النص القرآنى وشِراك الترجمة

 

فرنسا والإسلام

     بدعة من البدع الجديدة تحاول أن تترسخ وتبحث لنفسها عن شرعية وعن طريق، بل وعن استراتيجية لمن ينساق إليها فى فرنسا. إذ نلحظ ظهور عبارات من قبيل "إسلام تقدمي"، و"إسلام تحرري" بل و"إسلام علماني"، وكأن الإسلام لا يمكنه التواجد فى فرنسا إلا بأن يتلفع بأحد الألقاب التاريخية للجمهورية الفرنسية، وليس إستنادا إلى قيمه الذاتية، وصفاته ومرجعيته القرآنية والسُنة المحمدية، التى تعنى أنه: الدين القيّم أو دين الاستقامة، فطرة الله التي أنزلها المولى عز وجل ووضع بها حداً للخلافات حول التنزيه والحلولية. وليس على المسلمين أن يقعوا أو أن يخشوا هذه المجادلات العقيمة ولا ما ينجم عنها من فريات، فهو القائل في كتابه:

* "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (سورة الصف: 7)

* "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (المائدة: 3)

     كما نلحظ أيضا ظهور نمط من "الإسلام الغنائى" الذي يبحث عن تقارب مع الزهد المسيحى والموضة البوذية، المتزايدة الإنتشار في العالم الغربي، الذي يواجه مقولة المفكر الفرنسى أندريه مالرو عندما قال: "الألفية الجديدة ستكون دينية أو لن تكون". والإسلام، إذا لم يتم النظر إليه فى فرنسا جهلا وبأفكار مسبقة على أنه دين وافي متكامل، فهم ينظرون إليه على أنه عتاد الجهاد الذي لا بد من تعقيمه خشية، وذلك عن تجربتهم السابقة فى الحروب الصليبية الإستعماربة التى وضعت الغرب اليهومسيحى، الوثنى العبادة، فى علاقة تصادمية مع الشرق المسلم الموحد بالله. والمسلم لا يجب أن يغيب عن فكره الحقيقة التالية:

"وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ" (البقرة: 120)

      إن الجهود الرامية إلى فرض النمط البوذى على الإسلام فى فرنسا هي حقيقة واقعة، مثلها مثل حقيقة صهينة بعض المثقفين والسياسيين فى العالم العربى والإسلامى. فالإسلام "البوذى" يدّعى إنتمائه إلى ديانة بلا فروض طقسية، وبلا إلتزام بالمعايير الدينية، بلا جهاد، بلا سياسة، وبلا أمّة.. مجرد هيام فى حالة النرﭭانا أى السكون التام..

     ولقد لعبت فرنسا منذ زمن بعيد دوراً هاماً فى تكوين نخبة مسلمة متحدثة بالفرنسية، هى نوع من المدرسة الفرنسية المسلمة، تتم فيها دراسة العلوم المتعلقة بالإسلام، والمستشرقين، لحاجة اليوم، أى أنهم ليسوا مبشرون وإنجيليون وأيديولوجيون مستعمرون، يمكن إستعمارهم أو تم استعمارهم، وإنما هم فرنسيون مقتلعون من الإسلام، ومواطنون أصليون يسيحون في الدراسات الإسلامية، وكأن قلب الإسلام لم يعد فى مكة وضواحيها الثقافية والروحية: كالقاهرة ودمشق وبغداد وطهران، وإنما فى باريس وحدها.

     وقد يبدو ذلك طبيعيا فى تاريخ الديانات والحضارات. فأيام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدون، كان يجب عليهم محاربة الأصنام وظلمات المثقفين العرب، وتحريف علماء الشرع اليهودى والمسيحى وظهور الأنبياء الدجالين. والأمر الذي لا يبدو طبيعيا هو أن نرى بعض الكيانات التى تدعى إنتمائها للإسلام تتجاوب مع ذلك العالم بحجة التعريف برسالة الإسلام الحقيقية ومحاربة الوهابية فى فرنسا، دون حتى أن يكلفوا أنفسهم بقراءة مؤلفات الإمام عبد الوهاب أو محاولة فهم دوافعه وتحديات زمانه التى هى: الوثنية الجديدة فى المملكة العربية.

     إن أفعال المسلم هناك يتم تحليلها تحت مسميات علمية وأيديولوجية دينية تجارية، ودينية سياسية، وإقتصاديات الورع، والسياحة الدينية، كاسحين بذلك معنى الزكاة، وأموال الربا، والحج والعمرة من المجال المعجمي والدلالى للمفاهيم والحقائق الدينية والإجتماعية والأخلاقية والحضارية.

     ولن نتناول هنا إشكالية الإسلام الفرنسى الذي يطالب به صراحة الرئيس الفرنسى ساركوزى، لكننا سنكتفى بالإشارة إلى بعض الملامح لتوضيح الإنجازات وآليات التلاعب، وخاصة الجهل، الذي هو سبب كل الآفات. فجهل العوام لا يؤثر كثيرا كجهل النخبة أو جهل المثقفين الذي يمثل كارثة حقيقية. كارثة لأنها تنعكس على ثلاثة مستويات تمثل أرضا خصبة لانتشارها:

*  شباب يبحث عن الحقيقة والمعرفة، ولعدم وجود منهجية وأئمة أكفاء، فهو ينجذب إلى بهرجة مدّعى الثقافة المتحدثين عن الإسلام؛

* إدعاء الإجتهاد فى عالم يتم فيه تداول الأفكار والأموال والرجال بصورة فجة متواصلة، بينما العالم الإسلامي لا يزال يعاني من سُبات عميق وغير قادر على إنتاج أفكاره الذاتية، أو أن يضع تحليلا بلا مجاملات حول أمراضه الإجتماعية، والسياسية، والثقافية، والإقتصادية والدينية.

* غياب أى إنتاج فكرى منطقى من العالم الإسلامى باللغة الفرنسية للرد على هذه التطلعات والتحديات. والإنتاج النادر المتاح يتم باللغة العربية أو الإنجليزية. فقد تحول العالم الإسلامى إلى متجر مشتريات بلا مشروع مستقبلي، بلا تحدى آخر سوى بيع البترول واستيراد المنتجات العصرية الغربية. أما إنتاج أفكاره، وعتاده، ونخبته، وماله، وثيابه، وغذاؤه، وإستقلاله، فليست لها أية أولوية ولا هى موضوع نقاش أو تأمل..

     وما لا يهتم به المسلمون يقوم به غيرهم مثلما يقول القرآن الكريم: " وتلك الأيام نداولها بين الناس" (140 /آل عمران). فلا يوجد تناوب ولا منظور للذين يستبعدون أنفسهم من المعركة ومن المشروع الحضارى المطلوب. إن دور النشر الفرنسية فى فرنسا ومكتبات الإسلاميات تؤثر نشر وبيع الكتب القديمة. وبذلك فهى تتأكد من كسب النقود دون الإلتزام بدفع حقوق المؤلف، وخاصة بلا تحمل أية مجاذفة مثلما يحدث ذلك عند الدعوة لأفكار جديدة.  وبذلك يظل الكتاب سلعة للبيع أو لزخرفة أرفف المكتبة، وليس مستودعا لأفكار أو إقتراحا لمشروع، أو تجربة حياة، أو حتى معاناة روحٍ متعطشة إلى الحق والعدل.

     إن جهل المثقفين له عواقب على المتخيل وعلى نسق تقديم المسلم وغير المسلم. إذ أنه يحصر المسلم فى نطاق جهل أكثر من غير المسلم، يحصره في أحكام مسبقة، أكثر سلبية ونماذج نمطية أكثر هزلية. فبدلا من أن يقوم المسلم برسالته كشاهد، فإن المثقف الذي يتناول الإسلام يصبح أداة فى حرب أيديولوجية ضد مجتمعه، وضد دينه، بقبول التلاعب بالكلمات وليس بالعمل بالمبادئ. وبذلك يتحول التلاعب بالكلمات إلى تلاعب بالآلام، وهو ما يثقل على الحاضر والمستقبل بقدر الأذى والتضليل الذي تنقله المذلة الاستعمارية أو إمكانية الإستعمار. والمتخيل، ذلك الحقل الإستطلاعى للتخيل يصبح فى هذا الإطار غير قادر على الإنتاج، سلبي، وضار لأي مشروع حضاري أو معرفى أو له أى معنى.

     لقد فضح مالك بن نبى، هذا المثقف الأمين المخلص، فضح من يطلق عليهم "مثقفى الأنفاق"، أى مثقفو الدهاليز التحتية، الذين يبيعون أفكاراً ميتة، مميتة وقاتلة. أفكار تؤدى إلى الوثنية، لأنه "في كل مرة يختفي فيها الفكر، يسود الوثن من جديد وبالعكس". وقد قام بتحليل قصير ومفحم ضد صنّاع الأصنام، إذ يقول: "أن القرآن قد لقب الجاهلية، أى "الجهل" تلك الوثنية السائدة فى الجزيرة العربية قبل الإسلام. ومع ذلك فالجاهلية لم تكن فقيرة فى التقنيات الأدبية، وأكبر الأسماء فى الآداب العربية ترجع إلى تلك الفترة. ورغمها تظل تلقّب بالجاهلية، قمة الجهل، لأن الخطاب العربي لم يتضمن كلمات برّاقة وإنما جوفاء خالية من أى نبت خلاق. وعلى العكس، إذا كانت الوثنية جهلا، فالجهل وثنى: أنه لا ينبت أفكارا وإنما أوثاناً مثل الجاهلية. وليس من قبيل المصادفة أن الشعوب البدائية كانت تمائمية ".

     إن تناول الإسلام أو تحليل أحد ملامح الحضارة الإسلامية أو الأمة المسلمة يعنى بالضرورة إحتضان أخلاقيات وجماليات الإسلام التى هى فى التوحيد الصافى والكامل، وإلا أصبح مجرد مضاربة، أو بلاغة كلامية، أى التعبير الجيد بدلا من قول الخير أو الحق؛ أو تصبح مغرضة، وتعنى استخدام علم البلاغة للإقناع لأهداف دينية أو أيديولوجية، لتنصير العقول والمستعمرات؛ أوتعيّشية، بمعنى جعل الدخل أو النجاح الإجتماعى عبارة عن نسق فكرى للقيم والتصرفات.. أى جعله غاية فى حد ذاتها وليس مجرد وسيلة.

      ومثلما كان الوضع أيام المدينة المنورة، فإن كل نهضة الإنسان المسلم ومحيطه وحضارته وإنتصاراته على تحديات الزمن، وعلى الأرض والأعداء، تبدأ الكرّة من جديد ببعض مبادئ النحو وعلم الدلالة وبعض الآيات القرآنية من أجل غاية أن يكون الإنسان خليفة الله على الأرض ليمارس موهبة الملكات الفطرية والمكتسبة، وأن يتم تكريمه ويعيش كريماً بصفته مخلوق قد خلقه الله بنفحة منه، ليستكمل نزعة تسليم أمره لله، وقد تزوّد برسالة الشهادة بالكلمة والفعل بوجود الخالق، المنعم، الوهاب الذي سنقف أمامه يوم الحساب. فاللغة شهادة، كما أنها تسجيل للمعنى بأحرف تكشف عن الغيب، إذ يقول المولى:

* (الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة: 1-2)

وحتى إن غيّرنا علامات الوقف، فإن المعنى يظل بعظمته هو نفسه فى لغة القرآن.

قضية الشك

     بعد تحديد معنى الإيمان والدين كعقيدة، وتحديد العلاقة مع الله من خلال سورة الفاتحة، فإن القرآن فى أول سورة يضع المشكلة الأساسية للإيمان والعقل، ألا وهي: الشك. إن الشك الديكارتى أو العدمى يمكنهما إيجاد سببا أو تبريراً، إلا في القرآن واللغة التى تحمل معانيه. فلا يوجد أى شك بالنسبة لله، ورسالته، وأنبياءه، وملائكته، ووعده وحسابه أو عقابه. إن كل ما هو مكتوب فى الكتاب المسطور وفى الكتاب المنظور يشهد بيقين المؤمنين ضد عدم يقين المتشككين ونفى الكفرة. لا يوجد أى شك حول الإنسان ومستقبله سواء أكان مؤمنا أو منكرا أو لئيما بوجهين. لا يوجد أى شك حول الإيمان والتعبير عن الإيمان فى الحياة الداخلية ولا فى الحياة الخارجية الاجتماعية، السياسية، الفكرية والثقافية. فهناك ثلاثة أنماط للكينونة، ثلاثة نماذج للقراءة، وثلاثة طرق لنسلكها:

1 ـ نور المعرفة:

* (الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة: 1-2)

2 ـ ظلمات نكران الجميل التى تعطل أدوات الحس والفكر والعاطفة للتوصل إلى معرفة الله وإلى المعرفة أو للبحث عن الحقيقة، غير فاعلة:

* (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ) (البقرة: 6-7)، 

3 ـ الخلط، المكر والدهاء، وجبن وخيانة المنافقين:

* "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ" (البقرة :  8 -13)  ، 

      إن كل إنسان مسؤل عن قناعاته وعما يفعله بهذه القناعات وعما يفعله بقناعاته وعما تنعكس به عليه هذه القناعات من الناحية الدينية والحياتية. فاللغة سواء كانت تعريفا للمعنى أو ترجمة للإشارة فهى إرتباط بأحد تلك الطرق الثلاثة، ومن هنا فهى مسئولية.

