أمنيات بابا الفاتيكان للسلك الديبلوماسي

وفرية إفتتاح "سفارة فلسطين"

 

 

لقد جرى العرف على أن يلتقي البابا فرانسيس، رئيس الفاتيكان والكرسي الرسولي، بأعضاء السلك الديبلوماسي المعتمدون لديه، في أول يوم عمل من العام الجديد، بعد الأعياد. وفي خطاب طويل على غير العادة تناول البابا يوم 9 يناير 2017 أهم الملفات الدولية في نظره، ومنها قضايا المهاجرين ونزع السلاح والصراع ضد التغيرات الطبيعية وضرورة القيام بتصرفات شجاعة من "أجل السلام" في فنزويلا والشرق الأوسط وليبيا والسودان وإفريقيا الوسطى والكونغو وسوريا وأوكرانيا وقبرص".. إلا أنه قد بدأ هذه القائمة الطويلة من الصراعات والدمار بالإسلام والمسلمين، ليسهب في إدانة الإرهاب والإرهابيين، فلا يوجد حاليا، في نظره وعلى الصعيد العالمي، سوى الإرهاب الإسلامي الذي ابتدعوه هو وعبارة "القتل باسم الدين" التي أصبحت عبارة نجدها في كافة النصوص المتعلقة بهذا المجال !!

لذلك أفرد البابا عدة فقرات لهذه الجزئية، وأصر على تكرار ندائه "لكافة السلطات الدينية" أن تتحد لتذكّر بقوة أنه لا يمكن القتل "باسم الله"، فلا دين في نظره يقتل في الدنيا مثلما يفعل ذلك "الإسلام" الذي ابتدعوا له فرق وأسماء من قبيل "داعش" و"ايزيس" ليطيحوا بواسطتها الإسلام والمسلمين ! والغريب أنه ما من ديانة اجتثت الملايين من البشر، على مر العصور، مثلما اجتثت المسيحية الحالية منذ أن اختلقوها لتبدأ حروبها باسم "الرب يسوع" الذي ابتدعوه.. ولم تفت البابا الإشارة إلى الحرب العالمية الأولى "التي أدت إلى تصاعد الأيديولوجيات"، ـ ويقصد بها الثورة البلشفية وما أدت إليه فيما بعد من تكوين الاتحاد السوفييتي الذي قرر الفاتيكان، في مجمعه العالمي الثاني، أن يقوم باقتلاعه في عقد الثمانينات. وقد انهار الاتحاد السوفييتي فعلا سنة 1991 بالتوافق بين المخابرات المركزية الأمريكية والفاتيكان وجورباتشوف، وكلها أحداث ثابتة وباتت معروفة بالتفصيل.

كما طالب البابا القادة السياسيين أن يجتهدوا عن طريق "سياسات اجتماعية مواءمة لتفادي تكوين الظروف التي تصبح أراض خصبة لتدفق الأصوليين". وأكد على ضرورة ان يكون الاعتماد على "الحوار الصادق بين العقائد المختلفة". وتجدر الإشارة هنا إلى أن البابا دأب على استخدام كلمة "عقائد" للديانات الأخرى سوى مسيحيته، فكل ما عداها عقائد لا ترقي لمستوى "ديانته" التي ابتدعتها المؤسسة القائم عليها. ويواصل البابا قائلا: "بكل أسف نحن مدركون اليوم، ان التجربة الدينية بدلا من أن تنفتح على الآخرين تُستخدم حاليا للانغلاق والتهميش والعنف، وأعني تحديدا الإرهاب الأصولي الذي حصد من الضحايا، العام الماضي، في عدة بلدان كأفغانستان وبنجلادش وبلجيكا وبوركينا فاسو ومصر وفرنسا وألمانيا والعراق ونيجيريا وباكستان والولايات المتحدة الأمريكية وتونس وتركيا. أنها تصرفات قبيحة، تستخدم الأطفال للقتل كما في نيجيريا، كما في نيجيريا. وهم يستهدفون من يصلّي، كما في الكاتدرائية القبطية في القاهرة، أو ببساطة من يسير في طرقات المدينة، مثلما في تونس وبرلين، أو ببساطة من يحتفلون بالعام الجديد كما في تركيا".

ويواصل البابا تصعيده للهجوم على الإسلام دون أن يذكره تحديدا، فالعبارات واضحة :

"أنه الجنون القاتل الذي يسئ استخدام كلمة ألله ليبرر الموت، في محاولة لتأكيد الرغبة في السيطرة والحكم. لذلك أناشد كافة السلطات الدينية لتتحد وتذكّر بقوة أنه لا يمكن أبدا القتل باسم الله، فالإرهاب الأصولي ثمرة الافتقار الشديد للقيم الدينية، التي كثيرا ما يرتبط معها الفقر الاجتماعي الشديد. ولا يمكن هدم هذا الجنون إلا بمساهمة كافة القادة الدينيين والسياسيين. المجموعة الأولى عليها التعريف بالقيم الدينية التي لا ترى تعارضا بين خشية الله وحب القريب. والمجموعة الثانية عليها أن تضمن في المجال العام الحق في اختيار العقيدة". وهذه العبارة تحديدا تعني في نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني وغيره: "حرية تغيير الديانة دون ان يصاب الشخص بأي أذى".. فالمطلوب من المسلمين ان يتمكن من يود منهم تغيير ديانته ألا يتصدى له أي شخص أو أية هيئة بأي نوع من الأذية أو الإهانة.. وهذه بعضا من المهام المطلوبة من الدول المسلمة في نظر الفاتيكان.

