عوالم متعددة

  • admin
عوالم متعددة

تقديم

يعد مجال الغيب أو ما وراء الطبيعة ، أو كما يطلقون عليه فى الغرب علم الباراسيكولوجى ، واحدا من أكثر المجالات المثيرة للجدل ، أذ تتسع دائرة الإشارة إليه أو الإقرار به من الإيمان والتصديق التام إلى الرفض المطلق ، مرورا بكل ما يتسع هذا التحديد من احتمالات و مسميات. وإذا كان جهلنا بهذا المجال عامة قد فتح الباب للشعوذة على مصراعيه ولكل ما يمكن أن يُدرج تحت هذا المسمى ، فلقد أثبتت الأبحاث الجديدة وجوده فعلا فى خلفية النشاطات الإنسانية بكلها. ذلك لأنه ينتمى فى آن واحد إلى العالم المادى وإلى مستوى المبادىء الكونية ، من جهة ، ومن جهة أخرى يمكنه أن يؤدى إلى رؤية متكاملة للعالم وللطبيعة ينجم عنها تغيير مفاهيمنا كلية بالنسبة للحياة ولوجودنا على الأرض..

ويؤكد العالم الفرنسى جابرييل ديلان ، ” أن دراسة الوقائع تؤكد أننا نمتلك عنصرا مفكرا مستقلا عن المادة ، وغير خاضع – مثلها ، للتحولات الحياتية ، وتكمن فيه الذاكرة ” (الروحية فى مواجهة العلم ، 1923).

ومن اللافت للنظر ، رغم كل ما يملكه العلم الحديث من وسائل للبحث والتدقيق ، فإن هذا المجال – بالمقارنة بغيره من العلوم ، يُعد فى أولى خطواته من حيث الدراسة البحثية المنهجية ، وإن كان قد قطع شوطا مذهلا. فإن كان الإهتمام به يرجع إلى منتصف القرن التاسع عشر ، فإن دراسته منهجيا ترجع إلى منتصف القرن العشرين تقريبا ! بل الواضح من متابعة تطوره أن هناك عملية تعتيم مزدوجة تجاهد لمحاصرته ، لأن كل ما يتضمنه من مجالات معرفية يعكس بعضا من ملامح الحياة العليا ، ذات المبادىء السامية ، التى تتعارض مع النظام السياسى/ الإجتماعى/ الثقافى السائد فى العالم ، والذى كل ما يعنيه هو عدم السماح لأى شىء يمكنه أن يهز أركانه أو يتهددها بالضياع ، أو حتى بمجرد التغيير !

وهذه المعطيات الأساسية متعلقة بمفهوم تكوين الإنسان الجسدى/ النفسى/ الروحى ، وبوجود إيقاع ما للتغيير والتحول ، منها عدم وجود ما يسمى بالصدفة ، وعدم وجود إنفصال بين الأشخاص والأشياء ، وإنما هناك وحدة أساسية بينهم ، ووجود سرعات أعلى من سرعة الضوء ، والمسؤلية الفردية والجماعية عن أفعالنا ، و وجود إنسانية أخرى فى درجات مختلفة من التطور..

ويقول فرانسيس ديسارت ، رئيس جمعية ألفا الدولية ، أن هذه المجالات أصبحت تضم أكثر من ثلاثمائة فرعا مختلفا فى مجال الغيب ، منها دراسات متعلقة بالهالة النورانية ، و الجلاء البصرى ، و الجلاء السمعى ، و التشكيل الإكتوبلازمى ، والإسترفاع ( أى رفع الجسم بقوة الإرادة ) ، والمنقولات ( عبر الحوائل كالجدران ) وتحريك الأشياء عن بُعد ، و توارد الخواطر ، و الشعور المسبق بالأحداث الخ..