       إن اللغة العربية والفرنسية تتفقان تماما حول مفهوم الشهادة الذي يشمل المسئولية الفردية والجماعية. فأن يكون الإنسان مسئولا يعنى أن تكون لديه المقدرة والمسئولية على أن يقدّم جواباً. وبالعربية، أن كلمة مسئول تعنى تحديداً القدرة وإمكانية ومسئولية الإجابة على الأسئلة، وخاصة هذه: ما الذي فعلته بروحك، بعلمك، بشبابك، بمالك، بوقتك وبمواهبك؟ وللأسف، فإننا نتصرف كالجهلاء المتحدثين بلغتين، أى كأننا غير مسئولين، بأوسع معاني الكلمة، غير عابئين فى كل مكان وزمان، بغض الطرف عن ظروفنا وظروف أعداءنا.

* "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" (الأعراف: 179)

     إن الإلتزام لم يكن فى البحث عن الشهادات الكبرى ولا فى غوغائية الحدث وإنما فى المشكلات الأساسية، أى فى المسائل المتعلقة بممارسة الواجبات كمسلمين، تجاه الله وتجاه البشر، دون ثرثرة أو خطب عقيمة، ولكن بحثا عن الحقيقة وفقاً لتعاليم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام:

*  "لن تصلوا للإيمان ما لم تعلّموا الآخرين حب الحقيقة "  

* "الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ".

     هذا هو الإطار العام الذي نراعيه عند مراجعة بعض الرسائل الجامعية للحصول على درجة الدكتوراه حول الإسلام والمسلمين، فى تناولهم الحديث حول السياسة الدينية، والإقتصاد الدينى، والتجارة الدينية، والإقتصاد التعبدى، والإقتصاد الإسلامى، والإسلام السياسى، والسياحة العبادية، والتسويق السياسى الدينى فى مكة.. ورد الفعل هذا هو نفسه ما يتم حيال ما يطلقون عليه "علم الإسلاميات" الذي يؤمن بالفصل المعرفي واللغويات الحديثة، بدأً من شوسير إلى شومسكى، أو التحليل السردى لجريماس والبنيويين الجدد، الذي يسمح بفهم القرآن والطريق الإسلامى لا بغية إصلاح الذات وإنما بهدف إصلاح القرآن والسُنة كما يبغون!

     ومن الإنصاف قول إن تصرفاتنا الاحتفالية وغير المسئولة تحرّف العبادة وتجعلها تبدو فى نظر الأجنبى الغريب عن الإسلام، نوعا من المهرجان الوثنى. إننا نقوم بصنع فشلنا بأيدينا بصناعة تصرفنا المثير للسخرية والذي يتحول إلى ذريعة في أيدي هادمى الإسلام. وحيث أنهم يفتقرون إلى الأمانة فهم يؤثرون خلط أخطاء المسلمين بالإسلام ويرفضون رؤية الإسلام فى شموليته، الذي يجب البحث عنه فى بؤسنا الأخلاقى، والإجتماعى، والسياسى والإقتصادى. وبذلك نتحول نحن إلى مزيّفين، ومزوري عملات، ندفع بها فى خضم الثقافة العالمية، فتنعكس علينا بصورة أسوأ، يساندها الخائفون من الإسلام. إن الآفة هنا هى نحن، نحن أنفسنا الذين نصنع هذه الآفات ويتناولها الهدّامون بعد وضعها فى حضّانات بغية نشرها وتلقيحها على أوسع نطاق. والقرآن يدين هذه الحقيقة بلا مواربة:

* "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" (الشورى: 30)

     ورغمها نظل فيما وراء شطحاتنا هذه وعدم شعورنا بالمسئولية، طاقة كامنة، وفرضية إسلام أصيل، يمكنه أن يتحقق لصالح الإنسانية من جهة، من جهة أخرى لتعاسة الأصنام وعبدتها والطغاة ومعاونيهم. أن مسئوليتنا هى أن نستمر فى الشهادة والبحث عن قرائن ووسائل للدفاع، إنتظاراً للصحوة الإسلامية التى تلوح فى الأفق كتيار مدٍ ديني لإنقاذ العالم.

     إن مسئوليتنا يجب أن نتقاسمها، من باب أولى، مع الشباب الذين لهم عتاد معرفى، لأنهم القادرون على معايشة زمانهم وتحمل مسئولية تحدياته. إن هؤلاء الشباب، خاصة أولئك الذين يتناولون موضوع الإسلام والمسلمين فى أبحاثهم، يجب أن يتحرروا من نظرة المستشرقين وعلماء الإسلاميات الفرنسيين، ليقوموا بتكوين وجهة نظرهم على ضوء القرآن والسنة كما هى، دون التحريف الذي قام به الآخرون.

     ذلك لأن القرآن الكريم يبرز أهمية دور الشباب فى مشروع التحرر من الطغيان والوثنية. فسيدنا إبراهيم، وسليمان، ويوسف، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم جميعا الصلاة والسلام، وتلاميذهم وأتباعهم كانوا في غالبيتهم شباب يملأه الإيمان والحيوية. أن علمهم وقوتهم تكمن فى خدمة قضية عادلة. ونحن، من جهة أخرى، مدعوون فى كل يوم خميس أو جمعة، صباحا أو مساءً، لقراءة وتأمل سورة الكهف التى سنلفت إليها النظر فى ثلاث نقاط، يتعيّن على كل شاب يقوم ببحث نظرى أو علمى ألا يبعدها عن ذهنه إذا ما وضع فى إعتباره أنه فى خدمة قضية وأنه يمثل أمّة مؤمنة:

1 ـ النقطة الأولى هى نموذج إيمان شباب الكهف الذين هربوا مادياً ورمزياً من المدينة الكافرة لكيلا يُفسدوا إيمانهم. والنص القرآنى فى الواقع لا يتحدث عن هروب وإنما عن بعث، فى حوار بين الظاهر والباطن، بين الماضى والمستقبل، وبين الشكل والمضمون:

* "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا (16)" (الكهف : 7-16)

     إن البحث عن الحقيقة يتصدر أية إعتبارات أخرى سواء أكانت إجتماعية، ثقافية أو سياسية. والبحث عن الحقيقة لا يمكنه إلا أن يسلك طريق الاستقامة، وألا يبغى إلا وجه الله. وهذا البحث لا يحركه إلا محرك واحد هو: التوحيد بالله. لذلك يجب إستبعاد الكلمات البراقة المستعارة من علم البلاغة اليونانى، وعلم اللاهوت الكنسى، أو من عالم المسرح لما بعد الحداثة، لأنها جميعها تحمل مجازفة التناقض مع الإسلام ومع قيمه ومبادئه. لذلك يجب التسلح بمكونات الإسلام قبل مواجهة أدوات المفاهيم التصورية اللغوية والدلالية للحداثة وما بعد الحداثة. إن أساطير برومثيوس أو الخطيئة الأولى قد أُدينت تماما، بالمنهج العلمي للقرآن، ما أن دخلت فكرة التوحيد قلب البدو العرب وجعلت منهم محطمى أصنام. إن عبارة ألله أكبر ترجف الطغاة وتدفع المؤمنين إلى السجود. والنظام الجديد في الإسلام مفهوم تماما ويتم تطبيقه بالفعل وباللسان اللذان وضعا حداً للنظام القديم وأعطيا لأوروبا عصر نهضتها.

2 ـ النقطة الثانية هي الأهمية التي يجب إضفاؤها على المعنى وعدم الإكتفاء بالحليات والمظهريات والشكليات. فالآيات التالية توضح أنه ليس من المهم معرفة عدد الموجودين فى الكهف وإنما معرفة غاية ومبدأ ودوافع وجودهم فى الكهف، واستنباط التعاليم لبناء حياة متكاملة فى مختلف مجالات الوجود الاجتماعي والعاطفي والديني:

* "سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (22) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)" (الكهف : 22-26)

     إن الإشارة ليست سوى مؤشر فى البحث عن معنى. والبحث عن دليل إشارة هو أولا وقبل كل شيء بحث عن المعنى. وبخلاف الإستنتاجات والمصادفات فإن ما يجب أن يقود قيمنا الأخلاقية والجمالية والمعرفية هو مبدأ المعنى: السبب الأخير، الغاية القصوى. إن حواسنا لا تلحظ سوى جزء ضئيل من العالم المعروف. ومعرفتنا ناقصة ومحدودة. لقد وهبنا الله عز وجل ملكة الإيمان والقراءة والتأمل فى جزء من السماوات والأرض ليمنح نظرنا الغافل في الحليات والثراء المُعلن، والخطب الطنانة، والنظريات الجميلة منظوراً آخراً بدلا من إنسياقه فى مختلف أنواع الإغراءات، التى يُعد أسوأها هى تلك "الأنا" التى تمدح النفس بدلا من أن تلومها. ولكي تكون هذه الإشارة دالة لا يمكن إخراجها من مرجعيتها الأخلاقية، والأيديولوجية، والثقافية والإجتماعية. فإذا كانت الإشارة والطقس والتطبيق العملى والنصوص الإسلامية فى أى منطق لغوى، لا يمكنها أن تكون دالة فى مضمون ما، فى مسعى أو فى لغة غير قرآنية، فكيف يمكنها أن تكون مدلولا فى مضمون ما، فى مسعى أو فى كلمة متعمدة ضد الإسلام؟

     إن النص القرآنى بكل روعته يكشف عن مساحة المعركة الأيديولوجية، أى عن معركة المعنى والإستحواذ على الأفكار وعلى مبدأ المعنى:

* "وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا (29)" (الكهف: 27-29)

* "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا" (الكهف: 30)

     وأخيرا فإن القرآن الكريم يوضح لنا كيفية إعراب الرمز، والإشارة، والواقع فيما وراء المظهر الواضح وحده فى الآيات من 7 إلى 46. إن هناك قانون واحد يحكم عالم السكون والعالم الحىّ، المرئي والمخفي، الماضي والمستقبل:

* "وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا (45) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)" (الكهف: 45-46)

     وهذا القانون، الديالكتيكية العالمية، يتحكم في المتعارض وفى المستقبل في عملية تغيير متواصل بين قحط الأرض البور، والقلب المريض، والروح التى لا طائل منها، والجيل الفاسد، وحضارة منحلة، أو بين خصوبة أرض مروية، وقلب نقى، وروح حيوية، وجيل يسعى إلى إمتلاك زمام مستقبله، وحضارة مزدهرة أخلاقيا وروحيا وإقتصاديا وإجتماعيا وفكريا. وحينما يتحدث القرآن عن هذه الحقيقة التى تبدو جلية، فلا شك فى أن ذلك يدفع إلى تأمل مختلف عن تلك الملاحظة التسطيحية التى تلحظها حواسنا كل يوم وكل ليل:

* "إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ" (يونس: 6). ونفس القانون يتصدر معنى العلامة الذي يختفي خلف تناوب العلامات: إنها مؤشرات لنستكشف الحقيقة في الرمز الذي يكون في تصور اللغة، والذرة أو الكلمة الإلهية: الوحدة فى التنوع، والتنوع فى الوحدة مثل الإختلافات والتعددية فى الخليقة التى تستجيب لمبدأ أساسى واحد، المدلول المتجانس الراسخ:

*  "الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ" (يونس: 1)

"الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" (هود: 1)

"الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ" (يوسف: 1)

* "المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ"

   (الرعد: 1)

"الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ

    الْحَمِيدِ" (إبراهيم: 1)

* "الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ" (الحجر: 1)

"طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ" (النمل: 1)

"ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ" (سورة ص: 1)

"ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ" (القلم: 1)

مئات الآلاف من التراكيب وتناوب الأشكال المتجانسة فى أحرف الساكن والحىّ، النصى والوراثى، الفزيائى والكيمائي، الإنسانى والكونى لمجرد الشهادة بكتاب واحد وحقيقة واحدة، حقيقة الله الأحد القهار الدائم بلا شريك وبلا ند:

* "وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (لقمان: 27)

هذه هى الحقيقة حول الثراء المعجز للتعددية فى الوحدانية التى تم التعبير عنها بصورة أخرى:

* "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا" (الكهف: 109)

     وهذا الثراء يضع اللغة العربية، أكثر اللغات ثراء وأكثرها تعقيدا فى مدى تنوع تراكيبها، لتشهد بثرائها، ثراء لغة القرآن وتحديها الأدبى سواء كلغة أصلية أو فى ترجماتها.

3 ـ والنقطة الثالثة هى مسيرة الإعداد على طريقة الإسلام وقيمه، وممارساته وإنتماؤه فى الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية والفكرية كما تبرزها على أى حال سورة "الكهف" من خلال قصة الشبان المختبئين فى الكهف لحماية إيمانهم من الطغاة، ومن خلال موسى بحثا عن المعرفة، وذي القرنين في رحلاته من الشرق للغرب لإقامة العدل ومعنى الإيمان. هذه النقطة الثالثة تم تلخيصها في تلك الجملة المقتضبة التى يقولها موسى للخضر، الحكيم الذي أرسله المولى عز وجل لكي يعلّم موسى أنه فوق كل ذي علم عليم:

* "كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا" (الكهف: 68).

 

المعلم وطالب العلم والمعرفة:

إن العلاقة بين من يتعلم وأستاذه هى علاقة إحترام وطاعة.. علاقة تتطلب ممن يتعلم الصبر واستراتيجية ممارسة تقتضي وقتا لتتكون وتصبح حاذقة. فهى تتطلب من المعلم المعرفة، والصبر، وإستراتيجية تعليمية لتضع مواقف عملية التكوين فى نصابها. والعلاقة بين من يتعلم والمعرفة هى علاقة ديناميكية. وهي ليست مثيرة للاهتمام إلا إن غيّرت علاقة من يتعلم بالمعرفة، ثم بغاية المعرفة، وأخيرا بمسئولية هذه المعرفة. فالأمر لا يتعلق بحشو الكلمات والمفاهيم والشكليات، وإنما فى أن نتشرّب مبدأ المعنى. وذلك يتطلب جهودا مضنية، قد تتخللها لحظات من الإحباط والتخلى وإستعادة الثقة لأن المحرك ليس فكريا وإنما دينيا.

