تأملات مريرة في وثيقة الإمارات، الفاتيكان، والأزهر..

  • admin
تأملات مريرة في وثيقة الإمارات، الفاتيكان، والأزهر..

بل أكثر من مريرة فجميعها غدارة مؤسفة.. فاللافت للنظر في هذه الوثيقة الصادرة باسم البابا فرنسيس وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر اسما، رغم أنها قد هُريت بحثا وتعليقا في وسائل الإعلام العالمية، إلا ان هناك عدة نقاط لم يقترب منها أحد خاصة معلومة ان النص المنشور في موقع الفاتيكان تعلوه عبارة مكتوبة باللون الأحمر تقول: “وسائل الإعلام“. وحينما توضع هذه العبارة على نص رسمي لاتفاقية منشورة، فذلك يعني أن هناك نصا آخرا ليس للإعلام، يتم تناوله في الأقبية المغلقة، تماما مثلما حدث مع وثيقة اتفاقية “كامب ديفيد” وغيرها كثير. وهذه الوثيقة بها نصوص تم التعتيم عليها إعلاميا لكيلا تثير القلاقل.. أما سبب الزيارة، وفقا لما حدده الفاتيكان، فهو كتابة صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين الأديان وخاصة: “تشجيع الحوار بين الأديان”، و”التوسط لوقف الحرب الدائرة في اليمن”..

وقد يعجب القارئ من السبب الثاني للزيارة، فهو شكلا يتعلق بالسياسة وليس بالدين، فأبدأ بتوضيح: ان الكنائس في اليمن تمثل أول غرس مسيحي في الجزيرة العربية، علما بأن آخر ما عهد به النبي عليه الصلاة والسلام، أن قال: “لا يترك بجزيرة العرب دينان” (رواه الإمام أحمد والطبراني).. فالبابا قد اتجه للإمارات بحكم أنها مجاورة لليمن وجزء فاعل في الصراع المسلح الذي يدور هناك ويشارك فيه الصهاينة. ويقول الأب لنّي كانللي من الإبراشية الرسولية لجنوب الجزيرة العربية عن الوجود المسيحي: “ان كل شيء قد بدأ في اليمن، إذن، كل اليمن شديد الأهمية بالنسبة لنا“.. وعبارة “كل شيء” هنا تعني “بداية دخول المسيحية”، وبالتالي أهميتها بالنسبة للفاتيكان.. فقد أصبح في اليمن أربع أبرشيات على قائمة الكنائس الكاثوليكية الرسمية، وكلا من صنعاء وعدن تمتلك كاتدرائية كاثوليكية. وللعلم، فقد دخلت المسيحية عن طريق الجنوب في القرن 19، وتحديدا سنة 1880 مع سيل من المبشرين، تحت الحماية البريطانية ولم يخرجوا بل تزايد وجودهم..

والبابا فرنسيس، الذي أعلن ان زيارته هذه مقصود بها ” كتابة صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين الأديان”، قد أهدى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لوحة فنية تمثل لقاء القديس فرانسيس الأسيسزي والسلطان المالك الكامل سنة 1219، عندما حضر الى مصر مع احدى حملات الحروب الصليبية لتنصير السلطان.. أما الشيخ نهيان فقد أهدى البابا العَقْد الموثق بتاريخ 22/6/1963، لأرض موهوبة من الإمارات لبناء أول كنيسة فيها.. وهو ما يكشف عن بعض الأبعاد غير المعلنة لهذه الزيارة، التي تعد أول مرة يطأ فيها قدم رئيس الكنيسة الكاثوليكية أرض الجزيرة العربية مهد الإسلام، الذي قال عنها سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: “ لا يترك بجزيرة العرب دينان”.

