الدكتور خالد العناني وزير الثقافة

 

نشر موقع "البوابة" موضوعا فجائي النزعة غريب التكوين، وإن كانت المعلومات التي يعرضها أكثر غرابة.. فالموضوع بكله يقع في خمسة عشر سطرا، إلا أن الذين صاغوه ثلاثة أشخاص !. ولا نفهم سببا لذلك العدد إلا ان يكون من قبيل تمويه المسؤولية والزوغان من ركاكة الصياغة، وأحيانا تكون هذه الصياغة مقصودة أو تنم عن شيء ما، فالمصاب جلل، والإعلان عنه أكثر فداحة.

يبدأ الخبر قبل عنوان المقال، بإلقاء تبعيته على السيد وزير الآثار الدكتور خالد العناني. والموضوع المعلن عنه على لسان سيادته يرد قبل عنوان المقال معلنا: "السيسي خصص 1.3 مليار جنيه لترميم التراث اليهودي"!!!. يا خبر اسود ! نعم، خبر أسود بكل ما يحمله من تداعيات، فهل من كتبوا الخبر او أعلنوا عنه أو حتي فكروا فيه لا دراية ثقافية ولا تراثية لهم ولا يعرفون ان اليهود لا تراث لهم، ولا حضارة، بل ولا فن لهم إلا كل ما اختلقوه منذ مطلع القرن العشرين حين اختلقوا عبثيات التجريد ن فكله اختلاق في اختلاق ؟ !

ثم يبدأ الخبر على لسان الدكتور وزير الآثار قائلا: "ان التراث اليهودي جزء من التراث المصري"، مؤكدا ان الرئيس عبد الفتاح السيسي خصص مبلغ ميار و270 مليون جنيه لترميم التراث اليهودي"! وكأنه ينفي عن نفسه أية صلة بذلك الخبر، فليس هو الذي قرر.. لكن القرار مصيبة فادحة، فهل نسينا التاريخ الى هذا الحد الفاضح ؟

نسينا اقتلاع أرض فلسطين ومحاولة إبادة شعبها ظلما وعدوانا الأمر الذي لم تتوقف الى اليوم، ونسينا العدوان الثلاثي، وذلك كان عنوانه في جميع وسائل إعلام العالم: "عدوان" أي اعتداء بلا سبب راح ضحيته قطاع من شباب الجيش المصري وطيران الجيش المصري وقتل الجنود العزل بعد ان جردوهم من كل شيء، واحتلال سيناء ونهب ما بها من آثار ومحاجر؟ يا لوَهَن الذاكرة المخزي..

والأكثر غرابة هو وضع الجملة التالية على لسان وزير الثقافة، الدكتور المتخصص فعلا في الآثار. وحين يوضع على لسان سيادته عبارة بهذه الركاكة، فلا بد وان يتساءل القارئ عما يحدث في مقال كتبه ثلاثة صحفيين أو عما يحاولون التعتيم عليه، إذ يواصل المقال أن العناني أضاف بقوله: "مش هستني حد يقول لي خد فلوس ورممه، (ورممه هنا تقع على التراث فرضا)، خد فلوس ورممه (هل يعني التسول)، لأنه أولوية عندي زي التراث الفرعوني والروماني والإسلامي والقبطي". فهل تبرع السيد الوزير ليرمم شيء لا وجود له من جيب سيادته؟  وبغض الطرف عن ركاكة التعبير فإن الخطأ في ترتيب تسلسل الحضارات غير مسموح به خاصة على لسان وزير متخصص، فالحقبة القبطية حتى وإن كانت عدة قرون فهي تقع قبل الإسلام.

ويواصل الكتبة الثلاثة وكأنهم يلقون بالمسؤولية على السيد الوزير، فبدأوا بإعلان الوزير، ثم باجتماع لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب، ثم الإشارة الى أنه كان برئاسة السيد أسامة هيكل، وكأنهم يواصلون أو يجاهدون لإلقاء المسؤولية على هؤلاء وليس على السيد رئيس الجمهورية الذي اتخذ القرار، وهذا شأن من حقه يقينا.

وفي الجملة التالية انتقل الحديث الى مشروع هضبة الأهرام لينتقل في نفس السطر الى أن "المياه الجوفية كانت مغرّقة معبد أبيدوس في سوهاج ! غير ان أغرب ما في هذا الحوار الجملة المتعلقة بآثار كوم أمبو وأنه "يوجد قرض إسباني ب 30 مليون يورو لإدارة الأهرامات"...

وتتزاحم الأسئلة من كل اتجاه: إن كنّا نقترض من اسبانيا حفنة دولارات، والاقتراض معروف أنه مثقل بالطلبات المجحفة فلم ننس القيود والأغلال التي كبلنا بها البنك الدولي وصندوق النقض، فكيف نقترض من ناحية ثم نغدق ونلقي ونهدر أكثر من مليار وربع مليار لترميم شيء غير موجود أصلا ؟ فالثابت تاريخيا ان اليهود لا تراث لهم لأنهم عاشوا في الشتات منذ طردهم هيرود سنة 70 بعد ان هدم المعبد ومعه التوراة.  

المقال غريب وما تناوله أكثر غرابة، إضافة الى عبارة تأجيل ترميم طريق الكباش بالأقصر "لأن عليه بعض المباني من ضمنها كنيستين ونجع، وكان القرار الصائب هو التفاوض مع هؤلاء الناس".. وهي عبارة تستوجب سؤالين:

1: لماذا لم يتم هدم الكنيستين أسوة بما يحدث مع المساجد ؟ وهدم المساجد ثابت بأي حجة كانت.