واستكشاف أبعاد هذه المجالات والظواهر يوضح الترابط بينها ويؤدى إلى مفاهيم إجمالية يحاول علماء الفيزياء خاصة التوصل إليها علميا لقرب المجالين إجمالا. ذلك أن الواقع المادى يوجد وفقا لإدراك الشخص ، أما الواقع الفوقى أو ما وراء الوعى والإدراك فينتمى إلى مستوى آخر من الطبيعة لا يقربه علم الفيزياء إلا من خلال التجريب. وأصبحت الرسائل الجامعية تتوالى فى الكثير من البلدان لتوسيع نطاق هذه الأبحاث، لأن هذا المجال أصبح له أقساما خاصة بدراساته فى العديد من الجامعات.

ويقول العالم الإيطالى إرنستو بوتسانو ، الذى أعد تصنيفا إجماليا لهذه المجالات ، أنها ترجع جميعها إلى سبب واحد ، هو : ” ان روح الإنسان هى التى تحدد الظواهر الروحية بعد إنفصالها عن الجسد “. بينما يحدد العالم جيورجيو دى سيمونى ، فى مجلة “ما وراء الواقع” سنة 1980 ، أن الظواهر الروحية والغيبية يمكن تناولها بأساليب خاصة إعتمادا على التكوين الإنسانى و الروحى ومختلف أنواع الوساطة و كل تلك التى تؤكد استمرار وجود الروح بعد إنفصالها عن الجسد. وما أكثر هذه المجالات أو الظواهر التى يمكنها تأكيد وجود الروح والمجال الروحى، ومنها إمكانية العيش بلا طعام أو شراب لفترات تعد طويلة نسبيا ، أو العلاج الروحى ، أو العمليات الجراحية الروحية ، التى تؤكد جميعها وجود ما يسمى الطاقة/الوعى الأعلى ، والتى يدرسها العلماء عن طريق ثلاثة منابع هى : البحث التجريبى ، الظواهر التلقائية ، والتجارب النوعية معمليا بمشاركة الوسطاء الروحيين أو الأجهزة الجديدة المتعلقة بهذه التجارب.

ويؤكد العالم راين فى جامعة ديوك بشمال كارولاينا ، أنه لم يعد هناك أى مبرر لعمل تجارب لمجرد إثبات أن مجال الغيب أو ما وراء الطبيعة موجود ، فتلك تُعد مضيعة للوقت . أنه موجود بكل تأكيد ، ولقد تم التوصل إلى العديد من العوامل التى أصبت تعد الآن من الكلاسيكيات ، ومنها مجال توارد الخواطر ، والجلاء البصرى ، وتحريك الأشياء عن بُعد وغيرها..

ذلك لأن هذه الأبحاث تتم بالتفسير العلمى البحت ، بعيدا عن أية عقائد دينية أو أية موروثات ثقافية أو تراثية. فإن كان القرآن الكريم يوجهنا إلى الإيمان بالغيب فى أكثر من موضع ، فقد وردت كلمة “الغيب” وحدها 48 مرة ، بمعان ومجالات مختلفة ، وتأتى أربع مرات بالجمع لتدلنا أن الله عز وجل “علاّم الغيوب” – أى أن هناك أكثر من مجال غيبى فى الكون ، فإن الوضع يختلف تماما بالنسبة لعلماء الغرب المسيحيين أو الملحدين. فقد حاربت المؤسسة الكنسية كل من يخالف ما نسجته من بِدع عبر المجامع على مر العصور وزجّت بالآلاف من الناس وهم أحياء إلى المحارق بتهمة السحر – وهو جلباب جد فضفاض ، كما تصدت لبدايات محاولة الإتصال بمجال الغيب فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، ولكل ما يطلق عليه علوم باطنية هناك.

أما الذين ألحدوا عند إكتشافهم ما تم فى المسيحية الأولى من تحريف ، حاد بها عن كل ما أتى به السيد المسيح من تعاليم ليقيموا عقائد لا يعرف هو عنها أى شىء، ثم جعلوه إلاها و يطلقون عليه عبارة “ربنا يسوع” ، وهو خط النقد الذى بدأ أيضا فى القرن الثامن عشر ويتواصل بصورة لا رجعة فيها حتى يومنا هذا، فقد أدى بإبتعاد الأتباع عن تلك المؤسسة ، و أصبح العلماء منهم خاصة لا يؤمنون إلا بكل ما يثبته العلم عن دراسة ويقين..

