تـراث اليـهــــــود !

التاريخ الحضاري لليهود في العالم وواضح أنه لم يكن لهم شأن الا منذ قرنين تقريبا..

تعني كلمة "التراث" كل ما توارثه شعب ما من عادات وتقاليد عبر الأجيال المتعاقبة المستقرة، ومختلف ما يعبّرون عنه من أفكار وقيم، تدخل فيها العلوم والفنون والآداب والعمارة والأساطير الشعبية وخاصة التعاليم والقيم الدينية التي تشكل وجدان الشعب بمختلف طبقاته. ولو تأملنا النصوص الدينية اليهودية لهالنا كل ما تتضمنه من عنف وقسوة وإبادات جماعية وتعذيب بل وإباحيات، تعد هي المكون الأساس لليهود أينما كانوا وتمثل جذور تاريخهم الذي توقف رسميا عند سنة 70، عندما غزاهم هيرود وقام بهدم المعبد وبه التوراة، وأجبرهم على الرحيل ليبدأوا مسيرتهم في الشتات.. وقد امتد شتاتهم من سنة 70 عندما طردهم هيرود وأجبرهم على الرحيل، الي ذلك العام الشؤم الذي صيغ فيه "وعد بلفور"، ويعني انتزاع أرض فلسطين من أصحابها ليقدموها ظلما وعدوانا لهؤلاء المشتتون الذين حادوا عن تعاليم الله وعن رسالة التوحيد وعادوا لعبادة العجل وقتل الأنبياء.. فبأي أرض يطمعون وقد عصوا الله رب العالمين وعصيانهم ثابت في نصوصهم وفي النصوص المسيحية  وبالتالي سقط الوعد ؟

الجذور الدينية لليهود

إن التحدث عما يطلق عليه العهد القديم، وهو الجزء المتعلق باليهود في الكتاب المقدس، يصيب الإنسان بالهلع والغثيان من ذلك الكم الذي يحتوي عليه من عنف بغيض مرعب لتوجيهات يهوا الشرسة، فكل الحروب والمذابح والدماء التي تسيل عبر أكثر من 1500 آية، يأمر بها الإله يهوا، ويقوم القادة اليهود وشعبهم بتنفيذها.. ومن المحال تقديم كل هذا الكم من الآيات الذي حصره العديد من الباحثين، لذلك أكتفي ببعض النماذج، فنطالع:

"وصعد الشعب الى المدينة كل رجل مع وجْهِهِ وأخذوا المدينة. وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتي البقر والغنم والحمير بحد السيف" (يوشع 6: 20ـ21) ؛ "وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب" (يوشع 6: 24) ؛ فالآن اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ما له ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة طفلا ورضيعا بقرا وغنما جملا وحمارا" (صموئيل الأول 15: 3) ؛ "اعبروا في المدينة وراءه واضربوا لا تشفق أعينكم ولا تعفوا. الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك" (حزقيال 9: 5 ـ 6) ؛ "فالآن اقتلوا كل ذكر من أطفال، وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها. لكن جميع الأطفال والنساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر ابقوهم لكم حيات" (عدد 31: 17 ـ 18) ؛ "كل من وُجد يطعن وكل من انْحَاشَ يسقط بالسيف وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم" (إشعياء 13: 15ـ16). أليس كل ذلك مما فعلوه بفلسطين والفلسطينيين ؟

وتمثل الآية التالية قمة الجبروت والعنف الوحشي الذي لا يمكن وصفه: "فجمع داود جميع الشعب وسار الى رابّة فحارب أهلها وفتحها وأخذ تاج ملكهم عن رأسه وكان وزنه قنطارا من الذهب وكان فيه جواهر مرتفعة ووضعوه على رأس داود وغنيمة القرية اخرجها كثيرة جدا. والشعب الذين كانوا فيها اخذهم ونشرهم بالمناشير وداسهم بموارج حديد وقطعهم بالسكاكين واجازهم بقمين الأجاجر كذلك صنع بجميع قرى بني عمون ورجع داود وجميع الشعب الى اورشليم" (سفر الملوك الثاني 12: 29ـ31). وهذا النص وارد في طبعات 1671و1860، ثم تم تعديله بعد ذلك الي ان داود وظفهم يعملون على المناشير والموارج الحديد وأفران حرق الطوب.. ويا له من تراث يشهد التاريخ بتزويره ! ولا تعليق على من يحمل قنطارا من الذهب على رأسه..