 

 إن المعرفة أداة. وهي تتعلم وتتطور بالجهد والتركيز اللذان يتكئان على المثابرة لتحمل هذه التربية التى كثيرا ما تتجه إلى عكس نداء الأنا الكسول المغرور. وها هنا تتدخل المعرفة التى تتميز عن العلم. فالمعرفة تتعلق بغايات، وأخلاقيات، وجماليات، وبدوافع العلم والفعل. أنها الجوهر الذي يعطى للقلب رؤية، وللروح نيّة، وللجيل مشروع تاريخى. أما العلم فيهدف إلى محتوى المعلومة النظرية أو العلمية، وإلى الوسائل المستخدمة من أجل البحث وتخزين أو نشر ونقل وتكديس المعلومة النافعة الفعالة، بغض الطرف عن غاياتها. والعبارة الشهيرة القائلة بأن: "العلم بلا ضمير ليس إلا هدماً" هي أحد أشكال التعبير عن ذلك القانون القرآنى الذي يجمع بين المعلم والمثابرة والمعرفة.

وليس بغريب أن نرى فى أواخر سورة الكهف تحذيراً لكل الذين يعملون بلا مبدأ، ولا غاية، ولا معرفة:

* "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا" (الكهف: 103)

     وليس بغريب أيضا أن تنتهي هذه السورة بتلك الآية الرائعة التى يجب على كافة العقول النبيلة أن تسجد لها، وعلى كل القلوب النابضة أن تتأملها:

* "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا" (الكهف: 109)

      وعودة إلى موضوع تحليلنا: تأثير الفكر الإكليروس والعلمانى فى الرسائل الجامعية التى تتناول الإسلام "الفرنسى". ففى هذا التحليل لن نقع فى لعبة الصراع ونقوم بالمقارنة بين السفر إلى بلدة لورد، لحج مختلق عبر المجامع، والحج إلى مكة، الذي أنزله المولى فرضاً من الفروض، ومقارنة المظاهر الإحتفالية، والمضيفية، أو جلب التذكارات. فالمنطق البسيط والموضوعي يقول إن هاتان الوسيلتين لا يمكن مقارنتهما، فمن يقوم بالحج إلى مكة يلحظ أنه لا يمكن عمل أية مقارنة بينه وبين الذهاب إلى الفاتيكان أو بلدة لورد. فعند المتحضرين فى الغرب لا نجد نفس الورع، وأولئك البؤساء الذين يأتون من أعماق بلاد أفغانستان والذين لم يعرفوا لا الحضارة ولا أدواتها الترفيهية، لا يشعرون بأية حاجة سوى النظر إلى الكعبة أو مسجد الرسول صلوات الله عليه. ورغم خشونتهم وخلط عاداتهم المناقضة لروح الإسلام، فإن إيمانهم صادق، وتبجيلهم للأماكن المقدسة بلا شائبة، وحبهم لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لا يقارن، وورعهم الديني مثالي النزعة. أما لدى متحضرو الغرب فنجد، على العكس من ذلك، كلمات طنانة، دينية تجارية، وتسويق تيوقراطي، واقتصاد للورع، وسياحة طقوسية، وتيوصوفية، وتيوسياسية، إلخ..

لذلك سنتوقف أمام المشهد الذي يؤلمنا، حيث نرى الإنحراف قد تم تعميمه فيما أمكننا قراءته حول هذا الموضوع.

مؤثرات تحريفية:

     وأول إحراف هو تأثير الثقافة الفرنسية التى أدت قانونيتها المفرطة إلى تحريف قراءة وتأويل نص القرآن وممارسة العبادات للمسلم. فبعد إفراغ النص القرآنى من جوهره راحوا يستقرأونه مع القيام بعملية تحويل دلالية للمعنى الدينى الرهيف للقرآن تجاه المظهر الشكلى التصالحى والتعاقدى لقانون التجارة في الجمهورية الفرنسية! ونظل مندهشين من إنسياب القوانين للتحكم فى حياة وضمير المواطنين مثلما حدث مع موضوع الحجاب الإسلامى. ولا يتوقف إندهاشنا عند الطبيعة الوقحة لبعض القوانين فيما يتعلق بالإلهام الإلهي لهذه العقلية، التي تحاول تقنين كل شيء، ضاربين عرض الحائط بالحب المفترض من المسيحيين لأمثالهم من البشر. وإذا كان فيكتور هيجو الثورى في مجال الأدب والمسرح الفرنسي قد أعرب عن هذه القاعدة المتحررة قائلا: "إن حق الحب مقدس مثل حق التفكير"، فمن حقنا أن نحب ديننا، ونبينا عليه الصلاة والسلام، ونحب قيم الإسلام بما فى ذلك حياء نساؤنا الفخورات بحجابهن. ومن حقنا أن نذكركم إذا ما كان العهد القديم ميال للقوانين، فقد أتى يسوع ليضع حداً للقوانين الظالمة معلنا للفاريسيين ولجند الرومان: " لقد انتهى زمن الغاية، أنه زمن الحب".

     ويتساءل أحيانا طلابنا الذين من أصل إسلامى ويعملون تحت إشراف علماء متأسلمين ومستشرقين علمانيين حول التبادل غير المتساوى وغير العادل بين إله المسلمين والإنسان فى نظر الجهود المالية والمادية لما يقوم به هذا الأخير عند إتمام فريضة الحج. إننا نحضر مناقشات بيزنطية من قبيل: " كيف يمكن الإيمان بمساواة وعدالة فى عملية تبادلية بين إله مفترض فيه أنه أعلى ومطلق، وإنسان مفترض فيه أنه أدنى ونسبى؟ ".

     والجزء الثانى من هذه الفرضية فى البحث عن التساوى بين الله والإنسان تتولد عن الأساطير ونزعة المساواة العلمانية التى ترفض قانون الاختلاف، الذي يحكم العالم والمبدأ العام للواقع، سواء بالنسبة للإيمان أو بالنسبة للعالم: وحدانية الخالق بلا ند، وبلا وسيط، وبلا شريك، وبلا نسيان أو تعب ولا سُبات ولا حوادث أو صُدف. إن كل شئ متجانس وفقا لمبدأ الوحدة الحاكمة للتنوع ومرادفة للتنوع وقد اجتمع فى وحدة المعنى والغاية والسبب.

     أن روح المسلم الواقع فى شراك علم البلاغة والخطاب الغربى، يصبح أكثر حساسية لمبدأ القديس توما القائل: "لا أومن إلا بما أراه"، كما أنه شديد الحساسية لسراب النزعة المساوتية، التى تتحول باسم حق المساواة إلى نفى الحق فى الاختلاف، لتنساق فى أكبر عملية هدم أخلاقى وإجتماعى وأيديولوجي للمجتمع، ألا وهي: اللا تميّز! إن هذا اللا تميّز هو الذي يخلق عدم المساواة. فاللا مبلاة والتسوية الديمقراطية من الأسفل تؤدى إلى مجتمع ذي مذهبين: من جهة المتساوون غير المختلفين، وقد وُضعوا فى نفس النسق اللا شخصى للتعليم والعمل والترقية والحقوق والواجبات؛ ومن ناحية أخرى نخبة من المميزين، فى تنافس مضمون وحماية رعوية وتسهيلات وإختلاف فى الرواتب والتقديرات وفقا للثروة والشهرة والسلطة.

     إن الميكانيكا توضح للعقل الديكارتى أن التقسيم العادل والمتزن لحركة ما للتماسك الميكانيكى والتماسك الديناميكى لنسق ما يتطلب الرجوع إلى أنسقة فرعية يطلق عليها عن وجه حق تفاضليات. تفارقي موزع للسرعات، ونسق تنويعات بالنسبة لمرجعية كل علم الرياضيات، والفيزياء، لأن كل تقنية الروح الديكارتى تكمن فى وضع معياريتهم فى معادلة أو فى تحليل. وكل علوم الفيزياء التى تتناول الديناميكا تعتمد على مشتقات، أى على تفاضليات بالنسبة للزمن أو لتغيرات المادة والطاقة بالنسبة للمراجع التى هى ذاتها ديناميكية. أنه المجتمع العلمى الذي يود أن يجعل من الإنسان إستنساخا، إنسانا لا متميز، لا جنسي، مثلى أو مزدوج الجنسية.

     إن عبارة "هاهو الإنسان" الشهيرة، وخلط ترجماتها تمثل مأساة الغرب: ذلك هو الإنسان الذي نبحث عنه، أو هذا هو إنسان بيلاطس البنطى الذي أتى ليأخذ يسوع إلى تعذيبه أو أتى ليلحظ الموت الإفتراضى ليسوع ليتأكد من اكتشاف الخائن الذي أسلمه للرومان، وتم صلبه بدلا منه. من هذه الجملة التي أسئ فهمها، وأسئ ترجمتها، وأسئ تضمينها، وأسئ تأريخها، تولدت مأساة الغرب وعواقبه على شعوب إفريقيا وآسيا. فمن كلمة "الإنسان" في هذه العبارة، سينجم طوفان يغرق حضارة جعلت معبوداتها شيطانية كالجنس والمال آلهة يجب أن تنزع فى حضرتها كل محرمات الأخلاقيات المسيحية. وبذلك أصبحت الخطايا المميتة، الجشع، الفسق، الزنا، النهم، الطمع، كلها تمثل معايير النجاح الإجتماعى.

     ومن عبارة الإنسان هذه تولدت مأساة عدم التميّز وأسطورة المساواة التى ترفض إختلاف الآخر. إن المقابل لكلمة إنسان باليونانية تعنى "هومو" Homo)) أى مماثل. أى أننا جميعا نظراء كالمثلثات المتشابهة: نفس زوايا النظر، نفس صلة العظمة. أن التمييز الوحيد هنا يكمن فى إختلافه مع مملكة الجماد، والحيوان، والنبات. وهذا الإختلاف فى النوع أنكره العصر الحديث بنظرية داروين، وهذا المبحث المسيحى حول الإنسان والداروينية الجديدة، نفس المبحث قد تم إجهاضه من كل مفهومه الدينى ليتحول إلى مادية نافية لتقدم العلم وعلم الإنسان.

     وفى لغة القرآن العربية الإنسان ليس ال "هومو"، المثل، وإنما الكائن المميز الذي يمثل تميّزه تعارضا مع الوَحْش (المتوحش اللا اجتماعي، المسخ، العاصي لله، المختبئ في الظلمات). إنه الكائن الإجتماعى المنبثق من الفعل العربى "أنَسَ"، أى يؤنس، يشارك، يواسى، يتقرب من النور. إنها كل عظمة الإنسان التى يتم التعبير عنها في هذا اللفظ، والذي يتم تداوله في تعبير عربية القرآن التى تواريها كلمة "هومو". أنه معنى مختلف تماما غير تلك القوانين الظالمة والتى سيصيغها موسى فى بحثه عن الحقيقة: " أنس ناراً ": لمح ناراً، اقترب من النار. إنه كل الإختلاف الكامن بين الإنسان، الإنس والجن. الإنس، ذلك الكائن المخلوق من صلصال آسن، ثم أكرمه المولى عز وجل بأن منحه نَفَس الحياة، والعقل، والموهبة. بينما الجن فهو ذلك الكائن المخلوق من نار والذي خرج منه الشيطان الرجيم.

     هذا هو الإختلاف الذي لم تفلح ألف عام من الإستحواذ غير المعلن على الحضارة الإسلامية بعد صبغتها باللاتينية، هو ما لم يتمكن الغرب من فهمه ولا استيراده: أن ذلك التكريم غير القابل للتقادم الذي خص به المولى الإنسان مصان ومقدس: " ولقد كرّمنا بنى آدم".    

     وهذا التكريم الذي يجعل من اللغة وإصطلاحاتها وسيلة تعبير، وعاء حامل للمعرفة، وصلة تعارف متبادلة وليس سلاح لنفى الهوية وسياسة سيطرة ثقافية ولغة عدمية ووقحة:

* "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات: 13)

     والإسلام، الذي يعتبر الكائن الآدمي كإنس، يجعل من المساواة عقيدة إيمان بعطاء الذات وورع التعاون، ومحنة إختبار فى تحقيق العدالة الإجتماعية والتقوى، وليس إجراءات قانونية تفرضها مركزية الدولة.

* "وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ" (النحل: 71)

     إن التقاسم المتساوى بين الأحرار والعبيد فى القرآن لا يمكن تصوره فى جمهورية تزعم المساواة والمفترض فيها من حيث المعنى أن ترعى الصالح العام.

     لا يوجد أى قانون يمكنه إقتحام قلب مغلق للعطاء، والمشاركة، واحترام الآخر، والتعاون المتبادل. أى ضد الإيمان والإهتمام بجزاء أكبر أو بالعقاب بلا نهاية بلا ضمان للمساواة فى الحقوق أمام العدالة، أمام الاحتياجات، أمام الواجبات، دون إنكار إختلاق الاحتياجات، وواجبات التضامن، والملكات، والخبرات، والكفاءات والهبات الشرعية الناجمة عن العمل الشرعى المفيد إجتماعيا.