2 : ما معني استخدام عبارة "هؤلاء الناس" ؟ ألا يعرف الكتبة الثلاثة أو السيد الوزير الذي وُضع الكلام على لسانه أن الكنائس تتبع الأقباط أو المسيحيين أو حتي النصارى، فالمسميات موجودة، أم أن هناك تغيير قد حدث في الأولويات، فبعد أن كان المسيحيون بكل فرقهم يتحكمون ويفعلون ما يشاؤون بالدولة وبالإسلام وبالأزهر ويراجعون المناهج ويبنون أكثر من خمسة آلاف كنيسة بلا تراخيص، وتقبل القيادات راضخة وتقوم بالتقنين، تحول الوضع وأصبح اسمهم "هؤلاء"، بجد عيب ، وأصبح لليهود أولوية على كل شيء حتي على التاريخ، واختلقنا لهم حضارة وتراثا وآثارا جديرة بالترميم ؟ يا له من عبث، وسبحان من بدل الأمور..

هل الى هذا الحد محونا من ذاكرتنا اقتلاعهم أرض فلسطين وقتلهم العرقي للفلسطينيين أصحاب الأرض، ولا تزال جنودهم تحصدهم وهم يسيرون في الطرقات بلا أدنى عقاب أو رد من المجتمع الدولي المتخاذل ؟ هل الي هذا الحد نسينا تحطيم كبرياء الجيش المصري ودك طائراته على الأرض قبل ان تقلع وهتك كبرياء جنوده العزل وتركهم يعودون عراه حفاه في الصحراء التي ابتلعت وانطوت على آخر انفاسهم المتهالكة ؟

وبعد ثلاثة أيام صدر تكذيب للخبر !!

                                                                                 زينب عبد العزيز

                                                                                 16 ديسمبر 2018

 

 

 

هل الفن المعاصر مجرد دجل ؟!

 

https://encrypted-tbn3.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcTYcq4WU81YB5h16UEhj5faBkucphlPf84ty3TQXsak6SWrdpOy

 

نشرت مجلة لكسبريس الفرنسية فى عددها الصادر فى 23 ديسمبر 2015 مقالا مطولا بعنوان "هل الفن المعاصر مجرد دجل ؟"، بقلم الناقد فرانك دديو ، فى حوار مع الفنانة الناقدة أودى دى كيروس ، حول كتابها الجديد الصادر فى13/11/2015 تحت عنوان : "الدجل فى الفن المعاصر : يوتوبيا مالية" والعلاقة الخفية بين الفنان والممولين والموظفين. وما تقصده بالموظفين هو ذلك اللفيفمن العاملين القائمين على تنفيذ اللعبة، وحول الوسط الفنى الحالى القائم على تتجير الفن على الصعيد العالمى..

ويبدأ المقال بأن الفن المعاصر يعطى شعورا بالضياع والنفور، فهو عبارة عن مجال يدور فى فلك نخبة معينة، تعيش فى حلقة مغلقة، قائمة على إحتكار وإستبعاد كل القيم الجمالية الفنية، والتفاخر بما لا يملكه المرء والإعجاب بكل شئ شائع إفتعالا. وترى أودى دى كيروس أن الفن المعاصر يتخذ من التباعد عن الجمهور أساس تعامله لأن أسعاره ليست فى متناول احد منهم ، بل يعتمد على شريحة بعينها. كما أن حاجز اللغة غير موجود ، بمعنى تباعده تماما عن أية أبعاد فنية أو قيم لها أصالة، حتى بات التجريد مجرّدا من كل شئ.

وهذه الحلقة المغلقة عبارة عن شبكة محكمة، ما أن يدخلها الفنان حتى يفقد حريته ويفقد أى إمكانية للتصرف فى عمله، إذ أن المتحكمين فى السوق يملون عليه مقاس اللوحة والأسلوب المطلوب والموضمون وخاصة الخضوع لبرنامجهم وتنفيذه. وقد أسهَبَت فى توضيح العلاقة الخفية التى تربط بين كل القائمين على تنفيذ تلك البرمجة المحكمة. كما تناولت إنعكاس الإنهيار المالى لسنة 2008 فى الغرب وكيف بادر تجار الفن لإنقاذ مستوى أسعار فنانيهم أو "فنانو السوق" كما تطلق عليهم. فما أن يتلاشى وهْم الخديعة الفنية تبدأ عملية الإدراك والتساؤل عما حدث للفن الحقيقى وأين إختفى ؟!

وتحاول الناقدة الفنانة محاولة الإجابة على السؤال الذى يطرحه الجميع : كم من الوقت يمكن لتلك اليوتوبيا المالية أن تستمر أو تتحكم فى المجال الفنى ؟ ومتى ينهار وينتهى ضجيج ذلك الفن المعاصر ؟ أو كيف لذلك أن يحدث بعد كل الإستحكامات المالية والإعلامية التى أطاحت بكل القيم والمعايير الفنية ؟ فهى تعرض بإسهاب وتحليل موثق مشوار ذلك الفن المعاصر وتواطؤه مع رجال المال وغسيل الأموال ورجال السلطة. وبذلك تلقى الضوء بصورة واضحة حول العلاقات المشينة ، على حد قولها ، التى تربط بين الفن المعاصر والسوق والبورصة ومختلف المؤسسات الداخلة فى اللعبة. ففى مجال الفن المعاصر يكوّن  كلا من الفنان ورجل المال والتجار ثالوثا جهنميا ـ على حد تعريفها.

