الدهاء الفاتيكاني..

  • admin
الدهاء الفاتيكاني..

 

الدهاء الفاتيكاني..

       

يبدو الدهاء الفاتيكاني وكأنه أكثر تأصلا وصلابة مما نتخيل، لكن، من يدري.. فمن الممكن أن تتكشف الحقائق، أو تتفجر، رغم كافة الوسائل المفروضة لنسفها..

فمنذ يومين تقدم محامو خمسة ضحايا أمريكان، من ضحايا الاعتداءات الجنسية التي يقوم بها القساوسة الكاثوليك، وطالبوا العدالة الفيدرالية بأن تأمر الفاتيكان بفتح ملفات أرشيفه. كما طالبوا الفاتيكان "بالكشف عن هوية آلاف المعتدين الذين لا يعرفهم فعلا سوى الفاتيكان، وأن يكشف عن ملفاتهم وتفاصيل قصص اعتداءاتهم". والمحامون الخمسة من مكتب المحامي چيف أندرسن.

وما أدى الى هذا التصرف هو الإعلان غير الأمين للبابا فرنسيس حين قال: "أنه أجرى تعديلات في القانون الكنسي ليجبر القساوسة ورجال الدين على اخطار الكنيسة بأي شك في اعتداء جنسي أو مطاردة جنسية أو حتى محاولة".. وهنا يكمن الدهاء الفاتيكاني. لأن العديد من الجمعيات المعنية بضحايا هذه الاعتداءات على مدنيين من مختلف الأعمار، وخاصة القصّر منهم، قد اتهموا ذلك الإجراء الملتوي الذي لا يؤدى الى شيء، بما أنه لا يلزم تقديم هذه التهم ولا الجناة الى السلطات المدنية. وذلك بفضل "قانون الصمت" المتأصل في ذلك الفاتيكان..

وقانون الصمت هذا ليس سوى ذلك القانون الكنسي المسمى "جريمة الإغراء"، وهو قانون قام بإصداره "المكتب المقدس" سنة 1962، "الى كافة البطاركة، والمطارنة، والأساقفة وكافة الرؤساء المحليين، حتى الذين يتبعون الطقس الشرقي"، ليفرضوا عليهم كيفية التعتيم على من يقومون بالاعتداءات الجنسية والحيلولة دون وصولهم بأي وسيلة الى المحاكم المدنية.

وهذا "المكتب المقدس" هو الذي كان اسمه سابقا "محاكم التفتيش"، ثم أصبح اسمه بعد مجمع الفاتيكان الثاني "لجنة عقيدة الإيمان". ومجمع الفاتيكان الثاني قد انعقد من 1962 الى 1965، وأطاح بقوانين المسيحية وعقائدها بإصداره قرار "تبرأة اليهود من دم السيد المسيح"، رغم كل ما هو وارد من أدلة وإثباتات ضدهم في العهد الجديد؛ كما فرض قرار "تنصير العالم"، موضحا في نصوصه "ان المسلمين مأمورون باعتناق المسيحية" !

وأزمة الثقة الكاسحة التي تعتري الكنيسة، التي تقود عالم أتباعها، بل والعالم أجمع الى مآربها، هي أزمة قد اندلعت بسبب تزايد انتشار الاتهامات والاعتداءات الجنسية التي تكشفت بصورة وبائية خاصة على القصّر، ليس في العقود الماضية فحسب، فقد تبين أنه قام بها كنسيون من مختلف الرتب والدرجات، وتم التعتيم عليها من رؤسائهم طوال القرون الماضية. وتكفي هنا الإشارة الى الخطاب الشهير الذي كتبه وأعلنه المونسنيور ڤيجانو، في الشهور الماضية، كما تكفي القاء نظرة على "تاريخ البابوية" لنرى الى أي مدى يُعد ذلك التاريخ مشينا ومنفرا، إذ انه يطول أشخاص من المفترض أن يكونوا مثالا للأمانة والنقاء..

