مجمع نيقيه الأول

 

 

الإمبراطور قسطنطين يترأس مجمع نيقيه

 

في يوم 20 مايو 2016 يمر 1691 عاما على انعقاد مَجْمَعْ نيقيه الأول، الذي انعقد من 20 مايو إلى 25 يوليو سنة 325، وأقر وأسس المسيحية الكنسية. وقد دعي إليه الإمبراطور قسطنطين الأول، وامتد النقاش والجدل فيه لمدة شهرين وخمسة أيام، وانتهي بتحوله إلى محكمة أدانت وحرمت ونفت القس أريوس. وهكذا تولدت السلطة القيصرية الدينية والخلط بين الشئون الدنيوية والشئون الدينية على أيدي الأباطرة، كما تولد أول استخدام للفصل والحرمان.

قسطنطين الأول:

أدرك قسطنطين الأول تقدم المسيحية وانتشارها البطيء بين شعوب الإمبراطورية خاصة في آسيا الصغرى وفي شمال إفريقيا. وكان له حلم يراوده، إذ كل ما سعي إليه سياسيا هو توحيد الإمبراطورية على اتساعها. وبتخليه عن سياسة القمع والاضطهاد التي كان يتبعها من سبقوه في الحكم، قرر قسطنطين الاعتماد على الديانة الجديدة لتدعيم فكرة توحيد الإمبراطورية. فأصدر يوم 13 يونيو سنة 313 ما عُرف باسم "مرسوم ميلانو" الذي سمح بممارسة العقيدة المسيحية، بحيث جعل المسيحيين ينضمون إليه ويساندونه.

وهذا التغيير الجذري غير المتوقع، خاصة بعد موجة "الاضطهاد الكبير" التي بدأت قبل ذلك بعشر سنوات لمحاربة المسيحيين، يمثل إدخال عنصرا جديدا في المجتمع الروماني وهو: السماح بالتعايش بين كافة الديانات، بما فيها المسيحية الوليدة. وهو ما يمثل تغيراً في الموازين، إذ بدأت المسيحية تفرض سلطانها على الامبراطورية الرومانية بالتدريج. وكانت النخبة الثقافية والإدارية هي أول من اعتنق المسيحية، مما أدى إلى انضمام المجال السياسي، ثم تبعه باقي تدرجات المجتمع.

إلا أن قسطنطين قد انتابه القلق وخشي أن يؤدي الانقسام الذي أحدثه مذهب أريوس في الإسكندرية، ونجاح الأريوسية، أن يطيح بوحدة الإمبراطورية. فقام بجمع مَجْمَعا مسكونيا في مدينة نيقيه، في 20 مايو 325. وضم المَجْمَعْ أساقفة من كل أنحاء الإمبراطورية الرومانية، وانعقد بحضور ممثلين من أسقفيات روما والإسكندرية وإنطاكيا والقسطنطينية والقدس تحت رئاسة قسطنطين. ويختلف عدد الأساقفة الذين حضروا الاجتماع وفقا للمرجع، من 200 إلى 318، وهو الرقم الذي تبنته الكنيسة عند صياغتها عقيدة الإيمان.

وبعد المَجْمَعْ، سارع قسطنطين بتقديم مبالغ طائلة من الذهب والفضة إلى كنيستي روما: القديس بطرس والقديس يوحنا اللتراني، إضافة إلى تماثيل بالحجم الطبيعي من الفضة المصمتة ليسوع والحواريين. وهو ما يمثل مخالفة صريحة للوصية الثانية من الوصايا العشر: "لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض" (خروج 20 : 4)؛ أو تحذير: "ملعون الإنسان الذي يصنع تمثالا منحوتا أو مسبوكا، رجسا لدى الرب" (تثنية 27 : 15). وهي الوصايا التي قامت الكنيسة بتبني عكسها وبدلتها في مجمع نيقيه الثاني (787) لتفرض التعبير الفني الديني "كإنجيل للأميين"، ولكي تواجه به انتشار الإسلام آنذاك الذي لا تزال سرعته تثير دهشة المؤرخين ليومنا هذا.

أريوس والأريوسية:

أريوس (256 ـ 335) قس ورجل لاهوت وناسك متعبد، قد اعترض بصلابة ضد عملية تأليه يسوع، التي تخالف النصوص، والتي كانت تحاك في كواليس الكيان الكنسي. وامتدت المعركة التي أثارها طوال القرن الرابع قبل أن تقمعها الكنيسة بشراسة. كان أتباع أريوس يؤمنون بأن يسوع، ابن الله، هو أقل من خالقه، وكذلك الروح القدس. ويعتبرون المسيح كنائب موجود بين الله والبشرية. أما أنصار التأليه فيرون أن الابن من نفس جوهر الآب ومماثل له تماما. وهو ما أدى إلى عبارة معركة "تأليه يسوع"، الذي تحول خلالها من "نبي مقتدر" وفقا للأناجيل، إلى "الله" نفسه وفقا للكنيسة.. وقد نصرها قسطنطين على الأريسيين.

