اعترافات القديس جيروم..

 

يقول القرآن الكريم: {من الذين هادوا يحرفون الكلم من مواضعه} (النساء 46)، و{يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به} (المائدة 13)، {يحرفون الكلم من بعد مواضعه} (المائدة 41)، {وقد كان فريقا منهم يحرفونه من بعد ما عقلوه} (البقرة 75). أي إن القرآن الكريم يؤكد في أكثر من آية وبدقة لغوية على تحريف الكتاب المقدس، فهناك فرق بين "من مواضعه" وبين "عن مواضعه" وبين "من بعد ما عقلوه". هذا قول القرآن، فما الذي فعله أو يقوله الفاتيكان؟ :                                               

 

تعد وثيقة "اعترافات القديس جيروم"، التي صاغها في القرن الميلادي الرابع، أهم وثيقة في التاريخ تثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أن الأناجيل الحالية قد عانت من التعديل والتبديل والتحريف وسوء الترجمة بحيث لا يمكن إعتبارها بأى حال من الأحوال أنها نصوص منزّلة، فهى يقينا شديدة الاختلاف، ولا تمت بأى صلة إلى ذلك الإنجيل الذي أشار إليه القرآن الكريم بأن الله سبحانه وتعالى قد أوحاه للمسيح عليه الصلاة والسلام. وإنجيل السيد المسيح كان موجودا بالفعل، بدليل أن بولس يقول إنه كان يبشر به: " (...) حتى أنى من اورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح" (إلى أهل رومية 15: 19)! إلا أن الأيادى العابثة فى المؤسسة الكنسية قد أخفته لتفرض ما نسجته عبر المجامع على مر العصور..

 

وقد أشرت في مقالين سابقين إلى هذا الخطاب ، الذى لا يمكن الإختلاف حول أهميته ، لإطاحته الأكيدة بمصداقية الأناجيل الحالية، فرغمها ، ونظرا لكثرة التعليقات التى وصلتنى عليه من إخواننا المسيحيين وإتهامهم إياى بالكذب والإفتراء ، فلم أجد بدا من نشر صورة فوتوغرافية لطبعة الكتاب نفسه ، الموجود فى مكتبة فرانسوا ميتران بباريس ، ليكف إخواننا الكرام عن إتهامى ، خاصة وأننى أعربت أكثر من مرة أنه نظرا لحساسية الموضوعات التي أتناولها دفاعا عن الإسلام ، الذى يجاهدون لإقتلاعه ظلما وعدوانا ، فلا يمكننى قول أى معلومة ما لم تكن وثيقتها عندى أو لدى صورة منها .. فبدلا من إتهامى والتدنى إلى مستوى لا أرضاه لا لهم ولا لأي أحد، خاصة في مثل هذه الموضوعات الجادة أو المصيرية، فمن الأفيد لإخواننا الكرام أن يقوموا بدراسة حقيقة تاريخ المسيحية الحالية ليعرفوا كيف تم نسج ما هم عليه من عقائد.. بدلا من الإنسياق وراء الاعيب الغرب السياسية الرامية إلى إقتلاع الإسلام والمسلمين عن غير وجه حق.

 

ولولا أن هناك عمليات تمويه وتعتيم ومعارك كبرى دارت حول أصول هذه الأناجيل لما قامت الكنيسة بمنع أتباعها من قراءتها حتى بعد منتصف القرن الخامس عشر، لكي لا يكتشفوا ما يتم بها من تعديل وتغيير، بل لما احتاجت هذه المؤسسة، بكل جبروتها الراسخ، إلى أن تفرضها فرضا في مجمع ترانت، فى القرن السادس عشر، فحتى ذلك الحين كان هناك من يعترض على ما بها ويرفضها، ففرضتها قائلة: "ان الله هو المؤلف الحقيقى والوحيد لها"، ثم قررت أنه يمكن للأتباع قراءتها برفقة قس حتى يتصدى لأي سؤال قد يكشف ما بها.. ثم فى مجمع الفاتيكان الأول 1879، قررت الكنيسة أن الله قد أوحى للروح القدس الذي قام بدوره بإلهام الحواريين فى كتابتها، وهو ما يمثل تراجعا واضحا عن القرار السابق، ثم فى مجمع الفاتيكان الثانى 1965 إعترفوا بأن هذه النصوص "بها القديم والبالي، وإن كانت تمثل منهج تربوي إلهي حقيقي".. واللهم لا تعليق!

