تنازلات الأزهر المتواصلة ، الى أين ؟!

 ]

          فوجىء المسلمون صباح يوم الأحد الموافق 2 أبريل 2006 بتصريح للأنبا يوحنا قلتا فى جريدة "المصرى اليوم" ، يعلن فيه على الملأ  بأن شيخ الأزهر ورئيس لجنة الحوار فى الأزهر قد وقعا على وثيقة تبيح للمؤسسات الكنسية المختلفة بأن تقوم بعمليات التبشير فى مصر دون ان يتعرض لها أحد !

وفى اليوم التالى ، نشرت نفس الجريدة ان هناك من تقدم بطلب تفسير من شيخ الأزهر حول ما جاء فى الوثيقة الدولية التى وقعها الأزهر والتى تتيح حرية التبشير فى مصر .. بينما انتشر الخبر فى صحافة البلدان العربية بصور متفاوتة من الإستنكار والدهشة..

وبعد يومين ، تضاربت التصريحات فى وسائل الإعلام المصرية ، المقروءة أو المرئية ، بصورة فجة ، ما بين الإنكار والإقرار ، وإن كان الإجماع اتفق على ان عمليات التبشير تسير، بكل تأكيد ، بخطى حثيثة فى القطر المصرى ، دون أن يتعرض لها أى شخص ...

 

ومريرة هى الكلمات ..

 

مريرة هى ، وما هو أكثر مرارة إن من يقوم بمثل هذه التنازلات الرخيصة مسلمون يترأسون واحدا من اكبر رموز الإسلام فى العالم .. مريرة هى الكلمات حينما تعجز عن وصف ما  قامت به تلك الضمائر من جرم ، فى حق الإسلام ، ولا همّ لها إلا الحفاظ على مقاعدها التى تتكسب وتسترزق منها على حساب الدين وعلى حساب الرسالة التى كان من الأكرم ان تقوم بها بدلا من بيعها ..

 وأهم ما يأتى على رأس قائمة هذه التنازلات  من جانب الأزهر بكل مؤسساته ، وذلك الكمّ المؤسف من المواقف التى ذكرنا العديد منها فى مقال سابق ، على سبيل المثال لا الحصر ، هو ما قام به المسؤلون فيه من باب الجهل ، أو  مراضاة للغرب المتعصب الصلف، أو تفاديا لما يطلقون عليه ظلما أو جبناً: " تفادى الفتنة الطائفية" ! وأقول ظلما او جبناً لأن المسيحيين فى مصر ، بكل طوائفهم، ليسوا أغبياء أو عاجزين عن الفهم و التفكير، وحين تعرض الحقائق بكاملها وبلا مواربة يتخذون المواقف السليمة سواء أكانت وطنية أو غيرها، وعليهم أن يعرفوا ما يحاك لنا لأنهم، فى هذه القضية تحديدا ، مستهدفون مثلنا فى مسألة إقتلاع الدين ، فالمطلوب فاتيكانيا هو توحيد الكنائس تحت لواء كاتوليكية روما ، والباكى على دينه عليه أن يفهم الوقائع والحقائق ليعى ما نحن فيه..

والأزهر، الذى يمثل فى مصر والعالم الإسلامى  على إتساعه ، أكبر و أعرق رمز للإسلام ، والرمز أعلى وأسمى من أى مسمّى أو عبارة سلطوية ، الأزهر ، بكل أسف ومرارة ، كان أول من فرّط  فى حق الإسلام  و فى حق نبيه عليه الصلاة والسلام، وذلك بقبوله إلغاء مادة الدين من التعليم كمادة أساسية للنجاح والسقوط ، وقبوله  " تعديل" المناهج الدينية وتغيير الآيات فى المناهج الدراسية بدلا من شرح وتفسير أسباب نزولها ، وإسناد المعاهد الأزهرية إلى التربية والتعليم أو تحويلها إلى مرافق أخرى، و " تعديل " الخطاب الدينى ، وإغلاق المساجد بين الصلوات ، وتضييق نطاق بناء المساجد ، و تحويل ما لم تُقم فيه الشعائر بعد إلى مرافق أخرى، بل وهدم ما تم بنائه قبل إستخراج تصاريح البناء، وهنا لا يسعنى إلا أن أسأل: هل يمكن لنفس هؤلاء المسؤلين والوزراء القيام بنفس التصرف حيال الكنائس؟! فما اكثر ما تم بناؤه بلا تراخيص ، بل ما أكثر الأراضى التى أُخذت بوضع اليد ولم يتحرك أحد ، وما اكثر الكنائس التى تضخّم حجمها فى مكانها الى درجة الإنبعاج الفظ معماريا وكأنها على وشك الإنفجار!..      

