"كبوة سيبويه"

 

Shobashey.jpg - 33.61 kb

 

 

ليسمح لي الأستاذ شريف الشوباشي، وكيل أول وزارة الثقافة المصرية، الذي أكن له كل تقدير لدماثة خلقه من تعاملاتى معه كفنانة تشكيلية، أن أوضح عدة نقاط أساسية حول كتابه الجديد، المعنون بكل غرابة: "كبوة سيبويه"، وذلك من خلال تجربتي مع ترجمة معاني القرآن الكريم بالفرنسية، ومن خلال متابعتى لموقف الغرب من الإسلام الذي أفردت له أكثر من عشرة مؤلفات..

 

وإن كان المثل يقول إن لكل حصان كبوة، فمن المؤسف أن نبدأ بقول إن كبوة المطالبة بسقوط العالِم اللغوي سيبويه هي كبوة فادحة، أو إن شئنا الحق: أنها ضربة ناسفة لثوابت الأمة العربية ووجودها يا أستاذ شوباشي! ولا أفهم كيف لم يدرك الأستاذ شوباشي، مع اتساع ثقافته وخاصة الفرنسية، أن الكتاب برمته يندرج تحت منظومة "اقتلاع الإسلام" التي حددوا لها هذا العقد الأول من الألفية الثالثة لإتمامها، وقد أطلقوا عليه عقد "اقتلاع الشر" الذي هو الإسلام في نظرهم.. وأن هذا الكتاب تكرار ممجوج لمطالب المستشرقين لاقتلاع لغة القرآن، ويزخر بالعديد من التناقضات والمعلومات المبتورة التى تؤدى إلى عرض غير موضوعي وغير أمين للقضية التي هي هنا: حال اللغة العربية وما آلت إليه..

 

من المعروف أن اللغة العربية من اللغات السامية وأنها تختلف عن اللغات اللاتينية، وأنها تنعم بمرونة فائقة وذلك لأنها تتضمن إمكانية شاسعة للاشتقاقات. والفرق بين الاصطلاح العربي وأي اصطلاح غربى يكمن فى تلك الإمكانية الشاسعة للغة العربية، فالجذر عادة ما يعطى قرابة 80 اشتقاقا وأحيانا يصل إلى 220 أو أكثر! كما أن اللغة العربية تتضمن، إضافة إلى ذلك، سهولة كبرى في صيغ النحو ومرونة متناهية في القواعد، ترجع إلى نظام خاص لجذور الأفعال ومرونتها، وتنوع لاشتقاقات متعددة. الأمر الذي يسمح بثراء لا مثيل له في المفردات الفرنسية، وبرهافة موضوعية فى الفوارق التى لا يمكن ترجمتها الترجمة الدقيقة إلا باللجوء إلى اشتقاق كلمات جديدة فى اللغة المترجم إليها. 

 

إن جذور اللغة العربية وهيكل الإشتقاق منها ثرية بصورة كاملة وتامة حتى أن الجذر الواحد يُشتق من مصدره: إسم المصدر، والفعل بصيغه المختلفة، ودلالات كل صيغة، واسم الفاعل، والمفعول، والصفة الشبيهة، إلى آخر ما هنالك من تصريف تجعل اللغة العربية تعلو ولا يعلى عليها.

 

كما يجب أن نأخذ فى الإعتبار أن كل واحد من هذه الإشتقاقات يتضمن اختلافا فى المعنى أو في الدرجة، وليست مجرد مزايدة في عدد المترادفات.. الأمر الذي يوضح مدى اتساع ومرونة ودقة اللغة العربية من جهة، وأهمية مراعاة التشكيل من جهة أخرى، حتى تكون الترجمة دقيقة ولا تخل بالمعنى. فلا يعقل يا أستاذ شوباشي أن نرمى بكل هذا الثراء اللغوى لمجرد محاكاة الغرب أو الإنصياع لأوامره !