     إن قانون الديالكتيكية الذي يحكم العالم يتطلب من حيث العدل ومن حيث الضرورة خلق الديناميكية الإجتماعية أن يكون هناك إختلاف فى التنافس على الخير أو تعارض حينما يكون هناك تباعد حول مفهوم الخير، والعدل، والحقيقة، وعند الضرورة حين تكون هناك تكاملية بإظهار الثراء والحكمة وكرم المعطى المحسن:

* "وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (فاطر: 12)

* "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ " (فاطر: 27)

* "وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (فاطر: 28)

     نحن إذن مختلفون، وهذا الإختلاف جزء من عقيدة إيماننا. وإنكار هذا الإختلاف يعنى إنكار حكمة الله ومدى قدراته فى أن يخلق ما يريده إلى ما لا نهاية.

"وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا (17) مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19) كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)" (الإسراء: 17-21)

"وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) " (هود: 118-119)

     ومبدأ المعنى يتطلب أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال بلا أى حرج أو خداع أيديولوجي: هل يستوي الأعمى والبصير؟  هل يستوي من يعلم ومن لا يعلم؟

     إن الإعتراف بهذا الفارق يعنى تقبله مع كافة عواقبه: الدخول فى الصراع إن كان يمس الإسلام أو الأمة المسلمة، وتقبله إن كان يناقضنا بلا عدوان علينا. وتجب الإشارة إلى أننا هنا لا نتهم أو نلعن أو نكفّر من يفكرون بطريقة أخرى غيرنا. فنحن لا نقوم إلا بالكشف عن الغلطة أو الخطأ في الحكم لكي يقوم العقلاء بتجنب تجربة سيئة، وأن يفيق الأقل علما وأن يكونوا نافذى البصر إذ يقع عليهم رسالة ومهمة تتطلب الذكاء والحس.

     إن الإختلاف هو القانون لذلك يجب علينا أن نتقبله وخاصة ألا يعلو صوتنا احتقارا للآخرين، لأن هذا القانون يوضح لنا مسئوليتنا تجاه الآخرين لنقودهم إلى العقل، وإلى الإيمان، وإلى الخير، وإلى ما هو جميل دون أن نفقد الصبر ودون أن نفقد الأمل، وخاصة شاكرين المولى عز وجل أننا لسنا من الضالين. إن الغلطة والخطأ أو اللبس هو الذي يعيننا لنرفع الشك والإبهام ونساهم فى توضيح الطريق أو جزء مما يجب علينا سلوكه، دون أن نعطى أنفسنا ألقاب التقوى أو حق إحتقار الآخر أو سبه. إن المخطئ كالضال يعنينا كإنسان علينا أن نصطحبه ونقنعه وأن نوقظه بلا قهر أو دعاية أو تلاعب. فالإختلاف هو قانون نفس مجال اللغويات:

* "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات :13)

 

* "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ" (الروم:22)

 

     كما إن واجب المعرفة، والإعتراف والتبادل، هو ضرورة دينية تتطلب احترام الاختلاف العرقي، واللغوي، والثقافي، والاجتماعي والديني. وإذا أردنا تناول الإسلام وموضوعاته فيجب علينا تناوله فى تجانسه الخاص وبمضمون معانيه الدينية ونسقه الفكرى والحضارى. أما القيام بنقل مفاهيم وأساليب الكنيسة وعلمانيتها إلى الإسلام فذلك يعد خيانة لفحوى ومضمون القرآن: اللغة العربية والإسلام.

     أن حب الحقيقة والحق فى الإختلاف يعطينا واجب الشهادة ضد هذه الخيانة المتعمدة أو اللا واعية وأن نطالب بمزيد من الحماس بين الشباب الذين يعيشون فى عالم لم يعد لديه الوقت ليقرأ أو ليبحث عن المعنى الذي استقاه من منتجات الحضارة المادية المعروضة من قِبَل متخصصين، يجيدون التحايل بالإشارات والرموز والتلاعب بالجمهور، حتى وإن كان هذا الجمهور فى مدرج جامعى وليس فى مدرجات إستاد كرة القدم أو قاعة رقص أو أحد الكازينوهات.

 

حق الاختلاف:

     إن الإختلاف فى الإسلام يصل إلى درجة من العدل لا تعرفها أى ديانه أخرى: فكل جماعة تعيش تحت إدارة مسلمة لا تُعامل كأقلية وإنما كجزء من الأمة، فلا يتمتع بحرية العبادة والعقيدة فحسب، وإنما أيضا بحقه فى اللجوء إلى مرجعياته الثقافية والأيديولوجية فى مجال حقه الشخصى والأسرى بل والقانونى. إن أى مسيحى أو يهودى كان يحق له الإختيار بين قاضى وقوانين مسلمة أو من بين ديانته الخاصة. فالشريعة الإسلامية التى لا يكف الغرب عن مهاجمتها لا يتم تطبيقها بصورة عشوائية وإجبارية على المسلم وغير المسلم. وذلك فى زمن لم تكن الإنسانية تعرف فيه إلا إسلام واحد، ذلك الذي يبشره محمد صلى الله عليه وسلم هو وأتباعه، وجميعهم لم يكونو من خريجى السوربون ولا من الأزهر ولا من أم القرى.

     وتقبّل الإختلاف يعنى الحياة مع مطلب الحق والعدل مع مراعاة الإحتياجات الحقيقية والإمكانيات الحقيقية. إن المساواة الحقيقية تكمن فى حق الإختلاف. والحكمة الحقيقية تكمن فى الإعتراف بهذا الإختلاف. ولا يعنى فرض مساواة غير مختلفة تنتهي بهدم روح الندية، والمطالبة الشرعية بالحق وتنتهي روح العدل والمساواة. إن الإنسان العقلاني الذي تعد عقلانيته كَمية يقترف ظلما حين يحرم إنسانا من حرية أن يكون ما يتطلع إليه ويحرمه من جزاءه الشخصى ولكنه صواب (وفقا لروح العدل وروح القانون) وعادل (العدل وقد تم تطبيقه كما ورد بلا نسيان، وبلا تحريف وبنفس القدر فى الرغبة فى الحياد الإنسانى):

"يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ" (الذاريات: 9)

 

كيف يمكن إذن لشخص "عقلانى" مبرمج وفقا لأيديولوجية المساواة أن يرى العدل والمساواة (أو عدم المساواة) بين الأضاحى ومخاطر الحاج من ناحية، والنِعم الإلهية من ناحية أخرى:

"لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ" (الحج: 28)

     حينما يتحمس المسلمون بتحويل هدف الحج من "مسيرة المجاهد" للدفاع عن الإيمان والإسلام والأمة المسلمة إلى معاناة وإحتيال وأكاذيب وإهمال ومصالح مالية.. فهم يفقدون النِعم والجزاء. فكلنا بصورة أو بأخرى مطالبون بتأدية الحج كما يجب. ففي الماضى كان القائمون على الخدمة فى الأماكن المقدسة المطوفون والسقاة، الذين كانوا يوهبون أنفسهم لخدمة الحجيج حباً فى الله وإحتراماً للتقاليد الإبراهيمية والمحمدية. ومع ذلك فالقرآن، من أيام الرسول عليه الصلاة والسلام، لم يعطهم وضع مساوى من الذين يهبون أنفسهم فى سبيل الحق وحقوق الإنسان:

* "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (التوبة: 19)

     أما اليوم فقد تحول كل شئ إلى أرباح وإنتاجية ومكاسب تحت سيطرة هذه الثقافة الحديثة الرأسمالية المزيفة التى تؤثر ظهور السماسرة والمرابون وتجار الرحلات الذين يجذبهم المكسب السهل وسذاجة الحجاج الذين عادة ما يكونوا مسنين ويجهلون مراسم الحج. وفى هذا المجال فإن الجمعيات المسلمة وممثلى الدولة والأئمة يستحقون اتهام التقصير وعدم المقدرة. وعلى صعيد الفكر السياسى والإقتصادى فى الواقع، حتى وإن إعترفنا بفرص ودقة عبارات التسويق الدينى وإقتصاد الورع، فنحن أبعد ما نكون عن المشاكل الأساسية التى لا يمكن للمحتالين إخفائها فيما يتعلق بالدمار الذي يخلفه انهيار الاقتصاد العالمى على نفسية المسلم، المساق إلى مذبح وحدانية السوق، وعليه إنكار إيمانه وقيمه بتبنى نموذج إستهلاكى ومالى قائم على الربا وعلى إستغلال الإنسان. فلا يمكن متابعة تحقيق أى هدف أيا كان نبله إذا ما أخطأنا فى تحديد الأولويات والأهداف بمحاولة إصلاح الظل بدلا من الشجرة المعوجة.

     إن أهم منظمتين وأكثرهم شهرة في فرنسا هما "المجلس الفرنسي للإسلام" و "إتحاد المنظمات الإسلامية فى فرنسا" تقع عليهما المسئولية الأكبر. نحن نتحمل جزءا أقل إذ لا نملك أى تكليف ولا أى تمثيل وإنما بموجب فرض الكفاية فإن إخفاق البعض يُلزم البعض الآخر. إن الأمة فى الإسلام لا يمكنها فى أى لحظة من لحظاتها وظروفها أن تتخلى عن مسئولياتها لأن حيويتها، واعتبارها، وتقدمها، وانتشارها، بل وحياتها تعتمد على حماسها وعلى كفاءتها فى تحمل مسئولياتها. ومن خلال هذا البحث نساهم في النقاش وندعو كل مسلم وكل كائن حر أن يشارك من أجل كرامة الإنسان، ومناصرة الحق لكي يعطى معنى لكلامه..

     إن إخفاقنا، ومشاكلنا الموروثة من تراجع الحضارة الإسلامية ومن الاستعمار، لا يمكنها أن تنسينا أن العقل المتفتح لا يمكنه بناء دلائل كاذبة بزعم أن شركة سياحة أو مرشد غير مؤهل قد تلاعب بحجاج مسنين. ومن المخجل على الصعيد الفكرى أن نخلط عمدا العقد بين الحجاج والمسافر أو المرشد والعقد مع الله. ومن المخجل بالنسبة لمثقف أن يستغل هذه النواقص ليعرض بؤسنا الذي لا يجهله أحد ويتناسى الأساس وهو: إخفاق الدولة الفرنسية التى تترك المسلمين الفرنسيين، أو المقيمين على أرضها، يعيشون كمواطنين منفيين مستبعدين من الأماكن التى يسودها القانون وتتركهم لقمة صائغة للمهربين لمختلف أنواع السلع فى سوق "الحلال" وإتمام مناسك الحج والعمرة.

     إن الظروف الإجتماعية والخلط الدائم هو ما يجعل الذهن العلمانى الكافر الغدار والإيمان العاقل للمؤمن المخلص يواجهان نفس اللغز لتنظيم وسياق الحج كل عام، لكن بدوافع متعارضة: "تضحيات بضعة أيام عابرة مقابل الجنة الخالدة".

خلفيات لا بد من إدراكها:

     أنهم يريدون إيهامنا أن ديننا أيضا هو يوتوبيا دينية واقعها ليس سوى تلاعب ومصالح غير نقية. ففى الصراع ضد الإسلام لا يوجد أى شئ عفوى لأنهم يحاولون أن تفقد أركان الإسلام مصدقيتها إعتمادا على إنحرافات بعض إخواننا فى الدين وعلى التلاعب أكثر بعلم الدلالة والهدم الأيديولوجي لسفهاء الكتّاب عن الإسلام. إن دهموية الإسلام قاموا بكل شئ لتقديم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام على أنه معجزة مستحيلة التحقيق. أى أنه ماضى أسطورى بالطبع لكنه ماض، تم تخطيه، ولا بد من إجتيازه بالتوطيد فى الحداثة وفى الغرب. إن المسلمين المتفرنسين الواقعين فى نطاق معرفة لغتهم الأم واللغة الفرنسية التي ليست أصلا لغتهم، يقعون في شراك العقل والترجمة التى تتحول إلى سلاح أيديولوجى للتدمير ضد الدين. مثال ذلك النداء القرآني الذي ترجف له القلوب وتذرف الأعين: " يا أيها الذين آمنوا " يترجمونها بعبارة " O vous qui avez cru " وهو ما يعنى أن ذلك الإيمان عابر وإنتهى أمره فى زمان ومكان البدو العرب، لأنه فعل يدل على حدثٍ وقع قبل زمن المتكلم، وأن الإيمان والرسالة المحمدية الثابت فى ذهننا وفى لغتنا وفكرنا يُقدم كظاهرة عابرة كمن يقول: " يا لك من ... هل صدقت كذا وكذا" فى حين أن ترجتها الصحيحة هي: " O vous qui devîntes croyant ".