 بل لقد خرج العاملين بالأزهر عن تعاليم دينهم ووصايا الرسول عليه الصلاة والسلام بالتهاون فى مسألة الحجاب فى فرنسا ، وبتسليم وفاء قسطنطين بدلا من حمايتها، كما غضوا الطرف عن الدفاع عن الإسلام وعن نبيه الكريم فى مهزلة مسرحية كنيسة الإسكندرية ، بإحالتها إلى عالم الصمت والنسيان ببضعة عبارات مرتعدة جوفاء، والصمت حينما أهانت السلطات القمعية الأمريكية المصحف الشريف فى جوانتنامو وغيرها ، وخاصة ذلك الصمت الغريب حينما تم إعلان عيد ميلاد "ربنا يسوع" عطلة رسمية فى الدولة ، وكان من الأكرم لهم أن يوضحوا ما بهذا الإجراء من مساس بعقيدة المسلمين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة فى مصر وفى البلدان الإسلامية! وكيف أن مثل هذه الإجراء يخرج عن حدود التسامح ليسهم او ليمهد لعمليات التبشير الدائرة !

.. والأدهى من هذا وذاك ، وغيره جد كثير بكل أسف، هو التوقيع على إتفاقية بين الأزهر والفاتيكان والكنيسة الأنجليكانية بالموافقة على أن يقوم المبشرون بالتبشير  فى مصر دون أن يتعرض لهم أى شخص !؟ وكان ذلك فى 18 ابريل 2005.. قسما بالله أرتجف خجلا وحزناً ومهانةً  وأنا أكتب هذه الحقائق وكلها منشورة فى الصحف المحلية والغربية! وهذا هو ما كشفه او ما "أعلنه"  الأنبا يوحنا قلتا هذا الأسبوع ( 2/4/2006)  بعد قرابة عام من التوقيع عليه.. ولا أقول شيئا عما إذا كان من حق هذا الأنبا أن  " يعلن " على المسلمين !

كما لا أقول شيئا عن غياب دور "علماء" المسلمين وعدم القيام بواجبهم الأساس أو جزء منه، وهو تعريف الغرب المسيحى بالإسلام والدفاع عن حقوق الأقليات المسلمة ، ومناقشة الخلافات الأساسية الحقيقية  بين المسيحية والإسلام  وتوضيحها للكافة ، فكل ما توصل اليه العلماء فى الغرب ، فيما يتعلق بتاريخ المسيحية وكيفية تكوينها ، كان القرآن الكريم سبّاقا فى الكشف عنه ، فما أكبر جهل  المسيحيين بحقائق دينهم وتاريخه ، وهذه الخلافات التى يجهلها الكثيرون هنا وهناك هى السبب الأساسى فى كل هذه المشاحنات والضغائن المكتومة والتى تشرئب من حين لأخر، بدلا من ترك الساحة للتعصب الفاتيكانى ورجاله الذين لا شرعية لوجودهم إلا الحفاظ على ما قاموا به من تحريف على مر العصور وفرضه على الأتباع والإصرار على فرضه على الديانات الأخرى وخاصة المسلمين ، أو تركها لوقاحة السياسة الأمريكية وعربدتها وأتباعها الغربيين ، بل وبدلا من التنطيط بين الفضائيات والقنوات الأرضية والبرامج الإذاعية الممقوته والمؤتمرات واللقاءات الجوفاء  التنازلية النزعة ، والدعْوات المظهرية ، والإنسياق فى لعبة البذخ والمظاهر على حساب الدين..