 

وكم كانت فجيعتي عندما دُهشت بالفرق الشاسع بين اختلاف وعاء اللغتين، العربية والفرنسية، إذ أن مميزات اللغة العربية تسمح لها بأن تكون أكثر إتساعا بعشرات المرات من اللغة الفرنسية.  بل وكم كانت تلك الدهشة عندما صُدمت بأن اللغة الفرنسية كثيرا ما لا نجد بها صيغة الفعل، أو الصفة، أو أنها لا تعرف المثنى و لا المؤنث لبعض صيغ التصريف كفعل الأمر وغيرها، وكلها من أساسيات اللغة والتعبير بها !

 

إن اللغة العربية تمتلك العديد من المصطلحات لتحديد الفرق الدقيق بين الحالات المختلفة التى لا مقابل لها فى اللغات الأخرى وخاصة الفرنسية، الأمر الذي يضع المترجم أمام ثلاثة اختيارات: ترجمة الكلمة بتركيبة تعبيرية أو بجملة تفسيرية، أي الكتابة الصوتية للكلمة، أو البحث عن اشتقاق جديد. والاشتقاق الجديد يمثل بالفعل إحدى المشكلات الكبرى فى مجال الترجمة. ومن المعروف أنه لتلافى هذا النقص الشديد للمفردات فى اللغة الفرنسية فإنه يتم رسميا اشتقاق حوالي الفين مصطلح كل عام في فرنسا. وإن دل هذا الجهد الوطنى عن شىء فإنما يدل على مدى اهتمام أصحاب اللغة الفرنسية بترسيخها وزيادة مفرداتها لجعلها تواكب التقدم العلمي، وليس تقويضها بزعم تبسيطها.. ولا أخال الأستاذ شوباشي يجهل المعارك التي يقودها علماء اللغة فى فرنسا للحفاظ على لغتهم وحمايتها من أية تدخلات لكلمات أجنبية، وكم يحاربون اقحام بعض العبارات التى تتسلل عبر ممارسات الحياة اليومية ومختلف وسائل الإعلام.

 

والفرنسية ليست "طيّعة وسهلة ومباشرة" بالبساطة التي يطرحها الأستاذ الشوباشي في كتابه، فالمئات إن لم تكن الآلاف من الكلمات الفرنسية لها أكثر من معنى أساسي واحد إضافة إلى المعاني الناجمة عن وضعها في الجملة أو ما يلحق بها من كلمة أو كلمات، فعلى سبيل المثال: كلمة pied وتعنى: رجْل، وقدم، ووحدة قياس (33 سم)، وأحد أوزان الشعر، ويفهم أى معنى من هذه المعانى الأساسية من سياق الجملة أو الموضوع. وإذا ما أضيفت لها كلمة أو كلمات تكوّن عبارة واحدة أو تركيبة لغوية فإنها تصل إلى 57 معنى مختلفا!  وكلمة acte   تعنى: فصل من مسرحية، وعمل، وفعل، وصيغ، وتصرّف، وحُكم، وقرار، ومرسوم، وعَقد، كلها معان أساسية لنفس الكلمة نطقا وكتابة، بخلاف ما تعطيه من معان وفقا لما يضاف إليها من كلمات لتصل إلى 27 معنى مختلفا! وكلمة composition تعنى: تركيب، وتكوين، ومزج، وخلط، وموسيقى، وموضوع إنشاء، وكلها معان أساسية بخلاف ما يضاف إليها من معان لا تفهم إلا من سياق الحديث ومن معرفة التراكيب اللغوية. وهو ما يندرج تحت مشكلات ما يسمى بال homonyme  وال synonyme   أى المتجانس لفظا والمترادف، فالمتجانس لفظا هنا هي الكلمة التي تحمل نفس الشكل كتابة لكلمة أخرى ولا تحمل نفس المعنى، مثال كلمة :son  تعنى صوت، و son   تعنى ضمير ملكية للغائب، و son   تعنى نخالة القمح ( الردّة ).. بل نفس كلمة son   بمعنى صوت تشير إلى مجال أى حقل صوتي ناجم عن موجة صوتية ما، و إلى أى ذبذبة صوتية من حيث درجة الحدّة، و إلى درجة ارتفاع أو انخفاض كثافة الصوت، وإلى مجمل تقنيات التسجيل والنسخ خاصة في مجال السينما والإذاعة والتليفزيون ومنها نشأت وظيفة "مهندس الصوت"، إضافة إلى المعاني التي تكتسبها نفس الكلمة إذا ما دخلت في تركيبة لغوية مثال tache de son  وتعنى النمش والذى يقال له أيضا tache de rousseur  .. وكل هذه الإختلافات فى المعنى لا تفهم إلا من سياق الكلام أو من موضع الكلمة في الجملة..  والمترادف هو الكلمة التي تتقارب فى المعنى ولا تحمل نفس الشكل كتابة مثال rompre, casser, briser   وتعنى يكسر. وهناك العديد من القواميس المتخصصة فقط في كلمتي الجناس والمترادفات..

