خطاب مفتوح إلي الرئيس الفرنسي جاك شيراك

                                        حول قانون منع الحجاب

 

 

 

السيد  الرئيس جاك شيراك

رئيس الجمهورية العلمانية الفرنسية

 

 

       اسمح لي يا سيادة الرئيس, بصفتي مسلمة وأستاذة للحضارة الفرنسية أن أحيطكم علما ببعض النقاط التوضيحية, المتعلقة بأمنيتكم بأن يقوم البرلمان الفرنسي بسن قانون لمنع ارتداء الحجاب وذلك لأن الإفصاح عن أمنية لرئيس الجمهورية يتضمن قطعا توجيها لجميع المؤسسات التنفيذية المعنية:

 

·        أولا: الحجاب

 

     إن الحجاب الإسلامي ليس «علامة دينية مجاهرة» ولا فريضة عبادية أو دينية.. إنه فريضة أخلاقية, متعلقة بحياء المرأة ومنصوص عليها في الديانات التوحيدية الثلاث:

العهد القديم: يقول يهوا عن بنات صهيون المتشامخات: « ينزع الرب في ذلك اليوم زينة الخلاخيل والضفائر والأهلة والحلق والأساور والبراقع والعصائب والسلاسل والمناطق وحناجر الشمامات والأحراز والخواتم وخزائم الأنف والثياب المزخرفة والعطف والاردية والأكياس والمرائي والقمصان والعمائم والأزر» ( إشعياء 3: 18-23).

«  ورفعت رفقة عينيها فرأت إسحاق فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا? فقال العبد: هو سيدي فأخذت البرقع وتغطت» ( التكوين 24: 64- 65).

« فخلعت عنها ثياب ترملها وتغطت ببرقع وتلفعت وجلست (...) ثم قامت ومضت وخلعت عنها برقعها ولبست ثياب ترملها» (قصة يهوذا وتامار, التكوين 38:  14 -19.ومن الواضح أن البراقع والعصائب والعمائم كانت تستخدم لتغطية الرأس وهي عادة موجودة في معظم الحضارات, وأي يهودي ملتزم بتعاليم دينه فى يومنا هذا, يحق له تطليق زوجته إذا ما خرجت من المنزل عارية الرأس.

 

. العهد الجديد: يقول القديس بولس: « إذ المرأة ان كانت لا تتغطي فليقص شعرها. وإن كان قبيحا بالمرأة ان تقص أو تحلق فلتتغط» (الرسالة الأولي إلي أهل كورنثوس 11:6).

وحتي مطلع القرن العشرين, كان خروج المرأة عارية الرأس يعد سُبّة, في فرنسا, أو علي الأقل كان يعد خروجا علي التقاليد والأعراف (راجع قاموس روبير الكبير)

 

 القرآن: نطالع فيه: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهنَّ} [النور: 31].

وانطلاقا من واقع ان الحجاب شائع ومستخدم بالفعل فى الرسالتين التوحيديتين السابقتين ، فإن الإسلام لم يقم إلا بتحديد تغطية الرقبة وفتحة الصدر. أي ما معناه مزيدًا من الوقار, مزيدًا من الحشمة, وعدم الاستهتار أو التبرج . وإذا ما كانت الفرنسيات المسيحيات قد ابتعدن عن تعاليم دينهن, فذلك لا يعني ان يتم فرض نفس التصرف علي الفرنسيات المسلمات, خاصة وأن الاستثناء وارد الاستخدام . ففي السابع من شهر مايو 2003 نشرت مجلة لوكانار أنشينيه (أي البطة المكبلة بالأصفاد) انه تم رفع حظر « ضرورة رفع الحجاب» في صور البطاقات الشخصية بالنسبة للراهبة أدالبرتا, ونفس الاستثناء ممنوح - في المجال الدبلوماسي- للمسلمات اللائي يمثلن بلدانهن في فرنسا. والحوار العادل لا يقر مبدأ الكيل بمكيالين.