وما أعلنته وسائل الإعلام الفاتيكانية: ان البابا سيسهم في لقاء “حوار الأديان” ويزور “كاتدرائية أبو ظبي”. والمقصود بكاتدرائية أبو ظبي، وفقا لتلك الجرائد الفاتيكانية والصور المرفقة معها انها تعني “مسجد الشيخ زايد” الذي تحول اسمه في 16/6/2017 الى: “مسجد مريم، أم عيسى“. وهو ما يُفهم منه ضمنا أنه سيتم تحويل المسجد الى “كاتدرائية” رسميا عما قريب..

وتتم هاتان الزيارتان في إطار ما يقول عنه البابا “دبلوماسية مسلمة”، يقوم بها ليواجه ما يطلق عليه “الحرب المجزأة، التي تدور من الشرق الأوسط الى الجانب الأطلسي لإفريقيا”، و”تغذيها التيارات الراديكالية والجهادية للإسلام”، كما “تقوم على إقناع القيادات الإسلامية بحوار الأديان وأن يكون الحوار غير قائم على مناقشات لاهوتية، وإنما على لقاءات شخصية تتم معا”، وان هذه اللقاءات “يجب ان تكون سلاحا ضد الأصولية والعنف الذي يمارس باسم الله”. فعلى حد قول البابا واسلوبه الحامل دوما لمعنيين: “ان الإيمان بالله يوحد ولا يفرق، يقرب رغم التميّزات، ويبعد عن العدوان والكراهية”.

أي انه تم استبعاد المساس بأي بند او عبارة في المسيحية من النقاش، وان النقاش سيقتصر على زعزعة الإسلام، بأيدي المسلمين، والتركيز على العنف الذي ابتدعوه والصقوه بالإسلام، لتبدأ محاربته واقتلاعه، في عملية مواكبة لتنصير شبه الجزيرة. واللافت للنظر ان المطالب مكتوبة باسم الأزهر، وليس باسم الفاتيكان الذي يضم صوته لمطالب الأزهر في هذه المطالب الإنسانية ! والأكثر لفتا للنظر استبعاد الاقباط ومسيحيو الشرق من هذه اللعبة. فالمواجهة ستدور بين الأزهر، وكم تنازل، وبين الفاتيكان، وكم اقتلع.. وهي في الواقع ليست مواجهة وإنما تعاون كما تطلق عليه الوثيقة.. تعاون على اقتلاع الإسلام.

وثيقة الأخوة الإنسانية

وتتكون الوثيقة من 33 بندا مقسمة على ثلاثة أجزاء يضم كلا منها من عشر الى اثني عشر موضوعا. ففي الجزء الأول وبعد وضع كل كلمة من الكلمات التالية في جملة مستقلة، تبدأ باسم الله كذا وكذا: باسم الله، وباسم الروح الإنسانية، وباسم الفقراء، واليتامى والارامل، والمهاجرين، والمنفيين من بيوتهم وبلدانهم، والشعوب التي فقدت أمنها والعيش معا، والأخوة والإنسانية الممزقة بسبب سياسات الأصولية والانقسام، باسم الحرية والعدالة والرحمة أساس الإيمان، باسم الله وباسم كل ذلك، قرر الأزهر الشريف ومسلمو الشرق الأوسط والغرب، تضافرا مع الكنيسة الكاثوليكية وكاثوليك الشرق والغرب، يعلنون تبني ثقافة الحوار كطريق، والتعاون المشترك كأسلوب تصرف، والمعرفة المتبادلة كمنهج ومعيار. والحوار في وثائق الفاتيكان يعني بالوثائق المنشورة: “كسب الوقت الى ان تتم عملية التنصير” ؛ و”التعاون المشترك” مقصود بها انتزاع بندا من بنود الإسلام “الإرهابي” ؛ فالتهم الموجهة سياسيا وفاتيكانيا ضد الإسلام هي تهمة الإرهاب.