 

ولا أبالغ إن قلت أن هناك فى اللغة الفرنسية من الصعوبات اللغوية التى لا يمكن لعقل أن يستوعبها بكلها لدرجة أنه توجد قواميس متعددة لهذه الصعوبات و من أشهرها القاموس المعنون « Pièges et difficultés de la langue française »  أى "فخاخ و صعوبات اللغة الفرنسية" الصادر عام 1981 عن دار بورداس وهى من كبرى دور الموسوعات العلمية اللغوية، و يقع في تسعمائة صفحة.. وهناك العديد من المراجع المتخصصة فى كيفية تفادى الأخطاء الإملائية، ولا ننسى الإشارة إلى صعوبات الشكلة أو ما يطلقون عليها الaccent  وهى علامة توضع على بعض الأحرف المتحركة فى العديد من الكلمات و تغيّر تماما من معناها مثال كلمة pêcher و تعنى صيد السمك ، و pécher و تعنى يأثم أو يخطئ، و كل من العلامتين ê  و é  تفتح الحرف فى النطق مثل علامة الفتحة فى اللغة العربية وإن كان التفاوت فى المعنى شاسعا.. ومن الواضح أنه لولا صعوبة اللغة الفرنسية وتعقيداتها الحقيقية لما أفرد لها العلماء هذا الكم من المراجع البحثية اللغوية لمعاونة أبنائها على إجادتها وليس على مسخها أو طمس معالمها من الوجود مراضاة لأغراض غير أمينة يا أستاذ شوباشي..

 

كما أن اللغة الفرنسية لها لغتها العامية الدارجة " argot" بل ولكل مهنة من المهن عاميتها ولا أقول شيئا عن عامية الطلبة في المدارس والجامعات..  وكل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، ناهيك عن صعوبة الهجاء والأحرف التى تكتب ولا تنطق وتصريفات الأفعال العادية والشاذة والاستثنائية.. فكل لغة من لغات العالم لها مميزاتها ومشكلاتها ولم نر أى مسؤل فى أى دولة من دول العالم يفرط في أساسيات لغته الأم وثوابت تراثه بل و دينه مثلما يفعل هذا الكتاب !

 

أما من ناحية موقف الغرب المسيحي المتعصب من الإسلام، فلقد كانت اللغة العربية و لا تزال هدفا من الأهداف الأساسية لهجوم المستشرقين والمبشرين، وقد بذلوا جهودا مستميتة لإثبات صحة ما يقولونه من فريات حول اللغة العربية من قبيل إتهامها بالقصور والعجز والتعقيد، كما حاولوا محاربتها  بتدعيم تعليم اللهجات المحلية أو العامية و إحلالها محل الفصحى، و تشجيع كتابة الأدب والشعر بالعامية والحث على عمل المسابقات وإنشاء الجوائز والإسهاب في دعمها بالمقالات المؤيدة المأجورة، وما أكثر الكتب التى صدرت عن هيئات أجنبية أو كنسية وغيرها لتعليم العامية  و تدريس هذه اللهجات المحلية فى الجامعات على نطاق لافت للنظر بهدف زعزعة الفصحى لغة القرآن الكريم.

