سادة العالم الجدد، واستراتيجيات العولمة

  • admin
سادة العالم الجدد، واستراتيجيات العولمة

سادة العالم الجدد ، واستراتيجيات العولمة ..

سادة العالم الجدد هم تلك المجموعة التى انتقلت السلطة بكلها بين أيديهم . أنهم تلك الحفنة ، أو “النخبة” ، المكونة من كبار رجال المال والإقتصاد ، بعد أن تمكنوا من إنهاء نظام الديمقراطية الحقة ، لإحلال شبكات إقصادية ومالية بدلا عنها ، إذ أن ما يعيشه العالم اليوم هو وهْم الديمقراطية أو أفولها بلا عودة .. فالهدف الأساس لتلك العولمة هو مزيد من الثراء للأثرياء ، ومزيد من الفقر للفقراء !

فلم تعد الحكومات هى التى تقود العالم ، وإنما قادة التجمعات المالية والتجارية المتعددة الجنسيات وعابرة القارات  والمؤسسات العالمية المعتمة الأهداف أو غير الشفافة الحركة والنوايا .. وذلك على سبيل المثال لا الحصر : صندوق النقد الدولى ، والبنك الدولى ، وإتفاق التجارة الحرة لشمال أمريكا ويضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك الذى تم تشكيله عام 1994 ،  والإتفاق المتعدد الأطراف حول الإستثمار الذى تم تشكيله عام 1995 ، والإتفاقية العامة للتجارة والجمارك (الجات)، التى تم توقيعها فى جنيف عام 1947 ، وهى التى وضعت الإطار العام للمفاوضات التجارية  الدولية  الكبرى ، ولم يتمكنوا من تنفيذها إلا عام 1995، عن طريق منظمة التجارة العالمية ، إضافة إلى البنوك المركزية وغيرها .. وكلها هيئات تمارس نشاطها وسلطاتها على صعيد العالم ، وقد تعدى سلطانها وتحكّماتها سلطة  الحكومات المحلية. فكلها ترمى إلى نقل السلطة من يد الدولة إلى أيدى تلك المؤسسات عن طريق نظام العولمة .

ومن أهم المحاور فى هذه المنظومة الجديدة ، أن المال يعد قيمة إفتراضية ، يمتد واقعه ، فيما بين أرقام كمبيوترات البنوك ، من الصفر إلى التسعة ! فالجزء الأكبر من التجارة العالمية يتم بلا أوراق نقدية ، وإل 10 % من المعاملات المالية اليومية توازى التبادلات الإقتصادية فى مجال الواقع .. ذلك أن نفس نظام الأسواق المالية تمثل نسقا لخلق المال الإفتراضى ،  مال مكسبه غير قائم على خلق الثروات الحقيقية ، لأن لعبة أسواق المال التى تسمح بتحويل تذبذب الأسعار إلى مكاسب تؤدى إلى خلق أثرياء يزدادون ثراء من مجرد تحريك أزرار الكمبيوتر .. واختلاق هذا المال دون خلق ثروات إقتصادية حقة موازية ، هو التعريف الدقيق لإختلاق المال إسطناعيا ، أو بقول آخر: إنه ما يعاقب عليه القانون تحت مسمى “التزوير” للأفراد، وهو ممكن متاح لكبار رجال المال الذين يتحكمون فى مصير الشعوب ..

ومن أهم أهداف هذه المجموعة من الأفراد السيطرة على العالم ، متناسين أنه مهما تراكمت تلال أموالهم فلن يأخذوا معهم منها شيئا ، عند الرحيل عن هذه الدنيا ، ومتناسين يوم الحساب ! والمسؤلون عن هذه السلطة المالية والإقتصادية فى العالم ينتمون إلى نفس الوسط ، ويعرفون بعضهم بعضا ، ويلتقون ، ويتقاسمون نفس وجهات النظر ، ونفس المصالح ، كما أن أفعالهم وأعمالهم تتواقت أو تتزامن بغية تحقيق أهدافهم ، وذلك بإدخال أو فرض مواقف إقتصادية تؤدى إلى تحقيق ما يرمون إليه ، ومنها :

إضعاف السلطة السياسية ، وخصخصة الخدمات العامة.

إقصاء الدولة عن الإقتصاد ، بما فى ذلك قطاع التعليم والبحث العلمى.

إغراق الدول فى الديون بالفساد والإفساد.

إغراق الدول فى العديد من الأشغال العامة عديمة الجدوى والمصروفات الحربية التى لا طائل منها ، وحينما تتراكم جبال المديونيات تضطر الحكومات إلى الخصخصة وإلى تفتيت الخدمات العامة. وكلما كانت الدولة خاضعة لسيطرة سادة العالم كلما زادت مديونياتها..

عدم تثبيت الوظائف ، وإنما جعل التعاقدات مؤقتة. وهو ما يوجِد درجة دائمة من القلق تضطر الخاضعين لهذا الوضع القبول بأية ضغوط لمجرد الحفاظ على الوظيفة.

