الإسلام وتغيرات بنسبة 180 ْ..

 

المتابع للأحداث الجارية المتعلقة بالإسلام، من منظور الغرب الصليبي المتعصب، خاصة منذ أعلن مجمع الفاتيكان الثاني (1965) اقتلاعه وتنصير العالم بحلول الألفية الثالثة، ثم قيام مجلس الكنائس العالمي بإسناد هذه المهمة في يناير 2001 للولايات المتحدة، ثم قيامها بأحداث 11/9 المفتعلة والمصنّعة محليا، وإعلان رئيسها صراحة "شن حرب صليبية علي الإسلام" للتلفع بشرعية دولية لاقتلاعه، واستعراض كل الحروب التي شنتها ظلما وعدوانا وقتلت ملايين المسلمين ودكت آلاف المدن والقرى والبنيات وخلّفت ملايين الضحايا والمشوهين، لا بد  وأن يتساءل عن ذلك التغيير الذي نلحظه في الخطاب الرسمي حول الإسلام في هذه الآونة الأخيرة..

فبعد أن قاموا بشيطنة الإسلام والمسلمين بشتى الوسائل الإجرامية التي عاصرناها، حتى بات البعض يقول في الغرب أنه لن تقوم للإسلام قائمة بعد ذلك، ها نحن نلحظ جملة واحدة تقريبا، تتكرر لدى بعض القيادات، وهي عبارة "أن الإسلام دين سلام وأنه لا يجب أن نحكم على الدين بسبب سوء تصرفات حفنة من المتعصبين". وعلى الرغم من صحة هذه العبارة، إلا أن تداولها بهذا الوضوح بعد كل ما تم من حروب مغرضة وأحداث يعد أمر لافت للنظر. وقد بدأها البابا فرانسيس بقولها وكتابتها في أحد نصوصه الرسمية؛ ثم أعلنها الرئيس أوباما حينما تحدث عن الإسلام في بالتيمور يوم 3 فبراير من هذا العام؛ ثم قالتها أنجيلا ميركل مضيفة أن الإسلام جزء من ألمانيا رغم مباركتها أو مشاركة دولتها في كل هذه الحروب؛ وأخيرا قد كررها واستهل بها خطابه في البوندستاج فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، يوم 15/3/2016. وهذا التحول، بعد كل الدمار الذي لحق بالإسلام والمسلمين شكلا وموضوعا، يدفع إلى التساؤل حتما عما وراء هذا التغيير الذي يحدث على نقيض ما جرى بزاوية 180 ْ...

 

ولا يسع المجال هنا لتناول كل ما جاء في خطاب فضيلته بالتعليق، وإنما أورد بعض النقاط علها تفيد أو تعاون على اتخاذ القرارات التي ستنجم عن اللقاءات المقبلة:

 

مساواة الرسالات الثلاثة:

الثابت تاريخيا وفعلا أن الرسالتان السابقتان على الإسلام قد تم تحريفهما ولا يزال التحريف مستمر، إذ يقوم البابا فرنسيس بتعديل بعض العقائد، العقائد وليس النصوص التفسيرية، ووقّع بيانه الذي يقع في حوالي 200 صفحة يوم السبت 19 مارس الحالي، وسوف يتم الإعلان عنه بعد أعياد الفصح.. ونفس الشيء بالنسبة لليهودية إذ احترقت التوراة المنزّلة سنة 70 م عند حرق وهدم المعبد وأعيدت كتابتها من الذاكرة على مر السنين والقرون وفقا للأهواء.. والغرب المتعصب بأغلب أتباعه، يعرفون ذلك تماما، فلا يجوز وضع الرسالات الثلاث على مستوى واحد وإنما يجب توضيح أن القرآن الكريم قد جاء مصوّبا وفاضحا لهذا التحريف وأمرنا بالإيمان بتلكما الرسالتين كما أنزلهما المولى عز وجل علي موسى وعيسى عليهما السلام، وليس بوضعهما الحالي.