وقد شعر عدد كبير من الأساقفة الشرقيين بالغضب والإحباط من عقيدة الإيمان الصادرة عن مجمع نيقيه بأمر من الإمبراطور قسطنطين. وامتد الخلاف بين الفريقين حتى مجمع خلقيدونيا المنعقد سنة 381، والذي ابتدع المساواة التامة بين الله والابن والروح القدس، وهو ما عُرف باسم "الثالوث" وتم فرضه على كل الإمبراطورية.

غير أن الأباطرة الذين توالوا بعد قسطنطين عادوا إلى الأريوسية وكذلك معظم الشعوب الچرمانية الذين انضموا إلى الإمبراطورية كشعوب متآلفة. وظلت شعوب الڤيزيجوت في هسبانيا تابعة للأريوسيه حتى أواخر القرن الخامس، أما اللومبار فظلوا عليها حتى أواخر القرن السابع.

عقيدة الإيمان الصادرة عن المجمعين:

1 ـ نيقيه الأول سنة 325:

"نؤمن باله واحد، الآب القدير، خالق كل الكائنات المرئية وغير المرئية؛ ورب واحد يسوع المسيح، الابن الوحيد لله، المولود من الآب، أي من نفس كيان الآب، إله من إله، ونور من نور، إله حقيقي من إله حقيقي، مولود وليس مخلوق، من نفس مادة الآب، ومنه تم كل شيء في السماء وعلى الأرض. والذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وجعل نفسه بشرا؛ وتألم وبُعث في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وسيأتي للحكم على الأحياء والأموات؛ ونؤمن بالروح القدس.

"ومن يقولون: كان هناك زمنا لم يكن موجودا فيه: قبل أن يولد، لم يكن، وأنه استحدث من العدم، وأنه من كيان أو من جوهر مختلف وأنه مخلوق، وإن ابن الله متغير وموضع تبديل، فإن الكنيسة الكاثوليكية والرسولية تلعنه وتحرمه".

2 ـ القسطنطينية الأول 381:

"نؤمن بإله واحد الآب القدير، خالق السماء والأرض وكل الأشياء المرئية وغير المرئية، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد المولود، المولود من الآب قبل كل القرون، نور من نور، اله حقيقي من اله حقيقي، مولود وليس مخلوق، من نفس كيان الآب، الذي عمل كل شيء، والذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السموات وتجسد بواسطة الروح القدس ومريم العذراء وجعل نفسه بشرا؛ وتم صلبه من أجلنا أيام بونس البنطي، وتعذب وتم دفنه، وبُعث في اليوم الثالث وفقا لما تقوله النصوص، وصعد إلى السموات، ويجلس عن يمين الآب وسيعود ممجدا ليحاكم الأحياء والأموات؛ وحكمه لا نهاية له؛ ونؤمن بالروح القدس، الذي هو رب ويمنح الحياة، ومنبثق من الآب، وهو يُعبد ويُمجد مشاركة مع الآب والابن، وتحدث عن طريق الأنبياء؛ ونؤمن بكنيسة واحدة، كاثوليكية ورسولية. وأقر بتعميد واحد للتكفير عن الخطايا؛ وأنتظر بعث الأموات والحياة في العالم الآتي. آمين".

3 ـ الصياغة المعدّلة التي تستخدمها الكنيسة في الطقس:

"أؤمن باله واحد، الآب القدير، خالق السماء والأرض، الكون المرئي وغير المرئي.

"أؤمن برب واحد، يسوع المسيح، الابن الوحيد لله، مولود من الآب قبل كل القرون؛ انه إله، مولود من إله، نور من نور، إله حقيقي، مولود من الإله الحقيقي، مولود وليس مخلوق، من نفس طبيعة الآب، وبواسطته كل شيء تم. ومن أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء؛ ومن الروح القدس، اتخذ لحما من مريم العذراء، وجعل نفسه بشرا. تم صلبه من أجلنا أيام بونس البنطي، تعذب من آلامه ووُضع في القبر. بُعث في اليوم الثالث، وفقا للنصوص، وصعد إلى السماء؛ انه جالس عن يمين الآب. وسيعود ممجدا، ليحاكم الأحياء والأموات؛ وحكمه لا نهاية له.