وفى نفس هذه السلسلة الممجوجة من التنازلات ، صدرت نفس هذه الأوامر الخاصة بتجفيف الإسلام من المنبع ، إلى كل البلدان الإسلامية . كما صدرت  إلى مجمع الملك فهد بتقليل طباعة المصاحف إلى النصف سنويا ، وبذلك سيأتى اليوم بعد بضعة سنوات و لا  نجد فى متناول اليد سوى "الفرقان الحق" –  تلك البدعة المهينة  التى ابتدعتها الأيادى العابثة فى الإدارة الأمريكية وتقوم بتوزيعها على بلدان العالم الإسلامى والعربى..ولا أقول شيئا عن الفضائيات والبرامج التى تسب الإسلام ونبيه الكريم ولا نرد أو نشرح الحقائق بل ولا يسمح بذلك إلا على إستحياء !..

 

 وهكذا أصبحنا نحقق مطلب القس زويمر ، كبير المستشرقين والمبشرين ، حين قال فى مطلع القرن العشرين :" لن يقتلع الإسلام إلا  أيادى مسلمة من الداخل " .. وياللعار!

 

وياللعار يا من كان اجدادكم يفْدون الأزهر- الرمز ويفدون الإسلام بأرواحهم ضد هجمات الحروب الصليبية وضد حملة المنافقين الفرنسيس وضد كل من يتجرأ على المساس بهذا الدين ..

لقد كان من الأكرم – بدلا من الصمت أو التواطؤ ، أن يتصدّوا لحملة عبدالرحمن المرتد فى أفغانستان ، والذى تدخل لحمايته كل من بوش  ووزيرة خارجيته وبابا الفاتيكان وهيئة الأمم ، ليفرضوا سابقة رسمية دولية تحت ستار مزعوم هو أنه " مختل عقليا ولا يجوز تقديمه للمحاكمة " ! وياللعجب ، كل هذا الهيلمان للدفاع عن مرتد بينما يقوم نفس هؤلاء الأشخاص بقتل وإبادة الآلاف فى مختلف البلدان الإسلامية والعربية بكل جبروت وعلى مرآى ومسمع من الجميع ، وما من احد يتحرك فى ذلك الغرب الذى ألف الفرجة فى صمت طالما الضحية من المسلمين !

 كان من الأكرم ان يتصدى العاملون فى الأزهر للمجزرة التى يتم الإعداد لها فى دارفور ، وأن يتصدوا لمطلب البابا بينديكت السادس عشر هذا الإسبوع  من ضرورة استخدام الثقافة والعلوم والإقتصاد والسياسة ووسائل الإعلام فى عمليات التبشير.. خاصة بعد توقيعهم على تلك الوثيقة المشؤمة . بل لقد كان من الأهم والأكرم لهم أن يساندوا الجزائر فى خطوتها الصائبة الجريئة باستصدار قانون يمنع التبشير وفرض عقوبة السجن والغرامة المالية على من يضبط متلبسا بعمليات التبشير بأنواعها ، سواء أكانت علنية أم سرية ، والمطالبة بتعميم مثل هذا القرار الشجاع فى كافة بلدان العالم الإسلامى والعربى ،  لكن من الواضح أن ماديات الدنيا وإغراءاتها باتت أقوى وأعتى ..

وإلى الذين يكذبون ويكذّبون توقيع الأزهر على وثيقة إباحة التبشير فى مصر ننقل نص المقال الذى كان أول من أحاطنا علما بهذه المأساة ، فهو منشور بجريدة "الأسبوع"  بتاريخ 18/4/2005 ، العدد رقم 421، وكانت صورة الوثيقة مطبوعة على الورق الرسمى لسفراء السلام – وإن كان من الأصوب ان يكتبوا : سفراء فرض التبشير والتنصير وإقتلاع الهوية والضمائر : 

 

خدمة مجانية للاحتلال في الأرض العربية وفرصة لا تعوض للاختراق

 

هل وافق الأزهر علي وثيقة أمريكية تضمن حرية التنصير في العالم الإسلامي؟!

 

 مصطفي سليمان :

 

"هل أعطي شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي الضوء الأخضر للمنظمات الأمريكية المسيحية لحرية التبشير في مصر والعالم الإسلامي؟..و كيف حدث ذلك؟

 

التقي شيخ الأزهر بوفد أمريكي الأسبوع الماضي يطلق علي نفسه 'سفراء السلام' وهم مجموعة من رجال الدين المسيحي الأمريكي منهم القس إميل حداد والقس جاري أمنديل وأديب غبريال وأيضا الدكتور محمد البطران بصفته رجل دين إسلامي علي شاكلة طارق رمضان صاحب دعوة تعليق الحدود.