 

ولا يمكن للغرب المسيحي الذي مر بتجربة مغايرة تماما مع نصوصه المقدسة التي لا تكف عن المعاناة من التغيير والتبديل مع كل طبعة تقريبا، ولا نذكر هنا على سبيل المثال إلا محاولات البابا يوحنا بولس الثانى "تبديل وتعديل" سبعين آية من آيات الأناجيل الأربعة المعتمدة، مرضاة للصهاينة، ولكي يحقق وحدة الكنائس التى يجاهد من أجلها حتى "يتصدوا للمد الإسلامي" كما يقول (راجع كتاب الجغرافيا السياسية للفاتيكان).. إن مثل هذا الغرب لا يمكنه أن يدرك مدى تمسك المسلمين بالقرآن الكريم ولغته التي يتعلمون منها دينهم وتعاليم حياتهم الدنيوية والأخروية، كما أنه لا يمكن أن يدرك ذلك الإجلال الراسخ الذي يخصون به القرآن الكريم.

 

ولا ندرى كيف فات أوغاب عن الأستاذ شريف الشوباشي، خاصة في المنصب القيادي الذي يترأسه، أنه فى هذا الكتاب يعيد نفس مطالب المستشرقين المتعصبين، من خلال أسانيد مبتورة أو مغلوطة، ومنها: تكرار التذرع بصعوبة اللغة العربية، الأمر الذى أدى إلى تهميشها على الصعيد العالمي، لكنه أغفل ذكر أن منظمة اليونسكو قد أدرجتها فى النصف الثانى من القرن العشرين ضمن لغاتها الرسمية التى تتعامل بها أسوة بالإنجليزية والفرنسية ؟!  أما الاستشهاد بأن فيكتور هيجو قد تجرأ على التغيير والتحديث، وإغفال ذكر أنه لم يمس قواعد اللغة الفرنسية وأجروميتها، فمعركة "هرنانى" نقلت استلهام قواعد المسرح من قدامى اليونان والرومان إلى أرض الواقع الفرنسي المعاصر، ولم يتجنى على اللغة الفرنسية.

 

وتكرار عبارة "أن اللغة العربية عائق لتقدم العالم العربي وازدهاره"، وتناسى دور الإستعمار والاستشراق والتبشير في فرض التغريب وعمليات الغرس الثقافي، والإشادة بأن الفرنسيين لا يخطؤون في الهجاء، ولعل الأستاذ الشوباشي لم يطالع ما تزخر به الصحف الفرنسية الرسمية من مقالات ساخرة أيام نتائج إمتحانات الثانوية العامة (الباك)، بل لعله لم يسمع عن أخطاء فولتير الإملائية الشهيرة والتي لم تكن سببا فى يوم من الأيام فى اتهام اللغة الفرنسية أو حتى فى الانتقاص من مكانة فولتير! والتقريظ بأن اللغة العربية "تحتل موقع لا تحسد عليه فى مجال النشر" إذ يقع ترتيبها رقم 22 ، متناسيا أن السواد الأعظم من العالم الإسلامى و العربى يعيش فيما حول وتحت حزام الفقر "بفضل" الإستعمار و التحكم فى الإقتصاد والثروات عن طريق البنك الدولى وصندوق التقد الدولي المفروضان على الحكومات. وتكرار ان هبوط مستوى تعليم اللغة العربية يرجع إلى صعوبتها، متغافلا أن انحطاط مستوى التعليم بالمدارس وتدنى مرتبات المدرسين وتكدس الطلبة فى الفصول هو السبب الحقيقي الذي يؤدى إلى دوامة الدروس الخصوصية وتبريرها وهو السبب الحقيقى لتدنى المستوى اللغوي..