     ففى هذه العبارة يتم إدخال صيغة الإستمرارية التى يرمى إليها القرآن. إذ يتم تضمين البحث وتحقيق وعاقبة وإقرار هذا البحث فى مستقبل من الصراع من أجل الإيمان، من أجل الحق، من أجل الشهادة بلا توقف، بلا ترجى وبلا أى بديل سوى الإستمرار فى الإيمان بالله وكتابه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. إن علم الصوتيات العربى يأخذ كل معناه فى لفظ كلمة "آمنوا" ومد حرف الواو وكأنه ممتد فى الزمن وليس مجرد تقرير حالة. فبالنسبة لله الحي إن القاعدة هى إحياء الإيمان فى القلب والروح، وفى اللغة، وفى الكائن الإجتماعى ليعيش فى رحاب آية:

* "مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآأَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (آل عمران: 179)

     إن إستمرارية الإيمان فى النداء القرآنى التى يقوم المتخصصون بتحريفها وتشويهها ترمى إلى توضيح التطلع الطبيعى للروح، التى تعى كذكرى صدى الحس الإلاهى الذي تحمله كنَفَس الحياة والذى يدفع الإنسان إلى التحرر من حيوانيته وطوارئه فى تطلع نفسى وروحي: أن يكون طريق الكمال، بحثا عن الجزاء الإلهى، بحثا عن النجاة، بحثا عن أفضل مكان وأعلاها فى الجنة:

* "وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" (آل عمران: 133)

*  "أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا" (الفرقان: 75)

     وهذا المستقبل الموعود مغيّب بسبب الخلط الذي قام به مخربو الإسلام وأنصار حرفية النص الذين جاهدوا لإضفاء أهمية على الطقس التعبدى والفقه أكبر من صراع المسلم للمعرفة والحرية والكرامة الإنسانية والإيمان الصادق. ففى تأكيدهم على الأخلاق والقوانين نسوا السمة الأساسية للإسلام وهي: إدراك المسئوليات الناجمة عن الإيمان وعن حب الله. بل حتى المثقفون المسلمون وأكثرهم نبوغا ينساقون بعيدا عن رسالتهم فى الشهادة ليقعوا فى مناقشات ثانوية حول قوانين الإسلام، متناسين أن هذه القوانين ليس لها حاليا أرضية ولا منبر وإن الأولوية ليست فى إطلاق نصائح حول الرجم أو ضد الحجاب وإنما العمل على بعث النهضة الإسلامية أو الدفاع عنها ضد الهدامين.

     فبعد الإنبهار الأول أمام الحج وأمام إتساع ظاهرة الشباب الذين يقومون بالحج لإستكمال تعاليم دينهم وليس كمسنين يذهبون لغسل همومهم، لقد أدرك الغرب أننا لم نفهم قيمة الحج: تلك القوة التي تمثل الإتحاد العالمى الفعلى للمسلمين. فأثناء ذلك المؤتمر السنوى للمسلمين الذين يجتمعون فى عملية تصعيد دون إنكار أو بلا تمييز لكل الإختلافات العرقية والجغرافية واللغوية والإجتماعية والجنسية والذُرية لإعلان عظمة الله والشهادة بوحدة الأمة الإسلامية لاستكمال أحد أركان الإسلام، الذي هو آخر الأركان ويتوّج الإنتماء إلى الإسلام، وليس عملية سخرة أو حلية للإسلام. لقد أدرك الغرب هذه الظاهرة أيام الاستعمار، وكان قد وضع جواسيسه ومستشرقيه وخبراؤه فى الحرب النفسية ليحاصر ويدنس ويحرّف الحجاج المحليين الذين يمكنهم أن يصبحوا حاملى مشروع إتحادى للمقاومة، مثلما حدث مع الذين سبقوهم فى حركات التحرير وكلهم يحملون إسم حاج كرمز للتطهر من أى دنس بما فى ذلك الإستعمار. إن الموقف اليوم أكثر خطورة فلم يعد من يذهب للحج أولئك المسنين وإنما عقول شابة تذهب لتأدية فريضة الحج كأحد أركان الإسلام.

     يجب علينا قراءة السورة الوحيدة التى تحمل إسم أحد أركان الإسلام، وهي: "الحج"، لنفهم مدى أهمية هذا الركن فى جهاد النفس والجهاد ضد العدو: الشيطان فى شكليه الجن والإنس. فنحن كمسلمين نرى الجزء الظاهر الذي هو الطقس. والعقلية الغربية الديكارتية العقلانية الحاذقة ترى مغزى الحج، وتأثيره، وديناميكيته الاجتماعية والسياسية. إذ أن له مؤامريه الذين يترجمون تعليقات سورة الحج عندما تتحدث عن التوحيد والجهاد والبعث وواجب الشهادة:

* "حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" (الحج: 31)

* "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" (الحج: 39)

* "وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (الحج: 54)

* "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الحج: 77)

     إنهم يقومون بفك رموز دلالات ديننا ورموزه ونصوصه ومراجعنا ويسارعون ليقدموا لنا معانيها فى خلطة مكونة من مفاهيمهم ليخلقوا بها حائلا بيننا وبين مبدأ المعنى. إن الغضب الذي يحركنا هنا ليس ضد الوسيلة، التى هى من حقهم فى نظرهم بما أنهم ينظرون إلينا كخطر كامن، ككفرة، كغير خاضعين، لكننا ضد تلك التصرفات لبنى جلدتنا التى تسمح لهم بما يقومون به، فهى أيضا وسائل عبودية تحت أمر أسيادهم سواء أكان جهلا أو عن عمد، عن دراية أو عن تواطؤ.

     على الذين يقومون بتحولات خاضعة "للجمهورية الفرنسية" لقدح أحد أركان الإسلام ونشر الخلط أو إستثمار ما يجهلونه لصناعة منتجات فكرية مسلمة مقبولة سياسياً، مثلما نقوم نحن بتأمل هذه الجملة التى يقشعر لها البدن وتدفعنا لعدم قول أى سوء بلا مبرر أو إستخدام الإسلام لغايات شخصية أو حزبية: " أى أرض ستحملنى وأى سماء ستحمينى إذا ما قمت بالتعبير عن رأيى الشخصي في تفسير القرآن؟ "

     إن العبارة التى تتحدث عن شراء وبيع وتبادل من قبيل المجاز ليجعلها فى متناول الفهم ولافتة للنفس والعقل، حتى وإن أدت بقية الآيات إلى الإيحاء بنوع من المبادلة بين ند وند فلا يمكن أن يكون بين الله والبشر فى جوهرهم وصفاتهم والعرض والطلب الذي يتم، لا مساواة ولا عدم مساواة ولكن لا مضاهاه مطلقة. إن المجاز هنا ليجعل ما لا يمكن تشبيهه سهل التصور ومفهوم:

* "إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (التوبة: 111)

     ويجب قراءة الآيات التالية من نفس المنطلق:

* "وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ " (فاطر: 28)

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ" (الصف: 10)

     ولا مجال هناك للمقارنة بين المتعاقدين بصفتهم إله وبشر. حتى وإن أخذنا بالمعنى الحرفي للتبادل، فهو غير متساوي، وعدم التساوى هذا من الضخامة بحيث لا يمكن قياسه. فما قيمة الحياة الحقيقية الخالدة في السعادة؟ لا يمكن تقديرها! ما هي قيمة ورعنا، تضحياتنا، آلامنا العابرة حيال إتساع جنة عرضها السماوات والأرض بنعم لا يمكن مقارنتها لا فى جمالها ولا طعمها ولا إيداعها بما هو معروف فى الأرض؟ ما معنى هذه المقايضة حينما يكون من يقترحها هو خالق الإنسان الشريك في المقايضة؟ الرحمة الإلهية! وما هو نصيبنا في هذه المقايضة؟ ذرة ضئيلة من الصبر فى المحن ومن العرفان فى السعادة على هذه الأرض، التى لا تساوى جناح بعوضة أو ذبابة بالمقارنة بقيمة الحياة الحقيقية. من الناحية الحسابية إن الجزء الذي يقع علينا يساوى علاقة قيمة اللانهائى بالصفر، وذلك لا يعنى لا شئ أو الفراغ المطلق وإنما اللا قيمة.

     ففى مسألة التبادل المتساوى أو غير المتساوى مع الله يجب ألا يحيد عن نظرنا التواضع وخشية الله التى يجب أن نتزوّد بها ما أن يتعلق الأمر بالله. فهو ليس كمثله شئ. وهذه اللا مقارنة نراها فى الأسماء الحسنى التى عرّفها لنا والتى تفوق إدراكنا لأننا نعلن قائلين ألله أكبر: الله أكبر من كل مفاهيمنا وتصورنا وعلاقاتنا بجماله وكماله وقدرته وعلمه ورحمته. الله أكبر من كل ما يمكننا تصوره، فهو أعلى من أية مقارنة. أنه كما يقول الإمام علىّ: خالق المكان والزمان دون أن يخضع هو لمفهوم الزمان والمكان اللذان نبني عليهما حكم ونسق مقارنتنا وتقييمنا.

     إن رحمته هي التي ستدخلنا الجنة، وليس أعمالنا. فأعمالنا لا تقارن بنعم رؤية أشكال وألوان الجنة، وحب المحبوب، والذكاء وقد تحرر من كل أشكال التكبيل، والمشاعر الجديدة لنتذوق بها الرائحة والرؤية وطعم وكل مالا يمكن حصره لأنه متعلق بأمر الغيب الذي نؤمن به. إن أعمالنا الأكثر ورعا وإخلاصا، فى حياة بمثل هذا القِصَر كحياتنا التي نمضي أكثر من 90 % من الوقت للإهتمام بمشاغلنا الدنيوية، لا قيمة لها بالنسبة لنِعَم الجنة الخالدة.

 

     والجنة ذاتها لا تساوى شيئا مقارنة بلقاء وجه الله والعيش على مقربة منه بلا حجاب: حب على حب، جمال على جمال فى ديالكتيكية غير مسبوقة يتحدث عنها إبن عربي: " الحب الولهان بالجمال والجمال الملهم لحب أكبر وقد تسامى هذا الحب بفعل الحب ليكون أكثر جمالا: وذلك إلى ما لا نهاية، بلا شبع". إن التحدث عن تبادل متساوى أو غير متساوى يعنى عدم تقدير من خلقنا وعدم فهم الغاية والرسالة التي وُجدنا من أجلها:

* "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" (الزمر: 67)

     أنه فوق كل شيء: لا يمكن مقارنته! وبالتالى فإن حرية الإختيار لنؤمن أو لا نؤمن، أن نقول أو لا نقول، أن نفعل أو لا نفعل، لها حدودها. وهذه الحدود ناجمة عن علاقة الخالق بالمخلوق، بين الآمر والمأمور، بين العابد والمعبود، بين المعاقِب والمعَاقَب، بين العاطي والمحتاج..

     فالقول بأن نقف على قدم المساواة بين المقدس والمدنّس، الزمانى واللا زماني، الدنيوى والأخروى، الإنسان والله يعد هراء بحت. فلا توجد مساواة بين العاطى الكريم وبين المحتاجين البؤساء وإنما هى لدفعنا على القيام بالعمل الصالح وأن نستلهم الأسماء الحسنى:

 * "وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)" (آل عمران: 132-133)

* "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (السجدة: 17)

     إن الأمانة الأخلاقية والثقافية تتطلب منا أن نبحث عن عذر للشباب الذي يتعيّن علينا أن نعترف بموهبته فى الكتابة والجهد فى الإنتاج الفكرى حتى وإن كنا لا نتقاسم معه وجهات النظر. إن مسعانا كان له هدفا تعليميا: التذرع ببعض الفجوات والأخطاء التى نلحظها فى الأبحاث الجامعية لنلفت الإنتباه إلى ضرورة اليقظة التى يجب أن يكون عليها عند تناول مشكلات تتعلق بدينه وبأمته المسلمة لكيلا يستحوذ عليه الصراع الأيديولوجى ويجعل منه شرطيا فى خدمة التحريف أو أن يقطعه من قاعدته الشعبية التى تنتظر ظهور نخبة نبيلة وكريمة تتولى هموم ورغبات وطموحات جماعة غير قادرة على تكوين وعيها بالأمة بحكم عواقب الهجرة والإستعمار والإستعباد. إن التفرقة العنصرية لا تكمن فى الإعتراف بالأمة وإنما في كشط خيرها، في الاحتفاظ بما هو صالح للجمهورية الفرنسية وإلقاء الباقى فى المنبذ المدنى والثقافى والإجتماعى بإسم الحرية والمساواة والأخاء.

     لقد شهدنا بأسلوبنا وبطريقتنا فى التعبير عن الحب بلا مجاملة ولا حليات، وحاولنا لفت انتباه الشباب الجامعي الفرنسي الذي يعمل بنية حسنة، على موضوعات إسلامية ويقعون فى فخاخ ترجمة سيئة أو معرفة سيئة بالقرآن. فبوقوعهم فى الفخ يحرفون المعنى ويدفعون غيرهم إلى الخطأ أو إلى الضياع. ولكي نرفع أى لبس عن ملاحظاتنا أياً كانت مرارتها، فذلك لا يمنع من الإعتراف بأن الأعمال التى رجعنا إليها بها مجهودات لها قيمتها رغم ما بها من نواقص، ولها تقديرنا وتشجيعنا.

البابا بنديكت 16 نموذجا للتحريف:

     إن المعنى يتغير فى النص حين يغيب المقابل اللغوى. وفى محاولتنا البحث عن مصادر الخلل وجدنا من بين ما وجدنا مشكلة ترجمة الآيات القرآنية وخاصة ترجمة عبارة "لعلكم" بمقابل فرنسي " peut-être” ويعنى "ربما"، وهو ما يسمح للبعض أن يقول إن العلاقة بين الإنسان والله علاقة غير متساوية لكيلا نقول متعسفة أو ظالمة. إذ يمكننا أن نتصور أنه بلا ممارسة عبادية وبلا محن وبلا مصير ولا التزامات، متناسين أن الله يمكنه أن يستغنى عنا وأنه ليس بحاجة لا إلى طقوسنا ولا إلى عبادتنا. فالطقس والعبادة هو رباط يجعلنا نحافظ على صلتنا بالله وعلى تغذية الروح بغذاء روحى. وبدون هذا الغذاء تخبو الروح وتبقى حيوانية الجسد لتستجيب إلى نبضات النخاع الشوكى وعواصف النفس. والروح هنا هى العاصفة التى تجتاح العقل وتلك الوثنية لفكرة الأنا المفكر الذي يتصور أنه يعرف أفضل من الله ما يناسب ولا يناسب الإنسان. وهذا النوع من الوثنية يرفضه الإسلام الموحد بالله.