وأود دى كيروس ليست وحدها هى التى قامت أو تقوم بالكشف عن خبايا الفن المعاصر، إذ هناك الفنانة نيكول أسترول قد أصدرت بحثا شيقا فى أول مايو 2015 تحت عنوان : "التهريج فى الفن المعاصر" حيث تكشف كيف إفترش الفن المعاصر بكل تدرجاته التهريجية ـ على حد وصفها ، آخر ثلاثة عقود من القرن العشرين خاصة، بصورة إستفزازية. فكم من أناس إنخرطوا فى لعبته وإنحنوا إعجابا أمام خباياه ولعبته السياسية. ومثلها مثل كل الذين تجرأوا على إنتقاد تلك التيارات العبثية وأحاييلها والكشف عن تسمم المجتمعات بتلك البدع ، فقد إنهالت عليها لعنات النقاد الذين تكبلت أيديهم بإنخراطهم فى تلك الهاوية والمتحكمين فيها. خاصة الكشف عن الخيوط التى تربط بين الخلفية المنفلتة أو الإباحية التى تربط حكومة الأثرياء أو الطبقة المتسلطة من الأثرياء على الصعيد العالمى ، والقلة المتمسكة بالقيم والتعاليم الثقافية.

ويسهم هذا الكتاب والكثير غيره فى رفع حاجز الصمت الرهيب أو الصمت المميت ، المفروض لحماية تلك الخدع التى يطلقون عليها "الفن المعاصر". وقد سبق لأود دى كيروس أن أصدرت عام 2013 كتابا بعنوان : "الفن الخفى : معلومات غير مسبوقة حول القائمين على الفن المعاصر". وتكشف فيه عن كيفية ظهور ذلك الفن فى ستينات القرن العشرين بواسطة شبكة دولية من المؤسسات المالية الكبرى ، واستمر حتى أواخر الثمانينات متفردا متسلطا على الصعيد العالمى بينما تتصاعد أسعاره الفلكية المفتعلة بأيدى حفنة من التجار والعاملين فى غسيل الأموال المتخفيين خلف شبكة إعلامية مأجورة شديدة التعتيم. كما تكشف الكاتبة عما يحرك تلك التجارة المخفية فى غياهب المجتمع المالى الأرستقراطى المحرك لسياسات لعالم. 

وفى واقع الأمر ، ما أكثر الكتب والأبحاث التى ظهرت فى السنوات الماضية لتكشف خبايا لعبة تتجير الفن ، ومنها "سراب الفن المعاصر" ؛ "1983 ـ 2013 السنوات السود للفن المعاصر" ؛ "سوق الفن المعاصر" ؛ وكأنهم أجمعوا على قول : تكشفت اللعبة ، بعد أن حطمت كافة المقاييس والقيم الفنية والجمالية ، ولا يبقى على الذين إنخرطوا فيها وكل الذين ساروا على دربهم أو إتبعوهم جهلا أو عن عمد ، أن يمسكوا بالقلم الرصاص ليبدأوا مشوار تعلم أبجدية الرسم وقواعده ليمكنهم التطلع إلى بداية جديدة تؤدى بهم إلى طريق الفن بأسوع معانى الكلمة.

ومما أوضحته الكاتبة كيف يقومون برفع سعر الفنان المرتبط معهم بصورة تضخمية ، لا تمت إلى الفن بصلة إعتمادا على بعض قاعات العرض و جامعى التحف المتواطئين معهم. وتتضاعف العمليات المالية وتتراكم الأعمال التسفيهية. كما أشارت إلى كيفية إسهام نظام العولمة والقائمين عليه فى جعل تلك "الأعمال الفنية" تصل إلى الأرقام القياسية فى السعر وفى التفاهة. ومنها أعمال الفنان الأمريكى جيف كوونز الذى إستخدم البالونات الملونة وينفخها ليصنع منها تماثيل تباع بملايين الدولارات. فقد بيع أحد كلابه المصنوعة من البالونات بمبلغ 58,4 مليون دولار عند قاعة كريستيز.

وقد أسهم إتساع حلقة المليارديرات فى نظام العولمة فى مضاعفة أسعار الأعمال. ووفقا لرئيس قاعة آرت برايس ، تييرى إهرمان ، يقول أنه يتعامل هذا العام فى إطار مبلغ   7 ,1 مليار يورو ، أى أن ميزانيته قد تضاعفت 1800 % منذ سنة 2000 .. ولا نهاية لذلك اللامعقول طالما هناك من يروّج ويهلل إعجابا، ومن يدفع ما يطلقون عليه باللغه الدارجة : "شوية فكة" !!

 

زينب عبد العزيز

25 / 12 / 2015

 

http://urbanattitude.fr/wp-content/uploads/2015/01/splash.jpghttp://www.independent.ie/entertainment/theatre-arts/article30488209.ece/ALTERNATES/h342/2014-08-10_ent_2028248_I1.JPG

 

 

Afficher l'image d'origineAfficher l'image d'origine

         Résultat de recherche d'images pour "peinture abstraite"Résultat de recherche d'images pour "peinture abstraite"

 

أول صورتين من أعمال جيف كونز والباقى نماذج من "الفن" الحديث ..

 

 

 

مؤتمر المرأة، خلفياته وأبعاده ..

