بدلا من “كنيس الدكان” !

  • admin
بدلا من “كنيس الدكان” !

كان لمؤتمر "المرأة والسكان"، الذي انعقد في القاهرة سنة 1994، ضجيجا لا مثيل له آنذاك خاصة قبل وأثناء انعقاده.. فما كان لافتا للنظر هو حضور ذلك الكمّ من المدعوين. وقد تبادر إلى سمعنا قبل انعقاده أن عددهم قرابة عشرون ألف شخصا ! كما علمنا أن منهم شواذ بمختلف نوعياتهم من الجنسين، قد أتوا للقيام بمسيرات في الشوارع، لنألف وجودهم بيننا، ولتقديم بعض الدروس في خيام ستنصب من أجل ذلك بناء على طلب من يتولون قيادة ذلك المؤتمر!! .. وكثر اللغط ، وتداخلت الضغوط ، وكان للشيخ جاد الحق، رحمه الله وأكرم مثواه، مواقفه الصلبة التي نجحت في كبح جماح العديد من تلك المحاولات، وتمت محاصرة تلك الفئة من هؤلاء "الضيوف" في ساحة إحدى الجامعات لمنعها من التسلل خارج أسوارها.. واليكم باقي ما يحتوي عليه المقال..

تتشدق الصحف القومية بما يبذله المسئولون فى محاولات محمومة لتجميل القاهرة إستعداداً لإنعقاد مؤتمر السكان والتنمية، وإن كان ما يدور فعلا من محاولات تجميلية، فى صراع مع الزمن، أشبه ما يكون بما تطلق عليه ربات البيوت عبارة "كنيس الدكان" ! وتعنى هذه العبارة عملية التنظيف الشكلية الخاطفة الإيقاع ودس "الكراكيب" تحت الأسرّة وفى الدواليب، حتى تبدو المسطحات نظيفة مرتبة لإستقبال الضيوف !!

وبغض الطرف عن إهدار الأموال فى مثل هذه العمليات العشوائية، فحينما تقوم دولة لا يكف مسئوليها عن ترديد عبارات اللوم والتبكيت على أنها دولة فقيرة، وإن الميزانيات خاوية، وأنه لا بد من الحد من الإنفاق وترشيده، أو أن تقوم الحكومة بتخفيض مرتبات أعضاء هيئات التدريس وإلغاء بدلات أساسية من رواتبهم، والعمل على رفع أسعار الخدمات والسلع الأساسية بما يحمّل الشعب ما لا طاقة له به، وإختلاق مزيد من الضرائب، ثم يقوم هؤلاء المسئولون بتخصيص مائة مليون جنيها لإستضافة عشرين الف شخصاً يمثلون "ضيوف" المؤتمر المزمع إقامته فى سبتمبر القادم، فهنا لا بد من وقفة صارمة.

لا بد من وقفة نتساءل فيها عن هذا العدد الرهيب من "الضيوف" الذى ليس له مثيل .. وما هو المغزى الحقيقى وراء قدوم مثل هذا الحشد، الذى يمثل فى واقع الأمر الآلات التنفيذية لأكبر عملية قتل بشرى يشهدها التاريخ ؟! لا بد من وقفة نتساءل فيها، لا عن معنى هذه "الإستضافة" فحسب، وإنما عن فحوى هذا المؤتمر وأغراضه وتكاليفه وعن المنتفع الحقيقى من هذا الحدث العبثى.

إن القارئ لبرنامج عمل المؤتمر الذى يقع فى 121 صفحة باللغة العربية، لا يمكنه أن يغفل حقيقة أنه مكتوب بأسلوب وعبارات ملتوية غير واضحة، وأن العديد من نقاطه الحساسة متناثرة فى بنود مختلفة عبر ستة عشر بحثا أو فصلا، يصعب إلتقاط مرماها أو الربط بينها، كما لا يمكنه إغفال العديد من المتناقضات أو حقيقة أنه يرمى إلى هدم الأسرة التى تمثل الأساس الإنسانى للمجتمع، تحت مسمى الحرية الجنسية لكافة الأعمار رجالا ونساء ومراهقين ومراهقات، بزعم "تمكين المرأة"، وأنه يهدف إلى تحديد النسل بتقنين عملية الإجهاض والتعقيم وقتل المرضى الميئوس من شفائهم، وذلك بسن قوانين جديدة تخرج عن تعاليم الإسلام الصريحة الواضحة العبارات والتى لا يمكن لإنسان أن يمسها أو يتلاعب بها ..

