العملاق – البحر

  • admin
العملاق – البحر

لطفي الطنبولي

13 فبراير 1919- 11 مايو 1982

“لطفي الطنبولي”.. اسم تردد بتقدير وإعجاب عام 1947 فى الصحافة الفرنسية والمحلية، مثلما ظل يتردد فيما بعد، طوال الستينات والسبعينات فى مجالى فن التصوير والآثار المصرية، وما زالت أصداء نبضاته الفنية الإبداعية والعلمية تتدفق بالحياة كجزء من نبضات تاريخ مصر وتراثها الفنى والعلمى فى العصر الحديث.

ففي عام 1947 اشترك لطفي الطنبولي في الصالون الحادى والثلاثين للجمعية الفنية لهيئة البريد الفرنسة:

“Le XXXe salon des P.T.T. الذى أقيم فى باريس فى مايو – يونيو 1947. وكان الفنان المصري الوحيد الذي شارك في هذا المعرض، كما كانت اول مرة تشترك فيها مصر فى معرض دولى فى فرنسا.

وكان لصالون عام 1947 بالذات أهمية خاصة، إذا كانت أول مرة يقام فيها هذا المعرض على المستوى العالمى منذ أنشئت هذه الجمعية الفنية عام 1902. ولقد ساهمت فيه خمس عشرة دولة منها الولايات المتحدة وبريطانيا والصين وفنلندا وإيطاليا وبولندا، وبلغ عدد من مثلها سبعة وثمانين فناناً، بخلاف الذين مثلوا فرنسا بمختلف مقاطعاتها وعددهم مائة وسبعة وعشرون فناناً.

أفتتح المعرض في الرابع والعشرين من شهر مايو سنة 1947 وكان يضم سبعمائة لوحة تمثل مختلف المجالات الفنية والتشكيلية. وقد اشترك لطفي الطنبولي باثني عشر لوحة (عرضت تحت الأرقام المسلسلة من 511 – 522). وكانت هذه اللوحات تمثل أكبر مجموعة سمح بعرضها لفنان واحد. إذ تراوح اختيار الأعمال المعروضة ما بين لوحة أو إثنين فى المتوسط. وأحياناً خمس أو ست لوحات، واثنان فقط عرضت لهما عشر لوحات هما فنانة فرنسية وفنان أمريكى. ولا شك فى أن اختيار أثني عشر لوحة من أعمال الطنبولى يعد فى حد ذاته تكريماً وتقديراً لفنه ولبلده العريق: مصر مشعل الحضارة. فحصل على الجائزة الأولى للعارضين الأجانب. وتقبلها فى صمت دون أية طنطنة ولا ضجيج: فتلك كانت عادته..

كانت مجموعة لطفي الطنبولي تتكون من: رسم لوجه “غلام” بالقلم الرصاص، ووجه لفتاة “مديحة” بالألوان الباستيل، وعشر لوحات زيتية تحمل الأسماء التالية.

“المولد النبوي”، “قهوة بلدي”، “الصيادون”، “وجه فى الظلام”، “أشجار”، “سعد”، “فى الذكرى”، “من القرية”، “مسجد أبو مندور برشيد”، “إبداع”. ولقد كتب عنها الناقد الفرنسي موريس دليفو، الذي كان أول من قدم لهذا الصالون قائلاً:

“أما الفنان الطنبولي (مصر)، فيقدم لنا مجموعة من الثراء والتنوع لدرجة تدفع إلى الغرابة والإعجاب. فكل لوحاته تستحق الذكر، سواء لمستواها ونوعية الدراسة الجادة التى تنم عنها، لعمق ما فيها من فكر. ففى هذه السيمفونية الغزيرة التى تتردد فيها شتى الأنغام بصورة لم يتوقعها المرء، لم يغفل الفنان أى شئ، فكل ما هو إنسانى تم التعبير عنه بصورة صادقة حقيقية تهز الأعماق مباشرة , حقاً إن لطفي الطنبولي لفنان مبدع”.

وكتبت مجلة “ارتستيكا” الصادرة فى 31 مايو 1947، تحت عنوان: “الفن في باريس”:

“يعد الفنان لطفي الطنبولي من بين العارضين، فناناً ذا شخصية مميزة بكل تاكيد. وجميع لوحاته مستوحاة من مصر، مناظر طبيعية لضفاف النيل، ومجموعات فى تكوينات جماعية لصيادين أو عمال تنم عن أن فن التصوير يجرى فى دمائه، وأنه يعايش ويتذوق هذا الفن تماماً. والغريب الملفت للنظر أنه لا توجد أية آثار للمحاكاة أو التاثير”.

أما الناقد الفني لجريدة “درنيير نوفيل دى ستراسبورج” الصادرة فى 11 يونيو 1947، فقد كتب تحت عنوان “الصالون الحادي والثلاثون للجمعية الفنية لهيئة البريد” يقول:

“ومن واجبنا الاشادة بصفة خاصة بوجود الفنان لطفي الطنبولي من الإدارة المحلية لهيئة بريد الإسكندرية ، الذي حضر بنفسه لتقديم لوحاته. إن السيد الطنبولى ذومُثل وخيال فني خصب يعبر عنهما بمهارة خاصة متميزة فى مناظر شرقية الطابع. (أرقام لوحاته من 511 – 522)”.

وكتبت جريدة “لوبيبى” الصادرة فى 23 مايو 1947، تحت عنوان “موظفو البريد أحياناً من الفنانين” تقول: “إن الفرنسيين سيتوقفون طويلاً أمام لوحات لطفي الطنبولى ويربطون بعضها بأفضل ما خلفه لنا التراث الكلاسيكى، ومنها لوحة “الذكر فى رمضان”.

ومما جاء فى الصحافة المحلية ما كتبته عنه مجلة “الاستوديو” تحت عنوان “عندما تتلاعب ريشة من الإسكندرية”. “عرفت الفنان لطفي الطنبولى منذ أكثر من ست سنوات، أى في الوقت الذي بدأ يتحرر فيه من القيودالموضوعة، منطلقاً نحو هدف يميزه عن غيره من الفنانين، فهو لا يتبع مدرسة معينة، كما أنه لا يقدم رسومه بوجهة نظره الخاصة فحسب، بل أنه يتلاشى فيما يقوم برسمه حتى يستطيع أن يجعل لوحاته تنطق بمختلف الاحاسيس التى تتجاوب بها الطبيعة التى يحاول تمثيلها وهو يتخطى بذلك الحواجز المادية محاولا دائماً أن يصل إلى الجوهر”.