الدكتورة زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية

 

يمثل مؤتمر المرأة المنعقد فى بكين (3ـ15/9/1995)، الحلقة الختامية لسلسلة من المؤتمرات الدولية التصاعدية الحدة ووضوح الهدف. وهى سلسلة تتبناها منظمة الأمم المتحدة، بدأت فى السبعينيات وكان آخرها مؤتمر السكان والتنمية المنعقد بالقاهرة العام الماضى (1994). وتكمن أهمية او خطورة مؤتمر بكين فى أنه يبدو كالضربة القاضية لكل ما يتضمنه من أخطار معلنة بعبارات لا لبس فيها، أو واردة بعبارات مضغمة بدت كالشفرة، فلا يدرك معناها إلا من يعلم فك طلاسمها !

وتحت شعار "المساواة والتنمية والسلم" التى يتلفع بها هذا المؤتمر تندرج العديد من المحاور التى تخالف كل المفاهيم السوية والتشريعات السماوية.

وتزداد خطورة الموقف وجديته فى أن الوثيقة تنص بصريح العبارة أنها مُلزِمة لكل من يوقع عليها (بند 230ح)؛ وتطالب بالحد من أية تحفظات على ما ورد بها من موضوعات إستفزازية أو خارجة (بند 230 د)؛ وتشير إلى وجوب النظر فى سحب التحفظات عن الإتفاقيات السابقة (بند230 ج)؛ وتلزم الحكومات بتنفيذ ما ورد بها من مطالب مع إخضاعها للرقابة والمساءلة (بند 286)؛ والأدهى من ذلك كله أن هذا البرنامج أو هذا "المخطط" إن أمكن القول، عبارة عن "جزء لا يتجزأ من عملية البرمجة الأوسع" التى ستقوم منظومة الأمم النتحدة بجميع هيئاتها ومؤسساتها بتنفيذها فى الفترة ما بين 1995 و 2000، وذلك وفقا للبند 305 !!

و"عملية البرمجة الأوسع" هذه، والتى يعد مؤتمر المرأة جزء لا يتجزأ منها، لا ترد بشأنها أية تفاصيل وإنما يتعيّن علنا أن نتبينها من خضم الأحداث وكواليسها ومن "المناخ العالمى" الذى تقول الوثيقة فى مقدمتها أنه يعنى "التغيرات العالمية، والقرن الجديد، والألفية الجديدة"، دون أن تذكر أية بنود تفصيلية لهذه العبارات.

وإن كانت هناك بعض الإيجابيات فى بنود هذا البرنامج، فهى تبدو جد شاحبة إلى جانب كل ما تتضمنه من محاور بحاجة إلى وقفة صارمة من كافة المسئولين. وأهم هذه المحاور قضية "النوع" (Gender)، والإنفلات الجنسى، والأمن القومى، والدين.

وقضية "النوع" هنا تدور حول مختلف معانى وإستخدامات كلمة "چندر" (بكسر الجيم)، التى يحاول واضعو الوثيقة فرضها كمصطلح بدلا عن كلمة Sex  التى تشير إلى الجنس بنوعيه الذكر والأنثى. وكلمة "النوع" هذه ناجمة عن فلسفة تخريبية النزعة، قائمة على رفض حقيقة أن الوضع البيولوجى هو المصير لكل فرد، ورفض حقيقة أن إختلاف الذكر والأنثى من صنع الله عز وجل، وإنما هو مجرد إختلاف ناجم عن التنشئة الأسرية والإجتماعية وعن البيئة التى يحتكرها الرجل ويتحكم فيها لصالحة، كما تتضمن هذه النزعة التخريبية فرض فكرة أنه من حق الإنسان تغيير هويته الجنسية وأدواره المترتبة عليها، والإعتراف رسميا بالشواذ من لواطيين وسحاقيات ومخنثين، والمطالبة بإدراج حقوقهم الإنحرافية ضمن حقوق الإنسان، ومنها حقهم فى الزواج وتكوين أسرات، وحرية الحصول على أطفال سواء بالتبنى أو عن طريق التلقيح الصناعى للسحاقيات ونظام "تأجير البطون" للواطيين..

والغريب أنهم فى رفضهم هذا لسُنة الله عز وجل بزعم تحرير المرأة وتمكينها فهم يلجأون، فى قمة إنحرافهم هذا والكافر بكل القيم والموازين، إلى نفس سُنة الله ونظامه فى خلقه، وإن كان بأساليب ملتوية منحطة ومجردة من أية قيم أخلاقية أو أية مشاعر إنسانية.. فما معنى هذه المطالب الجاحدة، المغلفة بعبارات طنانة، إن لم يكن تخريبا لكافة القيم والمعايير لفرض هدف بعينه ؟!

أما محور الإنفلات الأخلاقى، فهو يتضمن نفس المطالب التى تم محاولة فرضها فى مؤتمر السكان المنعقد بالقاهرة العام الماضى (1994)، مع مزيد من التكرار والإلحاح ومزيد من العبارات المضغمة تارة والصريحة تارة أخرى. إذ تطالب الوثيقة بأنه من حق المرأة والفتاة الحصول والتمتع بحياة جنسية آمنة، مع من تشاء وفى أى سن تشاء، وليس بالضرورة أن يتم ذلك فى إطار الزواج الشرعى، وإنما المهم أن تقدم لهن النصيحة والمشورة بحيث تكون هذه العلاقات الآثمة مأمونة العواقب سواء من ناحية الإنجاب غير المرغوب فيه أو من حيث الإصابة بمرض الإيدز !؟.. تلك مجرد بعض شذرات مما ورد بالجزء ج من الفصل الرابع من البند 91 إلى 106 ..