من ناحية أخري, فإن هذه الآية هي الآية الوحيدة التي تشير إلي الحجاب والسورة التي هي واردة بها هي السورة الوحيدة من بين المائة وأربع عشرة سورة التي يحتويها القرآن الكريم والتي تبدأ بتحديد واضح يقول: {سورة أنزلناها وفرضناها و أنزلنا فيها آيات بينات} .. وهذه الآيات البينات, المنزّلة والمفروضة, تتضمن أحكامًا عبادية من قبيل: إقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة ،  وأحكاما أخلاقية من قبيل: تحريم الزنا, والاتهامات الباطلة, والكذب, وأحكام تربوية متعلقة باخلاقيات الحشمة والوقار, من قبيل ارتداء الحجاب, أو النقر علي الباب قبل الدخول, أو الاستئذان في الانصراف أثناء الحديث, إلخ.. إلا أن هذه الأحكام, رغم تنوع مجالاتها فهي أحكام تربوية, علي المسلم أن يحترمها ويلتزم بها لأن القرآن, كما تعلمون سيادتكم, ينظم الحياة الدينية والاجتماعية للفرد والاثنتان لا انفصال بينهما. وكل هذه الأحكام تختلف تمامًا عن الأركان الدينية الخمسة للإسلام, وهي:

 شهادة التوحيد بالله, والصلاة, والزكاة, والصوم, والحج  لمن استطاع اليه سبيلا .

      

       والقيام بسن قوانين تفرض علي المواطنات الفرنسيات المسلمات  مخالفة عقائدهن ، يخالف الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الانسان, ويخالف البند رقم 10 من القانون الفرنسي الخاص بالتعليم والصادر في 10 يوليو 1989, ويطعن في مكاسب العلمانية التي تعد شعارات الحرية والمساواة والإخاء في ظلها حقوقًا لا يمكن المساس بها, أما فيما يتعلق بيد فاطمة التي تقترحونها« كعلامة وحيدة ممكن قبولها من جانب الحكومة الفرنسية», فإن يد فاطمة هذه (أو الخمسة وخميسة  كما يطلق عليها البعض) هي رمز وثني, وتعويذة ضد الحسد, أو لجلب الحظ السعيد, وفقا لمعتقدات الأشخاص: ولا تمثل الإسلام بأي حال من الأحوال, مثل الصليب للمسيحية, أو النجمة لليهودية. إذ انه يجب أن يكون المرء مسيحيا ليرتدي الصليب, ويجب أن يكون يهوديا ليرتدي نجمة داوود. أما الحجاب فيمكن لأي امرأة أيا كانت عقيدتها ان تغطي شعرها من باب الحشمة والوقار, واحترام الأحكام الخاصة بالعقيدة لا يعد بمثابة « سبّة أو تحد للجمهورية الفرنسية» بما أن ذلك لا يمس السياسة في شيء.

 

     وهنا أراني ملزمة لإضافة: إذا ما كانت بعض الحكومات المسلمة قد منعت ارتداء الحجاب أو أخلّت بأية أحكام إسلامية أخري فلعلكم لا تجهلون يا سيادة الرئيس, ان هذا الانحراف قد تم فرضه بالاستعمار وهو لا يزال مستمرًا تحت وطأة التبعية السياسية والاقتصادية, وفي اطار عملية تنصير العالم التي أقرها المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني عام 1965.

 

     أما فيما يتعلق بالعطلات الرسمية, فمن الحق أن الجدول الخاص بالاجازات المدرسية في فرنسا مثقل بها, كما تقولون, وفي مقدوركم انقاص عددها بسهولة.. إلا أن الغريب في الأمر هو أن نري فرنسا العلمانية تتصرف علي« أنها حقا الابنة الكبري للكنيسة» , وتستمر في الاحتفال باجازات طويلة بأعياد دينية, لا نذكر منها سوي عيد الميلاد وعيد الفصح. فالأول يحيي ذكري ميلاد يسوع, والثاني ذكري بعثه. وذلك علي الرغم من أن البابا يوحنا بولس الثاني قد اعترف في 23 ديسمبر 1993 أن يوم 25 ديسمبر هو عيد وثني قائلاً: «عند الوثنيين القدامي كانوا يحتفلون بعيد الشمس التي لا تُهزم, في ذلك اليوم, كي يتوافق مع انقلاب الشمس في المدار الشتوي. لذلك بدا من المنطقي والطبيعي بالنسبة للمسيحيين تبديل هذا العيد والاحتفال بعيد الشمس الوحيدة الحقيقية وهي: يسوع المسيح ! وقد جري هذا التبديل في القرن الرابع الميلادي..

