ميشيل سرڤيه

أو جبروت التعصب الكنسي

 

وُلد ميشيل سرڤيه يوم 29/9/1511 في اسبانيا، بمقاطعة أراجون، وتوفي في سويسرا يوم 27/10/1553 حرقا بقرار من محكمة التفتيش في جنيف، جاء نصه كالآتي: "نحكم عليك، ميشيل سرڤيه، بأن تُوثق وتُسحل حتى ميدان شامبيل وتُربط على عامود الفضائح وتحرق حياً، انت وكتبك المطبوعة والمخطوطة، تحرق على نار هادئة حتى يمتد عذابك ويتحول جسدك إلى رماد. وهكذا ستنتهي أيامك لتكون عبرة لمن يسلك طريقك".. وكان من الأسباب الرئيسية لهذا الحكم اللا إنساني ان ميشيل سرڤيه قد استشهد بما جاء بالقرآن الكريم لتفنيد كلا من بدعة الثالوث وبدعة تأليه السيد المسيح..

وقد كتب المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون (1737ـ1794) قائلا: "أشعر بالخزي والفضيحة حتى الأعماق من حرق ميشيل سرڤيه، أكثر مما يمكن أن تثيره الجبّانات الآدمية لكل من تم حرقهم في محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال".. وكم من عبقري أحرقتهم الكنيسة للحفاظ على ما قامت ولا تزال تقوم به من تحريف، إلا انه ما من ضحية في التاريخ قد أدانت مرتكبيها بالقدر الذي أدانه حرق ميشيل سرڤيه ومؤلفاته.

ويا لها من فضيحة، في قمة ما يزعمون أنه "عصر النهضة الإنسانية والفكرية"، يتم حرق إنسان عالم لاهوتي وطبيب، في الثانية والأربعين من عمره، لآرائه المخالفة للتحريف السائد والثابت فعلا، وتسحقه أعنف آلة لاهوتية وبوليسية في ذلك العصر.. وعلى الرغم من مرور خمسمائة وستة أعوام على حرق ميشيل سرڤيه حياً، "على نار هادئة ليمتد عذابه"، فقد أثبتت الأيام وكل ما تم من أبحاث كنسيين أو مدنيين شرفاء أن كل ما جاء به ميشيل سرڤيه ثبتت صحته، وهو ما أدى الى عصر التنوير وكل ما بعده من أحداث كاشفة.. ولا يزال حرقه حيا يمثل وصمة عار على جبين أكبر كنيستين، الكاثوليكية والبروتستانتية. ففي قمة عصر الإصلاح، في القرن السادس عشر، وبينما كانت محاكم التفتيش لا تزال تسيطر على أوروبا، واتته الشجاعة والثقة في النفس والإيمان الراسخ فيما يقوله من حقائق، أن يواجه المؤسسة الكنسية ويفضح ما قامت به من تحريف للعقيدة.

ويقول جورج هالداس في كتابه عن "محنة ووفاة ميشيل سرڤيه"، أنه كان طالبا أكثر من موهوب، درس اللغة العبرية واليونانية واللاتينية الى درجة الإجادة، وكرس حياته منذ الخامسة عشر لدراسة اللاهوت. لم يكن سرڤيه أول او آخر الذين تعرضوا للكنيسة ولكل ما تقوم به من تغيير للعقيدة، حتى طغت الرقع على النسيج الأصلي، لكنه استطاع التوصل في كشفه إلى النصوص الأولي وتتبع كيفية تحريفها لغويا بفضل إجادته لغاتها.

 

كتاب "أخطاء الثالوث"

يقع كتاب "أخطاء الثالوث" في 119 صفحة، وأراد ميشيل سرڤيه أن يبرز من خلاله التعاليم الأصلية الأولى حول المسيح. وقد تمكن بفضل إجادته للغات القديمة أن يقرأ النسخ الأولى للكتاب المقدس ويقارن العقائد السائدة في زمنه، القرن السادس عشر، ووجد أن عقيدة الثالوث التي تم اختلاقها في القرن الرابع بحاجة الى مراجعة بغية إلغائها تماما. وذلك من خلال النصوص الأولى والعودة الى الآباء الأقرب من الرسل والاستعانة بتحليل تطور اللغة وما تم بها من تغيير من أجل التحريف. وتأكيد أن الثالوث غير موجود بالأناجيل الأولي يعني يقينا أن الثالوث الوارد في آخر انجيل متّى (19 : 24) تمت إضافته بعد مجمع القسطنطينية الذي أقره سنة 381..