الحفاظ على مستوى مرتفع من البطالة عن طريق اللا مركزية وعولمة سوق العمل. مما يزيد من الضغوط الإقتصادية على العمالة التى تضطر إلى قبول أى أجر وأية ظروف عمل.

الإقلال من الخدمات الإجتماعية ، مما يفرغ قدرة العاطلين من أن يكونوا أدوات ضغط فعالة فى سوق العمل.

منع تصعيد المطالب إلى الرئاسات وعدم تعديل الأجور فى العالم الثالث ، وذلك عن طريق إستخدام أنظمة حكومية  شمولية أو فاسدة ، وإن أمكن الأثنين معا ، بل غالبا ما يكونا معا. ومن المعروف أن الأنظمة الشمولية تولد مراكز قوى وتولد النفاق .. وبالتالى تدور حلقات الآلة لصالح تلك الحفنة من المنتفعين..

والمسؤلون عن هذه المؤسسات العالمية  الكبرى لا يتبوؤن مراكزهم بالإنتخاب ، و إنما يتم “تعيينهم” وفقا لشروط معينة.. لأن الحيز المتروك للدول والحكومات المحلية يتقلص بصورة متزايدة بسبب الإتفاقيات الإقتصادية التى يتم توقيعها دون أخذ رأى المواطنين فيها. وهو فرضا أحد ركائز الديمقراطية الحقة. فكل ما بقى من تلك الديمقراطية هى مجرد الواجهة ، ذراً للرماد فى الأعين.. فالمواطنون يذهبون مثلا  إلى الإنتخابات ، سواء أملاً فى التغيير إلى الأفضل أو حتى مساقون إليها ، بينما النتائج معدّة ومعروفة مسبقاً، ووسائل القمع معدة مسبقاً أيضا تحسبا لأية مفاجآت ..

وتعتمد هذه المؤسسات على استراتيجية معيّنة ، مكونة من عدة ركائز أساسية، منها الإعلام الذى تم تشكيله و تطويعه على أهداف بعينها بصورة لا تخطئها عين ، خاصة منذ عام 1990 تقريبا. فقد تم  إجهاضها من أهدافها الأساسية ومن الدور الإجتماعى والثقافى والأخلاقى والدينى الذى كان عليها القيام به ، لتتحول إلى مجرد  إبواق تؤدى ما هو مطلوب منها ، وليس ما عليها أن تؤديه لصالح المجتمع ورقيه. وهو ما يمكن ملاحظته فى مجال التلفزيون والإذاعة والسينما والصحافة، التى صارت تبث و تنشر الإنحلال والإنفلات الأخلاقى بزعم الحرية والحرية الشخصية وحرية الإختيار !

 ولا أقول هنا شيئا عن تلك الأغانى المنحطة والمسماه بال “فيديو كليب” ، فالملاحظ  أنه منذ مسرحية الحادى عشر من سبتمبر 2001 – والتى  تذرع مرتكبوها بأحداثها للتلفع بشرعية دولية لإقتلاع الإسلام والمسلمين ، زادت نغمة المطالبة بعمل قناة تليفزيونية تقدم الإسلام بصورة وسطية ، بعيدا عن ذلك الإسفاف والتجريح الذى تقدمه به الآيادى العابثة بالمؤسسة الكنسية فى الغرب ، إلا أن النتيجة الفعلية أو العملية التى تمت فعلا هى : تمويع القناة الوحيدة المتخصصة دينياً  وإنشاء عشرات وعشرات المحطات التى تبث الإنحلال والإنفلات بصورة مقذذة ، مفتعلة ، تتنافى مع كل مفاهيم القيم والأعراف الأخلاقية.. ومما يؤسف له أن كثير منها لمسلمين وعرب، إما بصفتهم ملاك حقيقيين لها أو شركاء مستترين ، متناسين القيم الأخلاقية والدينية التى يجب الحفاظ عليها ، لكن من الواضح أن سلطان المال قد أصبح غلاباً وأخيرا تم إنشاء عدة “قنيوات” على استحياء !.. فكل ما أخذناه عن الغرب هو الإنحلال والإنفلات والعنف المفتعل ، الذى حاولوا  فرضه على شعوب العالم الثالث منذ مؤتمرى السكان و المرأة ، فى مطلع التسعينات من القرن العشرين ، حيث حاول المسؤلون عنها “تيسير” حال  الإنحلال بأنواعه آنذاك ، على أنه من قبيل الحرية الشخصية ، ومنها العلاقات المثلية !

كما تقوم هذه المؤسسات المتعددة الجنسيات بتزويد نفسها تدريجيا بكل صفات أو آليات قوة الدولة ، ومنها : شبكة إتصالات خاصة بها ، أقمار صناعية لخدماتها هى ، خدمات إستخبارتية تزودها بالمعلومات التى هى بحاجة إليها ، أرشيف معلومات عن الأفراد ، هيئات قضائية تابعة لها (مثل ما أقامته كل من منظمة التجارة العالمية و الإتفاق المتعدد الأطراف حول الإستثمار ، وهو ما يسمح لأى مؤسسة من تلك المؤسسات المتعددة الجنسيات أن تدفع بدولة ما أمام قضاء دولى متخصص من صنعها إذا ما استدعى الأمر ! ).