ومما تم إكتشافه مثلا ، أن الطاقة المادية لا تنتقل فى مجال ظواهر توارد الخواطر ، لأن الطاقة المادية أو الجسدية ، على عكس التجارب الروحية ، مرتبطة بالزمن . أى أنها لا تتعلق بالطاقة الكهروـ مغناطيسية. وأن توارد الخواطر والجلاء البصرى كثيرا ما يتواكبان أو يتواجدان لدى الشخص الواحد. وكذلك إكتشاف أن المسافات البعيدة لا تدخل فى الحسبان بين شخصين تربط بينهما صلة عاطفية أو فكرية قوية ، وأنه يمكن لأحدهما أن يشعر بالآخر بسهولة تتعدى أية حواجز مادية. لذلك يضعون فى الإعتبار، كإحدى المعطيات الأساسية ، أن الإنسان ، كجزء لا يتجزأ من الكون ، يمتلك وسيلة فعّالة للتأثير على الأماكن والأشياء والأمراض وكل الظواهر المادية والنفسية . فمثلما يساعد التركيز على تنمية تقبّل الإشعاعات الكهربية ، فإن التأمل – وهو شكل آخر من أشكال التركيز ، يساعد على التوصل إلى المعارف الروحية.

وفى المؤتمر الدولى التاسع لما وراء الطبيعة، المنعقد فى ميلانو عام 1977، تم عرض تطور الدراسات والأبحاث التى أدت إلى إثبات إن الإنسان يتكون من عدة أنظمة مختلفة من الطاقة ، خاصة لمستوى أعلى من التكامل. أى أنه عبارة عن وحدة نفسية جسمية لا تتجزأ. وقد أصبح هذا المفهوم واقعا بالنسبة للعديد من العلماء ، وتمت إثارته بتوسع فى أول مؤتمر للطب الكلّى أو التكاملى ، المنعقد فى مدينة بوردو بفرنسا عام 1984 .

كما أدت الدراسات الموسّعة التى تمت فى كل من فرنسا والولايات المتحدة إلى إثبات وجود سرعات أكبر من سرعة الضوء ، أكدتها دراسات ميكانيكا الكمّات . وإن الحركة أو الفعل الأسرع من الضوء يسمح لأزواج من الفوتون المتلازمة أن تحافظ على علاقتهما المتبادلة عبر المسافات. وهذا الفعل ينطبق على الكون بأسره وعلى البشر بمستويات مختلفة. وهو ما يفسر إمكانية شعور الشخص بشخص آخر. وبذلك تفتّح علم جديد بحثا عن نسق معرفى لقيمة العلم ، عن طريق الفكر الإنسانى ، يمكنه دراسة أبعاد المعايير أو معيار ما وراء الإنسان دون الإقلال من شأنها. وامتد هذا التوجه فى كل من علم الأحياء ، والطب ، والفنون، والتطور التنظيمى ، الخ..

ويعد علم الفيزياء الحديثة أهم حليف لعلوم ما وراء الطبيعة ، إذ تتبع ظواهره وأحداثه نظاما فى الطبيعة يخرج عن نطاق إمكانيات المعطيات الكلاسيكية المحدودة، لتؤكد فكرة المبادىء الأساسية لما هو كلّى أو إجمالى. وهو ما سمح بالإنتقال من فيزياء نيوتن إلى فيزياء الكمّ. وأصبحت علوم ما وراء الطبيعة تمثل عملية إدراك حقيقية لكياننا الإجمالى ، وأنه يمكنه تغيير التوجه العام للعالم الحالى تماما. بمعنى أن المتحكمون فى العالم حاليا يقومون بتحريف الواقع والحقائق ليرجموا ميراثا روحيا وبيئيا لا حقّ لهم فيه إلا مجرد الإنتفاع به ، دون الإخلال به كما هو حادث حاليا من إضرار بالبيئة وغيرها. ذلك لأن المادة والطاقة والوعى مترابطين. والدراسة المتكاملة لعلاقاتهم المتداخلة تساهم فى عملية إدراك جديدة لإمكانيات الطاقة الكامنة فى الإنسان والمجموعات الحية الأخرى ، ولأنسقة الحياة والمادة بشكل عام.