     فما من نبى يدعو إلى عبادة المعتوهين والحمقى، وإنما يدعو إلى تنمية الحكمة التى تعرف كيف تعطى لكل شئ مكانته الصحيحة، ولكل كائن موقعه، ولكل حدث أولويته. إن روح الدقة تترادف مع روح المعنى دون أن تختلط به. وحتى قداسة البابا بنديكت السادس عشر، المثقف من الدرجة الأولى، قد ترك نفسه يقع فى فخ قراءة نص يقدم له المسلمين على أنهم مؤمنون لا عقلانيون، بلا منطق، حيال ما لا يطلق إسمه صراحة وإن كان يقصد به التعسف المطلق لإله المسلمين.

     فقد لجأ إلى نص حوار ضعيف السند، تفصل عشر سنوات بين وقوعه عام 1390 وتدوينه فى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، كما يؤكد ذلك تيودور خوام فى مقدمة الكتاب. بل والأكثر من ذلك، "يؤكد مانويل بالفعل أنه سيذكر حوار الطرفين بقدر الإمكان الذي ستسمح به الذاكرة" (صفحة 27). وهو إعتراف يلغى أية مصداقية للنص. فكتابة حوار بمثل هذا الطول، من الذاكرة، فى موضوع بمثل هذه الحيوية، ومتعارض مع فكره، مع "محاورين لا يعرفون اليونانية، وليسوا ضالعين فى اللاهوت أو فى الجانب الدينى" (صفحة 118)، ومانويل باليولوج الذي يجهل لغتهم ورافض الإعتراف بأصالة رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، والمترجم بينهم متحدثا بالعربية، فلا يمكننا إلا أن نؤكد أنه نص دعاية تبشيرية لإنقاذ مسيحية بيزنطة.

 

ومما يؤسف له أن قداسته رغم ثقافته الأكاديمية المشهود له بها، قد لجأ إلى نص ينتمي إلى التزوير لكي يقود حربه ضد الإسلام. إن الأمانة الفكرية والواجب الدينى فى محاولتهما هدم الإسلام لكانت صائبة لو أمكنها إصابة العقل الذي يتشدق به الأستاذ المتفرغ ليثبت خطأ الرسالة القرآنية بأدلة تاريخية ودينية. عندما تكون هذه الرسالة تقوم بإتهام الحاخامات وعلماء اللاهوت بدلا من اللجوء إلى الخلط الرخيص. إن الذكاء والعقلانية والتاريخانية التى تسمح بعمل مثل هذا الهجوم فى حقل علم الدلالة الإسلامى لإدانته كان يمكنه إلهام الهدّامين بالبحث عن المرينة التى فى عينهم، على حد قول يسوع، بدلا من البحث عن القشة التى فى عين جارهم. فهذا الجار يقول بلا مواربة للبابا أجب على هذه الإتهامات التى يتناقلها المسلمون وأتى بتبريراتك:

* "وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (المائدة: 62)

* "اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" (التوبة :31)

     هل يمكننا أن نتصور دون أن نقع فى الشرك، أن الله القدير العدل والحق يمكنه أن يتحدث كفيلسوف مرتاب يبعث الشك والخلط فى نفس المؤمن؟ إن هذا الشك الذي تدعمه ترجمات خاطئة تبدل معنى بعض الآيات وتدفع بالبعض إلى التحدث عن تبادل غير عادل ويقصد به تعسفى. فالآية 9 من سورة "الجمعة" تترجم في الفرنسية بعدة صيغ بعيدة عن المعنى القرآنى.

     لذلك يجب قراءة القرآن واضعين فى الإعتبار أن الله "ليس كمثله شيء"، فاللغة العربية واحدة من أقدم لغات الإنسانية والقرآن هو الذي أعطاها النحو الحديث. واللغة العربية تستخدم النحو العام مع قليل من الإستثناءات والحالات الشاذة كاللغة الفرنسية، فالله هو خالق النص وعلاماته ومعانيه ودلالاته ومفرداته ونحوه. أنه ليس نص عشوائى وإنما معجزة التنزيل القرآنى أن يكون بمثل هذا الثراء، في متناول البشر، وتحد للمتخصصين فى علوم النحو. وتنزيل القرآن يتضمن إزدواجية متفردة هي: مضمون ثرى متصاعد زمانا ومكانا، وشكل ثابت لا يتزحزح. فهو عبارة عن تحد لغوى ونحوى ورمزى ومجازى ودلالى لكل الأجيال التى تستخدم العربية بجدارة المثقف العالِم:

"هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ" (آل عمران: 7)

"وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (البقرة: 23)

"أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (يونس: 38)

     إن الله عز وعلا حق، وكلمته حق، فلا الكذب ولا التحريف يمكن أن يطول كتابه. ومن الناحية المنطقية لا يمكنه أن ينطق كلمة تثير الريبة فى قلوب المؤمنين أو أن تؤدى إلى الخلط بالقوة الكامنة فيه. وعبارة "لعلكم تفلحون" من الناحية المنطقية واللغوية لا يمكن ترجمتها بعبارة "ربما تنجحون". وتقبّل هذه الترجمة يعنى الإطاحة بكل الآيات التى تتحث عن خشية الله، أى عن خلاصة القرآن: وكأن التقوى ظنية وغير أكيدة ولا يمكن التوصل إليها وذلك بسبب الشك الذي تثيره، لأن كل الآيات المتعلقة بالتقوى تضم عبارة "لعلكم تتقون".

خواص اللغة العربية:

إن لغة القرآن هى اللغة العربية فى أرقى صورها وأكثرها رهافة وإيحاء فى توجيه الخطاب إلى الإنسان فى كافة أشكاله الكينونية، والمعرفية، والعاطفية، والروحية، والاجتماعية، والزمانية والمكانية. إنها ليست لغة الصحراء والبدو العرب وإنما لغة تخلى الإنسان عن الأصنام والأوهام التى تملأ حياته الإجتماعية وأوهامه وعلاقاته بالله وبالإنسان.

     أن ثراء ورهافة لغة القرآن تكمن فى أنها من خلال عبارة مختصرة يمكنها أن تهز كيان المتلقي، لذلك يجب تناول دراسة البيان بمختلف ظروف تبليغ النص. فالمتلقى لرسالة القرآن يمكنه أن يكون استيعابيا، أو ثائراً، يستحق أو لا يستحق هذه الرسالة، وفى هذه الحالة من عدم التأكد، التي لا يغفلها المولى عز وجل قبل أن يوجد قارئ القرآن. فالله يعلم بكل تأكيد، وكلمته حق، لكن الإنسان المتلقي للرسالة يمكنه ألا يتلقاها بموجب المحنة التى عليه أن يمر بها. لذلك فإن ترجمة "لعلكم تفلحون" بما معناه في الفرنسية "وهكذا ستنجحون"، كما يترجمها البعض، تعد ترجمة غير صائبة لأن القرار النهائى بيد الله. وكل ما يتعيّن علينا، دون أية وساطة، أن نكون صادقين فى نوايانا. وإن أمكننا الحكم حول صلاحية نوايانا واعمالنا فلا يمكننا القول بصلاحيتها أو قبولها عند الله. فالقبول حق إلهي وليس بشرى.

     إن إدراك معنى التوحيد هو ما تفتقر إليه كثير من ترجمات القرآن إلى الفرنسية وتترك الباحث حائرا بين اليقين، بين العدل والتعسف، بين المساواة وعدم الكفاءة فى إستنتاجاته وفى العلاقات التضمينية التى يتوصل إليها، لا من الناحية الدينية فحسب وإنما من النواحي الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية والوجودية.

     فبين يقين الحقيقة الإلهية كخطاب حامل للحقيقة، وعدم يقين إتمام التجربة من المتلقي يوجد الخطاب الذي يمثل في القرآن ثقافة المسلم التى ترجح بين الرجاء والخوف من الجليل والترغيب والترهيب. وعندما ندرك الخطاب ندرك معنى الحديث النبوى حول المسلم، إذ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ - وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ- إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فالويل للكنود، للعاصي، المنكر للنِعَم والذي يلقى على المولى تبعية ما اقترفه على نفسه وعلى غيره من أضرار.

ففى الخطاب الغربى نجد نيتشه الذي قارب من هذا المعنى يقول: "إستخراج الأمل الذي لا يمكن وصفه من أعمق أنواع اليأس"، بتخطي الذات، والعمل على محيطه دون الخضوع للقدرية أو لأمر الواقع.

وإذا ما كانت عبارة "لعل" فى اللغة العربية القديمة تعنى "يمكن"، فهي في لغة القرآن تعنى أو تتحمل معنى الرجاء أو الخشية أو الإثنين فى نفس الوقت. أى أننا حيال حالة روحية معينة: أن يترك المرء نفسه بكل ثقة بين أيدي الله وهو يعمل ليستحق حبه ورحمته وتقبل توبته من أجل نجاته النهائية. فكيف يمكن نقل كل ذلك في اللغة الفرنسية؟

     إن المعجزة القرآنية بصفتها تحدٍ أدبي ونحوى للعرب الذين يمتلكون زمام اللغة العربية يجب أن يحث المتحدثين بالفرنسية على ألا يتقبلوا أية ترجمة.  خاصة إذا علمنا أنه "تحت تأثير روما والبابا واردت بطرس المبجل فكرة ترجمة القرآن إلى اللاتينية، بمناسبة قيامه برحلة إلى إسبانيا فيما بين 1141 و1143. وأوكل بهذه المهمة إلى روبير دي رتين، بمساعدة رهبان دير سيتو. وكانت المبادرة ناجمة فى ذات الوقت عن روح الحروب الصليبية، مثلما يثبت ذلك الخطاب الذي وجهه بطرس المبجل إلى برنار، ومعه نسخة من الترجمة التى تمت بهدف محو أى أثر للإسلام من ذهن المسلمين الذين تم تنصيرهم حديثا" (رجيس بلاشير، "القرآن" صفحة 9).

     وحتى بإمتلاك أفضل ترجمة لمعاني القرآن، فلا يمكن لأحد أن يعمل على واحد من الموضوعات المتعلقة بالإسلام والمسلمين، دون أن يكون هو نفسه ممارسا للقرآن بلغته العربية. فالصوتيات، والإيقاع، والأجرومية، والأسلوب، بل والوقفات، وربط المعانى، والتقاء الكلمات، والمضمون، كلها مؤشرات تؤدى إلى فهم القرآن. فلا يجب أن يكون هناك أى شك أو عدم تيقن أو تعدد معاني متناقضة في قراءة القرآن.

     إن القرآن يثير الإنتباه بصوتيات الكلمات وقوة المقاطع وتعدد معاني الكلمات وغرائب أجروميته. فالمتلقى يجد نفسه فى موقف متجدد من الخطاب وفى منظور متجدد يصعب على غير المسلم إدراكه إذ لا يرى فيه سوى تكرار ولغو. وحينما يقوم غير المسلم بمناقشة مسلما فى هذا المجال تصبح كل الإنزلاقات الموضوعية والذاتية ممكنة. وفى كل مرة يتوقف فيها قارئ القرآن، الذي يجيد العربية، أمام تركيبة جملة أو كلمة، فهو يدرك أنه حيال خاصية تضفي أهمية ما على المعنى تدفعه إلى التدبر وإلى التفكر فى معانيه.

     ولنفهم القرآن ونجعله الخلفية الموضوعية والذاتية لأفكارنا ونوايانا وأفعالنا وطموحاتنا، يجب علينا قراءته بنظرات حيّة وكأننا نعيش الفطرة والمكان الذي اُنزل فيه، وكأننا أول من يتلقاه ويعلم بوجوده بخشية وانبهار. وقد قام أبو الأعلى المودودي، الهندي الأصل، الذي يمثل جزءا من تراث القرن العشرين وساعد على تكوين أجيال من المناضلين والمفكرين المسلمين، يعطينا المفتاح فى كتابه "لنفهم القرآن" لنسمعه ونراه ونشعر به، لنهتز ونعيش خلجاته:

"إذا أردت أن تفهم روح القرآن، عليك الالتزام بتأدية رسالته عمليا. لأن القرآن ليس كتاب نظريات تجريدية أو أفكار بسيطة يمكن فهمه ونحن جالسون فى مقعد وثير. وهو ليس بكتاب دينى كباقى الكتب الدينية التى يمكن فهم معانيها من خلال الحلقات الدراسية والخطب.

"على العكس من ذلك، أنه كتاب يتضمن رسالة، يتضمن دعوة تولد حركة. فمنذ أول تنزيله، دفع الإنسان الهادئ الورع إلى ترك حياة الوحدة وأن يواجه العالم الذي كان ثائرا في وجه الإله، والهمه رفع صوته ضد الظلم، ووضعه فى صراع عنيف ضد سادة الكفر والشر والظلم. وقد جذب القوم واحدا يلو الآخر، من كل دار، تلك الأرواح النبيلة الطاهرة، وجمعهم تحت راية الحق. وفى كل جزء من البلد أثار عصيان الفاسدين الذين أعلنوا الحرب على حاملى الحقيقة.

"أنه الكتاب الذي أطلق حركة مجيدة بصوت إنسان واحد، واستمر فى إرشاده لمدة إثنين وعشرين عاما حتى استقرت دولة المدينة. وفى كل مرحلة من مراحل هذا الصراع الممتد المرير بين الحق والكذب، قد أوضح هذا الكتاب لأتباعه كيفية محو النظام القديم وإقامة نظام جديد.