الحوار بين الأديان والمطالبة بتفعيله:

لا بد من الأخذ في الاعتبار مفهوم الحوار في النصوص الكنسية، خاصة ما أصدره منها مجمع الفاتيكان الثاني (1965) الذي لم يبخل في تحديد معناه، موضحا "أنه وسيلة لكسب الوقت حتى تتم عملية التنصير والغرس الثقافي والمفاهيم الدينية المسيحية في البلدان الإسلامية وغيرها". ذلك لأن قرار تنصير العالم الذي أصدره مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، هو "قرار لا رجعة فيه" كما يتشدق بها كافة الباباوات الذين تلو ذلك المجمع.

وما يدور حاليا من محاولات لتوحيد الأديان في لقاءات الأستانا بكزاخستان، خدمة للنظام العالمي الجديد، يستوجب ادراكه واستيعابه لكيلا نقع في جريمة "تعديل النص القرآني" وحذف آيات الجهاد والقتال وكل ما لا يروق الغرب الصليبي المتعصب. وكان الأجدر بنا التعريف بأسباب النزول بجميع اللغات ونشرها على العالم، بدلا من التغني بسماحة الإسلام التي لا يجهلها أي إنسان. وقد سبق وتناولت موضوع الأستانا في مقال بعنوان: "النظام العالمي الجديد ودين أستانا"

ما يتم الإعداد له في أستانا:

معروف أن المؤتمرات التي يعقدونها بين كبار الساسة والزعماء الدينيين تتم كل ثلاث سنوات وكان أخرها في يونيو 2015. كما تدور بين انعقادها لقاءات لمجلس أمناء "مؤتمر قادة العالم والديانات التراثية"، واللقاء المرتقب سيتم يوم 31 مايو 2016، أي في نهاية هذا الشهر، سيحضره برلمانيون وممثلون عن العالم وعن الديانات التراثية وخبراء. وذلك تحت عنوان: "الأديان ضد الإرهاب". وسيكون هذا اللقاء مرحلة جديدة في الحوار بين الزعماء السياسيين ورجال الدين. واللقاء القادم لأمانة المؤتمر سينعقد في يونيو 2016، أي بعد ثلاثة أشهر، عشية لقاء المؤتمر الدولي "الأديان ضد الإرهاب" بمساهمة برلمانيين دوليين ورجال دين ذوي سلطة وخبراء في الدراسات الإسلامية. واللقاء يتم لتقديم الاقتراحات لتفعيل أعمال "المركز الدولي للثقافات والأديان" بالتضامن مع "تحالف الحضارات بالأمم المتحدة" ومؤسسات أخرى.. والإصرار على تسمية الأديان بعبارة "الديانات التراثية" وليس "الديانات المنزّلة" يلغي عن الإسلام صفة التنزيل ويضعه في سلة الأديان التراثية !

الإسلام والإرهاب:

ليس بخفي على أحد، في يومنا هذا، من هو الذي صنع الإرهاب ومن ألصقه بالإسلام.. فالمعلومات لم تعد سرية وتتناقلها الجرائد والمواقع الإلكترونية.. ومطالبة صانع الشيء، بكل أدب، أن يعيد نظره فيما صنع عمدا متعمدا لا يتمشى مع ما حيك ويحاك للإسلام والمسلمين، لا يتمشى مع كل الدمار الذي لحق بالبلاد الإسلامية ودكها دكا بكل الوسائل وفي كافة المجالات، خاصة منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 الذي لم يهتم من قاموا بها من فتح التحقيقات الرسمية التي يطالب بها المجتمع الدولي رغم كافة الأدلة والبراهين.. وكأننا في مجتمع عصابات الحياة فيه للأكثر إجراما وعنفا.