وبالفعل لقد اشتهر لطفي الطنبولى بإصراره الدائم على التمسك بالأسلوب الواقعى فى الرسم بغية التعبير عن الواقع الذي يعيشه ببساطة ووضوح . بساطة تكشف عن شفافية النفس ونقائها، وبوضوح يحاول دائماً الوصول إلى الجوهر. واستمر اسمه يتردد في المجال الفنى منذ ذلك الوقت سواء بإقامة المعارض الفردية أو بإشتراكه فى المعارض الجماعية.

أما في مجال الآثار، أى الجانب الآخر الذي أثبت فيه جدارته، فقد كان لطفي الطنبولى من العاملين البارزين فى ميدان الآثار المصرية، ومن العناصر التى تركت بصماتها الإيجابية البناءة فى هذا الحقل منذ تعيينه عام 1953 حتى تقاعده قبل سن المعاش ليتفرغ للفن.

ومن أهم الإنجازات التي حققها كأثرى، أنه كان من الدعائم الأساسية إن لم يكن الدعامة الحقيقية التى قام عليها مركز تسجيل الآثار المصرية عام 1955. فهو الذي وضع التخطيط الكامل للمنهج العلمي الذي كان على المركز أن يتبعه فى كافة مجالات التسجيل من تصوير فوتوغرافى وفوتوجراميترى ووصف أثرى كامل ورفع هندسى ونماذج جصية عادية او ملونة وتصميم لمختلف أنواع كروت التسجيل العلمى… إلخ. كما كان أول مصرى يقوم بالوصف الأثرى العلمى الكامل لتسجيل الآثار، حيث كان هذا المجال قاصراً على الخبراء الأجانب. كما كان أيضاً أول مصرى يتولى رئاسة قسم النشر فى مركز تسجيل الآثار، إذا أن هذا المجال أيضاً كان قاصراً على الخبراء الأجانب.

ولقد رأس الطنبولي معظم بعثات تسجيل آثار النوبة وشغل منصب الأثرى المقيم أثناء فك وإعادة تركيب معبدى “أبو سمبل”، وبدأ مشروع فك ونقل معابد “فيلة” بعمل التخطيط العلمى له وهو من آخر الأعمال الكبرى التى أنجزها قبل تركه مجال الآثار ليتفرغ للفن. وبالإضافة إلى تنظيم اشتراك مصر فى أهم المعارض الأثرية فى الخارج مثل “مهرجان الفن الزنجي” في داكار و”مهرجان الفن الأفريقي” فى لاجوس، ومعرض “رمسيس الثاني” فى باريس، ومعرض “ملوك وملكات من مصر القديمة” فى اليابان، شارك بأبحاثه العلمية فى المؤتمرات الأثرية فى مصر والخارج، وله العديد من المطبوعات المنشورة فى مركز تسجيل الآثار فى مجموعة المجلدات العلمية الكاملة، وفى مجموعة النشر العلمى لمعابد النوبة، ومجموعة الكتيبات الثقافية. وما زالت له عدة أعمال لم تنشر يقوم المركز حالياً بطبعها.

وفى الواقع، أن هذا التقديم الموجز للطفى الطنبولى الفنان والأثرى لا يعبر عن كل الجوانب الإبداعية لذلك الإنسان الطيب، الهادئ، المبتسم دوماً.. فقد تضافرت الظروف والأحداث لتضفى المزيد من التجارب التى أثرت حياته النابضة بالعطاء.

ولد “لطفي الطنبولي” أو “محمد عبد اللطيف الطنبولي” كما يرد اسمه فى الأوراق الرسمية فى الثالث عشر من شهر فبراير 1919 فى نفس ذلك العام الذى اندلعت فيه ثورة مصر الوطنية تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية. كان يتوسط ست اخوة واخت واحدة هى أكبرهم. وقد اختلف والداه على تسميته. أصر الأب على اختيار اسم من الأسماء المركبة الشائعة، هو “محمد عبد اللطيف”، وأثرت الام اختيار اسماً أكثر رومانسية هو: “لطفي” وهكذا دون اسمه فى شهادة الميلاد: “محمد عبد اللطيف”، وظل في واقع الحياة العملية، أى فى الأسرة وفى المدرسة وفى العمل وبين الأصدقاء محتفظاً بذلك الاسم الذي كان يوقع به على لوحاته وعلى كافة أوراقه ما عدا المستندات الحكومية، وهو: لطفي الطنبولى.

نشأ لطفي في أسرة تنوعت جذورها مثل العديد من الأسر المصرية البورجوازية آنذاك. فجده لأبيه من أعيان قرية طنبول، وجدته لوالدته من سبايا الأتراك الذين حضروا إلى مصر أيام المماليك , وكان والده من كبار تجار البيض ومن كبار مصدريه إلى أسبانيا، تتصف طباعه وتصرفاته بشخصية “سي السيد” الذي عبر عنها نجيب محفوظ فى ثلاثيته. حيث يحكى أنه كان يمسك بعصا من الذهب الخالص. أما والدته فكانت فائقة الجمال شغوفة بقراءة القصص والروايات الأدبية. ولقد التقى الاتجاهان العملى والأدبى لديهما ، ليضيفا على حياته امكانيات متنوعة الثراء.

غير ان القدر قد أختار له طريق الآلام.. فما أن بلغ الشهر السادس من عمره حتى أصيب بالربو.. وأستمرت معاناته سنينا طويلة تعتصره ازمات متفاوته الطول والحدة.. ولا يمكن لأحد أن يتخيل آلام هذه الأزمات إلا من عاصرها أو شاهدها عن قرب. فلا يمر الهواء إلا مصحوباً بصفير حاد، كأن أحشاء الصدر وأنسجته تتمزق مع كل شهيق.. وتمتد المعاناة أياماً..

كما كان لأزمات الربو أثرها على مواصلة تعليمه بانتظام، فكثيراً ما كان يتخلف عن الذهاب إلى المدرسة. ولولا ذكاؤه الحاد لما استطاع التغلب على تكرار فترات غيابه. ما كان يدفعه إلى التركيز الشديد ومحاولة تعويض ما فاته من شرح المدرسين. وبذلك تمكن من المحافظة على مكان الصدارة بين المتفوقين. وكان ترتيبه الثالث عشر فى شهادة “البكالوريا”.