ومن أهم ما كشف عنه أن ثورة الإصلاح التي قام بها كلا من كالڤين ولوثر، تحاشت المساس بهذه العقيدة بزعم "أنها ثانوية ولا أهمية لها بالنسبة للإيمان". ولم يكن كل ما يعنى سرڤيه ابتداع عقيدة جديدة وإنما العودة إلى أصل المسيحية كما احتفظ بها وقدمها لنا القرآن الكريم. فبإنكار الثالوث وألوهية المسيح والخطيئة الأولى فقد دعّم فكر العالم اللاهوتي الإيطالي فاوستو سوسين المعاصر له والرافض أيضا للثالوث على أنه غير وارد بالأناجيل الأولى وإنما قد تم اختلاقه وفرضه لفصل المسيحية عن اليهودية التي كان يعتنقها المسيح والحواريين.

وكان ميشيل سرڤيه يصف من يؤمنون بالثالوث بأنهم "ملاحدة"، ويصف الثالوث بأنه "شيطان ذو ثلاثة رؤوس"، وأن تعميد الأطفال "شعوذة شيطانية".. فقد كان قريبا من أنصار أريوس والأريوسية الرافضة لتأليه السيد المسيح وللثالوث. وعل عكس ما تشيعه المؤسسة الكنسية حول أريوس ومذهبه الأريوسية وأنها قضت عليهما في حينها، فقد امتدت قديما حتى إسبانيا، وهناك، كما في مصر، الأريسيون هم الذين مهدوا الطريق للفتح الإسلامي لأنهم وجدوا أن المسلمين موحدون بالله ولا يشركون به أحدا..

ويقول سرڤيه عن الثالوث: "إن ثالوثكم عمل هش وجنون أو قلة عقل. تحدثوننا عن إله ذو ثلاثة أقانيم أو في ثلاثة أشخاص. ما معنى هذا الكلام؟ فلا أثر له في الأناجيل. إن الآباء القدامى غرباء عن هذه الاقوال. تقولون "ثلاثة أشخاص"، تقولون إن الله الآب يؤثر على الله الابن؛ وأن الله الابن يؤثر مع اباه أو بمفرده على الروح القدس! أي إن الله يؤثر على نفسه. يا لها من هاوية للمتناقضات.. يا لها من تركيبة من الغموض: إله يلد، وآخر مولود لكنه لا يلد، وثالث لا يلد ولم يولد !؟ وفوق هذه الآلهة الثلاثة أحدهم جعل نفسه رجلا، والآخران ظلا آلهة. احدهما تألم والآخران لم يمسهما شيء ؛ أحدهم مات والآخران ظلا على قيد الحياة.. يا لها من تركيبة غريبة لإله مكون من عدة آلهة: اله بالإضافة واله محطم واله تم تكسيره أجزاء ؛ اله مسخرة يعود بنا الى الوثنية والى "سيربير" ذو الثلاثة رؤوس في الأساطير القديمة"..

 

كتاب "تصويب المسيحية"

يقع كتاب "تصويب المسيحية" في 734 صفحة، ولم يكن ثورة فردية بقدر ما كان أحد النتائج الحتمية للموار الفكري والديني الذي اعترى القرن السادس عشر، والتيارات الفلسفية للقدامى وخاصة الأفلاطونية وحركة الإصلاح التي قام بها كلا من لوثر وكالڤين. وإن كانا قد قاما بتغيير القداس، وألغيا عبادة القديسين، وحرما عبادة الصور، كما ألغيا خمسة طقوس، وصكوك الغفران والمطهر. ومهما بدت هذه الإصلاحات "ثورية" شكلا، إلا أنها لم تمس عقيدة تأليه السيد المسيح ولا بدعة الثالوث، وعقيدة الخلق. وعقيدة التجسد هي أكثر أهمية مما قاما بتغييره. وقد كتبه سرڤيه ردا على كتاب كالڤين "المؤسسة المسيحية" الذي تحدث فيه كأحد آباء الكاثوليكية. أي إن حركة الإصلاح لم تأت بإصلاح حقيقي. وميشيل سرڤيه هو أول من تجرأ فعلا لتصويب العقيدة والرجوع بها إلى الأصول التي تحدث عنها السيد المسيح، ذلك النبي المقتدر الذي زيفوا حياته ورسالته.

