إتفاقية محتالة !

 

حينما يتعامل المرء مع مؤسسة ملتوية ، متعددة الأوجه ، غارقة أساسا فى مستنقع الإنحراف ، يجب البحث دوما عن السبب الذى أدى إلى قيامها بإجراء معيّن أو تقوم به. وفيما يتعلق بتلك الإتفاقية التى تمت بين الكرسى الرسولى ومحمود عباس ، فإن ما يطفو منها على السطح مقزز ومثير للإنفعال فى آن واحد. وأيا كانت الإستعدادات التى سبقت تلك الإتفاقية فتكفى رؤية أنها تسبق عملية إضفاء القدسية على فلسطينيتين مسيحيتين ، وأنها تحمى نشاط الكنيسة الكاثوليكية. 

إن هذه المسرحية التى تهدف إلى ضياع فلسطين تماما ، إذ مهد لها كل البابوات التالين لمجمع الفاتيكان الثانى. ويجب أن يكون المرء فاقد البصر والبصيرة لكى لا يرى الصلة بين ما قاله البابا بنديكت 16 ، فى مطلع 2013 ، مع ما يقوله ذلك البرجوليو : "عقب الإعتراف بفلسطين كدولة مراقبة غير عضوة فى هيئة الأمم ، أجدد أمنية أن يبدأ الإسرائيليون والفلسطينيون فى حوار للتعايش السلمى فى إطار دولتين ذات سيادة ، تحت إشراف المجتمع الدولى" !! 

وهذه الإتفاقية المزعومة التى أعقبت إتفاق سابق سنة 2000 مع منظمة التحرير الفلسطينية ، التى تم نسفها ، إلا أن هذه الإتفاقية الجديدة تتم مع من هو تابع للمحتلين الغزاة ، فى أيام الإحتفال بذكرى النكبة ، لكى يتم الإعداد لنكبة أكبر.. وتتجلى قمة التهريج عندما نسمع وكيل عام الفاتيكان ، المونسنيور كاميرللى يقول : "أن الكرسى الرسولى يأمل أن يتمكن هذا النص [نص الإتفاقية] ، بصورة أو بأخرى ، أن يساعد الفلسطينيين على أن يروا إقامة دولة فلسطين معترف بها ومستقلة ، ذات سيادة وديمقراطية وتعيش فى سلم وأمان مع إسرائيل وجيرانها" ! 

وفى واقع الأمر ، إن إتفاقية الكرسى الرسولى مع السلطات الفلسطينية ، تمنح الكنيسة الكاثوليكية حرية التصرف ، ووضع كيان قانونى فى الأراضى الفلسطينية ، وتقوم بتسوية المسائل الضريبية المتعلقة ، وحق الملكية على هذه الأراضى.. إلا أن قمة اللؤم والإحتيال تتجلى فى هذه الإتفاقية بأنها تتم مع دولة ذات أغلبية مسلمة ، وأنها تعترف "بحرية العقيدة وحرية تغيير الديانة ، بصورة مفصلة منصوص عليها". وهو ما يعنى فى لغة الفاتيكان : قبول التحول عن الإسلام والدخول فى النصرانية ، وألا يتم إنتقاد ذلك الشخص المتحول أو القيام بتوجيه إية إنتقادات له من جانب المسلمين ! 

وتنص النصوص المطبوعة بموافقة الفاتيكان على : "أنه نموذج يمكن إتباعه مع بلدان أخرى ذات أغلبية مسلمة" !! الأمر الذى يثبت أن تنصير العالم مسألة ستستمر ، كما يكشف عن محاولات جديدة لإقتلاع المسلمين من إيمانهم ، من الإسلام ، الذى يبدو جليا أن مجرد وجوده ينهش قلوب وعقول هؤلاء الذين سبق أن زيفوا وحرفوا دينهم. 

إن عبارة التعايش فى سلام مع دولة مستعمِرة ـ محتلة ـ وقاتلة ، سبق لها أن إقتلعت 531 مدينة وقرية من الوجود ، وقامت بسبعين مجزرة ، ولديها 850000 معتقل منذ 1987 ، و580 آخرون فى الضفة الغربية ، وقد استولت بالفعل على أكثر من 90 % من الأراضى الفلسطينية ، وتترك القلة القليلة المتبقية من شعب فلسطين ، من أصحاب الأرض الحقيقيون ، يحتضرون فى معسكر إعتقال مكشوف وفى ظروف مذرية لا إنسانية ، لهو مطلب يتخطى أى منطق ولا يقبله أى عقل. أنه مطلب محتال يمثل ذروة بؤس الإنسانية وما وصلت إليه ..

 

د. زينب عبد العزيز 

21 مايو 2015