرتا تيران وصنافير اللتان تغلقان خليج العقبة بين سيناء والسعودية، موضحا أنه يعيدها لأصحابها، في حين ان اتفاقية لندن في سنة 1840 تؤكد أن هاتان الجزيرتان مصريتان. وانتقال ملكية الجزيرتين الى السعودية يتضمن الاعتراف الضمني من السعودية باتفاقية كامب ديفيد التي تمنح إسرائيل حرية المرور بخليج العقبة والبحر الأحمر. ومن الواضح ان إسرائيل مؤيدة للمشروع. وفي جميع الأحوال مشروع "نيوم" لن يصبح مدينة ضخمة فحسب وإنما مجموعة من الجزر المصرية ـ السعودية التي ستترأس فيها إسرائيل السيطرة على المواصلات البحرية".. والغريب ان يتم نشر هذا الخبر في موقعين فرنسيين أورد رابطهما في نهاية المقال.

وبعد هذه الفقرة التجريدية الأخرى، لا يسعني إلا أن أضيف هذا التصور التجريدي:

من الواضح أن "نيوم" هذه هي في الواقع بداية التوسع الراسخ لتنفيذ المخطط الكاسح للإسلام والمسلمين والمسمى "إسرائيل الكبرى".. فإعمار شمال غرب السعودية وخاصة الجزء المستقطع من الأردن، والذي يشغل المساحة المتبقية لتصل حدود هذه المدينة إلى امتلاك كل امتداد خليج العقبة، الذي يتم إعداده ليكون طريق التجارة الدولية بعد تدويل مضيق تيران، وسيسمح قطعا للصهاينة بالوصول سيرا على الأرض الصلبة الممهدة الطرق والملكية لبداية تنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى".. فهذه المنظومة التجريدية، من النيل للفرات، التي لا سند تاريخي ولا ديني لها، هي ما لا يكف الإعلام الصهيوني والإعلام المماليئ للصهاينة عن ترديده.

ولو عدنا الى تأمل خريطة "نيوم" لوجدنا أنها تسلب مصر أهم أو كل شواطئها التي تقوم عليها السياحة المصرية المعتمدة على السواح الأجانب خاصة في الشتاء، وتستقطع شريحة هائلة من مياهها الإقليمية من نفس البحر الأحمر، وتغلق خليج السويس تماما على كل ما به من مشاريع ووسائل اتصال بحرية بالعالم الخارجي. أفلا يدخل ذلك في صميم عبثيات التجريد العمراني؟

ولو أضفنا العبارة الشهيرة، والخارجة عن حدود اللياقة، التي قالها ترامب في حضور ولي العهد السعودي، أثناء زيارته الأخيرة للولايات المتحدة في 22 مارس الحالي: " السعودية دولة شديدة الثراء وآمل أنك ستعطي جزءا من هذه الثروة للولايات المتحدة على شكل وظائف وعلى شراء أفضل المعدات الحربية في العالم"، لأدركنا حقيقة ما نحن مقبلون عليه، وكيف أننا حيال مرحلة، إن صحّت وتم تنفيذها، فهي مرحلة تجريدية لا مثيل لها في كل مكونات هذا المشروع..

غير أن ما نطالعه في فيديو أحد الصهاينة والذي أورد رابطه أيضا، يوضح أن المسألة ليست مجرد "إسرائيل الكبرى من النيل للفرات"، وإنما هي إحياء لخريطة بني إسرائيل الوهمية القديمة من قبيل مديّن ومؤاب وإيدوم..

والتجريد هنا بكل معانيه اللغوية والفنية..

                                                                                          زينب عبد العزيز

                                                                                          2 إبريل 2018

رابط مقال تييري ميسان :

http://www.voltairenet.org/article199990.html

رابط موقع الشبكة الدولية :

https://reseauinternational.net/legypte-cede-une-partie-de-son-territoire-pour-neom/

رابط الفيديو الصهيوني :

https://www.youtube.com/watch?v=B1izMpzHp0A