وفيما يلي الصورة الفوتوغرافية لصفحة المقدمة-الاعتراف التي تتصدر الصياغة التي قام بها جيروم للأناجيل في القرن الرابع، ثم ترجمة الخطاب إلى العربية، ثم التعليق عليه:



" المجلد الأول من أعمال الراهب جيروم

بداية المقدمة

حول مراجعة نصوص الأناجيل الربعة

إلى قداسة البابا داماز، من جيروم،

 

"تحثني على أن اقوم بتحويل عمل قديم لأخرج منه بعمل جديد، وتريد منى أن أكون حَكماً على نُسخ كل تلك النصوص الإنجيلية المتناثرة في العالم، وأن أختار منها وأقرر ما هى تلك التى حادت أو تلك التى هى أقرب حقا من النص اليونانى. أنها مهمة ورعة لكنها مغامرة خطرة إذ سيتعيّن علىّ تغيير أسلوب العالم القديم وإعيده إلى الطفولة. وأن أقوم بالحكم على الآخرين يعنى فى نفس الوقت أنهم سيحكمون فيه على عملي. فمَن من العلماء أو حتى من الجهلاء، حينما سيمسك بكتابى بين يديه ويلحظ التغيير الذي وقع فيه، بالنسبة للنص الذي اعتاد قراءته، لن يصيح بالشتائم ضدى ويتهمنى بأننى مزور ومدنس للمقدسات، لأننى تجرأت وأضفت، وغيّرت، وصححت فى هذه الكتب القديمة؟

"وحيال مثل هذه الفضيحة، هناك شيئان يخففان من روعي، الأمر الأول: أنك أنت الذي أمرتني بذلك؛ والأمر الثاني: إن ما هو ضلال لا يمكن أن يكون حقاً. وهوما تقره أقذع الألسنة شراسة. وإذا كان علينا أن نضفى بعض المصداقية على مخطوطات الترجمة اللاتينية، ليقل لنا أعداؤنا أيها أصوب، لأن هناك من الأناجيل بعدد الإختلافات بين نصوصها. ولماذا لا يروقهم أن اقوم بالتصويب إعتمادا على المصادر اليونانية لتصويب الأجزاء التى أساء فهمها المترجمون الجهلاء، أو بدّلوها بسوء نية، أو حتى قام بعض الأدعياء بتعديلها.

"وإذا كان علينا دمج المخطوطات، فما يمنع أن نرجع ببساطة إلى الأصول اليونانية ونبعد بذلك عن أخطاء الترجمات السيئة أو التعديلات غير الموفقة من جانب الذين تصوروا أنهم علماء، أو الإضافات التي أدخلها الكتبة النعسانين؟ أننى لا أتحدث هنا عن العهد القديم والترجمة السبعينية باللغة اليونانية التى لم تصلنا إلا بعد ثلاث ترجمات متتالية من العبرية إلى اليونانية ثم إلى اللاتينية. ولا أود أن ابحث هنا ما الذي سيقوله أكويلاّ أو سيمّاك، أو لماذا آثر تيودوسيان إختيار موقف الوسط بين المترجمين القدامى والحداث. لذلك سأعتمد على الترجمة التى يمكن أن يكون قد عرفها الحواريون.

"وأتحدث الآن عن العهد الجديد، المكتوب بلا شك باللغة اليونانية فيما عدا إنجيل متّى الذي كان قد استعان أولا بالعبرية لنشره فى منطقة اليهودية. إن هذا الإنجيل يختلف يقيناً عن الذي بلُغتنا نظرا لتعدد المصادر التى استعانوا بها لتكوينه. وقد آثرت أن ارجع إلى نص أساسي، فلا أود الإستعانة بترجمات المدعوان لوشيانوس أو هزيكيوس التى يدافع عنها البعض بضراوة عن غير وجه حق، واللذان لم يكن من حقهما مراجعة لا العهد القديم بعد ترجمة السبعين، ولا أن يقوما بمراجعة النصوص الجديدة. فالنصوص الإنجيلية التى وصلتنا بلغات شعوب مختلفة توضح مدى الأخطاء التى بها. وإذا كنت قد قمت بذلك بالنسبة للنسخ المكتوبة بلغتنا فلا بد وأن أعترف بأننى لم أستفد منها شيئاً.

