قصة “مقدمة”

  • admin
قصة “مقدمة”

قصة “مقدمة”

في الخامس عشر من شهر سبتمبر 2012 أرسل لي الدكتور محمد أبو العلاء (وهو طبيب من إحدى الدول العربية الشقيقة)، النص العربي لكتاب عن “الجنين”، كان قد كتبه وأصدره بالفرنسية من قبل، وطلب منى كتابة مقدمة، موضحا أن الكتاب في المطبعة ورجاني ألا أتأخر في إرسالها. وفى اليوم التالي، في 16 سبتمبر 2012 كتبت له أنى انتهيت من قراءة الكتاب ويسعدني تلبية طلبه. وأجابني في نفس اليوم بأنه سعيد بهذا التعاون. وفى اليوم التالي، أي في 17 سبتمبر 2012 أرسلت له المقدمة. وفى اليوم التالي، في 18 سبتمبر أرسل لي الكلمات التالية: “أقول لك: شكرا بكل صدق وبكثير من الانفعال، إن المقدمة التي أهديتنها ليست مجرد تعبير بروتوكولي النزعة وذلك هو ما أثار انفعالي ويجعلني أدين لك بعرفان جميل لا نهائي، وهو تقدير لا شك في أن كثيرين من القراء سوف يشاركونني الرأي. ومرة أخرى شكرا سيدتي العزيزة”.. وفى اليوم التالي أرسل لي العبارة التالية: “لأسباب تقنية فإن الناشر الذي يقوم بطبع الكتاب لن يمكنه إدراج المقدمة التي وصلت متأخرا جدا، وإن لم تدم فرحتي إلا فترة وجيزة فإن عرفاني بالجميل باق”!

ولم أفهم حقيقة الموقف، لكن نظرا لأهمية الموضوع في نظري فلم ألق بالمقدمة وبالرسائل في سلة المهملات، وآثرت الاحتفاظ بها مع كل ما كتبت علّها تفيد أي باحث.. ولعل رفض طباعة مقدمتي يرجع إلى موقفي من جاك بيرك وترجمته المغلوطة عمدا لمعاني القرآن الكريم، كما أعلم أنهم في الجزائر “يقدسون” جاك بيرك ـ وإن كنت لا أفهم على أي أساس..

تقديم

لكتاب “الجنين” للدكتور محمد أبو العل

لا أبالغ إن قلت إنني لا أعرف الدكتور محمد أبو العلاء شخصيا، لكنني التقيت به بكل تقدير عبر النص الفرنسي لهذا البحث القيّم الذي كتبه وقام بترجمته، والذي يسعدني أن أقوم بتقديمه لقراء اللغة العربية.. وذلك لأنه يجيب على الكثير من التساؤلات التي كانت تراودني وأنا أقوم بترجمة معاني القرآن الكريم إلى الفرنسية.

وأول ما يميّز هذا البحث هو بساطة الأسلوب سواء من ناحية البحث العلمي أو من ناحية توجه المؤلف إلى القارئ.. أي أنه أبعد ما يكون عن ذلك النوع من التناول العلمي البحت الذي لا يفهمه ولا يدرك كل أبعاده إلا طبيب متخصص مثله أو من في نفس كفاءته العلمية. لذلك تناول الدكتور محمد أبو العلا القرآن الكريم كمرجعية أساسية وراح يقرأ النص القرآني وكأنه خاص به وحده وعليه أن يفهمه ويقوم بشرح ما فهمه بوضوح وفي كليمات معدودة فيما يتعلق بموضوع الجنين. وهنا تتجلى مقدرة الأستاذ العلمية، فكلما كان متمكنا من مادته أمكنه الشرح بإيجاز شديد بحيث يفهمه القارئ غير المتخصص بكل بساطة.

يتكون البحث من مقدمة وثلاثة عشر فصلا وخاتمة، لا يكف المؤلف طوالها عن التنبيه إلى أهمية أن القرآن الكريم يدعونا إلى التأمل والتذكّر والتفكير باستقصاء سواء في الكون أو في الكائنات.. ولا شك في أننا نؤمن بالفطرة وبفضل المحيط العائلي الذى نولد فيه، ولكنه يدعونا أيضا إلى الإيمان القائم على العلم والإدراك، “فالإيمان مع العقل يعطيان المرء تأهلا بديهيا للفهم والإدراك المعرفي”، على حد تعبيره الصائب.. كما ضمّن البحث العديد من الرسومات التوضيحية الشديدة البساطة ليتمكن القارئ من فهم المراد بها.