وآخر ما توصلت إليه هذه المؤسسات هو الإستيلاء على جزئية السلطة العسكرية البوليسية التى توازى سلطتهم الجديدة ، بخلق جيوشهم الخاصة ، ذلك لأن فرق الجيش والبوليس القومية “غير مؤهلة” للدفاع عن مصالحهم فى العالم والتى عادة ما تتعارض مع المصلحة العامة لتلك الدول.. وتوجد حاليا عدة شركات ، منها “DYNCORP” و ” CACI” و ” MPRI” ، وقد تحولت هذه الجيوش إلى شركات “مقاولات” خاصة ، تقوم  بتقديم خدمات بالعقود مع الدول ، ومع أى عميل يمكنه دفع ثمن خدماتهم ..  وهذه الجيوش الخاصة أو المكونة من “مرتزقة” جدد ، لا تخدم سوى مصالح المؤسسات الكبرى المتعددة الجنسيات ، ويهاجمون أى دولة لا تنحنى لقوانين النظام الإقتصادى العالمى الجديد .. وهو ما تستخدمه حاليا السياسة الأمريكية فى العراق ، بجيشها الذى يعد أفضل جيش تتحكم فيه الشركات المتعددة الجنسيات ! كما سبق أن استخدمته كلما رغبت فى عدم التدخل مباشرة ، مثلما حدث فى جنوب أمريكا والسودان والكويت وكوسوفو ..

والنظام الإقتصادى الحر ، الذى يسعى إلى تحقيق مكاسب سريعة المدى على حساب أى شىء وبأى وسيلة وثمن ، من أجل المصالح الخاصة ، لا يمكنه أن يأخذ فى الإعتبار ثمن التدهور البيئى الذى يتسبب فيه. لذلك يرفض سادة السياسة الأمريكية التوقيع على الإتفاقيات الخاصة بصيانة البيئة وبالتقليل من الإحتباس الحرارى وغيرها .. لأن تلوث البيئة سيجعل الأفراد أكثر تبعية للنظام الإقتصادى من أجل الحفاظ على حياتهم،  وبذلك  سيسمح بخلق مصالح جديدة مع تزايد إستهلاك الأدوية ، وعمل محاصيل زراعية  بلا كيماويت ، مع مضاعفة الأسعار بالطبع ،الخ.

وإن كان عصر التجمعات الإقتصادية قد بدأ الإعداد له منذ عام 1954 ، وتم تطبيقه فيما بين السبعينات والثمانينات من القرن العشرين ، فقد استشرت فعاليته بصورة لافتة منذ عام 1990 ، عندما أصبح من الممكن استبعاد السلطة الإنتخابية وإمكانية  إلغاء تمحورها الجغرافى. أى أنها أصبحت تمارَس مباشرة من الذين يسيطرون على الأنظمة المالية وإنتاج البضائع والسيطرة على التقنيات والطاقة والمال والمعلوماتية  أينما كانوا ..

وقد لا تكون فكرة العولمة سلبية بهذه الصورة إذا ما تم تنفيذها لإقامة سلام عالمى فعلى و شامل ، ينعكس على كل الشعوب ، وحل كافة القضايا موضوعيا وبأمانة مطلقة ، وأولها ذلك الكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين والذى يعلم الجميع أنه تم غرسه بالخيانة والوعود الكاذبة ودون أى وجه حق لا شرعى ولا  حتى دينى، وعدم التدخل فى الشؤن الداخلية للدول ، وعدم إقتلاع الأنظمة البديلة ، كالإشتراكية ، التى لو لم تُقتلع بالتآمر بين المتحكمين فى السياسة الأمريكية وفى المؤسسة الفاتيكانية ، لما وصل العالم إلى ما هو عليه حاليا ..  والكف عن الأطماع بكل ما تتضمنه هذه العبارة من سرقة ونهب لموارد الدول الفقيرة ..  لذلك نقول “قد” تؤدى إلى إدارة أفضل للموارد .. الخ ، لكن ، إذا تم استمرار هذا النظام العالمى الجديد لصالح قلة معدودة من الأفراد ، وإذا ما حافظ على إنفلاته الحالى وكل ما يصطنعه من إرهاب يُلصق بالإسلام والمسلمين ، وهو إنفلات تدميرى بلا شك وبكل المقاييس ، فسوف تؤدى هذه العولمة  إلى إيجاد نوع جديد من الشمولية ، نوع يؤدى  إلى  تشيىء البشر ، وتتجيرهم ، وهدم الضمائر تماما ، وهدم الطبيعة والبيئة ، وإيجاد شكل من أشكال العبودية التى لا سابقة لها فى التاريخ ..