"وهذه المقدمة المتواضعة تقترح أن يكون ترتيب الأناجيل الإسمي على النحو التالي: متّى، مرقس، لوقا، ويوحنا. وقد تمت مراجعتها من عدة مخطوطات يونانية قديمة. وهي لا تبعد كثيرا عن فحوى النسخ اللاتينية. فلم أقم إلا بتصويب الأجزاء التى بدت بعيدة عن المعنى الحقيقى وتركت الأجزاء الأخرى كما وصلتنا في صياغتها البدائية ووضعت حرف (ب). أما الترجمات التى قام بها يوسبيوس من القيصرية، المقسمة إلى عشرة أجزاء، وفقا لأمونيوس السكندري، فقد ترجمتها إلى لغتنا إلتزاما بالمعنى اليونانى فحسب. وإن كان هناك أى فضولى يود معرفة الأجزاء المتماثلة أو المتفردة أو التى تختلف تماما عن تقسيمة العشرة يمكنه معرفة ذلك. لأن الأخطاء قد تراكمت مع الوقت في كتبنا، وهو ما يجعل إنجيل ما يتفاوت عن الآخر، وأشرت إليه بحرف (ح).

"لقد وقعت أخطاء عند محاولة التوفيق بينها، لذلك ترى خلطاً شديداً فى الترجمات اللاتينية. فأحد الكتبة قد قال أكثر وفى الآخر قد أضافوا إذا تصوروا أنه أقل. وأن مرقس فى أجزاء كثيرة ينقل عن لوقا ومتّى، وأن متّى ينقل عن يوحنا ومرقس، بينما كان كل إنجيل يحتفظ بما يخصه فحسب. فكل واحد منهم قد نقل عن الإنجيل الذي وقع في يده. لذلك عند قراءة الكشف الذي أقترحه لن يكون هناك أى خلط وسيتم التعرف على المتشابه بينها وعلى ما يخص كلا منها بعد أن استبعدت الخلط والأخطاء.

"ففي الكشف الأول يوجد توافق بين الأناجيل الأربعة متّى ومرقس ولوقا ويوحنا. وفى الثانى لا يوجد توافق إلا بين متّى ومرقس ولوقا، وفى الثالث بين متّى ولوقا ويوحنا، وفى الرابع بين متّى ومرقس ويوحنا، وفى الخامس بين متّى ولوقا، وفى السادس بين متّى ومرقس، وفى السابع بين متّى ويوحنا، وفى الثامن بين لوقا ومرقس، وفى التاسع بين لوقا ويوحنا. وفى العاشر ستجد كل مل هو خاص بكل إنجيل ولا يوجد فى الأناجيل الأخرى. وفى كل إنجيل على حدة هناك أجزاء متفاوتة الطول كلما ابتعدنا عن التوافق.

"الرقم سيكون باللون الأسود، وسيتضمن رقماً آخر تحته بالأحمر، لكي يدل في أى إنجيل يوجد ذلك الجزء المعنى. فعند فتح الكتاب ومحاولة معرفة أى فصل ينتمي لهذه الترجمة أو تلك فإن ذلك سيتضح فوراً من الرقم الذي اضفته من أسفل. وعند الرجوع إلى بداية الطبعة التى توجد فيها القوائم معاً وبفضل إسم الترجمة المحدد فى بداية كل إنجيل يتم العثور على رقم كاتبه مع العناوين المختلفة لكل منهم. ويوجد بجوار هذا الأخير أسماء الفقرات المماثلة. وهكذا يمكن الإطلاع على الأرقام الموجودة فى نفس الفصل. وما أن تتم معاينة هذه المعلومات يمكن التوصل إلى كل واحد مع مراعاة الأرقام التى تم تحديدها يمكن معرفة الأجزاء المتشابهة أو المتماثلة (ب).

أرجو أن تكون بخير فى المسيح وألا تنسانى يا قداسة البابا ".