وأذكر على سبيل المثال أنه قد أدهشني، وأنا أقوم بالترجمة، ألا أجد جذر “ع ق ل” إشارة إلى العقل البشرى، وبعد الدهشة ومواصلة البحث رأيت أن مختلف التصريفات واردة مثال يعقل، عقلوه، يعقلون، تعقلون، نعقل، يعقلها؛ وكذلك مختلف تصريفات الفكر: تتفكروا، تتفكرون، يتفكروا، يتفكرون؛ وكذلك أيضا التدبر، والتذكّر.. وكأن النص القرآني يقول إن العقل بلا تفعيل لا معنى ولا وجود وظيفي له في الإنسان بل ولا يستحق الذكر! وإنما المهم في العقل هو تفعيله وإعماله. ومن هنا قالوا قديما أن الإنسان بلا عقل خارج التكليف الشرعي..

والحديث عن العقل يستوجب الإشارة إلى القلب، فقد لفت نظري العدد الشديد التنوّع للآيات التي تتناوله، إذ يمتلئ القرآن الكريم بما لا يتصوره المرء من صفات وانفعالات تدور جميعها في رحى قلب الإنسان. ولا يسع المجال هنا لذكر كافة الآيات لكننا نذكر لما تشير إليه من مختلف أحواله ومنها: الانشراح، التقوى، الخشوع، الضيق، الطمأنينة، القسوة، اللين، الوسوسة. وهناك من الآيات ما تشير إلى إثمه، وإلى امتحانه؛ وإلى أمراضه ومنها: اللهو، الغفلة، الغل، الغيظ، الكِبْر، النفاق.. وأخرى تشير إلى انفعالاته ومنها: الألفة، التنافر، الحسرة، الخوف، الرأفة، الرحمة، الريبة، الزيغ، الغلظة.. كما تشير آيات أخرى إلى تدبره؛ وإلى تذكره؛ وإلى حجابه؛ وإلى رؤيته؛ وشفاؤه.. وأخرى تدل على صفاته فهناك القلب السليم، والقلب المنيب، والمطبوع عليه حتى لا يفقه شيئا.. وغيرها تدل على طهارته؛ وعلى ظنه السيء؛ وعلى عدم تعدده فهو قلب واحد؛ وعن عذابه في الآخرة، وعلم الله بما فيه؛ فهو مركز الإيمان، ومركز الكفر، وعن هدايته؛ وآيات تشير إلى ارتباطه بأشياء أخرى كالقلب والحواس ، والقلب والعقل ، والقلب والعلم ، والقلب والفقه ، والقلب والكسب ، والقلب والمسؤولية.. بل وهناك الآية التى تشير إلى عقل القلب وكأنه إنسان مستقل بذاته: “أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ” (الحج / 46) ..

ومن يطالع كل هذه الآيات بكل ما تحمله من معانى وانفعالات يدرك أن القلب، كما يتناوله القرآن الكريم، هو العضو الأساس في منظومة الإنسان وليس العقل.. أو لعلهما عضوان متكاملان في قيادة وظائف الإنسان المختلفة والمتداخلة.. ولا شك في أن العلوم الحديثة المتعلقة بالقلب البشرى سوف تضيف لبناتها الجديدة في هذا المجال، فما أحوجنا إليها.

بل تشير بعض الأبحاث الطبية الحديثة، المتعلقة بعمليات نقل القلب، إلى تغيرات واضحة تطرأ على المريض الذي تم تركيب قلب إنسان آخر في صدره، وكلها مظاهر تكشف عن تغييرات جذرية تخالف أو تناقض ما كانت عليه طبيعة تصرفات وأخلاقيات ذلك الإنسان قبل استبدال قلبه.. والطريف في هذه الأبحاث أنها تشير دوما إلى عجز الأطباء في الغرب عن فهم السبب في تلك التغيرات التي تطرأ على المريض نتيجة للقلب الجديد!

 وفى واقع الأمر، ما أكثر الآيات التي بحاجة إلى تقدم العلوم لندرك مزيدا من عمق معانيها أو شدة دقتها. فعلى سبيل المثال آية “إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها” (البقرة /26). تتفق التفاسير القديمة على أن البعوضة هنا إشارة إلى الصِغر في الحجم وإلى ما هو أقل من البعوضة. لكن العلم الحديث أثبت في السنوات القليلة الماضية أن البعوضة تحمل على ظهرها دوما حشرة لا تُرى بالعين المجردة، أي أن فوق البعوضة حشرة آخري أصغر منها بكثير.. وتلك تعد إضافة جديدة في المعنى وفى العلم.