والقارئ لهذه الأهوال يُذهل عند معرفة ان ربهم هو الذي يتحدث ويأمر، لكن على الأقل ندرك من هذه "النصائح والأوامر الإلهية" من أين يأتي ما يقوم به الصهاينة المغتصبون لأرض فلسطين وما يمارسونه ضد الفلسطينيين حتى يومنا هذا بإيقاع متفاوت الحدة والعنف.. وهذه الصور الدموية المنفرة مما بها من وحشية وعنف، يماثله ما هو وارد بهذه النصوص عن الحب والمحبة من تدني، حيث تتسابق الصور الخادشة للحياء مع الإباحيات خاصة حين يُفرض علينا أنها منزّلة من عند الله. فتحت عنوان "الحوار الأبوي" يفزع القارئ من مستوي الأخلاقيات التي يطالعها:

"هلم نرتوي الى الصباح نتلذذ بالحب لأن الرجل ليس في البيت. ذهب في طريق بعيدة. أخذ صرة الفضة بيده، يوم الهلال يأتي الى بيته" (أمثال 7: 18ـ 20).. أي ان تلهو المرأة فقد سافر زوجها لفترة طويلة. ويا لها من عقلية قبيحة وأسلوب حياة بذيء يتشرّبه الأبناء، وهو أصل ما وصلت اليه الإباحيات التي تنهل من هذه النصوص..  بل حتى الروابط الأسرية لم تخلو من هذا الانفلات الأخلاقي إذ نطالع: "ابنة أمك أنت الكارهة زوجها وبنتها. وانت أخت أخواتك اللواتي كرهن أزواجهن وأبناءهن" (حزقيال 16: 45).. ولا أجد إلا الصمت الأخرس أمام ما تفعله أهولا وأختها أهوليبا مع أبيهما..

عـصـر الشــتات

يمتد عصر الشـتات من سنة 70 الى تاريخ وعد بلفور 2 نوفمبر 1917، الموجه الى اللورد روتشيلد، رئيس الجالية اليهودية البريطانية لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين التي كانت منطقة عثمانية ذات اقلية يهودية تعدادها حوالي 3 % من تعداد الفلسطينيين! ومن المحال أن نسرد هنا كل تحركاتهم ولا كل ما كاله لهم بابوات الفاتيكان من محاصرة وذل وطرد وتحكمات يطول نقلها. لكن لا بد من الاِشارة الى أنه في سنة 800 تحول كل شعب الخزار في أوروبا الى اليهودية. وهو ما يثبت ان يهود احتلال فلسطين لا صلة ولا حق لهم في هذه الأرض بأي حال.

وامتدت هذه العمليات المتفاوتة الحدة والطرد، فبعد عملية طرد الكنيسة شبه الابادية لهم من اسبانيا سنة 1492، تم طردهم من مدينة آرل الفرنسية سنة 1493، ومن صقلية وسردينيا سنة 1493، ومن فلورنسا سنة 1494، ومن ليتوانيا والبرتغال سنة 1495، ومن تراسكون سنة 1496، ومن بروفانس سنة 1501، ومن مملكة نابولي سنة 1510، ومن راتسبون في ألمانيا سنة 1519، ومن إيطاليا الوسطى سنة 1541، ومن فورتمبورغ وبافاريا سنة 1555، ومن برندبورغ سنة 1573، ومن برونشويج سنة 1590. واينما حلوا كانوا يتبعون نظام البلد الذي هم فيه وعاداته لذلك قال عنهم مؤرخو الفنون أنهم شعب بلا فن وبلا تراث. لكنهم كانوا دوما يخططون..

وبعد طردهم استقبلتهم بعض البلدان الإسلامية كالمغرب والجزائر وتونس والإمبراطورية العثمانية، كما تعرضت الديانة اليهودية لكثير من التعديلات، ابتداء من سنة 1492، وتبدلت بحيث تجعل من الشعب اليهودي النقطة المركزية للشرع.. وهو ما يعني ان صياغة هذا الشرع صياغة بشرية وليست منزلة من عند الله.. والشتات الذي تعرضوا له طوال الألفية الأولى تواصل وتصاعد في الألفية الثانية. ففي القرن السابع عشر عادوا لمواجهة الطرد من جديد. إذ قامت الجيوش القيصرية بطردهم واندلعت أعمال العنف المعادية لليهود في كلٍ من أوديسا سنوات 1821 و1859 و1871. وفي أغسطس 1819 اندلعت المظاهرات المعادية لهم في بافاريا وانتشرت في كل ألمانيا وفرنسا، ثم تعرضوا لحملة واسعة في روسيا فيما بين 1903 و1906. وتصاعد العداء ضدهم أيام الثورة البلشفية.

ومن السخرية أن نطالع قرارات وقوانين محكمة مدينة نارمبورج الألمانية الصادرة يوم 15 سبتمبر 1935 وهي تجرد اليهود من الجنسية الألمانية استعدادا لطردهم، ثم نراها في عام 1946 تقوم بتجريم واعتقال كل من لا يؤمن بالمحرقة..