"وأؤمن بالروح القدس، الذي هو رب ويمنح الحياة؛ وهو ينبثق من الآب والابن. ومع الآب والابن يتلقى نفس العبادة ونفس التمجيد؛ وتحدث عن طريق الأنبياء. أؤمن بالكنيسة، واحدة، مقدسة، كاثوليكية ورسولية. واعترف بتعميد واحد من أجل غفران كل الخطايا. أنتظر بعث الأموات، والحياة في العالم القادم. آمين"

تعليق واجب:

أترك للقارئ عناية استخراج تفاصيل كل الاختلافات بين هذه الصيغ الثلاث، إلا أنني ألفت النظر إلى أن عقيدة إيمان نيقيه لا تشير نهائيا إلى الصلب، حيث ان يسوع قد "تألم" فقط، والتألم لا يعني الصلب أبدا. كما لا توجد إشارة إلى القبر. وعقيدة الإيمان الثانية حسمت فكرة مولد المسيح، وأنه وُلد عن طريق الروح القدس ومريم العذراء، وان يسوع قد اتخذ لحما من مريم العذراء، وذلك قد يعني ضمنا أنه استعار منها بعض اللحم وأنه لم يكن في بطنها. وهو ما كان بعض الأتباع يتساءلون حوله. الأمر الذي تم تعديله بعد ذلك بقرون بفرض عقيدة "عذرية مريم الدائمة" مع توضيح أنها كانت "عذراء" قبل وأثناء وبعد الوضع"!!

النتائج المنطقية الناجمة عن ذلك:

أول ملاحظة لا يمكن تلافيها من هذه الصياغات المختلفة أنها تثبت يقينا أن تكوين المسيحية قد تم عبر الباباوات والمجامع، واستبعاد فكرة التنزيل تماما. وهو ما يحتم إعادة النظر في هذه النصوص وكل المخطوطات بدلا من محاولة فرض مثل هذه المسيحية على العالم.

إن عملية تحليل النصوص باتت ضرورة ملحّة حيث أن حوالي خمسة آلاف مخطوطة باليونانية تتضمن العهد الجديد، كاملا أو جزئيا، بحاجة إلى المراجعة. وهو ما يطالب به العلماء حاليا. لذلك يؤكد مارسيل متزجر الأستاذ بكلية اللاهوت الكاثوليكي في مدينة ستراسبورغ، موضحا: "ان ضرورة تحليل نصوص أسفار العهد الجديد ناجمة عن أمرين: (أ): لم يعد يوجد أي نص أصلي على الإطلاق؛ (ب): النسخ الموجودة تختلف عن بعضها البعض تماما. وهذه حقائق يجب أخذها في الاعتبار خاصة حينما نجد بعض أنصار قبول النص الحالي للكتاب المقدس، وهم غير قادرين على قراءة اليونانية، يؤكدون أن العهد الجديد لا توجد به أية أخطاء"!

الأمر الذي جعل بارت إيهرمان، الأستاذ بجامعة شمال كارولاينا والمتخصص في العهد الجديد وعمليات فساد النصوص وتحريفها، يؤكد في كتابه المعنون (Forged) "محرف" (2011)، قائلا: "إن الكتاب المقدس لا يتضمن عدم الدقة أو بعض الأخطاء العفوية فحسب، أنه يتضمن أيضا ما يصفه اليوم كل الناس فعلا بأنها أكاذيب" (صفحة 5).

ونذكر على سبيل المثال بعض الفقرات التي يعلن فيها يسوع عن عودته الوشيكة قائلا للحواريين: "الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة" (مرقص 9 : 1). وهل لي أن أضيف تلك الحقيقة المحرجة التي قد لا يفهم تضاربها إلا عدد قليل: فإن كان على يسوع أن يعود بتلك السرعة التي قالها ويشاهد عودته نفس الأشخاص الذين يخاطبهم، فلم يكن أحدا منهم بحاجة إلى العهد الجديد برمته!! وهي مقولة أكدها بولس قائلا: "فإننا نقول لكم هذا بكلمة الرب أننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لا نسبق الراقدين" (1 تسالونيكي 4 : 15 ). لذلك أوضح بارت إيهرمان في كتابه المذكور بعاليه: "أنه منذ القرن الأول وحتى القرن الواحد والعشرين، هناك قوم يصفون أنفسهم بأنهم مسيحيون، رأوا أنه من المفيد أن يفبركوا ويحرفوا ويزيفوا النصوص، في أغلب الأحيان، لكي يؤكدوا السلطة التي كانوا يريدون فرضها على الآخرين".

وهو ما نخرج به أيضا من نسج عقائد الإيمان الثلاثة، وهو أيضا ما يبرر ذلك الكم المهول من الانتقادات التي توالت منذ بداية تكوين المسيحية. ونذكر منهم على سبيل المثال فرونتون، ولوسيان دي ساموزات، وسيلس، وبورفير، ويتواصل النقد حتى يومنا هذا. وكلها انتقادات تؤكد بوضوح وبالوثائق، عملية الخلط وعدم الأمانة. الأمر الذي لا يقبله أي شخص لأنها بدعة مزيفة. بل كل تكوين العقائد اللاهوتية وعقائد الإيمان بحاجة إلى مراجعة لأنها مزيفة محرفة.

 

زينب عبد العزيز

3 مايو 2016