"هل يمكن إذن التوصل إلى قلب القرآن بمجرد قراءة كلماته دون أن نخطو خطوة فى معركة الإيمان والكفر، الإسلام والجهل، ودون اجتياز أى مرحلة من هذا الصراع؟ لا، لا يمكن فهم القرآن إلا إذا تبنيت تعاليمه وتصرفت وفقا لها، ويكون كل إجراء تتخذه وفقا لها.

"عندئذ فحسب يمكنك الشعور بكل الأحداث والتجارب التى وقعت أثناء تنزيله. فسوف تجتاز مكة والحبش والطائف؛ ستواجه بدر واُحد وحُنين وتبوك؛ ستلتقي بأبى جهل وأبى لهب؛ ستلقى اللئام واليهود؛ ستجد نفسك أمام كل الذين استجابوا للدعوة وكل الذين دخلوا الإسلام بحثا عن مكسب. ستلقى على طريقك كل هذه الفئات من الناس، وستتعامل معهم.

"إن هذا الطريق الذي أطلق عليه "طريق القرآن" يختلف عما يطلقون عليه "طريق التصوف" إذ أن "طريق القرآن" هو أن تكشف لك، بينما تجتاز مختلف مواقفه ومراحله بعض السور والآيات عن رسالتها، لتقول لك أنها قد اُنزلت تحديدا لمثل هذه المرحلة ولمثل هذا الموقف الذي تجتازه. وقد يغيب عنك بعض رهافة الحس اللغوي أو النحوي، مثلما قد يغيب عنك بعض نقاط علم البيان وعلم الدلالة فى القرآن، لكن من المحال ألا يكشف لك القرآن عن روحه الحقيقية".

 

     إن التدريب الروحى والفكرى بلا ازدواجية، بين الإيمان والعقل، من خلال ترابط التدبر والتفكر يعطى المعنى العالمي، معنى التوحيد الصافي، الكامل والمخلص: إن وحدة فعل الله الذي يتحول إلى كلمة قرآنية فى قلب محمد صلوات الله عليه، وعيسى بن مريم، وخلق متجدد بكل روعته وغموضه بين الأبدى والأزلى، الذى هو شئ واحد بالنسبة لخالق الزمان والمكان، لا يمكن أن يسعه أى مكان أو مساحة أو لحظة أو مدة أياً كانت. إن نفس القانون الذي يحكم الكون المرئى وغير المرئى يشهد بوحدانية الله الخالق المنظم والمتحكم، الثابت والكاف دون أن تكون هناك حاجة للعقل أن يعطيه أنداداً أو شركاء أو شريكة أو ولد!

     وحينما تستلهم اللغة من الأساس الأسطورى اليونانى أو الرومانى لا يمكنها أن تعبر تماماً عن الإيمان كما لا يمكنها أن تمنع العقل من أن يحيد أو المعنى من أن يفسد. فاللغة تحمل متخيل، أى مقدرة رمزية على إثارة الماضى واستطلاع الحاضر واستباق المستقبل. وحينما يكون هذا المتخيل ملئ بالأساطير فلا يمكنه منطقيا أن يتميز بسيادة عقلانية على لغة غيره وعلى نسق تفكيره. أما حينما يكون المتخيل الذي يعتمد عليه تعبير الإيمان والعقل ليتناول كينونة الإنسان من آدم إلى محمد عليه الصلاة والسلام، مرورا بكل السُبل التى سلكها الأنبياء والرسل، عندئذ يصبح الخطاب نوراً يضئ معارف قدرة المؤمنين على إدراك الكلمة والمعرفة:

* (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) (البقرة: 31)

      وتتوقف القدرة على ذكر الأسماء كلها عند الاختلاط بالفكر الوثني الذي يتحدث عن الوثن ليهين الفكرة، ويمجد الكذب ليخفى الحقيقة، ويزيف الكلم ليطفئ نور الحق المنبثق من الله. إن الوثنية لا يمكنها التعبير عن تطلعات الإنسان ومتخيله ومستقبله، كما لا يمكنها أن تكون معيارا للعقل البشرى وإيمانه وترجمة كلام الله الذي لا يمكن تغييره أو تبديله:

* (قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 64)

     لقد إتخذنا سورة الكهف كمثال، ويمكن القيام بتجربة قراءة النص حتى قصة موسى، وعندها يشعر القارئ أنه إنتقل إلى بُعد آخر وإلى رسالة أخرى. والإستمرار فى القراءة حتى قصة ذو القرنين نلحظ ديناميكية أخرى وتعاليم مختلفة. إن هذه التعددية تتجاوب مع متطلبات السرد الذي يتعدى الفهم البشرى، لأنها تحافظ على الوحدة بقوة الإيحاء، والنغم، واسترجاع الكلمات، وتشابه المواقف وخاصة الرسالة الأساسية، وهي: التوحيد بالله الذي لا مثيل له ويتحدى كل الذين يرفضون السجود له.

     فمما لا معنى له أن نتحدث عن الإجتهاد إن كانت أدواته، التدبر والتفكر، لا تكشفان عن رهافتهما إلا من خلال اللغة العربية أو من خلال ممارسة ممتدة للقرآن الموحى، بالإيمان أو بالرغبة الصادقة فى البحث عن الحقيقة لفهم معانيه:

* (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (يوسف :12)  

     وإذا ما تقبلنا قراءة "لعل" كموقف روحي، ومعرفي، وتصرفى وفكرى بحثا عن الأمل فى لقاء وجه الله وخشية عقابه أو إحباط أن نحرم من لقائه، عندئذ لا يصبح التفكير والتأمل والإنتاج الفكرى لا بذخاً ولا مزية ما، وإنما ضرورة. إن المردود الدرامى لكلمة "لعلكم" من رب العالمين، الذي هو في آن واحد موجود ومتعال، يدعونا بلغة حب لا يريد بها أن يرى من يدعوه محروما من رحمته، يصعب ترجمتها بلغة أخرى غير اللغة الأصلية للقرآن.

     كيف يمكننا تصور الله الودود يعامل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام كشئ لا معنى له ويتركه يقلب الشك حول مصيره، في حين أنه قد كرس حياته لخدمة الله حتى صار تجسداً لقرآن في صيرورة:

* (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (طه: 130)

     يتعين علينا قراءة وتناول الموضوعات المتعلقة بالأسلام والمسلمين وفقا للمعنى التضمينى للقرآن، وكأن القرآن يخاطبنا شخصيا. فالتضمين هنا روحى ومعرفى وعاطفى ومتخيل ورمزى ونحوى ودلالى. وقد قال الإمام علىّ كرّم الله وجهه: "لا يوجد أى شئ فى قراءة القرآن لا يمكننا تأمله".

     فالقرآن واللغة العربية ليسا من الصعوبة إذا ما اقتربنا بإخلاص بعيدا عن المواقف الجامعية والأفكار المسبقة والترجمات غير الدقيقة. إن الصحابى الأوائل كانوا عامة من الرعاة ومن صغار التجار والمزارعين البسطاء، وقد استطاعوا العيش فى رحاب القرآن وكافأهم بدوره، ألا يقول المولى:

* ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (القمر: 17)

      أن التمكن من اللغة العربية، وكلماتها وأجروميتها لا يكفي لفهم القرآن. فلا بد من قراءته كتعبد، كحوار خاص مع الله لفهم معانيه والشعور بمعجزة تتحقق: إذ ينفتح الكنز ويطرح جواهره التى لا تقدر، حتى وإن لم نتمكن من رؤية كل الرهافة وكل المعنى وكل الحقيقة:

 * ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت: 69)

     إن واجب النصيحة يدعونا لقول إن القرآن لا يمكن قراءته ككتاب علمى أو موسوعة أو قصة، وإنما ككلمة الله التي تسري في قلوب المؤمنين. إذ يمكنه أن يظل مغلقا، يصعب الوصول إلى فهمه، وذلك بالنسبة لأذكى الأذكياء وأكثرهم ثقافة، إذا غاب الإيمان وغابت الرقة من القلب:

* ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (الإسراء: 46)

لقد تطرقنا إلى قضية ضد الإنحرافات الموضوعة لتحريف أحد الأركان الهامة للإسلام، وهو: الحج. فنحن على قناعة من أن الصراع الأيديولوجى الدائر ضد الإسلام سيبحث عن معارك أخرى، وعن رموز أخرى، وعن اركان يزعزعها بزعزعة قراءتنا للقرآن. ومن باب الأدب لم نذكر ولا إسم، ولا عنوان مقالة، ولا أى جامعة، ولا أى تلميذ أو أستاذ، لكنه يمكننا الاستشهاد ببعض آيات سورة الحج التى ستلقى الهلع فى قلب كل مسلم يستخدم الإسلام والأمة الإسلامية أو أحد الأركان أو الطقوس من أجل تحقيق مكسب اجتماعي أو سياسي أو فكرى:

* (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحج: 6)،   

* (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) (الحج: 8)،   

     وقد قال سيدنا محمد عليه الصلاة والسلم: لا أخشى على أمتي إلا من ثلاث:

* عالم دين فاسق، وحاكم مستبد، وجاهل او عالم جاهل يفسر القرآن.  

 وهذه الفئات الثلاث من الأشخاص نراها تعمل فى العالم الإسلامى وفى العالم العربى لتهدم قاعدة الإسلام، الا وهي: اللغة العربية، وذلك باسم الحداثة والهمجية. وقد نجد بعض العذر للشباب الفرنسى أن يستبدل رسالة القرآن بتقصيره فى اللغة العربية. أما فى البلدان العربية، فإن عملية إقتلاعها تتم عن عمد وهي موجهة ضد الإنسان المسلم.

     إن التعليم القائم على إغتياب الإسلام أو مسخه بأيدى مزعومى الثقافة الحداث الذين يتصدرون الوظائف الإدارية، وكبار تجار التعليم القومى قد نجحوا فى خلق ما يطلق عليه مالك بن نبى: "العته التعليمى". فقد أضافوا مسخ حامل هلاهيل العلم إلى ما خلفه الاستعمار من مرتدى الهلاهيل، وذلك بتخريب نظام التعليم والتصدى لعملية التعريب. فأتباع المذاهب الغربية وتحت مسمى مؤهلاتهم وشهاداتهم ووضعهم الاجتماعي والسياسي، يخدعون الشعوب بأن يتحولوا هم أنفسهم إلى أدوات تخريب تقر الفرقة الأيديولوجية التى خلفها الإستعمار. فعقولهم لا تعمل لطرح أفكار جديدة أو علوم تفيد المجتمع، وإنما يقدمون خطباً رنانة لخدمة الحكم السئ. وبذلك قد تحولوا بهذا إلى مستوى من العلم بلا ضمير، إلى سماسرة أو إلى جامعي فُتات ورموز للحثالة الأخلاقية، ووجوه براقة لعمل الثقافة المزيفة.

     إن سياسة التعليم والتغريب حينما تقودها مثل هذه النوعيات، بلا ضمير وبلا أخلاقيات سياسية، لا يمكنها أن تؤدى إلا إلى هدم الوطن وإضفاء العته على الجموع التى تفقد مهارتها لا فى ذكر الأسماء ولا الأفكار والعواطف، وإنما الأشياء والأماكن. إن اللغة الجزائرية مثلا ليست لا البربرية ولا العربية، وإنما "فرنسية لغة أجنبية"، وهذه عبارة اختلقها علماء اللغة فى فرنسا لتأكيد الهاوية الثقافية والأيديولوجية بين البلدان العربية وفرنسا، عند توليها مهمة تعليم اللغة القومية. ونضرب على سبيل المثال بعض عبارات من الكتاب الرسمي للثقافة واللغة الفرنسية:

" إن المنهج الإرشادى للغة الفرنسية كلغة ثانية هى فى صلب المنهج الذي يمس هذا المجال من تعليم اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية، سواء في فرنسا أو فى الخارج لمساندة الإزدهار الثقافى واللغوى والإقتصادى لبلدنا (...) والقيام بالعملية التعليمية التدريبية للغة والثقافة كلغة أجنبية أو ثانية يجب أن يتضمن إختيارات إجتماعية ومهنية وأخلاقية تساعد على عملية الإندماج من خلال دراسة لغات ثقافية، هي بمثابة إسهام إيجابى وبنّاء للشعوب المهاجرة وأبنائهم فى حياة المجتمع الذى يعيشون فيه"

     وهذا ليس الحال فى البلدان العربية التى تقدم التنازلات طواعية للفرنسيين والإنجليز وللهجة العامية على حساب اللغة العربية. لذلك ينقصهم الرؤية الفرنسية مثلا والواجب القومى لمساندة الإشعاع الثقافى واللغوى والإقتصادى لوطنهم. ينقصهم النقاش الديمقراطى حول مبدأ المعنى الذي يؤدى إلى التنمية الإقتصادية وإلى الإستقلال السياسى والإزدهار الثقافى.

     وبجهلهم العمل المؤدى إلى الحرية، تلك الحرية التى تعطى ضمانات الكرامة الإنسانية، والرشاقة التى تؤدى إلى الإحترام والإعجاب وتدعو للاستماع إلى دليل الإيمان، وبذلك فهم يجهلون معنى اللغة ومعنى الكلمة.

     فالكلمة تعبر عن دقة الفكرة ودقة العمل. والعمل الذي يتم "تفصيلا كالترزية" لا يمكنه الإكتفاء بكلمات مبهمة وجُمل مازحة. فالمصنع والمعمل ومركز أبحاث التنمية والمدرجات الجامعية بحاجة إلى منطق الفكرة. وهذا المنطق لا يمكنه أن يتولد إلا إن كان محمولا على مطق لغة. والمنطق يتطلب أن تكون هناك إستعدادات لكنه يرفض أن يكون هناك خلطا وخاصة الخلط المتعمد. فبين الكائن والفعل، كلاهما يعتمد على اللغة، وقد نميل إلى نسيان أن الكائن هو عملية إمتصاص للحركة، والحركة هى إخراج للكائن، وأنه يكفي أن تكون اللغة – التى هى فى آن واحد حلقة الإتصال وقاعدة الإتحاد بين الداخل والخارج ـ فاسدة أو بها فجوات ليكون الكائن وفعله منقوصا فى تعبيرهم وفى علاقتهما.