بل إن الإسهاب فى تناول القضية الجنسية وحق المرأة والفتاة المراهقة فى التمتع بالممارسات الجنسية يجعلها تبدو وكأنها أهم قضية تكافح الوثيقة من أجل تحقيقها ! وذلك بغض الطرف عن كل ما صاحبها من خروج على كافة المعايير وإقحامها فى كافة المجالات التى تناولتها الوثيقة لتبدو الإنحرافات الماجنة وكأنها مسألة طبيعية لا غضاضة فيها كالطعام والشراب !!

وذلك لكى لا نقول شيئا عن تفتيت الروابط الأسرية، أو عدم إدانة الدعارة إلا إن كانت بالإكراه (بند 123) أما طواعية فلا مانع ! وكل هذه الإباحيات وكثير غيرها ليست قاصرة على البنود المذكورة وإنما تتناثر عبر مختلف أقسام الوثيقة التى تطالب الحكومات بإعطاء "الأولوية لتعزيز وحماية تمتع المرأة والرجل بالكامل وعلى قدم المساواة بجميع حقوق الإنسان والحريات بدون أى نوع من التمييز" (بند 232).. وهذه الحريات الساسية تدخل ضمنها الحريات الجنسية بتنويعاتها والتحكم فى الحمل والإجهاض وكل ما يخالف شرائع الله. كما يجب على الحكومات "الإهتمام بتلبية الحاجات التقنية والخدمية للمراهقين كيما يتمكنوا من معالجة الجانب الجنسى معالجة إيجابية ومسئولة" (بند 267)؛ وتطالب الوثيقة فى أكثر من موضع بحق المراهقات الحوامل فى مواصلة التعليم (بند 82 ز ، 85 ق الخ.)، دون إدانة هذا الحمل السفاح !

ولا تتحدث الوثيقة عن الزواج أو عن أنه يمثل الرباط الشرعى الذى يجمع بين الرجل والمرأة فى إطار إجتماعى هو الأسرة، وإنما ترى أن الزواج المبكر يعوق المرأة (بنود 41، 72، 95، 108 أ  الخ)، وبالتالى فهى تطالب برفع سن الزواج وتحريم الزواج المبكر وتطالب فى نفس الوقت بالحرية الجنسية للفتاة المراهقة وللمرأة فى كافة الأعمار !

ولا ترد عبارة "الوالدين" إلا وتكون مصحوبة بعبارة "أو كل من تقع عليه مسئولية الأطفال مسئولية قانونية (البنود 79، 85 ب، 107 د، 108 هاء،الخ..) ، وهى عبارة تشير إلى مختلف أنواع الأسرات بما فيها "الأسرات المثلية" وحق الشواذ فى الحصول على أطفال بالوسائل التى أشرنا إليها آنفا، وحق هؤلاء "الرجال" فى الحصول على "اجازة والدية" كالنساء لتربية الأطفال (بند 181 ج وغيره) !! بل إن برنامج عمل هذا المؤتمر لا يستخدم عبارة الزوج والزوجة وإنما عبارة Partener أى الشريك أو الزميل فى العملية الجنسية، كما تستخدم عبارة Couple التى تشير إلى أى إثنين أو أية علاقة إثنية سواء أكانت شرعية أم مثلية (البنود من 91 إلى 100 وغيرها). وذلك إلى جانب المطالبة بحق السرّية المطلقة فى الحياة الجنسية لكافة الأعمار (بند 96).

أما الجانب الأمنى للبلاد وهو المحور الشديد الوضوح فى عباراته، فتنص الوثيقة فى العديد من البنود أو الأجزاء التى تطالب فيها الحكومات بالعمل على تخفيض النفقات العسكرية وتحويل هذه الميزانيات للأغراض الإنمائية لصالح المرأة، ومنها ما ورد بالجزء "هاء 2 " المعنون : "تخفيض النفقات العسكرية والحد من توافر الأسلحة".. وفيه مطلوب من الحكومات القيام "بزيادة تحويل الموارد العسكرية والصناعات ذات الصلة بالأغراض الإنمائية السلمية والتعجيل بهذه العملية" (بند 145 أ)، وعمل "التخفيض المناسب فى النفقات العسكرية المفرطة بما فى ذلك النفقات العسكرية والإتجار بالأسلحة على الصعيد العالمى والإستثمار فى إنتاج الأسلحة وحيازتها" (بند 145 ب)؛ وضرورة "تسجيل تطوير الأسلحة الهجومية وإنتاجها وتوزيعيها وبيعها والقضاء عليها نهائيا... وجعل الإبلاغ عنها إلزاميا وإدراج جميع أنواع الأسلحة النووية والكيمائية والبيولوجية" (بند 145 ج).

الأمر الذى يرمى إلى إخلاء العالم الثالث من الأسلحة بأنواعها بعد أن اختل ميزان القوى باستتباب ترسانة السلاح النووى للكيان الصهيونى المغتصب لأرض فلسطين المحتلة !