وقد اتسع مجال هذه الدراسات حتى أن الجامعة البابوية ، بمدينة لاتران بإيطاليا ، أصبحت تكرس فصلا دراسيا كاملا لدراسة ظواهر ما وراء الطبيعة ، حتى يمكنها أن تتصدى لكل ما قد يمس “مصداقية” النصوص الدينية التى تخالف الحقائق العلمية – مثلما فعلت طوال مشوارها عبر التاريخ ، ومحاربتها للعلم والعلماء طوال عصر الظلمات ، أى طوال الف عام تقريبا أدت آنذاك إلى تأخر البلدان التابعة لها عن الركب الحضارى الذى كان الإسلام حاملا لمشعله..

وفى مؤتمر منعقد فى واشنطن فى 6/4/1982 ، تم الإعلان فى أحد الأبحاث أنه لأول مرة فى التاريخ يتم نشر نتائج أبحاث علمية / تقنية بين الأحياء والأرواح المنتقلة. وتم عمل إتصال بأحد العلماء الذين انتقلوا عام 1952 بواسطة أحد الأجهزة الحديثة المعدّة لذلك ، ويقول فرانسيس ديسار : ” لقد أصبح لدينا الآن الأدلة التى تثبت أن الروح والذاكرة والشخصية والنفس تظل حية بعد إنفصالها عن الجسد “.

وقد انتقلت الدراسات والمعارف فى مجال الغيب إلى ما هوأبعد من علوم ما وراء الطبيعة إلى مجال الإدراك فيما وراء الحس ! وتوصل العلماء فى هذه الجزئية الجديدة نسبيا بين هذه الدراسات ، إلى نتائج تتعدى الفهم البشرى ..

فالتأكيد على أن المادة وحدها هى الموجودة أصبحت من أكثر المقولات هراء.. لأن الملاحظات التى تم التوصل إليها ، فى علم الفيزياء الحديثة ، تؤكد أنه لا توجد مادة بالمعنى التقليدى للكلمة. وكل النتائج الحديثة لا يمكن فهمها بالمعايير الضيقة للعلوم الوضعية المعاصرة. إذ أن الطفرة التى حدثت تمثل نقلة أكثر غرابة وأكثر عمقا من تلك التى تمت عند الإنتقال من فكرة أن الأرض مسطحة إلى فكرة أنها كروية الشكل، ومن فكرة أن الأرض هى مركز الكون إلى فكرة أن الأرض تابعة للشمس ، وأن هناك مجموعات شمسية أخرى ..

والمشكلة الآن ، حتى دون الكشف عن كل ما تم التوصل إليه ، تضع الإنسان أمام أكبر وأصعب قرار عليه أن يتخذه على مدى عمر البشرية ، ألا وهو : ضرورة التخلى عن كل المعتقدات القديمة السائدة ، والتى ستؤدى به حتما إلى الضياع ، لينتقل إلى المجال الجديد بكل أبعاده ليعيش وفقا لها ..

وعلى الرغم من قلة ما يُنشر عن الأبحاث الجديدة ، فإن من أهم ما تم التوصل إليه هو ملاحظة تحول الطاقة إلى مادة والمادة إلى طاقة. والدراسات جارية للبحث عن الحلقة المفقودة علميا بين المادة والروح ، وان الروح عبارة عن كائن ما أو تفاعل كونى ، كالكهرباء الموجودة فى كل مكان ، أو الجاذبية ، وأنه قد تكون هناك إمكانية نمط تحول مماثل لما تم بعد نظرية آينشتاين ، قد يفسر العلاقة بين المادة الذهنية أو الفكرية وكائنات أخرى من مجالات الفيزياء..