وبعد إتمامه الدراسة الثانوية “قسم علمي” اختارته كلية الطب بين طلابها. إلا أن كلية الطب الوحيدة آنذاك كانت فى القاهرة وكان هو وقتها من سكان الإسكندرية. مما حال دون انتظامه بها. فاختار، فيما بعد، قسم الآثار المصرية تعميقاً لأحد الجوانب التى كانت تجذبه منذ الصغر. ثم حصل على درجة الماجستير بموضوع عن “المناظر الطبيعية فى الدولة القديمة”. واستكمل نفس الموضوع للحصول على درجة لدكتوراه لكن في “الدولة الحديثة”. غير أن الروتين المضحك منعه من مناقشة الرسالة!

فحينما حان موعد اجتيازها، وكان قد انتقل إلى القاهرة كمحاولة أخيرة لعلاج الربو، فوجئ بإلغاء قيده فى جامعة الإسكندرية لتغيير سكنه إلى مدينة أخرى وكانت إعادة قيده فى جامعة القاهرة يعنى تغيير المشرف، وتغيير المشرف يعنى إعادة كتابة الرسالة من جديد.. وكلما سأله أحد لماذا لا يعيد القيد ويناقش الرسالة طالما أتمها بالفعل يجيب ببساطة غريبة قائلاً: “لقد أتممت العمل واكتسبت فائدته العلمية.. أما اللقب فلا أهمية له بالنسبة لي”! ولم تكن مكابرة أو زهواً منه، فهذا الرد يعبر عن صميم طبعة: الاهتمام بالعمل، الاهتمام بالجوهر، والتغاضي عن الشكليات.

أما مشواره الفني فقد بدأه منذ الصغر.. ومثله مثل العديد من الأطفال، بدأ يخط بالقلم قبل أن يتعلم الكتابة.. إلا أن هذه الخطوط العفوية كانت تحمل فى انحناءاتها وتداخلها معالم تنم عن موهبة فنية تتحسس طريقها إلى النور.. وسرعان ما وجد فى الرسم وسيلة التعبير الأساسية. خاصة حينما كانت أزمات الربو تحول بينه وبين الكلام. فكان يجيد الرسم قبل بداية مراحل التعليم.

وسرعان ما لفت أنظار مدرس الرسم فى المرحلة الابتدائية فراح يمده ببعض الارشادات التعليمية يتولاه بالرعاية وهو يتنقل من القلم الرصاص، إلى الأقلام الملونه ثم الألوان الباستيل، قبل أن تتسع مداركه فتمتد اناملة إلى الالوان الزيتية.. ومنذ أولى خطواته الفنية وهو لا يهتم إلا بالإنسان.. الإنسان بكل ما يحمله من عوالم فى الأعماق، وكل ما يقوم به من أعمال وإنجازات.. فراح يصور وجوه زملائه فى الدراسة، كما راح يعبر عن كل ما تلتقطه عيناه من مناظر وتكوينات تمثل جزءاً من الحياة اليومية فى إيقاعاتها المتلاصقة والمتدفقة والمتناقضة..

وتتابعت اللوحات: لعبة السيجة.. مص القصب.. الزار.. الكوديا.. الملاهى.. رمضان.. الفوانيس.. بائع الذرة.. الريف.. الأرض الممتدة.. رعاة الأغنام.. الغازية.. الساقية.. الطنبور.. أطفال تمرح.. أطفال تغوص في وحل الترعة.. وجوه باسمة، وجوه تعلوها التجاعيد، ووجوه أثقلتها المحن.. لوحات ولوحات تتولد في إيقاع متواصل تلقائي التعبير والتكوين، تتغنى بالإنسان وبالبيئة وبالتراث المصرى.

وعندما وصل إلى بداية التعليم الثانوى، كان مشواره الفنى واضح المعانى، شديد الارتباط بالواقع المصرى وبالإنسان.. إلا أنه كان مشواراً تمت خطواته بالجهود الذاتية التلقائية. وكم كان بحاجة إلى من يتحاور معه فى مختلف الجوانب الفنية والتكنيكية.. وكم كانت دهشة مدرس الرسم فى مدرسة العباسية الثانوية حينما امسك برسومه بين يديه يتأملها بإمعان وإعجاب.. فلم يكن يتوقع وجود هذه الطاقة الفنية بين صفوف تلاميذ السنة الأولى الثانوية.. واتسعت أسارير الفنان صلاح طاهر، مدرس الرسم آنذاك، والذي كان في بداية مشواره الوظيفي.

وسرعان ما توطدت روابط الصداقة بينهما.. كان صلاح طاهر أول استاذ حقيقي يتتلمذ عليه لطفي الطنبولي الذى تولى فى ذلك الوقت، رئاسة “جمعية الرسم” فى مدرسة العباسية الثانوية. كانت صداقة متعددة الجوانب والهوايات: ممارسة فن التصوير، نهم القراءة، شغف الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيك، والرياضة. إلا أن صلاح طاهركان يمارس رياضة “الملاكمة”، ولطفى الطنبولى يلعب “الجمباز”. فتداخلت الأحاديث وامتدت اللقاءات لتتناول الآداب والفنون والموسيقى والفلسفة ولتنعكس بدورها فى لوحات تتحول بلا صخب إلى مزيد من العمق والتعبير.

          وتنوعت تجارب لطفى فى حياته العملية واعترتها المحن الطاحنة التي تصقل النفس. ففى فترة زمنية قصيرة، لا تتعدى الشهور، عقب افلاس والده نتيجة لتحايل أخواه، آثر لطفى العمل وتم تعيينه فى مصنع كفر الدوار.. وكانت هذه التجربة ثانى احتكاك له بعالم العمال وصراعاته المتناقضة، بعد تجربة عمال “المغازة” الذين يقومون بفرز البيض وتغليفه. إلا أن البؤس الذى كان يحيط بهم وما راح يطالب به من تحسينات لوضع العمال نتيجة لقراءاته الاجتماعية الاشتراكية بالإضافة إلى أزمات الربو، عجلت بفصله، فتم تعيينه بوزارة الصحة. وكانت هذه الفترة من التجارب العنيفة التى عاشها، إذ تصادف تعيينه مع انتشار وباء الطاعون.. فكانت معاناة من نوع آخر.

          معايشة الموت عبر مجال عمال المباخر والجثث المتراصة.. وهنا أيضاً عجلت مطالبه بنقله، فتم تعيينه فى مجال النقل النهرى. إلا أن الرئاسات الانجليزية لم تتحمل مطالبه فلقى نفس المصير ليتم تعيينه فى  مصلحة البريد.. غير أنه لم يتحمل الروتين الحكومى وقدم استقالته.

