السبت الملعون !..

 

                                                    بقلم الدكتورة زينب عبد العزيز 

                                                أستاذة الحضارة الفرنسية

 

لم يحدث في التاريخ أن اجتمعت آراء المجتمع الدولي وتوحدت حول قضية ما مثلما اجتمعت وتوحدت حول إدانة الاعتداء الوحشي الذي قاده الصهاينة في حربهم الأخيرة على قطاع غزة، صباح يوم السبت، في27 ديسمبر 2008، لمدة اثنين وعشرين يوماً من القصف المتواصل بينما العالم يرقب مذهولاً من الصدمة أو متورطاً في التواطؤ..  

عدوان استخدموا فيه أحدث أنواع الأسلحة الفتاكة بل وتلك التي لم تُعرف بعد كل عواقبها على الضحايا من حرق واحتراق لدرجة التفحّم أو التهام وإذابة مساحات بأكملها من الأجساد الحية لحمها بعظامها على السواء، أو ذرات تتولد ذاتياً تفتك بالإنسان بلا هوادة حتى الموت، وغيرها يمتص ما في الجسم الحي من مياه في أقل من لحظة ليتركه حفنة هشيم متفحمة وكأنها مصنوعة من البلاستك!.. أهوال لا توصف عتّم عليها الإعلام الغربي أو التابع له ولم يتولى نشرها إلا بعض الأمناء في كل مكان..  

ويقف الذين تمكنوا من الدخول إلى مسرح أبشع مجزرة لقتل عرقي ترتكب في القرن الحادي والعشرين مشدوهين، يتقاذفهم خليط من الثورة والغضب والغثيان، وسط الدماء وأشلاء الأشلاء.. تعوزهم العبارات لوصف بشاعة ما خلفه ذلك العدوان المتعمد بشراسة وإصرار.. أرض محروقة تم دك ما عليها من مبان في وحشية متفردة، بينما الصيحات والأنات تتداخل وتختلط بالآمال المتفحمة.. أشلاء متناثرة وبطون مبقورة أو رؤوس مقطوعة ارتسمت عليها براءة طفولة مقتلعة، انبثق ما بداخلها في صمت رهيب.. أطفال ونساء ومسنين، تناثرت أوصالهم و تحجرت متفحمة من هول ما عاشوه..  

لقد فتحت إسرائيل أبواب الجحيم المحموم على مصراعيها لتزج بالشعب الفلسطيني في لهيب مختلف أنواع الأسلحة المحرمة دوليا وإنسانياً، بعد أن فرضت عليه الحصار لمدة عامين تقريباً، تم خلالهما توقف النشاط الصناعي في غزة بنسبة 98 %، وتهدمت فيه البنية الاقتصادية مع انقطاع الكهرباء وتلوث المياه، في محاولة إجرامية أخيرة للاستيلاء على البقية الباقية من أرض فلسطين.. فلقد تعمّد جيش الصهاينة في كافة المجازر التي قادها ضد الشعب الفلسطيني للاستيلاء على أرضه، أن تكون مجازر جماعية في أماكن عالية الكثافة السكانية وأهداف مدنية بحتة، فما يمتلكه الفلسطينيون من حجارة أو صواريخ يدوية الصنع لا يمكن أن تطلق عليها عبارة "عتاد حربي".. فكانت مجزرة غير متكافئة الأطراف والعتاد بكل المقاييس.. أناس محاصرون لمدة أعوام، تم حبسهم بإغلاق جميع الحدود المشتركة حتى يسهل دكهم مع كل ما تبقى لهم من حقوق و آمال.. ويا لبشاعة الغدر والخيانة! 

واللافت للنظر أن تقوم واشنطن يوم 31 ديسمبر، أي بعد بداية ذلك العدوان الإجرامي بأربعة أيام باستئجار باخرة تجارية ألمانية لتنقل معدات حربية ثقيلة، من قواعدها في اليونان إلى إسرائيل، عبارة عن ثلاثة آلاف طن من العتاد الحربي غير المعرّف، وكانت هذه الباخرة تالية لباخرة أخرى تجارية من الولايات المتحدة إلى إسرائيل وعليها حمولة حربية أكبر، وذلك بخلاف21 مليار دولار من المساعدات العسكرية التي قدمتها إدارة بوش لإسرائيل.. وكأن الولايات المتحدة تصر على طمس معالم البقية الباقية من فلسطين على مرأى ومسمع من العالم الذي ألف الصمت والطاعة لكل ما تأمر به!! 

ولا يسع المجال هنا لتناول أبعاد قضية فلسطين المعروف حقيقتها وكيف أنها قائمة منذ اللحظات الأولى على الغدر والخيانة والتواطؤ.. كما لا يسع المجال لسرد معطيات لاحت في بعض أجهزة الإعلام لأول مرة بصورة علنية بعدما كانت تتم في الخفاء، من قبيل أن هذه الحرب  شنها الصهاينة للاستحواذ والسيطرة على شاطئ غزة ومياهها الإقليمية بعد اكتشاف أكبر حقل للغاز الطبيعي فيها؛ لذلك بادرت فرنسا بإرسال فرقاطة حربية لتحمي عملية نهب الغاز بدلاً من إرسال مستشفي بحري لعلاج ضحايا العدوان؛ وأن الصهاينة يحصلون على الغاز من مصر بعُشر ثمنه الدولي، وهو ما يكلف الدولة خسائر قدرها تسعمائة مليون دولار يومياً... 