ومن المجالات الجديدة أيضا ، تحدث العلماء عن وجود حياة نفسية للكون. وإن المادة ليست إلا ظاهرة من مختلف أشكال الذبذبة والجاذبية للطاقة الكونية. ولم يُعلن بعد عن كنه هذه الطاقة الكونية. ويكفى العلماء حاليا ، أو ذلك ما يقال ، يكفى مجرد ملاحظة ذلك ! وهذه ” الحالة النفسية ” تختلف درجات تطورها وفقا لما إذا كانت تتعلق بمادة حية أم لا ، أو متعلقة بالنبات أو الحيوان أو الإنسان.

ويوضح فرانسيس ديسار أن الإنسان قد تمادى إلى درجة الطغيان بتصوره أنه يمكنه فهم كل شىء فى الطبيعة للسيطرة عليها وفقا لأهوائه ولطموحاته المادية ، وهو الحادث حاليا ، متناسيا إرتباطه هو نفسه بهذه الطبيعة وبالكون ، وأنه ليس سوى جزء منها ، وقد أسقط من حسابه أنه ليس بمفرده فى هذه الكون. فهناك قوانين كبرى فى الطبيعة هى التى تقودها ، وأن السير عكسها يؤدى حتما إلى كارثة. ومن أهم هذه القوانين : قانون التوافق ، وقانون التوازن ، والإتساق العام ، والصدى والرجع ، والحركة والجهد ، وترابط الأضاد ، والوحدة فى التنوع ، وقانون الإيقاع ، وقانون الفعل ورد الفعل ، والقيم الجمالية ، والتطور النوعى ، و قانون الإلتزام ، وقانون العدل ، وقانون الحب..

وعلى الإنسان أن يتعلم كيف يفهم هذه القوانين الكونية وكيفية التعامل معها ، واحترام القانون الأعظم للكون. وهوالقانون المؤدى إلى الحرية الحقة والسعادة ، السعادة المتقاسمة ، الناجمة عن فكر عادل وفعل عادل. ذلك لأنه إضافة إلى الحواس الخمس المعروفة التى يمتلكها الإنسان ، فإن لها إمتدادات أخرى فى كيانه ، إمتدادات فى داخله ، فى أعماقه.. ورؤية الإنسان الداخلية ، أو رؤيته لما يحتوى عليه من إمكانيات ، تمثل نمطا من التجوال فيما وراء العين..

وما أكثر الذين يودون معرفة إمكانياتهم الحقيقية لتنميتها ، وإن كان لكل واحد هدفه .. فهناك من يسعى إلى الرقى والتسامى ، وهناك من يود استخدامها لإيذاء الغير ، وهناك من يسعى لمجرد الإبهار ، أو من يسعى للتكسب منها. بل لقد وصل الحال بالعض ، فى الولايات المتحدة ، إلى محاولة إستخدام أحد مجالات الغيب فى عمليات التجسس السياسية والحربية.. إلا أن كل العاملين بهذا المجال يؤكدون خطورة هذا المنحى وإنعكاسه على من يسلكه ، بمعنى المثل الشعبى القائل بإنقلاب السحر على الساحر ! إذ لا يمكن التوصل إلى مستوى روحى رفيع أو راقى عن طريق الشر والأنانية ، وما لم تكن النوايا صافية طاهرة خالصة لخدمة الغير..

ويقول فرانسيس ديسار فى بحثه عن “أبحاث ما وراء الطبيعة” : لقد وهب الله هذه الملكات للبشر ليمكنهم الإرتقاء والرقى.. وأن مختلف أنواع السعادة المادية زائفة عابرة ، أما السعادة الحقة فتكمن فى الرقى النفسى والروحى، وفى محاولة فهم هذه الملكات التلقائية الإلاهية لخدمة الإنسان والإنسانية.. فعلى الإنسان أن يكتشف ما يحمله من الماضى وتنميته حتى يمكنه فهمها .. لأن الإنسان له ملكات فكرية وإيحائية عليه تنميتها ، كما أن له أيضا ملكات روحية عليه تنميتها ، وله ضمير ووعي لا يطلب إلا أن ندعه يعمل وفقا لقوانين خالقه ..