ويندرج فى محور الأمن القومى أيضا كل ما تضفيه الوثيقة من أهمية على المنظمات غير الحكومية والمنظمات النسائية أو "ذات المفاهيم النساوية"، والمقصود بها منظمات السحاقيات التى تمثل 10% من المنظمات النسائية فى الغرب.. إذ تطالب الوثيقة بضرورة إسناد سلطات مبالغ فيها لهذه المنظمات وأنه من حقها التدخل فى كافة المجالات والعمل على تعديل القوانين والقيام بالرصد والمتابعة لإبلاغ الأمم المتحدة عما يتم تنفيذه (62 ب، 111، 242 أ..الخ)؛ وكأنها ستصبح عبارة عن أجهزة إستخبارية تابعة أو خاضعة للأمم المتحدة !

وتمثل الترتيبات المالية نوع آخر من التدخلات التى تمس أمن البلاد وإقتصادها : إذ يكشف الباب السادس والأخير من البرنامج أن تحقيق تكاليف هذا الإنفلات الكاسح لكل القيم والمفاهيم سيكون على عاتق الحكومات المحلية : "تتحمل الحكومات المسئولية الأساسية عن تنفيذ الأهداف الإستراتيجية لمنهاج العمل، ويتعيّن عليها أن تقوم بتعديل الميزانيات بما يكفل تكافوء الحصول على نفقات القطاع العام" (بند 347)، و "تسهيلا لتنفيذ منهاج العمل، لا بد أن تقوم الحكومات حسب الإقتضاء بتخفيض النفقات العسكرية المفرطة والإستثمارات التى توظفها فى إنتاج الأسلحة وإقتنائها" (بند 350).

وتحقيقا لهذا البرنامج أو منهاج العمل كما تطلق عليه الوثيقة، يوضح البند 357 أنه "لا بد من دعوة صندوق النقد الدولى والبنك الدولى إلى دعم هذه الجهود"، وذلك إلى جانب العديد من المؤسسات المالية الغربية الأخرى؛ وكأن كل ما تعانى منه الدول النامية من تحايل وتحكم هاتين المؤسستين لا يكفى ليغرقوا العالم الثالث فى مزيد من الديون الناجمة عن محاولة إغراقه فى الإنحلال..

ومن اللافت للنظر أن هذا البرنامج قد أفرط فى البنود التى تتيح الإقتراض للمرأة، لا من أجل مشاريع ذات أهمية، وإنما "لعمل المشاريع المتناهية الصغر والصغيرة" (بند 171 ج) !؟ فما معنى أو جدوى مثل هذه التنمية ؟!

أما المحور الخاص بالدين، فنرى الوثيقة تقوم بتقارب شديد بين الدين والتطرف، وأنه من "العوائق" التى تصادف المرأة (بند 480)، بل ترى الوثيقة ضرورة "إعطاء الأولوية "لتعزيز وحماية تمتع المرأة والرجل بالكامل وعلى قدم المساواة بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية بدون أى نوع من التمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين" (بند 232 أ). وإذا كان من المنطقى وفقا لهذا المنطق العلمانى الملحد أن تعتبر الوثيقة الدين من العوائق وتطالب فى كثير من البنود بإلغاء أو تعديل القوانين الدينية التى تحول دون تنفيذ هذا المخطط، فمن السخرية الوقحة أن نطالع فى البند 295 مناشدة كافة المؤسسات ومنها "الجماعات الدينية" تقديم دعمها ومشاركتها لتنفيذ ما ورد بمنهج العمل هذا !!

ولا يسع المجال هنا لتناول كل ما ورد بالوثيقة من سلبيات، وإن كانت هناك نقطتان لا بد من الإشارة إليهما. وتتعلق النقطة الأولى بمشكلة المرأة أو ما جرى العرف على تسميته كذلك فى إطار هذا المؤتمر. فمن الثابت تاريخيا وإجتماعيا أن هذا المسمى لم يظهر إلا عندما أوجدها الغرب بخروجه عن تعاليم الدين بالكلية، وبفرضه النظام الرأسمالى الإستعمارى على العالم منذ خمسة قرون تقريبا، وكل ما تبع ذلك من تفرقة حتى فى الأجور بين الرجال والنساء والأطفال. وأن كل ما يفرضه الغرب من مشاكل على المرأة المسلمة من حيث التعليم وتنظيم الأسرة والميراث وحق الملكية وحيازة الأرض والتصرف فيها وحق العمل والمساواة فى الأجور وما إلى ذلك من المشاكل الجديدة الغريبة على المفهوم الإسلامى، كلها لها حلول وتقنين فى القرآن الكريم والسنة، ولم تخضع له المرأة المسلمة إلا حينما خضع المجتمع الإسلامى لسيطرة الغرب ونفوذه السياسى والإقتصادى الإمبريالى والعلمانى.

أما النقطة الثانية فتتعلق بالبند 305 وعبارة أن هذا البرنامج أو هذا المؤتمر "جزء لا يتجزأ من عملية البرمجة الأوسع" التى سيتم تنفيذها من الآن حتى سنة 2000 ! أى أننا حيال مخططٍ ما قد تم الإعداد له أو قد تمت برمجته بالفعل ولم يُعلن عنه.. فإذا ما ربطنا بين هذا البند وذلك العنوان الذى يليه فى صفحة 3 ، ولا بنود له فى مقدمة الوثيقة، والذى يشير إلى "المناخ العالمى"، وأنه يعنى "التغيرات العالمية، والقرن الجديد، والألفية الجديدة"، لخرجنا بصورة قاتمة عن خلفيات هذا المؤتمر المشئوم وأبعاده..