 

والغريب هنا أن الأستاذ شوباشي يعلم ويشير إلى "أن السلطة الفرنسية (كدولة من دول الإستعمار) تفرض لغتها فى المدارس وتحارب العربية وتسعى لتقليصها بقدر المستطاع".  وإن كان في الواقع ليست السلطة الفرنسية وحدها وإنما كل السلطات الاستعمارية وأولها حاليا الولايات المتحدة الأمريكية.. وذلك إضافة إلى اختلاق بعض الموضوعات والرد عليها من باب المزايدة فى نقد اللغة العربية والمزايدة في اتهاماتها.

 

والأمر الأكثر مرارة وألما -  ولا ندرى كيف لم يدركه الأستاذ شوباشى –  أن نراه يردد أقوال المستشرقين من أن القرآن قد نزل لقوم بعينهم وفى زمن بعينه، وأن اللغة العربية كما ورثناها لا تلائم العصر، ويعتبر- مثلهم - أن الثبات على الأسس الواضحة والثوابت التراثية الراسخة عبارة عن "تخلّف وتحجّر"!.. وتكرار أن الجامعات الأمريكية والغربية تقوم بتدريس اللهجات العامية لذلك علينا أن نحذو حذوهم ونساهم فى اقتلاع لغتنا بأيدينا، وأن اللغة العربية أصبحت إحدى العقبات فى سبيل انطلاق العقل العربي، لذلك نراه يدعو صراحة: "لنقم نحن بثورة فى اللغة العربية اليوم بدلا من أن يُفرض علينا الأمر الواقع".. أى ما معناه ليكن الهدم بأيدينا لا بيد عمرو كما يقول المثل، أم ترى التعليمات قد صدرت بالفعل بذلك الهدم وأن هذا الكتاب وغيره ليس إلا من قبيل التمويه أو من باب العلم والإحاطة؟

 

ولا نفهم أى معنى لإقحام فصل بأسره في ذلك الكتاب المشبوه، بعنوان " المسيحيون والعربية" ؟! هل أصبحت المسيحية والمسيحيين من المقررات المفروض حشرها في كل شيء في حياتنا أم ما الذى أصابنا ؟! إن ما يخرج به القارىء من محتويات هذا الفصل لا يحسب لهم بل عليهم وبالتالي يقلل من شأنهم. فهم "وحدهم" الذين برعوا في العلوم، وهم "وحدهم" الذين قاموا بعمليات الترجمة أيام عصر الظلومات الغربية والتي بفضلها قامت النهضة الأوروبية -  وكأنه بذلك يسحب البساط من تحت أقدام علماء المسلمين ليرجع الفضل كله فى النهضة الأوروبية إلى النصارى وحدهم، وهم "وحدهم" الذين أدخلوا المطابع بالحروف العربية ثم يدرج أسماء القساوسة والآباء الذين أدخلوها وأسماء الأديرة المختلفة الملل التى تنافست على طباعة كتاب المزامير والأناجيل.. 

 

والغريب هنا أن المؤلف، السيد الشوباشي، لم يدرك أن ذلك الحماس الذي لا تبرير له يدخل تحت باب التبشير والتنصير!! وهم "وحدهم" -  وفقا لكتاب الأب لويس شيخو -  الذين كانوا يمثلون كافة الشعراء فى عصر الجاهلية قبل الإسلام، والغريب أن مارون عبود المسيحى قد انتقد ذلك القول كما يورد الشوباشى فى نفس الكتاب، فلما إذن حشر هذه المعلومة غير الصادقة لمجرد الإيحاء، كما زعم الأنبا يوحنا قولتا فى كتابه عن "المسيحية والألف الثالثة"، أن كل منطقة الجزيرة العربية وكل ما يحيط   بها من بلدان حتى مصر كانوا مسيحيين؟!