 

ولو قمنا بأخذ أهم المقولات التى وردت بهذا الخطاب-المقدمة، لوجدنا ما يلي:

* ـ أن البابا داماز (366-384، الذي ترأس البابوية لمدة ثمانية عشر عاما) قد طلب من القديس جيروم أن يحوّل الكتب القديمة إلى كتب جديدة، وأن يحكم على قيمة تلك الأناجيل المتناثرة فى العالم ليستبعد منها ما حاد عن النص اليوناني، ـ والمعروف أن النص اليونانى ليس النص الأصلى للأناجيل، ولا حتى نص إنجيل يسوع الذي كانت لغته الآرامية.

* ـ خشية جيروم من إتهامه بأنه مزوّر ومدنس للمقدسات لأنه تجرأ وأضاف وغيّر وصحح في الكتب القديمة!

* ـ معرفته يقينا بأن ما قام به يعد فضيحة فى نظر الأتباع، ـ وأي فضيحة!

* ـ لكنه مطمئن، لا لأن البابا شخصيا هو الذي طلب منه القيام بهذا التغيير فحسب، ولكن لمعرفته يقينا: "أن الضلال لا يمكن أن يكون حقا".. أى أن الكتب السائدة تعد ضلالا فى نظره، وهو ما تقره أيضا أقذع الألسنة شراسة في الهجوم عليه..

* ـ وأن الترجمة اللاتينية السائدة بها أخطاء واختلاف بين نصوصها..

* ـ وأن من قام بالترجمة جهلاء، وبدلوا النصوص بسوء نية، وقاموا بتعديلها!

* ـ وأن نص إنجيل متّى المكتوب بالعبرية يختلف يقينا عن الذي باللاتينية نظرا لتعدد المصادر التى تمت الإستعانة بها لتكوينه..

* ـ وأن نصوص الأناجيل الموجودة فى شعوب مختلفة توضح مدى الأخطاء والإضافات التي بها..

* ـ وأن الترجمة اللاتينية التى قام بها القديس جيروم لا تبتعد كثيرا عن فحوى النسخ اللاتينية السابقة وأنه لم يقم إلا بتصويب الأجزاء التى بدت له بعيدة عن المعنى الحقيقي، وترك الأجزاء الأخرى فى صياغتها البدائية!

* ـ وأن الأخطاء قد تراكمت فى هذه الأناجيل، كما وقعت أخطاء عند محاولة التوفيق بينها، لذلك يوجد بها " خلطا شديدا " نظرا لما أضافه الكتبة من عندهم..

ثم قام بعمل كشف بالأجزاء المتوافقة والمتشابهة فيما بين الأناجيل بين تعديلها!

 

فبعد هذا الإعتراف الشديد الوضوح هل يمكن لأحد الإدعاء بأن الأناجيل الحالية منزّلة من عند الله، أو الإفتراء ظلما ومساواتها بالقرآن الكريم الذي لم يتبدل فيه حرفاً واحدا منذ أنزله الله سبحانه وتعالى حتى يومنا هذاً؟!

ولا يسعني، بعد تقديم هذا الدليل القاطع، إلا مناشدة كافة المسؤلين المسلمين وخاصة كافة اولئك الذين يشتركون في مؤتمرات "الحوار بين الأديان" أن يقرأوا ليدركوا أن مساواتهم القرآن الكريم بنصوص الأناجيل الحالية أو الكتاب المقدس برمته يعد مساساً فادحا ومهينا في حق الإسلام، فلا يمكن مساواة الحق بالباطل، على حد قول القديس جيروم عن تلك الأناجيل التي عدّلها وبدلها..

وإلى إخواننا المسيحيين بكل فرقهم، مع كل الود والتقدير، لا يسعني إلا أن أكرر ما سبق وقلته من قبل: أنه لا توجد عداوة شخصية بينى وبين أى مخلوق، ولا أنتقد المسيحية كديانة في حد ذاتها، لكنني ضد عملية فرضها على العالم دفاعا عن ديني، وضد اقتلاع الإسلام والمسلمين.. ليؤمن من يشاء وليكفر من يشاء، لكن المساس بنص القران مرفوض بكل المقاييس.

                                                                            

                                                                                  زينب عبد العزيز

                                                                                             2008