فإذا ما حاولنا تفسير هذه العبارات الثلاث بالمفردات المتداولة فى الخطاب السياسى والحضارى الحالى لوجدنا أن "المتغيرات العالمية" تشير إلى الإتحاد السوفييتى وإلى وضع الإسلام فى مكان العدو الجديد الذى تجب محاربته؛ وأن عبارة "القرن الجديد" تشير إلى محاولة البابا يوحنا بولس الثانى تنصير العالم مع العمل على توحيد الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما وتضافر الجهود لإقتلاع الإسلام حتى يبدأ القرن الجديد وقد سادت المسيحية؛ وعبارة "الألفية الجديدة" تشير إلى ما بعد تنصير العالم وهو ما سيسمح بقدوم السيد المسيح ليحكم العالم ألف سنة ثم تقوم القيامة كما يزعمون..

مجرد محاولة لتفسير العبارات، وقد تبدو تجريدية النزعة، لكنها تستند إلى الأحداث المعاشه والخطب الرسولية المعلنة.. إنها مجرد محاولة لتفسير بعض الإبهام الوارد بالوثيقة، إلا أن تلك الرؤية القاتمة لخلفيات المؤتمر وأبعاده لا يجب أن تحيدنا عن التصدى لهجماتها التدميرية الكاسحة لكافة القيم. لذلك لا بد من أن يتمسك المسئولون عن البلدان الإسلامية وبإصرار لا تهاون فيه على أن تنفيذ أى قرار يتم إتخاذه فى المؤتمر "يجب أن يكون وفقا لتعاليم الإسلام، أى وفقا لما يتضمنه القرآن الكريم والسنة، واحترام الخصوصيات الثقافية والدينية لكل بلد"، حيث سيكر الخروج عنها على قضية التنمية بالبطلان إلى جانب مساسها بالهوية الإسلامية.

كما يتعين على المسئولين المطالبة بإسقاط ديون العالم الثالث حتى يتمكن لهذه الدول الفقيرة المنهوبة أن تقوم بعملية تنمية حقيقية وغير قائمة على مزيد من الديون، خاصة وأن هذه الديون ناجمة عن النظام الإمبريالى وتحكمات البنك الدولى وصندوق النقد وآثار الإستعمار السابق، أى أنها ديون لا حق للغرب فيها !

لذلك لا يسعنا إلا أن نناشد المسئولين والمشتركين لا فى العالم العربى والإسلامى وحده، وإنما فى العالم أجمع، ضرورة تضافر الجهود لرفض هذه القرارات المنحرفة عن أية قيم والتمسك بما أنزله الله من توحيد وتشريع وأخلاق ومعاملات إنسانية.. إن تضافر الجهود لرفض هذا الإنفلات العبثى المفروض علينا حتى وإن أدى الأمر إلى قطع المعونات، أو أياً كانت الضغوط والتهديدات والوعيد، أو مهما كانت الوعود البراقة، فالدفاع عن الدين وعن القيم الأخلاقية والإنسانية أهم وأبقى.

نشر بجريدة "الحياة اللندنية"

بتاريخ 7 سبتمبر 1995

 

 

بدلا من كنيس الدكان !

الدكتورة زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية

 

تتشدق الصحف القومية بما يبذله المسئولون فى محاولات محمومة لتجميل القاهرة إستعداداً لإنعقاد مؤتمر السكان والتنمية، وإن كان ما يدور فعلا من محاولات تجميلية، فى صراع مع الزمن، أشبه ما يكون بما تطلق عليه ربات البيوت عبارة "كنيس الدكان" ! وتعنى هذه العبارة عملية التنظيف الشكلية الخاطفة الإيقاع ودس "الكراكيب" تحت الأسرّة وفى الدواليب، حتى تبدو المسطحات نظيفة مرتبة لإستقبال الضيوف !!

وبغض الطرف عن إهدار الأموال فى مثل هذه العمليات العشوائية، فحينما تقوم دولة لا يكف مسئوليها عن ترديد عبارات اللوم والتبكيت على أنها دولة فقيرة، وإن الميزانيات خاوية، وأنه لا بد من الحد من الإنفاق وترشيده، أو أن تقوم الحكومة بتخفيض مرتبات أعضاء هيئات التدريس وإلغاء بدلات أساسية من رواتبهم، والعمل على رفع أسعار الخدمات والسلع الأساسية بما يحمّل الشعب ما لا طاقة له به، وإختلاق مزيد من الضرائب، ثم يقوم هؤلاء المسئولون بتخصيص مائة مليون جنيها لإستضافة عشرين الف شخصاً يمثلون "ضيوف" المؤتمر المزمع إقامته فى سبتمبر القادم، فهنا لا بد من وقفة صارمة.

لا بد من وقفة نتساءل فيها عن هذا العدد الرهيب من "الضيوف" الذى ليس له مثيل .. وما هو المغزى الحقيقى وراء قدوم مثل هذا الحشد، الذى يمثل فى واقع الأمر الآلات التنفيذية لأكبر عملية قتل بشرى يشهدها التاريخ ؟! لا بد من وقفة نتساءل فيها، لا عن معنى هذه "الإستضافة" فحسب، وإنما عن فحوى هذا المؤتمر وأغراضه وتكاليفه وعن المنتفع الحقيقى من هذا الحدث العبثى.