وكل هذه الملكات توجد فى كل إنسان منا بدرجات متفاوتة ، إذ عندما نُرسَل إلى هذه الأرض لا نُخلق متساوون فى الكفاءات والملكات ، إذ لكل روح درجتها ومستواها من الرقى و التقدم و الإمكانيات.. وهناك من ينجذب إلى مجال الغيب ، وهناك من يرهبه ويخشاه ، وهناك من هم فى عماء مطلق و يأبون حتى الإستماع إلى أى حديث عنه! وتجمع بعض الأراء على أنه من أجمل التجارب التى يمكن للإنسان أن يعيشها هى أن يتعلم كيف يُدرك بحسه إتصال مُعاش عبر هذه المجالات، أو علاقة نابعة من الأعماق وتغوص فى أعماق شخص آخر ، فى نوع من الإتصال الرهيف عبر الزمان والمكان ، أو إلتقاط نَفَسٍ عابر بجوارنا ، إذ إن إدراكها أو فهمها يستقر فى الأعماق بصورة غير تقليدية .. وليست كل هذه المعطيات بالمستحيلة ، فكل شىء ممكن بالنسبة للقلب الذى يجيد الإستماع..

وقد تناول العالم رودلف شنايدر بالتفصيل تلك الحواس التى يمكن للإنسان تنميتها لفائدته وتقدمه الروحى والنفسى .. وهذه الحواس هى : حاسة التوازن والإتزان ، وحاسة الحركة ، وحاسة الحياة ، وحاسة الدفْ ، وحاسة الكلمة ، وحاسة الفكر ، وحاسة الأنا الخاصة الغير ..

وبالإضافة إلى هذه الحواس السبع ، هناك حواس أخرى ، منها : حاسة الإتجاه ، وحاسة العقبات ، وحاسة الإستشعار ، وإستقراء الأشياء ، وحاسة البصيرة، والجلاء البصرى ، والجلاء السمعى – وهذه الحاسة أكثرهم إنتشارا بين الناس أكثر مما نتخيّل، وحاسة توارد الخواطر – خاصة بين شخصين من مستوى فكرى وعاطفى متقارب ، والوساطة الروحية ، والإسترفاع (رفع الجسد بالإرادة) ، وحاسة نقل الطاقة للغير ، وحاسة العدالة ، وأعلاها حاسة النور الداخلى المؤدى إلى الإنفتاح الروحى. إذ إن حاسة النور تؤدى إلى الوحدة ، بمعنى الإتحاد والربط بين الأشياء ، وهو ما يسمح بتخطى الإزدواجية والتعارض والتناقض. وقد يؤدى إلى استكشاف الخلود الكامن فى أعماق الإنسان واستكشاف طاقة الحب وقانونه ، فالحب الصافى النقاء يعنى تخطى الذات من أجل الغير.. وهنا ندخل فى ملكة العطاء المطلق ، العطاء من أجل الخير..

ولقد أعلن ريمى شوفان ، أستاذ الفيزياء النفسية بجامعة ستراسبورج ، وأستاذ علم الحيوان الإجتماعى بجامعة السوربون بباريس ، أعلن عن إيمانه المطلق فى كل الإمكانيات التى تتيحها علوم ما وراء الطبيعة. ذلك أن الدراسة العلمية الموضوعية لغموض ملكات وقدرات العقل الإنسانى و روحه قد خرجت من قمقم الجهل الذى ظلت حبيسة فيه بسبب العلوم العقلانية الرسمية المتحكمة، مضيفا : المهم هو الفصل بين الشعوذة واستغلال السذّج من الناس ، وبين الظواهر الغامضة التى تثير عقل الإنسان وخياله منذ القِدم. وهنا يضيف فرانسيس ديسار قائلا : ” إن إثبات الواقع الغيبى بمختلف مجالاته قد تم بصورة نهائية وقاطعة ” ..

شذرات من آفاق مفتوحة للبحث والدراسة فما أتينا من العلم إلا قليلا ..

6 يونيو 2008