·        ثانيًا: العلمانية:

     

       اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أسأل: هل العلمانية في فرنسا قائمة علي أسس هشة لدرجة أنكم تقترحون إنشاء مرصدا  لحمايتها?! (ومراقبة التزام المسلمين بها!)  يبدو لي أن هناك مشاكل أخري أكثر إلحاحًا, تستوجب تدخلكم وتدخل البرلمان الفرنسي, لكي يتم تطبيق الأركان الثلاثة للعلمانية تطبيقًا فعليًا, وهذه الأركان هي الحرية والمساواة والإخاء. ولا أذكر من هذه المشاكل سوي: تفاقم عدم المساواة في الفرص ، التفرقة العنصرية التي تشغل حيّز القطاع العام وفقًا للعقائد الشخصية ، صورة الإسلام والمسلمين في الكتب المدرسية والمراجع الجامعية ، إمكانية الحصول علي أماكن عبادة لائقة (بدلاً من الهناجر والجراجات والأقبية وهي المتاح شبه الوحيد للمسلمين  باستثناء بضعة مساجد معدودة علي أصابع اليد) ، إمكانية الحصول علي فرص العمل أسوة بأتباع العقيدتين الأخريين ، وحق الحصول علي مسكن مناسب ، وعلي أجر غير عنصري ، وعلي حق التعليم بلا تعصب ، وخاصة حماية الأقليات المسلمة من موجة التبشير العاتية والتي وصفتها صحيفة لوموند دبلوماتيك ذات يوم وهي تتحدث عن البابا يوحنا بولس الثاني قائلة: «إنه يمشي علي الإسلام بمرداس» ( أي بوابور زلط ) لسحقه!

·        ثالثًا: الإسلام:

 

       إن الإسلام دين متكامل, لا يعرف العقائد اللامعقولة أو غير المنطقية, ويتناول كل ما يتعلق بالمجتمع الإنساني. إنه دين ونظام اجتماعي شديد التماسك والارتباط ، في عدالة وسطية واضحة. إنه تشريع إلهي عام وأسلوب حياة يؤكدان المبادئ الأساسية, الراسخة, والتي لا تتزحزح , والتي تدير حياة الإنسان في شقيها: الجانب العبادي والجانب الدنيوي. إنه دين صالح لكل زمان ومكان. والتحدث عن «إسلام ذي ثقافة فرنسية» كما تقولون , أو عن « إسلام فرنسى » يعني: التخريب علي المدي البعيد لتغيير معالم الإسلام و مبادئه. الأمر الذي يطعن في المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان.

      

       والتأكيد عدة مرات, في خطابكم, علي مكاسب الثورة الفرنسية, وخاصة علي مبدأ العدالة, فمن المؤسف أن نراكم تشيرون ثلاث مرات إلي الوجود اليهودي في فرنسا, ذاكرين تبرئة القبطان دريفوس, وضرورة محاربة معاداة السامية, و التأكيد على وجود التراث اليهودي في فرنسا منذ ألفي عام تقريبًا. وبعد ذلك بقليل, تشيرون إلي الوجود الحديث للإسلام في فرنسا. وهنا, اسمح لي يا سيادة الرئيس, أن أسأل: لماذا يجب التقليل من شأن الإسلام أو من الوجود الفعلي للحضارة الإسلامية كلما أتيحت الفرصة لذلك?! إن الحقيقة التاريخية, وهي واقع مُعاش, تؤكد أن الوجود الإسلامي أبعد بكثير من ذلك وأكثر تغلغلاً في الحضارة الفرنسية. ولا يمكن لأي مؤرخ يحترم أمانته العلمية أن ينكر حقيقة أن العلوم والفلسفة اليونانية قد انتقلت إلي الأوروبيين عن طريق المسلمين. وأن التراث الفكري الهلليني لم يصل الغرب إلا بعد أن درسه علماء الإسلام وفلاسفته دراسة متأنية ومتعمقة. إن الحضارة الإسلامية قد امتدت بالفعل وبصورة محسوسة في كافة المجالات.. «والساعة المائية» التي أهداها الخليفة هارون الرشيد إلي الإمبراطور شارلمان, لم تختف بعد من كتب التاريخ...

 

       مع شكري لكم علي القراءة, أسمح لنفسي أن أضيف: إن رصيدكم من الود في مصر وفي العالم العربي, دون الإشارة إلي المصالح المشتركة, يعطينا الأمل في إعادة النظر حول هذا القرار.

     وتفضلوا, يا سيادة الرئيس, بقبول عميق احترامي.