 

وإقحام أن اللغة العربية "قد وجهت ضربة قاضية إلى كل اللغات التى كانت متداولة فى المنطقة وأهمها الآرامية وهي لغة المسيح عليه السلام، والقبطية وهي لغة أهل مصر قبل الفتح"، هي مغالطة وتحريف للتاريخ. وما معنى كل ذلك الخلط التاريخي – لكيلا نقول التحريف المتعمّد للتاريخ بغية الإعلاء من شان المسيحيين فى المنطقة؟ فالآرامية بها ملامح كثيرة شبيهة باللغة العربية وقد إنقسمت إلى ثلاث لهجات فى القرن الثامن قبل الميلاد، وبعد فتوحات الإسكندر الأكبر سادت اليونانية وإن ظلت بعض اللهجات الآرامية حتى عصر الرومان واندثرت، فليس الإسلام هو الذي اقتلعها. أما القبطية فلم تكن فى أى وقت من الأوقات لغة أهل مصر بأسرها، فقد كانت هناك اللغة الرسمية للحكام اليونان والرومان ولغات الجاليات الأخرى إضافة إلى لغة السواد الأعظم من المصريين القدماء وهي الديموطيقية بعد تطور الهيروغليفية والهيراطيقية التى تلتها.. ألم يدرك الأستاذ شوباشى ان ذلك الإقحام المبالغ فيه للوجود القبطى يدخل تحت بند الدعاية المغرضة لتنصير منطقة العالم الإسلامى الدائر حاليا وإيهام مغلوط بأن المنطقة بأسرها كانت مسيحية وعليها أن تعود إلى ما كانت عليه كما يدّعون ظلما وتحريفا؟!

 

وما معنى هذا الإقحام الممجوج أو المفتعل للوجود المسيحي في البلدان الإسلامية و العربية ؟!..  إن المسيحيين في الشرق الأوسط بكله أقلية يبلغ عددها إثنى عشر مليونا، وفقا لإحصائية الفاتيكان الحريص عليهم. انهم أقلية يعيشون وينتمون لكل بلد هم فيه ويساهمون فى نهضته وتاريخه وحضارته على أنهم جزء لا يتجزأ من شعبه، فما العيب أو العار أو حتى الخطأ فى ذلك؟  ما معنى فرض هذا التميز وهذه السيادة الطاغية الآن؟  لم افتعال حساسيات لا ضرورة لها إلا إشعال الحرائق التى تبرر تدخل القوات الأمريكية – كما يطالب البعض منهم؟ ويا لها من كبوة يا أستاذ شوباشي، كبوة لا تقل فداحة عن المطالبة باقتلاع اللغة العربية! ولعلمك، كون المسيحيين أقلية فى الشرق الأوسط فذلك لا يضيرهم ولا يمس كرامتهم في شيء.. أنهم جزء من هذه الأمة، فما الضرر في هذا الواقع؟ وما كنت أود أن أضيفه: ليت كل الأقليات المسلمة التي تعيش فى البلدان المسيحية المتعصبة تنعم بربع أو حتى بعُشر ما تتمتع به الأقليات المسيحية في كل شيء! ويؤسفنى أن أضيف أن هناك من البلدان الغربية المتعصبة من ترفض دفن موتى المسلمين إذا ما ماتوا على أراضيها!

 

إن مجرد هذا الفصل المسيحي، إضافة إلى باقي المطالب، التى تعنى فى نهاية المطاف، إقتلاع الإسلام من جذوره، فالقرآن - كما تقول وكما تقول كافة المراجع الغربية التى تتناول هذا الموضوع-  هو الذي سمح باستمرار اللغة العربية حتى القرن الواحد والعشرين، وبالتالي فإن اقتلاع اللغة العربية سيؤدى حتما إلى اقتلاع القرآن.. فهل ذلك هو حقيقة ما يسعى إليه الأستاذ شوباشي، رغم التأكيدات المتناقضة المتناثرة بطول الكتاب وعرضه بأنه لا يقصد المساس بالقرآن؟

 

وهنا لا يسعنا إلا أن نسأل: هل فكر سيادة الشوباشي فيما سيكون عليه الحال بعد أن يتم تنفيذ مقترحاته من إختلاق لغة عربية قائمة على لهجات عامية متعددة وحذف التشكيل وإلغاء المثنى ونون النسوة وقواعد الأرقام وما إلى ذلك من مقترحات ناسفة للغة العربية، هل سيكون هناك من يمكنه قراءة القرآن وفهمه بعد جيل أو إثنين؟!