 أو آية “كل نفس ذائقة الموت”..  ونعلم جميعا من نص القرآن أن الإنسان مكون من روح، ونفس، وجسد.. والنص القرآني يحدد “أن كل نفس” ذائقة الموت! فهل ذلك يعنى أن الروح بحكم أنها دائمة لا تموت، لن تشعر بالموت، وأن الجسد الذي هو أصلا من التراب و سيعود إليه، وبالتالي فهو كجسد لا يشعر بشيء، وأن النفس وحدها هي التي تذوق الموت بكل ما يواكبه من آلام و معاناة أو كل ما يتعلق بالموت ولا نعرفه؟

 لا شك أننا بحاجة دائمة إلى التقدم العلمي لنفهم المزيد من حكمة الله سبحانه وتعالى، و فهم المزيد مما أمدنا به من معلومات علينا أن نرقى إليها وإلى مستواها المعرفي، ومنها “عالم الغيب”، الذى بدأ الغرب يتناوله في العديد من مجالاته، وما أكثر الإشارات إليه في القرآن، لكننا ما أوتينا من العلم إلا قليلا.. إلا أنه في هذا المجال تحديدا يتوقف الباحث المسلم متحججا بالآية ” يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”.. إن الله سبحانه وتعالى الذى بدأ تنزيل القرآن بفعل أمر “اقرأ”، والقراءة مرتبطة بالعلم والبحث والدراسة، لم يمنعنا من النظر في أمر الروح لكنه أشار إلى أن ما لدينا من علم بشأنها قليل.. وهذا التحديد من الأجدر أن يحثنا على مزيد من البحث وليس على التقوقع والجمود!

ومن هنا ندرك أهمية مواصلة الاطلاع على التقدم العلمي والعودة إلى تأمل نص القرآن الكريم والخروج برؤية أو بمعلومة تفسيرية جديدة. فالنص ثابت، منزّل من عند الله، لا يجب ولا يجوز المساس به على الإطلاق. لذلك نرفض ما يطالب به الحداثيون الغربيون ومن يسير في ركابهم من المسلمين، وما يطالب به المستشرقون وعلى رأسهم جاك بيرك، الذي يطالب بإصرار في المقدمة التي ذيّل بها لترجمته بضرورة إخضاع نص القرآن للعلوم الألسنية الحديثة ويطالب بتغيير النص القرآني وتحديثه ليتمشى مع مطالب العصر الحديث!! وللأسف الشديد يجد من بين المسلمين من يهللون له ويؤيدون تلك الصيحات التدميرية للنص الوحيد المنزّل من عند الله والباقي بلا أي تغيير إلى يوم الدين..

وهنا لا بد من التأكيد على أن ما يجب القيام به هو تجديد اسلوب تناول فهم وشرح وتقديم القرآن الكريم والتعريف به بناء على تقدم العلوم في مختلف المجالات. فهذا التقدم العلمي الذي نواكبه في حياتنا لم يكن موجودا فيما مضى أيام كبار المفسرين، وهذا هو التجديد الذي يجب علينا القيام به وإضافته إلى رحاب المعارف والتفاسير السابقة.. وهذا هو ما فعله الدكتور محمد أبو العلا في بحثه هذا ببساطة ووضوح، فقد أشار مثلا إلى أن المضغة تمثل مرحلة عابرة في تطور الجنين وليست مرحلة ثابتة في حد ذاتها، وطرح رؤية جديدة بالنسبة للظلمات الثلاث التي يتكون فيها الجنين، وإضافة أخرى في تناول كلمتي “الصلب والترائب”، كما تعرّض للعديد من القضايا التي لا يزال النقاش دائرا حولها، سواء لها أو عليها..

 فهو طوال البحث يتناول موضوع الجنين ويتحدث كمؤمن يستلهم إيمانه من نص القرآن، لنخرج من بحثه هذا بمزيد من الإعجاب والتقدير لقدرة الله الخلاقة، ونخرج منه بإعجاب خاشع ببلاغة التعبير الإلهي ودقة وصفه سبحانه وتعالى.. فهو القائل: “ولقد جئناكم بكتاب فصلناه على علم” (الأعراف / 52)، وهو الذي بدأ قرآنه يحثّنا على القراءة والعلم والتعلم.

 ولا أجد ما أختم به هذا التقديم البسيط إلا قوله تعالى في تشبيه مدى عمق واتساع كلمات القرآن الكريم التي لا نهاية لها أو لمعانيها :

“قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا” (الكهف /109).

                                                                

زينب عبد العزيز

17 سبتمبر 2012