"حل عادل للقضية الفلسطينية" !:

المطالبة بحل عادل للقضية الفلسطينية بعد أن استولى الصهاينة على 98 % من أرض فلسطين المغتصبة والعمل على تهويد القدس بخطى حثيثة ومحاصرة الأقصى ليصلي به المحتلون، هي عبارة مهينة الاستفزاز والتنازل، خاصة في الوقت الذي أعلن فيه نتانياهو في 28 فبراير 2016 " أن الوقت قد حان للبلدان العربية التي لها علاقات غير معلنة مع إسرائيل أن تعلن صراحة عن هذه العلاقات". وذلك في خطاب أمام قادة المنظمات اليهودية الأمريكية"، مضيفا : "أن هناك بلدان عربية كبرى تغيّر من رأيها تجاه إسرائيل، ولم تعد ترى إسرائيل كعدوّ لها، وإنما تعتبر إسرائيل كأحد حلفائها، خاصة في المعركة ضد الإسلام المناضل بمنهجية.. وقد حان للبلدان العربية السنية أن تكشف عن علاقاتها بإسرائيل. فالسعودية العربية رئيسة المملكة البترولية والعدو اللدود للنظام الإيراني، لم تعد تخفي تعاونها مع الدولة العبرية، سواء على المستوى السياسي أو العسكري، بمساندة حليفها الأمريكي". ويا له من مطلب مهين..

من ناحية أخرى يقوم الوليد بن طلال بقيادة عملية التطبيع مع إسرائيل، معلنا في تصريح له بجريدة عكاظ السعودية: "على العرب أن يتخلوا عن فظاظتهم تجاه الدولة اليهودية" ، معلنا أنه ينوي القيام بالحج للمسجد الأقصى لمدة أسبوع وأنه "يتعين على كل أخوتي وأخواتي المسلمين أن يدركوا أنها ضرورة معنوية أن يقوم العرب بالتخلي عن عدائهم للشعب اليهودي".. "وأن جلالة الملك قد أعطاه التعليمات لإقامة علاقات صداقة مع جيراننا الإسرائيليين".. واللهم لا تعليق.

لقاء بابا الفاتيكان:

من الغريب أن يتطلع فضيلة الإمام الأكبر إلى لقاء بابا الفاتيكان بعد كل ما تفوه به ضد الإسلام والمسلمين، فهو لم يختلف عن سابقه بنديكت 16 الذي سب الإسلام زورا وبهتانا، مستعينا بنصوص تلفيقيه، ولم يعتذر عن خطأه ضد الإسلام والمسلمين، وإنما اعتذر عن رد فعل المسلمين تجاه الحقائق التي تفوه بها !!.. فجميع الباباوات الذين تعاقبوا على منصب الباباوية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1965) لم يغيروا موقفهم من قراراته وإنما يسيرون على خطاها وعلى قراراتها أيا كان الثمن. ورغم تصريحات البابا فرنسيس المتكررة بأنه لا خلاص للبشر إلا بالمسيح، وأن تنصير العالم قرار لا رجعة عنه ولا نقاش فيه، فما الذي يتوقعه فضيلة الإمام من شخص لا يعنيه حتى تحريف عقائده طالما تتمشى مع مطالب النظام العالمي الجديد ويخدم مصالحه.

ألم يحن الوقت بعد لندافع عن ديننا بصراحة والا نخشى إلا الله عز وجل ؟ فعبارات الغرب الصليبي المتعصب مثلها مثل أفعاله، شديدة الوضوح ولا تحتاج إلا إلى تعامل بنفس الوضوح والصراحة، وليس الاستجداء المنكسر وكأننا نتسول.. فلا معنى لتلك العبارات التي دارت في الآونة الأخيرة، من مدح الإسلام والفصل بينه وبين الإرهاب أو "أفعال بعض المتطرفين" كما اختصروها، على لسان بعض المسئولين، إلا نوع من "الطبطبة" المبتذلة، لتسهيل عملية الحصول على التنازلات المطلوبة في وكر أستانا، خدمة للنظام العالمي الجديد الذي لم يعد ينقصه سوى تنفيذ مخطط توحيد الأديان..

 

ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين..

 

                                                                                   

زينب عبد العزيز

19 مارس 2016