          ورغم عنف المجالات التى عايشها وقسوة الظروف التى تعرض لها إلا أنه كان دائماً يترجم هذه المعطيات إلى لوحات فنية. فمن عاداته الشائعة منذ الصغر الاحتفاظ بمفكرة صغيرة فى جيبه يخط بها انطباعاته عن كل ما يحيط به وكل ما يراه من مناظر أو تكوينات مميزة.

          ومثلما صور بعض العادات والتقاليد التى تميزت بها البيئة المصرية فى مدينة الإسكندرية، والعديد من أحداث الحياة اليومية، راح يصور عمال النسيج حول آلاتهم، ووسط التربينات، ومع الخيوط والبالات الضخمة فى عنابر البوش.. كما صورهم فى معاناتهم الاجتماعية. وهم يسيرون فى الوحل الغائر برؤوس منكسة أو بظهور محنية تحت عصف الريح وهطول الامطار والقنابل..

          أناس يسيرون بمحاذاة السور المصنوع من الأسلاك الشائكة التى يمسكونها مرغمون لتعاونهم على السير.. كما صور عمال الصحة وهم يكافحون الموت ويحاصرون وباء الطاعون.. حرق مخلفات الموتى.. تطهير المنازل… أبخرة بيضاء تتداخل مع الدخان الأسود ألوان قاتمة يغلفها الموت.. سواد ووجوم.. فلا وقت للأحزان والحداد.. كما أنعكست تجربته مع النقل النهرى علي نوعيات أخرى من الألوان والتكوينات.. مياه النيل المناسبة بحملها العتيق.. صمت العاملين فى المركب فى القاع.. بلا امكانيات، فى لا مكان، ولا زمان.. وابور الجاز.. صفيحة سوداء.. حله أكثر سواداً… يحيط بها الكوز والبلاص.. ثياب رثة بالية.. شظف العيش القابع تحت شمس ساطعة وضياء تلهب العين.. وحقول ممتدة.. تتعاقب أمامها القرى المتراصة أو المتباعدة..

          مرت الأزمة الأسرية وعاد لطفى إلى الحياة العملية من جديد ففى عام 1947 أنشأ مع أحد أصدقائه أكبر مصنع للنجارة الميكانيكية فى الأسكندرية، حيث راح يطبق حلمه الاجتماعى الاشتراكى الكبير.. وتضافرت خلاصة تجاربه وقراءاته وتطلعاته الإنسانية لتأتى بنموذج فريد فى نظامه فكان اشبه بجزيرة اشتراكية تتوسط بحراً رأسمالياً، فى بلد شبه مستعمر، مازالت بقايا العلاقات الاقطاعية تسود ريفه.. وتألق صيت المصنع وتولى كبرى العمليات الحكومية ومنها مستعمرة خزان أسوان.. إلا أن هذه التجربة السباّقة قد أسئ فهمها حيث وضعته تحت أعين الرقابة البوليسية.. ثم أندلعت الثورة عام 1952.. وما هى إلا سنوات حتى أفلس المصنع وأبتلع معه كل شئ.. كانت أعنف ازمة تعرض لها حتى ذلك الوقت. لكنه تزوج فى صيف 1948 ورزق بإبن فى بداية 1950، بخلاف رعايته لوالدته والعديد من الأسر المتواضعة وجميع العاملين بالمصنع.. فطوى الصفحات بسكون وراح يبدأ من جديد.. وتم تعيينه فى مصلحة الآثار حيث ظل إلى أن تقاعد ليتفرغ للفن.

          ومثلما انعكست كل تجاربه من قبل وتحولت إلى موضوعات فنية، راح يعبر عن كل ما يحيط به فى مجال الآثار، وقد ساعدته كثرة سفرياته وتنقلاته من الدلتا إلى الصعيد وخاصة إلي بلاد النوبة أيام حملة إنقاذ آثارها قبل بناء السد العالى.. ومرة أخرى راح يعايش العمال عن قرب لكن فى مجالات جديدة.. فكان أول من اهتم بتصوير الحياة اليومية فى النوبة قبل غرقها..

          لم يهتم لطفى الطنبولى بالجبال والصحارى الممتدة وأنغمس فى التعبير عن الإنسان النوبى وسط شريط الخضرة الضيق الممتد مع الشاطئ.. أعمال الحقل.. وداعة البساطة النوبية.. منازل وزخارف بسيطة تلقائية تتداخل فى حيوية وصفاء.. وجوه صارمة.. جادة.. جافة حادة الارادة.. أفراح نوبية.. لوحات ولوحات تتلاصق لكن فى إيقاع يتباطأ وكأنه ينتزع اللحظات ليرسم.. فمهام الوظيفة تتزاحم، وظروف العمل وعملية الانقاذ لا تسمح بأى تأخير.. وكلما اضطر للابتعاد عن فرشاته كان يزداد تمسكا بذلك الحلم الواحد: أن يتفرغ للفن..

          ولم يبعده إنشغاله بالعمل المتزايد عن الإهتمام بالعمل فى النوبة، حتى أنهم أطلقوا عليه لقب “البحر”.. لما كان يحققه لهم من مساعدات وما يبديه من معرفة وإلمام بكل الأمور التى تواجهه.. إلا أن القدر كان ما يزال يكن له أعنف وأصعب تجارب حياته على الإطلاق: فقد تم اعتقاله فى اواخر عام 1966.. ولم تمتد فترة الاعتقال طويلاً، إذ أفرج عنه بعد حوالى شهرين، إلا أنها تركت بصماتها المريرة الداكنة فى الأعماق.

          وانعكست هذه التجربة بكل ما تحمله من بث وشعور بالظلم إلى العديد من الرسوم التى كان يرسمها خلسة فى المعتقل، ثم إلى لوحة فنية عنيفة التكوين والمضمون لعنكب غيهب بتسلط “الدوامة”.. دوامة اعتقال المثقفين والسيطرة على فكرهم بشتى الحواجز..

          وفى عام 1978 قدم استقالته من مركز تسجيل الآثار ليتفرغ للفن.. وفى العام التالى حصل على “منحة تفرغ” من وزارة الثقافة لمدة عامين وعادت الحياة إلى فرشاته من جديد.. عادت بكل ما اكتسبه من تجارب وقيم إنسانية وفنية لتتغنى بصفائها المنصهر فى هدوء وتسامح.. فالعقل والتسامح بصفاء كانا من صفاته المميزة.. عقل شديد الحكمة حاد البصيرة والاتزان، وتسامح حباً فى الخير وتنمية لقدرات الذات.. كان حكيماً فى تفكيره وفى تصرفاته حتى وإن أدى ذلك إلى مزيد من الآلام فى الأعماق، مؤمناً بان العقل والعدل هما الاساس وأن الاتزان هو الناموس الكونى.. ولعل احترامه للعقل وتمسكه به يرجع إلى كثرة قراءاته الفكرية والفلسفية والدينية بإتجاهاتها المختلفة، والتى يمكن إيجاز معطياتها على حد قوله فى: “أن العقل هو الشعلة المضيئة الباقيه من الإنسان، أنه الجزء المضئ الذى يكمن فيه من نور الله”.