وإجبار المؤسسات الدولية بل والفاتيكانية على الرضوخ لأفعالها الإجرامية والاكتفاء ببضعة عبارات دبلوماسية واضعين الضحية والجلاد على قدم المساواة؛ وكشف أن هناك محور جديد يطلق عليه "التحالف الصهيوني- الإسلامي" ضد المقاومة الفلسطينية الباسلة؛ وحصول الصهاينة منذ 25 عاماً على خمسة آلاف متطوع كل عام للإحلال بدلاً عن أعضاء الجيش الاحتياطي في فترة الإجازات من خمس وثلاثين دولة، لفترة أسبوعين أو ثلاثة – وهو ما يكشف عن مدى تواطؤ العالم في مساندة ذلك الكيان الصهيوني المحتل لأرض فلسطين... 

وتصريح المحلل الإسرائيلي آلوف بن يوم 4 يناير 2009 في جريدة جيروزاليم بوست: "أن المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة ومصر يمنح إسرائيل الوقت لإكمال هجمتها البرية على غزة من أجل إضعاف نظام حماس إضعافاً مزمناً" على حد قول الجريدة!.  

أما ما أود الإشارة إليه تحديداً فهو عملية نشر وإعادة نشر مقال للحاخام ميخائيل وايسماندلي نشر عام 1948 تحت عنوان "عشرة أسئلة قاتلة للصهاينة "، يذكرهم فيه بما ورد في التوراة وفي عهود الأسباط وخاصة عهد كْسوبُس ( Ksobos) مخطوطة 111، أن "الخالق جعل اليهود يقسمون ألا يحتلوا الأرض المقدسة (أي فلسطين) حتى وأن بدا لهم أن لديهم القوة الكافية لذلك، وألا يثوروا ضد الأمم. وقد حذرهم الخالق أنهم إذا أخلّوا بالقسم وحنثوا به فإن الجسد اليهودي سيكون صيداً شرعياً للعالم أجمع كالحيوانات الوحشية في الغابة! 

تلك هي عبارات التوراة وقد ذكرت هذه التعاليم في عهود الأسباط ومنها "إيفرس تايمون"، و"بير هاجولا"، وأهواس يهونسون"، لميمونيد وكذلك في "توامس موشيه" لشاسام صوغر".. لذلك يعتبر الحاخام وايسماندلي أن القادة الصهاينة مرتدّون خارجون عن تعاليم الشرع اليهودي، وراح يحذرهم من عواقب ذلك عليهم، مكرراً رجاءه في أن يتركوا أرض فلسطين ويتناثروا في العالم وفقاً للشتات الذي فرضه الله عليهم لكفرهم!. وما أكثر خروجهم عن شرعهم ومنها حرب ذلك السبت الملعون والمفترض أنه مقدس لديهم.. 

وهذا التحريم الشرعي لاحتلال أرض فلسطين، والوارد في نصوصهم، يتمشى مع آخر ما توصل إليه علماء الآثار اليهود بعد كل ما قاموا به من حفائر وغربلة لأرض سيناء وفلسطين خاصة منذ عام 1967 واكتشفوا أن اليهود لا حق لهم في هذه الأرض، كما أثبتوا أن عدداً كبيراً من الأحداث الواردة في التاريخ الإنجيلي لم تحدث لا في المكان المذكور ولا بالطريقة المكتوبة، وأن بعض الفقرات الأكثر شهرة في الكتاب المقدس لم تحدث على الإطلاق.. ومن أهم ما أثبته كل من إسرائيل فينكلشتاين ونيل سيلبرمان في كتابهما المعنون: "كشف النقاب عن الكتاب المقدس"، وكلاهما من كبار علماء اليهود، عن هذه الاكتشافات الأثرية الجديدة: "أنها من الممكن أن تفتح آفاقاً جديدة بالنسبة للفلسطينيين؛ لأن اليهود لم يعد من حقهم ادعاء أن أرض فلسطين ملك لهم بزعم أنهم غزوها بمساعدة الإله يهوه"!. وهو ما تناولته في مقال سابق بإسهاب تحت عنوان " الأكاذيب المتراكمة وتحنيث الوعود ".. 

تلك هي النصوص والوثائق التي يجب تقديمها لكل من يمكنه المعاونة في استعادة فلسطين المحتلة والمنهوبة ظلما وعدواناً وتعويض الفلسطينيين عما عانوه لأكثر من مائة عام من القهر والظلم الأسود.. أقدمها خاصة لأمناء رجال القانون والقضاء والسياسة والإعلام الذين يجدون في أنفسهم الشجاعة الكافية لمواجهة الظلم الغدار لنصرة الحق، بدأً بأن يقوم الصهاينة بدفع ثمن ما هدموه، وتعويض الفلسطينيين عن كل الذين تم قتلهم منذ الاحتلال الغاشم لأرض فلسطين.. فلا معنى ولا منطق لما يدور حالياً من محاولات دولية رسمية ليتولى العالم العمل على إعمار وإصلاح ما قام الصهاينة بتدميره غير عابئين بكافة القرارات والأحكام الدولية، سواء تلك الصادرة ضدهم أو تلك التي صيغت لحماية البشر من مثل هذه الهجمات الوحشية ومثل هذا الاستيلاء على أراضى الغير وممتلكاتهم..

 

                                                            (9 فبراير 2009 )