إن القارئ لبرنامج عمل المؤتمر الذى يقع فى 121 صفحة باللغة العربية، لا يمكنه أن يغفل حقيقة أنه مكتوب بأسلوب وعبارات ملتوية غير واضحة، وأن العديد من نقاطه الحساسة متناثرة فى بنود مختلفة عبر ستة عشر بحثا أو فصلا، يصعب إلتقاط مرماها أو الربط بينها، كما لا يمكنه إغفال العديد من المتناقضات أو حقيقة أنه يرمى إلى هدم الأسرة التى تمثل الأساس الإنسانى للمجتمع، تحت مسمى الحرية الجنسية لكافة الأعمار رجالا ونساء ومراهقين ومراهقات، بزعم "تمكين المرأة"، وأنه يهدف إلى تحديد النسل بتقنين عملية الإجهاض والتعقيم وقتل المرضى الميئوس من شفائهم، وذلك بسن قوانين جديدة تخرج عن تعاليم الإسلام الصريحة الواضحة العبارات والتى لا يمكن لإنسان أن يمسها أو يتلاعب بها ..

والمحزن المرير فى هذا البرنامج الذى تم الإتفاق علي 90 % من بنوده فى إبريل 1994، أنه ينص صراحة على أن تتولى الحكومات بكافة أجهزتها ومختلف وسائل الإعلام التابعة لها وجميع مؤسساتها الدينية والتشريعية والشبابية العمل على تقبّل الرأى العام لهذه القرارات وتنفيذها وإنجاحها !! أى أن المطلوب ليس محاولة تمريرها على الرأى العام وإنما تنفيذها وبنجاح !

كما لا يمكن لقارئ هذا البرنامج أن يغفل حقيقة بنود أخرى كالإصرار على أن تتولى المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص تنفيذ العمليات المطلوبة، والإصرار على فتح باب الإستثمار الأجنبى مع العمل على قتل الصناعات المحلية الصغيرة؛ والتلاعب بعبارتى الهجرة والسكان الأصليين بما يسمح بمزيد من التوغل الإستعمارى الإستيطانى. ولا نقول شيئا عن عملية التلويح ببعض المطالب للمرأة وغيرها سبق للإسلام أن أتى بها بل وتمارس فعلا منذ أربعة عشر قرنا، وذلك من قبيل حق المرأة فى الميراث، وإمتلاك الأراضى والتصرف فيها، أو الإمتناع الجنسى التطوعى، أو عدم قتل الإناث من المواليد ..

هذا عن مضمون المؤتمر بإيجاز شديد. أما الطامة الكبرى فتكمن فى النص على أن هذا البرنامج الذى تعجز الكلمات عن وصف مساوئ مرماه الحقيقية، تقع ثلثى تكاليفه، وتقدر بالمليارات من الدولارات، على نفس البلدان المطلوب تخريبها والتى يطلق عليها الغرب عبارة العالم الثالث الفقير... بينما يقع الثلث على "جهات أخرى"، أى على الغرب الثرى المتقدم، مع العمل على"إسترداد هذه التكاليف، أى هذا الثلث، من الأرباح" !! فهل يمكن لإنسان عاقل مهما كان فقيرا متخلفا حضاريا أو حتى عقليا أن يقبل مثل هذا "ألإستغفال" المادى بخلاف الجوانب الأخرى ؟!

أما عن المنتفع الحقيقى من هذه المجزرة المتعددة الجوانب، فهى مجزرة دينية وأخلاقية وإجتماعية وإقتصادية، فليست بالقطع البلدان الفقيرة المعدمة التى يُفرض عليها أن تغوص فى بحر بلا قاع من الإباحية الجنسية والدعارة، إذ أن "الدعارة الإجبارية" يرفضها هذا البرنامج الجليل، بينما يتقبل الدعارة الإختيارية على أنها حرية شخصية، فمن سينتفع من هذا الإنفلات التدميرى هو الغرب "المتحضر" الذى لا يكف عن إعتصار العالم الثالث الذى إختلقه بظلمه وجبروته.

إن حقيقة هذا المؤتمر ترمى إلى إضفاء مزيد من السلطة والسيطرة للأيادى الخفية المحركة لمنظمة الأمم المتحدة بمؤسساتها، والعمل على إقامة النظام العالمى الجديد الذى يبدو كإمبراطورية وقحة لا رحمة فيها.

إن كافة الأحداث السياسية والتاريخية التى عشناها ونعيشها تؤكد وتدين سوء نيّة المتحكمين فى الغرب ومنظومة الأمم المتحدة. ونظرة خاطفة على كل الثقل السياسى الدولى المفروض على العالم الثالث من خلال هذا المؤتمر تفضح نواياه المشبوهة.

فبدلا من التورط فى مزيد من الإتفاقيات التى تؤدى إلى هدم العالم الإسلامى والعربى أو العالم الثالث برمته، وبدلا من التوغل فى مزيد من التواطؤات من أجل بضعة جوائز أو وعود سيارة، وبدلا من هذه اللهفة الرخيصة المعنى الباهظة التكاليف لإستقبال هذا المؤتمر الذى تدينه أيضا بعض المؤسسات الغربية الإجتماعية أو الدينية، فلا بد من العمل على تكاتف الدول المطلوب ضياعها والعمل على أن يرضخ الغرب لحق الجميع فى حياة متساوية الحقوق المبادئ الكريمة المتمسكة بشرع الله، وأن يعمل المسئولين على فرض مبدأ التكامل بين الحضارات والشعوب وليس على القتل والإبادة من أجل حفنة تزعم أنها مختارة !