     فلا السياسة ولا الإقتصاد يمكنهما الإستغناء عن الثقافة وعن قاعدتها اللغوية لخلق توتر الكائن والفعل والاتصال الذي يواكبه الانطلاق الحضاري لمجتمع ما. أن المدرسة والجامعة والإدارة والمصنع لا يمكن إختصارها فى أن تكون مجرد أماكن إتصال لأبجدية مزيفة أو مختلطة، وإنما هى بمثابة معابد يتلقى فيها الوعي الكلمة والقيم التي تحملها هذه الكلمة دون تدخل من الجهل أو التلاعب باللغة. فلا توجد حضارة إن لم يسبقها إستقلال العقليات التى تعطى للإنسان الشعور بالواجب فى أن يعبر عن المعنى بإشارات لغته. وبالنسبة لنا فهذه الإشارات هى اللغة العربية لغة القرآن.

     إن عملية نزع الإستعمار عن اللغة وعن الكلمات هي، بعد معاينة الإستقلال الذي لم يتم، لهى أكثر أهمية من إستقلال الأرض، وقد أوضح مالك بن نبى تغيير الجذور بتغيير الكلمات، ومثاله شديد الوضوح: "إن الكلمات تعبر عن مواقف أيديولوجية معينة، وإذا تم تغييرها، فإن تغيير الكلمة لن يؤدى إلى المعنى الذي كان يقصده، وإنما سيقوم بتغيير فى التصرف الثورى ذاته. فحينما يكف المناضل عن تسمية نفسه "المجاهد" فإن تصرف "الجندي" هو الذي يعود إلى الظهور كما فى نظام القناصين. إن الثورة يجب أن تحافظ على شدتها حتى فى اللغة للحفاظ على هدفها المنقذ للإنسان. فبعض التجاوزات فى اللغة وإن زعمت الجرأة الثورية، ليست فى الواقع إلا خيانات للثورة في هدفها الأساس، وهو: تطوير الإنسان وفقا للقانون القرآنى".

     إن كان المفكرين المسلمين المتحدثين بالعربية أو الفرنسية أو الإنجليزية والفارسية والكردية أو في إحدى لغات آسيا، تملأها حقيقة المسألة اللغوية وعلاقتها الشخصية. فكلهم يستعينون باليقظة القرآنية التى تحذر ضد أى تصالح فى اللغة والتى تؤدى إلى تضاد فى المعنى وإلى إنحرافات أيديولوجية وثقافية وحضارية مأساوية:

*  قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الحجرات: 14)

*  مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (النساء: 46)

فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (النساء :160)

       فاستبعاد اللَبس والإبهام جزء لا يتجزأ عن القيم الأخلاقية والجمالية للإسلام.

     إن القيم الأخلاقية والجمالية للإسلام والتى يطلق عليها علماء الدين فى الإسلام التى تستدعى قواعد لياقة الأنا مع لله، تتطلب من المؤمن قلبا يترجح بين التقوى والأمل الذي يمنح الشجاعة على الصراع بالتعلق بالرحمة الإلهية، التى تقف حائلا بين الإنسان وشعوره باليأس أو بالتخلى. وقد وضع العلامة المحاسيبى نقطة تركيز حول معرفة الله والتبجيل الذي يضفيه على المؤمن فى أفكاره وأفعاله. فالمحرك الأساس لهذا الاحترام هو الخشية والأمل:

" اعلم يا أخي، أن البشر ليسوا مخلصين فى أعمالهم إلا بقدر معرفتهم بالله، وأنهم ليسوا متواضعين أمامه إلا بدرجة معرفتهم بأمره، وأنهم لا يحمدونه على نعمه إلا بقدر معرفتهم بذاته، وأنهم يخشونه ويرضونه بقدر درجة هذه المعرفة. وأنهم على دراية طيبة بمعرفته بموجب درجة هذه المعرفة، وتحمل طاعته، وتفادى عدم طاعته، وتحمل كتمان طاعته والمحن التى تفرضها أحكامه بدرجة معرفتهم بالله، الذي يحبون ما يحبه ويكرهون ما يكرهه، بقدر هذه المعرفة. إن عبادتنا لله عرضة للإنتقاص فى كل ما أشرنا إليه وفقا لما فاته من هذه المعرفة ووفقا لما تلقاه. ونفس الشئ بالنسبة لمادة الخير والشر.

"لذلك إبحث يا أخى عن هذه المعرفة لدى من يمتلكها بتواضع من لا يستحقها إن لم يتمسك بقيمها. لأن العلماء لم يصلوا إلى هذا القدر من القمم فى العلم إلا بفضل إخلاصهم فى البحث وبفضل الاهتمام الذي يضفونه على الأشياء".

     ومثلما فعل المحاسيبى، فإن ابن القيم الجوزية يبرز المحاسبة التى تشهد بتقوى القلوب وتنبثق من الخوف والرجاء اللذان ينبثقان بدورهما من الوعد والوعيد. ففى "مدارك السالكين" يوضح أن الدرجة الروحية للخوف أكثرهم حمدا لقلب المؤمن وأكثر الفروض إلزاما كما تقول الآية:

* (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: 175)       

     ولا شك فى أن كل أفعالنا، الكتابة والعمل والتحدث أو الكفاح، تخضع لهذه القاعدة وخشية ألا نرضى الله إن كنا حقا نبغى لقب مؤمن: خشية عدم الطاعة، والخيانة، وعدم الأمانة، وعدم الاكتراث، وعدم اليقظة، وفقدان المعنى..

* (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (المؤمنون: 57-62)،   

     وهو يوضح أن الرجاء هى الدرجة الروحية التى تؤدى بالمؤمن إلى الحب بتمهيد الطريق حتى الغاية القصوى، كما توضحه الآية التالية التى تنهى سورة الكهف وتعطى المعنى الأخير لكل أحداث وأفعال القصص التى تضمنتها بالنسبة للتحديات الكبرى للإنسان والحضارة التى يطرحها عليه الإيمان، والعلم والتقنيات، والحكم الصائب واللغة:

* (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف :110)      

     ويوضح إبن القيم الفرق بين القلب المقدام فى طريقه إلى الله والقلب المتخاذل فى خمول بسبب القدرية الموروثة من تضافر التخلف الإسلامي والاستعمار الغربي:

" إن الفرق بين الرجاء والتمنى يكمن فى أن التمنى مصحوب بالكسل ولا يقود صاحبه إلى الطريق الجاد وطريق الجهد. وعلى عكس الرجاء الذي يتطلب نشر الجهد والتوكل، وهكذا فإن الأول يشبه حال من يتمنى أرضا ليزرعها ويحصدها، بينما حال الثانى يشبه من يحرث أرضه ويعدها ويزرعها ويرجو أن ينمو زرعه ويكبر. لذلك يجمع علماء المعرفة على أن الرجاء لا يصلح إلا إن واكبه العمل.

"يجب معرفة أن الساري على الطريق يمتلك نظرتان. بواحدة يرى روحه وعيوبه والآفات التى تهدم عمله وتفتح وسيلة إلى الخشية لينهل من نعم ربه وكرمه وسخائه. والنظرة الثانية يفتح بها طاقة على الرجاء.

" لذلك أطلقوا تعريفا على الرجاء أنه رؤية مدى إتساع الرحمة الإلهية.

" أما أبو على الرضبارى فقال: "الرجاء والخشية تشبهان جناحى الطائر. حينما ينفردا تماما يجد الطائر توازنه فى التحليق. وحين يخفق أحدهما فإنه ينعكس على تحليقه، وحين يفسدا يتعرض الطائر للهلاك". 

     وفى هذا الطريق الروحى يوضح إبن القيم طريق الهرب إلى الله، وهو نفسه طريق الإقلاع إلى الله كما يقول النص: "فروا إلى الله".

     فالأمر يتعلق بأن نفر من المغضوب عليهم ومن الضالين - كما نطالعه فى سورة الفاتحة). فالفرار هنا ليس جسديا وإنما روحيا وذهنيا وترفيا وفكريا للإقلاع إلى الله: والإقلاع تلخصه سورة الفاتحة:

* (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) (الفاتحة: 5-6)  

     والسراط المستقيم، طريق الاستقامة، الذي يستند على خشية أن نكون من المغضوب عليهم ومن الضالين، ورجاء أن يتقبلنا بين المؤمنين المهتدين، يؤكد مرة أخرى رفضنا ترجمة "لعلكم" بكلمة "ربما" أو "وهكذا". فبين الخشية والرجاء لا يوجد أى مكان للإنحرافات الروحية أو التطبيقات العملية إذ لا يوجد مكان، من الناحية اللغوية ولا من الناحية الدينية، لعدم يقين الخطاب الإلهي، ولا يقين فى تعبير المتلقى الإنسانى المشروط: فنحن مدفوعون بخشية عدم كفاية أعمالنا، وبالرجاء فى الرحمة الإلهية يمكننا التوصل إلى تقوى القلب، والنجاح فى هذا العالم والنجاة في الآخرة، أو على الأقل أن نجاهد للإقتراب باكبر قدر ممكن.

* (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) (البقرة:48)   

* (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر:60)  

     إن دراسة اللغة الفرنسية توضح لنا أن الصيغة الشرطية، بحكم أنها تتضمن المعنى الزمانى والقيمة الكيفية، يمكنها أن تعبر عن معنى "لعلكم" كاحتمال للفعل وكشروط مسبقة، أى كمستقبل افتراضي تحقيقه وإتمامه وكينونته خاضعة لخشية الله ورجاءه.

     وهكذا نكون مع وجه من أوجه روح النص القرآني الذي يؤكد أن القرآن سهل القراءة وسهل النطق والحفظ والفهم. فلا يتعلق الأمر بتأكيد وعدم تأكيد وإنما بمشروع تفكر فى قضية تفعيلية. فالتفعيل هى الوسيلة النفسية الزمانية التى تعطى آنية لجهد قائم فينا ونحن أصحابه. فالظروف ليست مسائل تؤدى إلى سهولة للإستعانة بها أو صعاب لإجتيازها أو التغلب عليها. إن الإنسان في قلب معركة مستقبله. والله وحده هو الذي يعفو ويرحم ويتقبل الأعمال. وهو نفسه الله الأحد الذي يمنح الإنسان تلك القدرة الرهيبة على الاختيار الذي به يبنى مصيره ومستقبله بتفعيله الخير أو الشر الكامن فيه. فكل شئ مفتوح حتى النهاية القصوى التى يتم الإعداد لها منذ الصغر:

* (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (النساء: 18)

     ومن البديهى أن تتطلب كلمة التقوى والفلاح كما هى واردة فى القرآن تناولا خاصا ليس هنا مكانه. لكن علينا تذكر أن هذا التناول متعلق دائما بإطار التوحيد الإسلامي الذي يعطى معنى للمضمون وللجملة وللكلمة فى الخطاب القرآنى.

     وفى دفاعهم عن الإسلام، يتعيّن على الشباب أن يتعلموا اللغة العربية ويحببونها لأبنائهم. فأن يجيد المرء لغتين تعد بمثابة قوة، والقوة تتضاعف حين تندرج في غاية ما، وهي: مستقبل الأمة المسلمة. وإلى أن يتم تدريبهم على اللغة العربية فإننا ننصح الشباب الباحثين عن فهم القرآن، أن يقرأوه بعيون إنسان حىّ وكأن الكتاب موجه لهم مباشرة، وخاصة ألا ينسوا أبدا أن هذا الكتاب هو كلمة الله، ومن هنا فيجب قراءته وفهمه من منطلق التوحيد الصافى.

     إذ أن فهم التوحيد يفلت من أولئك الذين ينسجون الأكاذيب على الإسلام، وعلى أولئك الذين يكيلون له أن يجيبوا على الأسئلة المطروحة فى الآيات التالية، قبل أن يأتى يوما تتم فيه محاسبة عقولهم:

* (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) (الأنبياء: 21)

* (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون: 91)

* (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف: 39)

     وتتوالى الاسئلة، من هو أفضل؟ ما هى أفضل أمة؟  ما هي أفضل تلاوة للقرآن؟ وما هي أفضل ترجمة للقرآن؟ ويا لها من أسئلة وأجوبة يصعب حصرها هنا. ونكتفي بدعوة الباحث عن التفاصيل، وعن أدلة أكثر عمقا وأفضل تناولا حول موضوع ترجمة القرآن، أن يستفيد من مقدمة زينب عبد العزيز لترجمتها لمعانى القرآن الكريم بالفرنسية وبالتالى بمقارنة ترجمتها بغيرها من الترجمات من منطلق الروح العلمي الذي ينميها القرآن لدى قارئ وحافظ القرآن: " هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين". إذ يأتى بعدها العديد من التحديات للعقل في الآيات التالية:

* (أَمَّن خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) (النمل: 60)

* (مَن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النمل: 61)

* (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل: 62)  

* (أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل: 63)

* (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (النمل: 64)

     إن البرهنة الروحية والأخلاقية والجمالية والعلمية واللغوية تُسكت الآراء المسبقة والدينية والأيديولوجية فى كل اللغات.

                                          3 / 10 / 2009

 

 

النص الفرنسي بقلم كلا من: عمر مازرى، مرسيليا