       تلك كانت ترجمة الخطاب المفتوح المرسل إلي الرئيس جاك شيراك فى 27 / 12 / 2003 تعقيبًا علي بعض النقاط الواردة في خطابه والذي أعرب فيه عن أمنيته في أن يقوم البرلمان الفرنسي بإصدار قانون يمنع المسلمات الفرنسيات من ارتداء الحجاب.

     لكن, بعد اللقاء الذي تم يوم الثلاثاء 30/12/2003 مع وزير الداخلية الفرنسي, نيقولا ساركوزي, مع رموز الأزهر وإمامه, وإصدار المشيخة لذلك البيان المهين, الذي يعد طعنة صريحة في قلب الأقلية المسلمة المقيمة في فرنسا , فلا يسعني إلا أن أضيف ما يلى إلي ذلك الخطاب المفتوح الموجه للسيد الرئيس جاك شيراك:

     إن انتزاع الموافقة علي استصدار مثل هذا القرار الموجه, والذي يناقض الأحكام التربوية والأخلاقية للإسلام, ويفرض علي الفرنسيات المسلمات التخلي عن أحد تعاليم دينهن وأحكامه, يحتم عليّ أن أسألكم يا سيادة الرئيس: إذا ما كنتم تعتبرون الحجاب «علامة دينية مجاهرة وغير مقبولة من الحكومة الفرنسية», فما عساكم تقولون عن تلك العلامات التي تعد بالفعل علامات مجاهرة استفزازية يتم فرضها علينا كشعوب مسلمة?! وهنا لن أذكر علي سبيل المثال سوي : أجراس الكنائس التي تقرع كل صباح, وقداس الأحد الذي يذاع في التليفزيون كل أسبوع, وقداس منتصف الليل في عيد الميلاد, وتضاعف عدد الكنائس أو مضاعفة مساحاتها بما لا يتماشي حتي مع العدد الفعلي لمرتاديها أو مع نسبتهم الحقيقية في البلاد, وفرق المبشرين الذين يعيثون عندنا بكل حرية ولا يتصدي لهم أي إنسان, وعيد الميلاد القبطي, في 7 يناير, الذي فُرض علينا منذ العام الماضي  كعيد وطني وإجازة رسمية في الدولة, في أرض إسلامية وبلد الأزهر الشريف?!

 

       في مواجهة مثل هذه التفرقة الفجة في التعامل, فإن كلمات من قبيل التسامح الديني والحرية والمساواة والإخاء تفقد معناها وتفقد مصداقيتها. والمساواة التي تتحدثون عنها, يا سيادة الرئيس, تحتم علينا أن نطالب بأن تكون المعاملة بالمثل حيال احترام عقائد الأقليات في كافة البلدان.

 

       أما الحوار الذي أجراه السيد وزير داخليتكم, والذي خرج بمقتضاه بما يمس ديننا وأحكامه, فهو بذلك يعد تطبيقًا صارخًا لتعريف البابا يوحنا بولس الثاني للحوار وهو: « فرض الارتداد والدخول في سر المسيح » , وتحقيقًا لمطلبه في أن يتم « الحوار»  بهدوء وبالتدريج  حتي لا يقابل بأي رد فعل يوقفه!   أما عن عبارة السيد ساركوزي الواردة في أهرام 31/12 2003 من أنه « يوجد عدد لا بأس به من مواطني فرنسا من المسلمين » فإن هذا "اللا بأس به"  يزيد عن عدد المسيحيين المقيمين في مصر   ويفوقهم ،  فهم في فرنسا  قرابة ثمانية ملايين نسمة, أما هنا فالرقم أقل من ذلك و يصل الى النصف تقريبا.

 

       وتبقي كلمة أترحم بها علي الأزهر الشريف, الأزهر الذي كان بمثابة القلعة الحامية للإسلام والمسلمين, الأزهر الذي تصدي لحملة « المنافقين الفرنسيس » , فيما مضى ، أيام كان يأوي شوامخ الرجال, فلم يكن  يترأسه آنذاك « أحد الموظفين الخاضعين للتوجيهات السياسية»   كما وصفته جريدة ليبراسيون الفرنسية في 24/12/2003! إذ كان من الأكرم لموظفيه الحاليين أن يستقيلوا جماعة احتجاجًا واحترامًا   لكرامتهم و تمسكا بدينهم و دفاعا عنه ، بدلاً من التواطؤ على أقتلاعه  بإصدار مثل هذا القرار...


                                                                                                        

 

 

                                                                                                           د. زينب عبد العزيز
                                                                                          أستاذ الحضارة الفرنسية