ويواصل البابا في الفقرة التالية موضحا: "وفي هذا الصدد أحيي باهتمام مبادرة المجلس الأوروبي بشأن البُعد الديني بين الثقافات، الذي أشار العام الماضي إلى دور التعليم في الحماية من الجمود الذي يؤدي إلى الإرهاب والتطرف العنيف. إنها فرصة سانحة للمساهمة في ظاهرة الدين ودور التعليم من أجل تحقيق سلام حقيقي للنسيج الاجتماعي من أجل العيش معا في مجتمع متعدد الثقافات". ولا داعي لإضافة الى ان بعض البلدان العربية قد بادرت بالفعل بتعديل "الخطاب الديني" توطئة لحذف آيات الحرب والجهاد والنفير بدلا من شرح أسباب نزول كل آية منها وترجمة الغرض والحكمة من تنزيلها..

 

فرية "سفارة دولة فلسطين"  

 

كان الأصدق تسميتها "سفارة بقايا فلسطين المنهوبة لدى الفاتيكان"..

 

في يوم الإثنين الموافق 14 يناير 2017، قام محمود عباس بافتتاح "سفارة دولة فلسطين" لدى الفاتيكان والكرسي الرسولي بعد ان اجتمع مع البابا فرنسيس لمدة حوالي ثلث ساعة وتبادلا التحيات والهدايا. وتقع السفارة في المبنى المقابل للفاتيكان والذي يضم سفارة كلا من بيرو وبوركينا فاسو. وأعلن موقع "زنيت" التابع للفاتيكان أن "مبادرات السلام في الشرق الأوسط كانت في قلب محادثات هذه الزيارة". ويأتي افتتاح "سفارة فلسطين" بعد أن بدأ تفعيل الاتفاق الإجمالي بين الطرفين يوم 26 يونيو 2015. وقد استقبل البابا ضيفه محدثا إياه باللغة الإسبانية..

وأضاف بيان صادر عن الكرسي الرسولي أن الحوار كان فرصة للإشادة "بالمساهمة الهامة للكاثوليك لصالح تفعيل الكرامة الإنسانية ومساعدة المحتاجين خاصة في مجال التعليم والصحة".. كما تناول الحوار "عملية السلام في الشرق الأوسط" و"عودة العلاقات المباشرة بين المتصارعين" [وليس بين المغتصبين للأرض وبين المجني عليهم] "لوضع حدٍ للعنف الذي يسبب آلاما غير مقبولة للجماهير المدنية".. لذلك طالب الحوار بينهما إلى ضرورة "إجراءات تساعد على الثقة المتبادلة وتسهم في خلق مناخ يسمح باتخاذ قرارات شجاعة لصالح السلام" و "بمساعدة المجتمع الدولي" !..

وقد تناول اللقاء أيضا: "أهمية حماية الطابع الديني للأماكن المقدسة لمؤمني الديانات الإبراهيمية الثلاث".. كما تناول ضرورة "الاهتمام خاصة بالصراعات الأخرى في المنطقة".

وكان رئيس السلطة الفلسطينية برفقته وفدا من خمسة عشر شخصا، "بينهما رجلا متزوج من أرجنتينية"،  أهدت البابا قميصا للاعبي كرة القدم بألوان علم فلسطين، كما أوضح موقع "زنيت". ولعل وجود هذه الزوجة الأرجنتينية هو ما جعل البابا يستقبلهم مرحبا باللغة الإسبانية، لغة "بلدياته" (كما نقول بالعمية)..

ومن الواضح أن البابا "متعدد الأوجه والنوايا" يضرب عدة عصافير بحصوة هزيلة واحدة اسمها "سفارة لدولة فلسطين": تثبيت الوضع الراهن للاحتلال الصهيوني لدولة فلسطين، فقد استولى الصهاينة غزوا وتدميرا واقتلاعا على 97 % تقريبا من أرض فلسطين ؛ مساواة الملايين من الضحايا والمهجّرين إجباريا من الفلسطينيين ببضعة موتى من الصهاينة الغزاة ؛ تثبيت فرية "المعبد اليهودي" الذي ثبت يقينا أن لا أثر له أسفل أو بالقرب من المسجد الأقصى على الإطلاق ؛ إلزام الفلسطينيين بقبول مفاوضات مباشرة مع المحتل الصهيوني لتقديم مزيد من التنازلات.. على مرأي ومسمع من العالم الغربي الصليبي المتواطئ في إنشاء وتدعيم الكيان الصهيوني المحتل لأرض فلسطين، وعلى مرأي ومسمع من العالم العربي والإسلامي، المشارك جهلا أم عن عمد ، في تدعيم ذلك الكيان الذي فرض عليه ربنا، سبحانه وتعالى، الذل والمسكنة الى يوم الدين لعصيانهم تعاليمه وعادوا لعبادة لعجل وقتل الأنبياء عن غير وجه حق، فوعد الأرض كان مشروطا بالاستقامة..

 

زينب عبد العزيز

15 يناير 2017