 

عرض الوفد علي فضيلة الإمام وثيقة أمريكية أطلقوا عليها وثيقة 'الحقوق الدينية' تدور في معظمها في إطار السماح لأي جماعات دينية بحرية الدعوة لمذهبها وعدم التصدي لها أو استعمال العنف ضدهم وذلك تحت ستار التآخي والتسامح بين المسيحية والإسلام.

 

تضمنت الوثيقة 17 بندا أيدها شيخ الأزهر جميعها دون قيد أو شرط ووقع عليها الشيخ فوزي الزفزاف نيابة عن شيخ الأزهر وبصفته رئيس لجنة الحوار بين الأديان تقول الوثيقة:

 

إن المجتمع الديني في العالم أجمع لم يعد يقبل بتسييس حقوق الإنسان الممنوحة من الله والتي تتمثل أهميتها في حرية الاعتقاد والعيش بسلام علي هذه الأرض.

لذلك فإن مساندة هذا القرار ­ الوثيقة ­ سيعزز الاحترام والتسامح بين اتباع الديانات المختلفة.

 

وهذه الوثيقة تلزم جميع المسئولين الدينيين والزعماء السياسيين بتحمل مسئولياتهم في هذا الخصوص من أجل السلام.

 

انطلاقا من ذلك فإننا نعلن هنا أن الجواب الوحيد للخلافات الدينية يكمن في الحوار المبني علي الاحترام المتبادل بين اتباعها وليس في اللجوء إلي العنف.

 

نحن الموقعين نقرر ما يلي:

 

1­ إن هناك متطرفين بين اتباع كل دين من الأديان.

2­ إن اللجوء إلي العنف لتأكيد وجهة نظر دينية أو لإجبار آخرين علي اعتناقها هو أمر مرفوض.

3­ إننا كممثلين عن جميع الأديان في العالم، مشتركون معا في إنسانية واحدة، بإيماننا الشخصي بخالقنا نتفق هنا علي تقديس حق كل فرد في الإيمان بخالقه.

4­ إننا نقر بوجوب احترام حقوق جميع الأفراد الممنوحة من قبل الخالق وبأنها غير قابلة للتبديل.

5­ أن لجميع الأفراد أو الجماعات من مختلف الديانات الحق في أن يعرضوا بشكل سلمي، علي الآخرين نظرتهم الخاصة بالأمور اللاهوتية أو الإنسانية أو الحياة الآخرة.

6­ إن لجميع الناس من كل المؤسسات الدينية، الحق في الإعلان عن معتقداتهم وفي مناقشتها في أي مكان عام وبعيدا عن العنف.

7­ إننا نؤمن بحق كل فرد في الإيمان بأي دين يشاء.

8­ إن لكل إنسان رجلا كان أو امرأة، حقا مقدسا في اعتناق أو رفض اعتناق دين من الأديان دون التعرض لأذي من قبل أي جهة دينية أو سياسية.

9­ إنه لا يحق لأي جهة دينية أو سياسية أن تتدخل في الخدمات الروحية لاتباع دين آخر.

10­ إن لكل فرد الحق في مناظرة حقائق دينية دون خوف من انتقام.

11­ إن لكل فرد الحق في أن يستمع إلي غيره أو أن يسمع الآخرين صوته، كما أن لكل إنسان في العالم الحق في تعلم حقائق دينه والحصول علي الكتب المقدسة.

12­ إن لكل إنسان بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الوطني الحق في أن يعيش بسلام مع جيرانه مهما كان معتقدهم.

13­ إن لكل فرد من أي دين الحق في أن يستمع إلي فرد من معتقد آخر.

14­ إنه لا يحق لأحد التدخل أو تعطيل خدمة روحية لغيره. 

15­ إن لكل ساع وراء المعرفة الحق في الذهاب إلي أي خدمة دينية لإرضاء معرفته.

16­ لكل إنسان الحق في أن يشارك الآخرين معرفته.

17­ وبناء علي ذلك فإننا نصر علي أن لاتباع جميع الأديان حقا مقدسا في أن يشركوا الآخرين في معرفتهم وأن يعيشوا بسلام مع حصيلة هذه المعرفة.