والمحزن المرير فى هذا البرنامج الذى تم الإتفاق علي 90 % من بنوده فى إبريل 1994، أنه ينص صراحة على أن تتولى الحكومات بكافة أجهزتها ومختلف وسائل الإعلام التابعة لها وجميع مؤسساتها الدينية والتشريعية والشبابية العمل على تقبّل الرأى العام لهذه القرارات وتنفيذها وإنجاحها !! أى أن المطلوب ليس محاولة تمريرها على الرأى العام وإنما تنفيذها وبنجاح !

كما لا يمكن لقارئ هذا البرنامج أن يغفل حقيقة بنود أخرى كالإصرار على أن تتولى المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص تنفيذ العمليات المطلوبة، والإصرار على فتح باب الإستثمار الأجنبى مع العمل على قتل الصناعات المحلية الصغيرة؛ والتلاعب بعبارتى الهجرة والسكان الأصليين بما يسمح بمزيد من التوغل الإستعمارى الإستيطانى. ولا نقول شيئا عن عملية التلويح ببعض المطالب للمرأة وغيرها سبق للإسلام أن أتى بها بل وتمارس فعلا منذ أربعة عشر قرنا، وذلك من قبيل حق المرأة فى الميراث، وإمتلاك الأراضى والتصرف فيها، أو الإمتناع الجنسى التطوعى، أو عدم قتل الإناث من المواليد ..

هذا عن مضمون المؤتمر بإيجاز شديد. أما الطامة الكبرى فتكمن فى النص على أن هذا البرنامج الذى تعجز الكلمات عن وصف مساوئ مرماه الحقيقية، تقع ثلثى تكاليفه، وتقدر بالمليارات من الدولارات، على نفس البلدان المطلوب تخريبها والتى يطلق عليها الغرب عبارة العالم الثالث الفقير... بينما يقع الثلث على "جهات أخرى"، أى على الغرب الثرى المتقدم، مع العمل على"إسترداد هذه التكاليف، أى هذا الثلث، من الأرباح" !! فهل يمكن لإنسان عاقل مهما كان فقيرا متخلفا حضاريا أو حتى عقليا أن يقبل مثل هذا "ألإستغفال" المادى بخلاف الجوانب الأخرى ؟!

أما عن المنتفع الحقيقى من هذه المجزرة المتعددة الجوانب، فهى مجزرة دينية وأخلاقية وإجتماعية وإقتصادية، فليست بالقطع البلدان الفقيرة المعدمة التى يُفرض عليها أن تغوص فى بحر بلا قاع من الإباحية الجنسية والدعارة، إذ أن "الدعارة الإجبارية" يرفضها هذا البرنامج الجليل، بينما يتقبل الدعارة الإختيارية على أنها حرية شخصية، فمن سينتفع من هذا الإنفلات التدميرى هو الغرب "المتحضر" الذى لا يكف عن إعتصار العالم الثالث الذى إختلقه بظلمه وجبروته

إن حقيقة هذا المؤتمر ترمى إلى إضفاء مزيد من السلطة والسيطرة للأيادى الخفية المحركة لمنظمة الأمم المتحدة بمؤسساتها، والعمل على إقامة النظام العالمى الجديد الذى يبدو كإمبراطورية وقحة لا رحمة فيها.

إن كافة الأحداث السياسية والتاريخية التى عشناها ونعيشها تؤكد وتدين سوء نيّة المتحكمين فى الغرب ومنظومة الأمم المتحدة. ونظرة خاطفة على كل الثقل السياسى الدولى المفروض على العالم الثالث من خلال هذا المؤتمر تفضح نواياه المشبوهة

فبدلا من التورط فى مزيد من الإتفاقيات التى تؤدى إلى هدم العالم الإسلامى والعربى أو العالم الثالث برمته، وبدلا من التوغل فى مزيد من التواطؤات من أجل بضعة جوائز أو وعود سيارة، وبدلا من هذه اللهفة الرخيصة المعنى الباهظة التكاليف لإستقبال هذا المؤتمر الذى تدينه أيضا بعض المؤسسات الغربية الإجتماعية أو الدينية، فلا بد من العمل على تكاتف الدول المطلوب ضياعها والعمل على أن يرضخ الغرب لحق الجميع فى حياة متساوية الحقوق المبادئ الكريمة المتمسكة بشرع الله، وأن يعمل المسئولين على فرض مبدأ التكامل بين الحضارات والشعوب وليس على القتل والإبادة من أجل حفنة تزعم أنها مختارة !