 

إذا ما أخذنا في الإعتبار المناخ العام الحالي، الذي لم يعد بوسع إنسان أن ينكره أو حتى أن يغفله، وكل ما يدور من محاولات لاقتلاع الإسلام وتنصير العالم، لأدركنا فداحة هذا الكتاب.. ويكفي أن نعلم أنه فى 4 فبراير 2001 قرر مجلس الكنائس العالمى تحديد هذا العقد (2001-2010) لاقتلاع العنف والشر الذي هو الإسلام، كما يطلقون عليه، ثم قامت اللجنة المركزية لذلك المجلس باسناد هذه المهمة للولايات المتحدة الأمريكية للقيام بها لما تتمتع به من قوة عسكرية متفردة بعد أن أطاحت بالاتحاد السوفييتي. كما أن مجلس الكنائس العالمى يعد لإقامة أكبر مؤتمر دولي في التاريخ تحضره كافة الكنائس المنشقة، وهي أكثر من ثلاثمائة كنيسة وملّة، لإقامة أكبر مؤتمر دولى في التاريخ للتبشير والتنصير، في الفترة من 9-16 مايو2005 فى ضواحى أثينا باليونان..

 

وإذا ما أضفنا إلى ذلك كل ما تم فرضه على العالم الإسلامى من إجراءات لتجفيف الإسلام من المنبع كما يقولون، ومنها منع تدريس القرآن فى المدارس وتغيير المناهج وإدخال مواد حرفيّة فى المعاهد الأزهرية وعدم بناء مساجد جديدة وهدم ما شيّد منها قبل أن تتم إجراءات الترخيص وتحويل غيرها لإستخدامها فى أغراض أخرى وتحديث الخطاب الدينى بما يتفق وهذه المطالب الظالمة المهينة وكل تلك الإجراءات المشينة لنا ولكرامتنا كمسلمين، لكى لا نقول شيئا عن تلك المؤتمرات والندوات والمقالات التي تندرج تحت نفس المنظومة  المتواطئة مع الغرب لأدركنا فداحة ما نحن فيه ..

 

وهنا لا يسعني إلا أن أضيف للأستاذ شريف الشوباشى ، وكيل أول وزارة الثقافة ورئيس اللجنة الثقافية بوزارة الخارجية، كان من الأكرم بدلا من تسفيه اللغة العربية وإتخاذ ذلك التسفيه حجة لاقتلاعها، أن تكرس كل هذا الجهد المنبت لتدعيم ورفع مستوى اللغة العربية واقتراح رفع مرتبات المدرسين (والميزانية تسمح فهناك من موظفى الدولة من يتقاضون مئات الآلاف من الجنيهات كراتب شهرى) وعمل دورة تدريبية للمذيعين والمذيعات وفرض عدم إقحام كلمات أجنبية على أسماء البرامج والإعلانات من قبيل "ويك إند"  و"توب تن" أو "مودرن أكادمى" وعلى لافتات المحال العامة، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، لعدم السقوط فى المستنقع الآسن لخيانة اللغة والدين فارتباطهما لا انفصام فيه ..

 

إن كل ما أتى هذا الكتاب وما يطالب به يعد – كما تقول في مكان ما به: " بدعة مكروهة ومحاولة شيطانية لتقليد الغرب واقتلاع الدين والثقافة العربية الأصيلة". وما كنت أتصور أن يقبل الأستاذ شوباشي، الذي نكن له جميعا كل تقدير، بأن يكون هو من يقوم أو ممن يقومون بتنفيذ مطلب القس زويمر، كبير المستشرقين، الذي قال من ضمن ما قاله من مطالب في مطلع القرن العشرين:

 "لن يقطع شجرة الإسلام إلا أيدٍ مسلمة من الداخل"..

 

عار علينا، وأي عار..

 

 

                                                                                           زينب عبد العزيز    

 

                                                                                          2006