وأيد شيخ الأزهر كل ما جاء في الوثيقة دون تدقيق ودون أن تعرض علي مجمع البحوث الإسلامية ليناقشها علماء المجمع.. وكان يجب علي الإمام الأكبر قراءة الوثيقة بتأني أو أن يستشير علماء المجمع.. خاصة أن الوثيقة بها ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية فبموجبها لا يحق لأي مؤسسة دينية أن تتدخل لوقف عمليات التنصير مثلا أو التبشير بمذهب مسيحي غربي يتناقض مع المسيحية الشرقية.. خاصة ما تحاول الإدارة الأمريكية الجديدة نشره وهو المسيحية الصهيونية، كما أن توقيت صدور الوثيقة يثير شكوكا كثيرة حولها.. وبغض النظر عما جاء فيها من بنود.. فيكفي أنها وثيقة أمريكية.

أما فضيلة الإمام فقد قال لهم: "إننا نسير في حياتنا علي مبادئ ثابتة أولها أن الناس جميعا من أب واحد وأم واحدة لا فرق بينهم وأن الاختلاف في العقائد لا يمنع من التعاون وأن الذي يحاسب علي العقائد هو الله عز وجل ولا يجب أن يتدخل أحد في العقائد. وأضاف أن الأديان السماوية أمرت بالعدل مع كل البشر ولابد أن نبني حياتنا علي المحبة والتعاون وأن الإسلام وجميع الأديان السماوية تمد يدها بالسلام لكل من يمد يده بالسلام وأن الحوار هو الذي يولد الثقة والمحبة ويفتح الأبواب المغلقة مؤكدا أن العالم عليه أن يعلم أن الحروب لا تحل المشاكل وإنما تزيدها حيث تزداد كراهية الشعوب".

سألنا د. جمال الدين محمود عضو مجمع البحوث الإسلامية عن بنود الوثيقة فقال: حق كل إنسان في أن يعتقد ما يشاء أو يرفض ما يشاء من الأديان مبدأ أتي به الإسلام أصلا. ففي الإسلام الا إكراه في الدين وقد قال تعالي: "أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين" صدق الله العظيم. لذلك فإن حق الفرد في الاعتقاد لا يمكن المساس به من الجماعة أو من أي سلطة مادام لم يكن متصادما تماما مع الأديان السماوية.. لكن ما تحويه هذه الوثيقة من بنود أخري خاصة ما يتعلق بحق أي شخص أن يترك دينا ويعتنق آخر دون المساس به فهذا محرم ومحظور شرعا ويوجد رأي للفقهاء المحدثين مثل الشيخ شلتوت يري أن الخروج عن الإسلام لا يستدعي إقامة الحد إلا إذا اقترن هذا الخروج بالإعلان عنه وتشجيعه والدعوة له أو إلحاق ضرر بالجماعة المسلمة بأي طريق كما أن العقوبة البالغة وهي القتل بالنسبة للمرتد لم ترد في القرآن ولا في حديث متواتر.. بل وردت في أحاديث الآحاد وإن كان جمهور الفقهاء يجعل الارتداد حدا من الحدود.. فبمجرد تغيير العقيدة من الإسلام إلي أي دين آخر ليس هو سبب الحد وإنما الخروج عن الدولة وإلحاق الضرر بالجماعة هو سبب الحد وبالنسبة للبند 12 فإن الإسلام يحمي المخالفين إذا عاشوا في مجتمع مسلم فتكون لأنفسهم وأموالهم ولأعراضهم حرمة وكذلك للمستأمنين من أي دين ماداموا دخلوا لغرض مشروع وبإذن الدولة، ولكن إذا كان ما تقصده الوثيقة في البند 12 أن لكل إنسان بغض النظر عن انتمائه الديني أو العرقي أو الوطني الحق في أن يعيش بسلام مع جيرانه مهما كان معتقده هو حماية للكيان الصهيوني وهذا لا تقره الشريعة الإسلامية.. فالفلسطينيون وكذلك العراقيون يعيشون علي أرض محتلة وقد أمرنا الإسلام بقتال من يتولي أمورنا من الكفار قال تعالي: 'قاتلوا الذين يلونكم من الكفار' فالواضح أن الوثيقة تحاول أن تمرر أشياء مخالفة للدين وتتلاعب بالألفاظ.