وذلك الإيمان الراسخ بأهمية العقل وبضرورة صفاء النفس هو الذى كان يجعله لا يتمسك بالغضب ولا بكل ما كان يطلق عليه “مشاعر تعكر صفاء النفس وتؤدى بها إلى العتامة”.. مما أضفى عليه طمأنينة لا تغفلها عين.. طمأنينة فى مواجهة أى شئ حتى الموت.. فكثيراً ما كان يرددد: “طالما ضميرى مرتاحاً فلا يعنينى أى شئ” وقد عاونه هذا الإيمان الراسخ بالطمأنينة وراحة الضمير على تحمل أي معاناة واجتيازها بسلام، كما عاونه على احترام الكلمة، والالتزام بها، والتمسك بالصدق أياً كان الثمن.. فما هو أقصى ما يمكن أن يصيب الإنسان؟ أليس الموت.؟ “كلنا مصيرنا الموت.. أنه ليس إلا مراحل تطور الإنسان وروحة.. فلماذا يخسر المرء نفسه رهبة أو هرباً من واقع حتمى؟!” ثم يتمتم بهدوء: “إن العذاب الحقيقى هو عذاب النفس وليس الموت.. عذاب النفس هو الجحيم الذى لا يمكن لإنسان أن يفلت منه مهما أوتى من دهاء”.

          ولا نهاية للتعبير عن عظمة خُلقُه وكرم طباعه، فبالإضافة للعقل والتسامح، تحتل صفات الطيبة، والإخلاص، والتفانى فى العمل، وحب الخير، وحب الناس، واحترامه لأبسط القيم الإنسانية، وتقديره لأقل مجهود، مكانة الصدارة.. كما كان محباً للعطاء، صريح الراى بلا مواربة، سريع البت، هادئ، بشوش، مبتسم، ودائم الحمد لله.

          ورغم اقتناعه بمذهب الاشتراكية كنظام اجتماعى وإدراكه بان التفكير العلمى هو التخطيط الأمثل للمجتمع، إلا أنه كان عميق الإيمان بالله وبأنه العقل المدبر والمُسيّر لهذا الكون. لذلك كان تمجيده للعمل يمثل اللحن الأساسى الذى تغنى به. ولذلك كان يرفض فكرة الاستسلام الأعمى لليأس التى تشل الإنسان عن أداء واجبه.

          أما موقفه من الفن، فكان يؤمن بالعمل الجاد، أياً كان مذهبه الفنى، لكنه لا يحب الإبتذال ولا يقر فكرة البدع الشكلية الاستهلاكية المتكررة بغية أو بحجة الوصول إلى جديد.. فالجديد الحقيقى فى الفن، فى نظره، ما كان او جين دى لاكروا يردده دائماً: “أن الجديد فى الفن هو رؤيا الواقع المعاصر للفنان.. ذلك الواقع الذى لم يكن بالأمس، والذى لن يكون فى الغد..”.

لذلك كان شديد الارتباط بالبيئة المصرية، بطبيعتها وتراثها، وبأغلى ما عليها: الإنسان المصرى.. الإنسان المصرى البسيط وهو يعمل فى هدوء ودأب.. فالعمل هو الصفة الجوهرية التى تميز الإنسان، والدعامة الأساسية، لكل إبداع وتطور.

          ومن ثم فلم يكن بغريب أن تنعكس قيمه ومفاهيمه الإنسانية والفنية على أسلوبه الفنى. فبساطة التعبير ووضوح الرؤية هى هدفه. تلك البساطة وذلك الوضوح اللذان نراهما فى لوحاته حيث يكشفان عن شفافية نفسه وصفائها. فألقياس الحقيقى للجمال فى رأيه هو الصدق. ولا يعنى به الصدق فى نقل الصورة من الواقع بامانة حرفية، وإنما ذلك الصدق النابع من العمل والذى يقيم حواراً بينه وبين من يشاهده.

          لهذا تتميز لوحاته بذلك الوضوح الصادق الصافى الذى يهز الأعماق فى صمت، كاشفاً عن الواقع بمستواه الحضارى. ولعل ذلك هو ما اكتسبه من دراسته للفن المصرى القديم وما راح يعبر عنه وفقاً لمفاهيم العصر. اى أنه لم يقلد “الشكل” المصرى القديم حرفياً، وإنما انتهج مضمون فلسفته القائمة على البساطة والوضوح.

          وذلك هو ما حاول التعبير عنه فى مقالين نشراً تباعاً فى جريدة “المساء” فى العددين الصادرين يومى 5 و 12 يناير 1960، آملا ان يفتح “للفنان المصرى الحديث آفاقاً من الماضى البعيد تساعده على وضع أسس راسخة لفن مصرى صميم يستمد اصوله من تاريخنا المجيد وتقاليدنا الفنية العريقة وطبيعة بلادنا القوية التى استطاعت أن تفرض سيطرتها التامة على كل من يعيش فيها، مع الحضارات الحديثة التى تحيط به. وذلك بغية انتاج فن اصيل منفعل بنا الآن، ولكنه محتفظ بطباعه ومتطور مع تقدم الزمن.

          “هذا بدلاً من أن نتخبط بين مختلف المذاهب والمدارس الحديثة التى لم تنبت فى مصر ولم تتأثر بالبيئة والطبيعة المصرية. ولا أقصد بهذا أن أهاجم المذاهب الفنية الحديثة ولكنى أرى أن هذه المذاهب التى تنتقل من مصدر إلى مصدر وتنقلب من راى إلى آخر وتغير من تقاليدها وقواعدها وطباعها على مدى قرن أو قرنين من الزمان، تتناسب مع حالة تلك الشعوب القلقة التى أنتجت لنا هذا الفن ولكنها لا تتناسب مع الشعب المصرى ذى الطبيعة الهادئة الصافية وصاحب أقدم وأثبت حضارة فى التاريخ”.