ومن الحق ان البابا فرنسيس قد دعي في فبراير الماضي 190 مسئولا من مختلف كنائس العالم لبحث كيفية حماية الأتباع وخاصة القصّر منهم، وذلك الصمت أو إنكار بعضهم لتلك الجرائم التي يقومون بها. ونتيجة هذا اللقاء لم تكن على المستوى المرجو له، بل تقبله الضحايا بحسرة وإحباط. ومن المعروف ان البابا السابق، بنديكت 16 قد قدم بحثا ليتم عرضه على المجتمعين إلا ان البابا فرنسيس قد حال دون ذلك باستبعاده. وقد نشرته احدى المجلات المسيحية في ألمانيا. وهي رسالة أوضح فيها البابا السابق أسباب ذلك العنف الجنسي على القصّر خاصة وارجعها الى حقيقة باتت شائعة في الغرب، أي الى ما يطلقون عليه "موت الرب، وثورة مايو 1968".. وهي الثورة التي أعلنت موت الرب رسميا وفتحت الباب على مصراعيه للانفلات الجنسي بكل مشتقاته، وفرض نظرية الچندر وإباحة تداول الصور الإباحية بمختلف مجالاتها في وسائل التواصل الاجتماعي حتى باتت تنفذ قهرا في كل بيت رغم أنف المعترضين.

ويحاول الإعلام التابع للفاتيكان التلميح بأن البابا فرنسيس كان يود تنظيم الكنيسة إلا أنه مُنع من ذلك.. ولا ندري كيف يمكن ذلك وهو أعلى سلطة بها. وسواء أكان صمت الكنائس أو الكاتدرائيات أو وسائل الإعلام التابعة له، فما من قس ومن فوقه رتبا يمكنه الشعور بالقلق أبدا، بما ان كل الترتيبات قد تمت لتحول، أيا كان الأمر، دون وصول أي كنسي ليحاكم في محكمة مدنية.

وأشير، على سبيل المثال، الى مدى انتشار هذه الفضائح، انه تم عرض فيلم تسجيلي في بولندا، في أوائل هذا الشهر، يفضح لقاءات مع ضحايا الشذوذ الجنسي للقساوسة تم تسجيلها عن طريق كاميرا خفية إضافة الى لقاءات حية. والفيلم قد أذيع على اليوتيوب وتمت مشاهدته خمسة مليون مرة خلال 32 ساعة ! ومن قام بإعداده هو الصحفي البولندي توماس سكيلسْكي، الذي أدان كل التدرج الكنسي والتلاعب بالعقوبات، كما طرح السؤال عن غياب أية ردود أفعال من البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، طوال فترة رئاسته الممتدة، والتي انتشرت أو زادت خلالها تلك الاعتداءات.. وقد تم إضفاء صفة "القداسة" او لقب "القديس" بعد وفاته..

ومن الغريب ان يتم تطبيق نفس الصمت في مجال التعليم القومي في فرنسا وعلى مؤسسات أخرى حيث أصبحوا يقومون بتدريس نظريات الچندر في المدارس في المراحل الابتدائية، بل انتقلت العدوى الى العديد من البلدان بما ان من يقود هذه اللعبة هم نفس الأشخاص..

وتبقي كلمة أخيرة أوجهها لرئيس الدهاء الفاتيكاني: أليس من الأمانة بل من الإنسانية أن تعيد النظر في قانون العزوبية، وقانون الصمت، وقرارات مجمع الفاتيكان الثاني، فيما يتعلق بتبشير العالم واقتلاع الإسلام، وهو مام تقوم به بمحاولة تطبيقه بكل دهاء، بدليل إعلانك "أنك وصلت الى منتصف الطريق" ؟ وكذلك ما أعلنته حول شهر أكتوبر القادم الذي خصصته "شهرا تبشيريا فوق العادة لتبشير العالم"، وقد فرضت المساهمة فيه على مختلف الكنائس، حتى المنشقة منها عن عقيدتك، على أن تساهم فيه كافة الكنائس المحلية رجالا ونساء".

ويا له من دهاء..

                                                                                  زينب عبد العزيز

                                                                                   14 مايو 2019