ثم أتت بنود: أهمية إحياء المعني الديني، وضرورة احيائه في قلوب الأجيال الجديدة بالتعليم الصحيح والانتماء الى القيم الأخلاقية والتعاليم الدينية الصحيحة، للتصدي للتطرف الأعمى بكل أشكاله وظواهره (…) لذلك يدينون كل الممارسات التي تهدد الحياة كالقتل العرقي وأعمال الإرهاب والتهجير العمدي وتجارة الأعضاء والإجهاض والموافقة على إيقاف الحياة طبيا، والسياسات التي تزيد ذلك، أي كل ما قام به الغرب والفاتيكان، وغرس التدين الحقيقي الذي هو المحبة وليس العنف والإرهاب. ثم تأتي الطامة الكبرى: “نطالب بكل ذلك بحكم إيماننا المشترك بالله الذي لم يخلق البشر ليتم قتلهم” (…) فان هذه الوثيقة بالاتفاق مع الوثائق الدولية السابقة التي أكدت على دور الأديان في بناء السلام العالمي، تؤكد ان: الحرية حق لكل شخص: ان ينعم كل فرد بحرية المعتقد، والفكر والتعبير والفعل وتعدد وتنوع الدين واللون والجنس واللغة، وذلك لأنها رغبة الهية حكيمة، خلق الله البشر بمقتضاها. وهذه الحكمة الإلهية هي الأصل الذي ينجم عنه الحق في حرية المعتقد وحرية الاختلاف. (وحرية المعتقد في النصوص الكنسية تعني: الحق في تغيير الدين)!

وهنا يجب طرح سؤال مرير لمن وقعا على هذه الوثيقة الرامية الى اقتلاع الإسلام، فقد أدرجا مطالبهما تحت بند “إيمانهما المشترك بالله” خاصة وان اسم السيد المسيح، على غير عادة الفاتيكان، لم يرد ذكره في هذه الوثيقة. فهل كلا منهما يعبد نفس الإله ؟؟ ان البابا فرنسيس لا يكف عن إعلان وترديد في كل مناسبة: “ان المسيح هو الله، هو الاله الحقيقي الذي يجب على كل العالم اتّباعه فلا إله غيره”.. بينما المسلمون يعبدون الله الذي ليس كمثله شيء، ويؤمنون بالإسلام الذي لم ينزله المولى عز وجل إلا بعد ان قام اليهود والنصارى بتحريف رسالة التوحيد بالله، وجميعها نصوص راسخة ليست بحاجة الى التذكرة..

وبعد عودته الى الفاتيكان، استقبل البابا فرنسيس أعضاء منظمة “الأباء والراهبات البيض” بمناسبة مرور مائة وخمسون عاما على إنشاء منظمتهم التبشيرية قائلا: “جاهدوا لتكونوا رحالة من أجل الإنجيل، أن تكونوا رجالا ونساءً لا يخشون الذهاب الى صحاري هذا العالم.. ان جذوركم موصومة بنشر الرسالة في الخارج: انها محفورة في حامضكم النووي”..

واسم هذه المؤسسة التنصيرية بالكامل هو: “جمعية المبشرين في إفريقيا وجمعية الأخوات المبشرات بالسيدة مريم بشمال إفريقيا”.. وقد شكرهم البابا على الخدمات التي يقدمونها لمهمة الكنيسة بشغف وسخاء وبأمانة لخدمة الإنجيل مثلما اسسها الكاردينال لاڤيچري..  وهذا الكردينال هو الذي تولى غرس التبشير بالمسيحية في الجزائر ثم في تونس وأعاد الاتصال بكنائس الشرق بعد قطيعة 1054، وهاهم ذاهبون لكاتدرائية “السيدة مريم أم عيسى..

والى كل الذين انتقدوا البابا فرنسيس على تساهله بهذا الشكل مع الأزهر أجابهم بما بمقولة المسيح في الإنجيل وفقا ليوحنا (10 : 16) “لي خراف اُخر ليست من هذه الحظيرة وينبغي أن آتي بتلك أيضا فتسمع صوتي رعية واحدة وراعي واحد”..

                                                                                            زينب عبد العزيز

                                                                                           17 فبراير 2019