          أما مراحله الفنية، فلا يمكن تقسيم أعمال الطنبولى بالشكل المفهوم أو السائد لهذه الكلمة، إذ أنها لا تتضمن طفرات فجائية وتغييرات جذرية فى الأسلوب والرؤيا. حيث إن أعماله تمثل خطاً متماسكاً، متصاعداً مستمراً فى تطوره الهادئ المتدرج نحو المزيد من التمكن والإبداع. إلا أنه يمكن تقسيم مراحله الفنية إلى موضوعات وفقاً للمناطق التى عاش فيها وتنقل بين أهلها. فحيثما حط الرحال كانت معايشته للبيئة الجديدة بمن فيها هى موضوعه الجديد.

          فبعد فترة صمت امتدت إلى حد ما ، قل فيها إنتاجه الفنى لإنشغاله بالآثار، عادت الحياة إلى فرشاته بكل ما اكتسبته من تجارب وقيم إنسانية وفنية ليتغنى بانشودتين كانا آخر ما تناوله من موضوعات: مزارع الكروم فى جناكليس، والصيادون فى بلاد النوبة. وفى هاتين المجموعتين يحتل الإنسان والعمل مكان الصدارة فى كل تكويناته.. زرع الكروم.. أعمال الحقل.. جنى الثمار.. عناقيد تتدلي فى خيلاء.. وكأنها تتحاور مع فرحة البدوية بقطفها.. وزن العنب.. تعبئته فى الأقفاص.. وجوه وأشكال فى حركة دائمة.. بنبضات تتألق تحت الشمس الحارقة بألوان فجة تغلفها البسمات.

          أما موضوع الصيد فى بلاد النوبة فقد أفرد له أيضاً العديد من اللوحات ليمجد فيها أعمال الصيد.. وكأن الحياة فى نظره محصورة فى تلك الدائرة: إعداد الشباك، فردها فى الماء، لمها وجمع ما بها، ثم العناية بها لإلقائها من جديد.. وتستمر الدائرة وتتداخل الزرقاوات.. زرقة السماء الصافية التى لا تعرف الغيوم.. وزرقة البحيرة الممتدة فى سكون، تتوسطهما تنويعات هادئة التنغيم بدرجات الاصفر.. ملامح مطحونة تحمل عبء السنين. عبء المدن الغارقة باحلامها وتراثها.. يوازنها بريق خافت.. ضى من النور الأبيض.. كومضات من الآمال.

          وإذا كان فيكتور هيجو راح يردد فى لحظاته الأخيرة “إن الحب هو العمل”، فإن لطفى الطنبولى قد أثبت بلوحاته ومؤلفاته وكل ما خلفه من إبداع أن “العمل هو الحب”.. فالعمل هو ما نتركه للحياة من حب وإضافات..

          وفى الحادى عشر من مايو عام 1982، وبينما كان يستعد لإقامة معرضه، أنطوت آخر صفحة في إبتسامتة الهادئة.. إبتسامة انطبعت على ملامحه بطمأنينة راضية وهى تتغنى بملحمة الإنسان المصرى والعمل.. ذلك الإنسان الذى مجده فى ما يقرب من مائة لوحة كانت فى وداعه وهو يغادرها فى صمت..

          وعقب وفاته بشهرين، قامت وزارة الثقافة البولندية بالتعاون مع المستشار الثقافى المصرى هناك بتنظيم معرض متجول للوحات لطفى الطنبولى التي كان ينوى عرضها هناك. وتنقل المعرض فى أربع من المدن السياحية الكبرى حيث لاقى إقبالاً جماهيريا واسعا طوال شهرى يوليو وأغسطس 1982.

          وفى العشرين من ديسمبر 1982 افتتح السيد محمد عبد الحميد رضوان، وزير الثقافة آنذاك، المعرض الشامل للوحات لطفى الطنبولى، الذى أقيم فى قاعة (أخناتون) بمجمع الفنون بالزمالك.

          وقد كتب يقول بعد زيارته للمعرض:

·     “لكم أحسست بقيمتى كمصرى، وأنا بين أعمال الراحل العملاق لطفى الطنبولى، وكم سعدت وأنا أطالع وجوه أبناء بلدى وقد جادت بهم فرشاته. وأدعو الله لمصر دائماً التوفيق بأبنائها الأوفياء أمثال المرحوم الفنان الخالد الذى شرفت بأن أكون ضيفاً على هذه الأعمال الخالدة. وأدعو الله له بجنات الخلد مخلداً فيها خلود هذه الأعمال التى تعتبر كنزاً ثميناً لأبناء بلده يسعدون بها ويفاخرون عبر الأجيال”.

          وتتابعت آراء المشاهدين لهذا المعرض وهم يسجلونها فى سجل الزيارات وتنوعت الكلمات الصادقة واختلفت التعبيرات اللغوية وأن كانت جميعها تتغنى بتلك الملحمة التى خلفها لطفى الطنبولى، ومنها:

·     “لا شك أن لمسات ريشته حققت ما يجيش به صدره من حب ووفاء لمصر وأمكنه أن يصل إلى أعماق القلوب لكل من شاهدها”.

·     “شدنى إليك أسلوبك المصرى الصميم الذى إنعكس على هدوء صورك وهدوء طبعك بل وهدوء رحيلك”.

·     “أصالة وإحساس وتلقائية شجاعة.. أنها بحق تسجيل نادر لما يجيش فى أعماق الشخصية الفنية بعيداً عن التأثر بالغير”.

·     “أوضح سمة هى الروح المصرية الأصيلة: صراحة، وإبداع، اصالة، صدق”.

·     “ألف تحية لمن أمسك بفرشاته بيد وحمل قلبه العاشق لبلده بيد تعطى بسخاء”.

·     “لم يترك الفنان سمة من سمات البيئة إلا وعبر عنها”.

·     “بها كل شئ يعبر عن واقع الحياة”.

·     “ستبقى أعمالك خالدة شاهدة على أصالتك ووعيك وثقافتك”.

·     “فنان أحب مصر وأهتم بتصوير طبقاتها العاملة والبيئة التى يعيشون فيها وأعطانا صورة صادقة لهذه الحياة”.

·     “لوحاته ترتبط بالبيئة والحياة المصرية فى الوقت الذى افتقدت فيه الحركة الفنية ذلك جرياً وراء أشكال لا ترتبط بأى شئ منطقي .. ؟ .. لقد خسرت مصر أحد الذين يعبرون عنها بكل صدق وحرية وطلاقة”.