أما من ناحية حق رجال الدين المخالفين لنا في العقيدة أن يعرضوا علي الملأ وعلي المستوي العام وأمام الجماهير ما يرونه من عقائد ففي هذا خطورة لابد من تجنبها وهو أن يكون الخطاب الديني المتعلق بالعقائد محل مناقشة بين جماهير الناس في بلد إسلامي وكذلك فإن الدعوة إلي دين مخالف كما هو الشأن في بعض الحركات التبشيرية قد يصطبغ بأغراض سياسية ورغبة في شق وحدة المجتمع المسلم وتظهر خطورة ذلك في بلاد إسلامية عديدة قد يكون فيها الجهل أو الفقر والحاجة سببا في اضطراب العقيدة الدينية لدي البعض كما أن تاريخ التبشير المسيحي بالذات في المنطقة العربية ­ كما يقول د. جمال الدين محمود ­ ارتبط في بعض جوانبه بأهداف سياسية.. وليت الغربيين يتركون الحرية للمسلمين في أداء وممارسة شعائرهم كما يحدث في البلاد الإسلامية، ففي بعض البلاد توضع القيود علي إنشاء المساجد وحرية العبادة بالنسبة للمسلمين.

فرض الحماية

وعلق الدكتور رفيق حبيب الباحث والخبير في شئون الحركات الدينية علي هذه الوثيقة قائلا: هي محاولة لحماية حرية النشاط والعمل لمؤسسات غربية في الدول العربية والإسلامية وغيرها لذلك إذا فرقنا تماما بين حرية الاعتقاد كقيمة علي الجماعة المصرية أن تحميها وعلي الأمة العربية أن تحميها لأبنائها لتجنيبهم ممارسات المؤسسات الغربية في غيرها من الدول.. هنا سنستطيع تحديد موقف من مثل هذه الوثائق حيث نؤكد أن حرية الاعتقاد لأبناء الأمة هي قيمة ندافع عنها أما حرية عمل المؤسسات الغربية في بلادنا فهذا شأن سياسي ولا يندرج تحت مفهوم حرية الاعتقاد.

ويضيف د. رفيق حبيب.. ما تهدف إليه هذه الوثائق هو ترويج المسيحية الغربية.. بل هي أيضا تحاول نشر القيم وتمرير السياسات وحماية المصالح الغربية، فالإدارة الأمريكية الحالية تمثل اليمين المحافظ الديني الذي يهدف إلي تغريب العالم ونشر المسيحية الغربية لأن لهذا التيار اعتقادا بأنه صاحب الحق في قيادة المسيحية العالمية كما يعتقد أن أمريكا صاحبة الحق في قيادة العالم وبالتالي فقد تسربت النزعة الاستعمارية في جدول الأعمال السياسي والديني.

ويضيف د. رفيق حبيب مؤكدا أن العلاقة بين الأديان المختلفة يجب أن تصاغ داخل إطار الوطن الواحد وأي صياغة دولية لن تكون مناسبة لاختلاف تقاليد المجتمعات فكيفية حماية حرية الاعتقاد تختلف في ثقافتنا عن ثقافة الغرب.. عندنا مثلا يعتبر الهجوم علي الأديان من موقع الإلحاد هو خرق لقدسية الاعتقاد أما في الثقافات الغربية العلمانية فهذا أمر مسموح به، كذلك فإن قضية إدارة المشكلات الخاصة بحرية الاعتقاد وتغيير الدين لها أوضاع في ثقافتنا تختلف عن الغرب نظرا لارتباط المعتقد الديني للفرد بانتمائه الأسري، أيضا فإن قضية التبشير أو الدعوة لدين معين تختلف في الثقافة الغربية عن ثقافتنا فبالنسبة لنا ليس من المقبول أن تكون أي رسالة دينية تحمل نقدا أو تجريحا في العقائد الأخري في حين أن الغرب يسمح بهذا في ثقافته ".

 

وإلى هنا ينتهى المقال الذى نقلته كاملا ، ولا يسعنى إلا أن أردد عبارة واحدة :

 

حسبنا الله ونعم الوكيل ، حسبنا الله ونعم الوكيل.