المحرقة ووعد بلفور

امتدت المحرقة فرضا من سنة 1941 الى 8 مايو 1945. وقد أطاحت بعدد مختلف عليه، إذ يقال إنه يضم ثلثي يهود أوروبا وحوالي 40 % من يهود العالم. وبالتالي فإن عدد الضحايا متفاوت وفقا للأهواء السياسية من مليون الى خمسة أو ستة ملايين. لكن السؤال الذي يستوجب الطرح والبحث: لماذا كل ذلك العداء الذي أحاط بهم في جميع أنحاء العالم وحيثما حلوا ؟ والغريب في الأمر أن الغرب الذي يساندهم حاليا بكل وبمختلف الإمكانيات، هو الذي بدأ وأصر على التخلص مهم.. وتكفي مطالعة رواية الأديب الفرنسي لوي فرديناند سيلين: "ترهة من أجل مجزرة" لندرك أنهم مثلا تمكنوا من السيطرة على فرنسا إذ نحج ليون بلوم اليهودي الفرنسي أن يترأس الحكومة الفرنسية سنة 1936، وان تكون الحكومة بكاملها من اليهود، وكذلك سيطروا على الإعلام والاقتصاد وكل ما يمثل كيان الدولة. وكلها وقائع تاريخية ثابتة.

ومن الطريف متابعة كيفية تمرير اللعبة للتخلص من اليهود في أوروبا: فوعد بلفور صدر يوم 2 نوفمبر 1917، وسنة 1922 اسندت هيئة الأمم إدارة فلسطين الى المملكة البريطانية المتحدة، مع تزايد العداء ضدهم في أوروبا وأدى الي ما يطلقون عليه "المحرقة". وانبثقت منها لعبة "الأرض الموعودة" وشعارها: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". أي أنه منذ البداية لا يعتبرون للفلسطينيين أي وجود أو أنهم أصحاب الأرض أصلا، أصحاب تلك الأرض التي لا حق لليهود فيها دينيا أو تاريخيا بما أنهم عصوا الله وحادوا عن رسالة التوحيد وأعادوا صياغة نصوصهم وفقا للأهواء.. وأصبحت فكرة الأرض الموعودة كالقنبلة الموقوتة، توارثتها أجيالهم وزادت الحركة الصهيونية من حدتها حتى انفجرت عام 1948، باختلاق إنشاء "دولة إسرائيل" أو الكيان الصهيوني المحتل لأرض فلسطين.

الفن والتراث اليهودي

واضح من التطور التاريخي ان اليهود، الذين امتدت حياتهم عبر قرون من الشتات، أنهم لا فن خاص بهم ولا تراث ولا حضارة، فحيثما عاشوا استخدموا الموجود من وسائل التعبير، بل ويصفهم كبار نقاد الفن بأنهم "شعب بلا صور"، بسبب الوصية الثانية، ولم تتغير هذه الفكرة إلا مع بداية مطلع القرن العشرين. ويشهد على ذلك معبد دورا أوروبس، الذي يرجع للقرن الثالث وتم تغطية جدرانه بالصور كالنظام المصري القديم، رغم حذر التصوير والنحت الصادر في الوصية الثانية من الوصايا العشر: "لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض".. وبدأت معركة تحريم الفن بين اليهودية والمسيحية التي خرجت عن العقيدة لتجعل من فن التصوير إنجيلا للأميين. إذ ان فن التصوير هو الفن الوحيد الذي يتخطى عنصر الزمن: ففي نظرة واحدة يلتقط المتلقي مضمون الرسالة.

ولقد أوضحت في كتاب "لعبة الفن الحديث، بين الصهيونية ـ الماسونية وأمريكا" الصادر سنة 2002، والذي اعتبره النقاد في مصر آنذاك "أهم كتاب صدر في المكتبة العربية في الخمسين سنة الماضية"، ثم تلاه الصمت والتعتيم بل التهديد والاستقصاء.. أوضحت كيف تولى اليهود عملية تدمير الفن والثقافات الخاصة بكل بلد وفرض العبثيات وتتجير الفن، ليصبح الفن أداة من أدوات غسيل الأموال، وتدمير القيم وفرض الإباحيات التي اجتاحت كل بيت، فهي تشرئب فرضا مفروضا من شاشات الأجهزة الإلكترونية لينزلق فيها ضعاف النفوس.. فلم تعد خبايا الفن الحديث مجهولة..

فأي تراث نرمم ؟أ أي تراث نرمم لمن لا تراث لهم سوى التدمير واقتلاع الآخر والاستيلاء على ممتلكاته وارضه وحياته ؟!

                                                                                               زينب عبد العزيز

                                                                                              20 ديسمبر 2018

 

رابط خريطة الوجود اليهودي عبر التاريخ: http://www.odyeda.com/fr