ولم تختلف كلمات كبار النقاد والفنانين والأدباء فى تأكيد نفس الملامح بتنويعات صادقة منها:

·     “نغمة مصر فى ضوئها المتلألىء المرتعش وأعظم ما فى الحياة هو الارتعاش روحاً وضوءاً ونغماً. وقد استطاع الفنان الراحل لطفى الطنبولى فى السنة الأخيرة أن يخطف من ضوء مصر ما أضاء لوحاته قبل أن يخطفه الموت”.

(كامل زهيرى)

·     “إذا كان الإنسان بعمله، يحيى بعمله ويموت بعمله.. فإن الطنبولى حى فى ضمير “المجاهدة” فقد جاهد فى أنبل معركة.. معركة الفن.. وصمد.. واخلص”.

(حسين بيكار)

·     “هو أحد الفنانين العمالقة الذين خسرتهم مصر فى القرن العشرين.. آمل أن يكون لإنتاجه مكاناً فى متحف للفنون المعاصرة يليق بالمستوى العالمى الذى وصل إليه”.

(صلاح نايل)

·     “عندما يكون الفنان صادقاً فى التعبير عن تفكيره ومشاعره، وعندما يكون منتميا إلى المجتمع الذى يعيش فيه، وعندما لا يحاول تقليد غيره يصبح فنه أصيلاً لأنه يعيش واقع حياته كما يستشعرها ويتفاعل معها ليعكسهاعلى لوحاته بأمانة. فالواقعية هى سر الإنتماء ولها مجالات متنوعة.. وواقعية لطفى الطنبولى تتميز بحبه للفن وقدراته وإرادته وتعمقه وذكائه فى فهم ما كان يراه وما أراد الكشف عنه بأسلوبه ومهارته”.

(صدقى الجباخنجى)

·     “أرى الحياة تتدفق مع كل بساطة التعبير لفنان خلط مشاعره مع أصباغ ألوانه ليرسم ويصوغ الحياة هناك بعد أن سجل بتأثيريته الحلوه حياة ريفنا الأخضر أو تراث المدينة المصرية.. أن فناننا لطفى الطنبولى لقادر بفنه أن يعبر به إلى مرحلة الخلود.. حياً أو غائباً”.

(كمال الملاخ)

·     “موضوعه الدائم هو الإنسان من خلال البيئة المصرية التى عايشها فى كل أطراف مصر من الشمال إلى الجنوب وبهره كل شئ فيها، فكان منبهراً بإيقاعات الظلال والأضواء وصمود الإنسان فى مواقع العمل المختلفة”.

(محمد قنديل)

·     “لوحات لطفى الطنبولى احتفال رصين بقيمة العمل، وتعبير واقعى مغموس بالدفء والتراحم هامس الصوت شجى النغم فى وضوح وشفافية وتواصل”.

(أحمد هريدى)

·     “يعبر لطفى الطنبولى عن لوحاته الإبداعية بلا صخب ولا استفزاز ولا مفاجآت.. وكلها مليئة بالإتزان النابض بعيداً عن التنسيق.. إن كل فنه قائم على تمجيد الوجود الإنسانى فى كل لمساته الفنية”.                                                                   (أنطوان جناوى)

·     “شمس الحياة.. شمس الدفء الإنسانى.. شمس السعادة وبسمة الطفل.. شمس مصر الخالدة تلك هى أعمال لطفى الطنبولى المتألفة النابضة”.                            (آمال شكرى)

وفى الثامن والعشرين من شهر مايو 1983، منحه الرئيس محمد حسنى مبارك وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.

وفى شهر مارس 1984 أطلق مجلس محافظة القاهرة اسم “الفنان لطفى الطنبولى” على أحد شوارع المنطقة الثامنة فى حى الفنانين والأدباء بمدينة نصر.

وفى شهر نوفمبر عام 1985 انتهى المركز القومى للسينما من عمل فيلم تسجيلى عن لوحات لطفى الطنبولى بعنوان (من الاسكندرية إلى النوبة) تم عرضه لاول مرة فى ديسمبر 1985 فى مهرجان السينما المصرية الدولى.

المعرض الأخير

والذى أقيم فى قاعة قرطبة من 15 / 2 إلى 4 / 3 / 2004 بمناسبة عيد ميلاده الخامس و الثمانبن  نطالع :

لقد سعدت كثيرا بالمشاركة فى إفتتاح معرض الفنان التشكيلى المصرى العظيم… المرحوم الأستاذ لطفى الطنبولى ، و كانت سعادتى مضاعفة عندما تناولتنى قرينته الفاضلة بتقديم رؤيتها لأعمال هذا الفنان العظيم حيث أخذنى شعور فياض بإنسانية هذا الفنان… فما من عمل من أعماله إلا و قد ظهر فيه الإنسان  صغيرا أو كبيرا ، و قد برزت فيه ملامحه و صفاته و تفاصيله…و برزت إنسانيته أيضا فى لوحاته الطبيعية التى ظهرت فيها عبقريته الفنية الفذة…تناغم الألوان و انسجام التكوين و موسيقى داخلية تسرى فى النفس الحساسة المتذوقة للفن الحى الواقعى…

وقد تعرفت من خلال هذه الأعمال علي المناخ العائلى الذى كان يعيش فيه هذا الفنان التشكيلى الفذ والذى أرتبط بفنانة تشكيلية ومفكرة متميزه ذابت بريشتها في حب عميق لهذا الفنان العظيم و عبرت بقلمها عن عشقها لروحه النبيله .لذا فأننى أشكر وفاء الرفيقة المخلصة لرفيقها الفنان التشكيلى العظيم

( محمود عزت ، الوزير المفوض و مساعد الوزير للشئون القانونية الخارجية )

لقد سعدت بما شاهدت من إبداع رائد الفن الراحل الإستاذ لطفى الطنبولى  وهو إضافة إلى سابق لوحاته التى عرضتها قاعة الفن فى دار الأوبرا من قبل… و قد وضح لى من محتوى لوحاته إيمانه بالواقعية  و عمق إنتمائه الوطنى المصرى… لوادى النيل الخالد… و هى سمة تتوج وتميز أو هكذا يكون الحال بالنسبة للفنان المصرى الأصيل…ولا بأس من متابعة ما يدور بحركة الفن التشكيلى العالمى خارج حدود الوطن و لكن –كما نرى – شريطة اقتباس ما هو جدير و لائق و مقبول حفاظا على الهوية المصرية التى تشرّف كل إنسان مصرى ، و لا يترك ذاته لما هو مستورد و الذى يستهدف طمس الهوية و الإبداع المصرى الذى إمتد إلى بقاع الأرض و عبر التاريخ… تهنئتى و كل الرحمة للفنان العظيم الراحل

( السفير  أحمد فخرى عثمان )

إلى الروح الرهيف الذى تحلق نجوم رسومه فى سماء معرضه ..إلى “لطفى” … خالد الذكر…

عندما تأسر الصورة العيون فتتدفق آيات إبداع علوية تُزهر بفوض رؤى تبدد المألوف بأسراب تشرق بالأمثل الذى يعانق رهيف الحس و صرامة الإلتزام و صوفية و عبقرية الروح لتتوالد أطياف من ألوان تتناغم لتبصر فى الخلجات ملكوتا يتدفق أنهارا من متعة … وتتوه الكلمات… فقط تتداعى بحّة شوق لمعرض دائم، وليس كزينب (قرينة الفنان) من تحمل بين جوانحها روعة الذكرى لتقوم بتأسيس هذا المحراب، وهي بذاتها فردوس تواصل..

(دكتور حسين عبد القادر)

لا أكاد أجد عبارة أشد بلاغة فى وصف لوحات الفنان لطفي الطنبولى الشامخ إلا أنها تعبير عن الخصائص الفريدة للشعب المصري، يجيش بقيم إنسانية خالدة تخاطب الإنسان أينما كان، فبقدر ما تتعمق تصاويره في تربة مجتمعه ، وبقدر ما تحمل طابع هذا المجتمع تأتى قدرتها على تمثيل الإنسان بصفة عامة، فالتعبير المخلص الذي يلتزمه الفنان الحق هو تعبير عن الإنسانية جمعاء، مثلما يبرهن على أن قومية الفن النقى الراقى هى فى الواقع طريقها الوحيد لعالميتها…

أنطلق الطنبولى رحمه الله  مصورا عواطف البشر من حوله بكل ما انطوت عليه شخصيته الفريدة من كرم و محبة و تعاطف و بذل  و إيثار بلا حدود ، على غرار عطاءه الثمين لوطنه حين أسندت إليه مهمة تسجيل آثار النوبة خلال حملة إنقاذ معابد النوبة من الغرق – و بصفة خاصة معبدى أبو سنبل و فيلة – فقد كان طاقة جبارة مشحونة بالبذل و العطاء و مثلا أعلى يقتدى به زملاؤه دون أن تفارق شفتيه بسمته الجميلة التى تأثر كل المحيطين به ، مؤمنا فى أعماقه بأن المرء إذا تغنى بالجمال فسيجد دوما من يستمع إليه و يشاركه الغناء حتى لو كان وحيدا فى جوف الصحراء. أليس الفن هو كلمة الإنسان التى يستطيع أن يحمّلها ما لا يستطيع أن يفصح عنه بلسانه، ثم أليس هو تسجيلا لما يجيش فى خواطر الناس من حوله    وما تعجّ به البيئة التى تضمه. ثم أليس هو بعد هذا وذاك المتنفس الذي يفيض عليه الفنان بسرّه وتنطوي عليه نفسه؟  لقد كان الفنان الطنبولى –  ولا يزال –  بحق ظاهرة فنية هي نسيج بمفردها …

لقد نشأ الفنان الطنبولى على الأسلوب العام الذي كان يسود بيئته، مشاركا في ذلك غيره من فناني عصره، حتى إذا ما نضج واكتمل أضفى على أسلوبه من موهبته الخاصة، فإذا هو يطل على بيئته بأسلوبه الخاص المتميز. وإذا كان مدينا فى مرحلته المبكرة للمجتمع الذي أظله ومنه استلهم وبوحيه رسم، إلا أنه لم يلبث أن أضفى نزعته الخاصة على ماأخذ فربط بين الجمال والفضيلة، مؤمنا بالصلة الوثيقة التي تجمع بينهما، فلا انفكاك عنده بين الفن والأخلاق لأنهما المعقل الأخير الذي تفزع إليه القيمة الفنية.

كان هذا الفنان العملاق الصادق فى كل ما أتحفنا به هو المعبّر عن روح الأمة التي ينتمي إليها وعما تحسّ ويجيش في صدور أبنائها، استلهم روائعه المصوّرة من الزمان الذي عاش فيه، ومن البيئه التى يحيا فيها، ومن الأحوال التي تحيط به، وهو في الحالين كان معبّرا عن نفسه  وقومه وإنسانيته الفياضة، كما كان مؤمنا فى كل ما أبدع بأن الفن الجيد وحده هو الذى يجعل لون الحقيقة يبدو فى أطياف اللألوان السبعة.

وختاما أحىّ همّة ووفاء قرينة الفنان الأستاذة الدكتورة المتألقة زينب عبد العزيز لنهوضها بإقامة هذا المعرض الحافل بروائع الفنان خالد الذكر

(الدكتور ثروت عكاشة، المؤرخ  لتاريخ الفن ووزير الثقافة السابق)

لطفي … والذكرى

كان لطفي نموذجا نادرا في مطلع شبابه عند بداية معرفتي به، وظلت هذه هي السمة الرئيسية له طوال حياته.. وكان إقباله على الثقافة والفن قد شغل كل كيانه وكانت هذه هي موهبته الحقة.. وكل ما مارسه معي من تجارب في هذه المجالات المتعددة، خلال السنوات الأربع التى أمضاها معى فى مدرسة العباسية الثانوية بالإسكندرية، يعد من التجارب المتفردة.

لقد شُحنت مواهبه بطريقة إيجابية خلاّقة ومبدعة، وضعته في مصاف أعلى مستوى لخريجى كلية الفنون الجميلة.

ولعل مشاعره الإنسانية المرهفة إلى أقصى الحدود هى السمة الأخرى التى يتصف بها.    وذلك هو ما تبينته فيه عن قرب، إذ كانت علاقتى به كأخ أكبر، تقوم فيها المشاعر         والروابط الفنية والإنسانية الخلاّقة مقام الرابطة الأسرية.. وظلت هذه المشاعر هي ما يجمع بيننا مدى الحياة.

وحينما تعود بي الذكرى، يغمرني شعور يندر أن أجده لا فى هذه الأيام ولا فيما قبلها.. فالإنسان المتفرد فى العطاء يظل متفردا.. و عندما أتذكر لطفى، يحضرني قول الشاعر العربى حينما قال :

الناس للناس من بدو وحاضرة              بعض لبعض، وإن لم يشعروا خدموا

فلقد كان لطفي دائما سباقا في عطائه، سباقا في مساعدة معارفه وأصدقائه وكل من حوله.. لذلك كان يطلق عليه بحق: العملاق البحر..

                                                                صلاح طاهر

                                                             11  / 3 / 2004