ولم يكن ميشيل سرڤيه بدعة متفردة وما أكثر الذين اعترضوا على ما تقوم به المؤسسة الكنسية. فلقد سبقه قديما على سبيل المثال لا الحصر، كلا من سابليوس وبركسيه وأوطيخي وأوريچين أو آموري دي شارتر ودافيد دينان في العصور الأقرب. وما أكثرهم فعلا وجميعهم مهدوا الطريق لميشيل سرڤيه.

وفي هذا الكتاب يدعو ميشيل سرڤيه المسيحيين لإعادة بناء مسيحيتهم وإيمانهم بناء على المعرفة الحقة بالله وبالسيد المسيح اعتمادا على النص الأول للمسيحية وليس على عقائد نسجتها السلطة الكنسية، اعتمادا على اللغات الأصلية للنصوص والتاريخ. وقد اعترض على تعاليم لوثر وكالڤين، متناولا عرضا جديدا للخطيئة الأولى والتعميد والختان. كما انتقد سرڤيه فكرة "الأرض الموعودة لبني إسرائيل". وهو ما اعتبره كالڤين أثناء المحاكمة "تجديفا ضد الكتاب المقدس".. وإن كان يكشف منذ أي وقت تقف الكنيسة بجانب الصهاينة..

كما ان كافة النقاط الواردة في كتاب "تصويب المسيحية" تناقض فكر كالڤين وتفنده، اعتمادا على ما جاء في القرآن لتفنيد عقيدة "الخطيئة الأولى". وقد قدم عشرون دليلا من الكتاب المقدس تفند "تعميد الأطفال"، كما رفض أن يكون للكنيسة أية سلطة دنيوية، على عكس ما كانت تقوم به المؤسسة الكنسية ولا تزال " تقوم بغرس الكنائس في كل مكان". فكلمة كنيسة غير واردة بالأناجيل الأولي، والسيد المسيح قال ان تكون الصلاة في الغرفة (متّى 6: 6).. وتحوير كلمة "الجمعية" (إكليزيا) معروف وثابت لغويا لاختلاق كلمة "كنيسة" التي لا يعرف عنها السيد المسيح شيئا..

ولقد أوضح ميشيل سرڤيه قائلا: "على المسيحية أن تصحح خطأها الذي امتد لأكثر من ألف عام وتعود للحقيقة التي احتفظ بها القرآن حول الله الواحد الأحد وحول المسيح". ولم يتراجع أبدا عن أن بدعة الثالوث من "تعاليم الشيطان" والتي لا علاقة لها بتعاليم يسوع والحواريين. ويقول فيليب باربي في بحث بعنوان "شهود يهوه، ميشيل سرڤيه، والإسلام": "لقد درس النصوص القديمة ولم يجد أي أثر لتأليه المسيح أو لبدعة الثالوث، التي لا أثر لها في العهد القديم أو الجديد. فلقد كان المسيح يهوديا، أي موحدا بالله، وكان يبشر بملكوت الله وليس بملكوته هو. والثالوث بدعة اضافتها المجامع الكاثوليكية من ضمن ما أدخلته من بدع في مجمع نيقية الأول سنة 325 والمجامع التالية لفصل المسيحية عن أصولها اليهودية".

ومن أهم ما أوضحه ميشيل سرڤيه في هذا الكتاب: "ان يسوع لم يطلب من الأتباع الإيمان بأن دمه كان فداء لهم، أو أنه سوف يموت من أجل أخطائهم، أو بأنه المسيح ؛ ولم يقل أبدا أنه الأقنوم الثاني من أقانيم الثالوث ؛ ولا أن يعترفوا أو يصوموا أو حتى يلتزموا بيوم السبت ؛ كما لم يتوعدهم بالجحيم أو يعدهم بالسماء ؛ ولم يقل أبدا أنه سوف يُبعث يعد موته بثلاثة أيام ؛ ولم يطلب من الأتباع الإيمان بأنه وُلد من عذراء ؛ أو الإيمان بأن النصوص منزلة أو أنها خالية من الأخطاء والمتناقضات".. كل ذلك غير وارد بالنصوص الأولى.

 

ميشيل سرڤيه والإسلام       

في محاضرة ألقاها چوم دي ماركوس، يوم 27/10/2007، بدأ بتوضيح "ان ميشيل سرڤيه لم يكن ينظر إلى القرآن على أنه خطأ في حد ذاته أو عقيدة يجب محاربتها واقتلاعها، بل على العكس، وجد أنه يعكس صورة صادقة عن المسيح والمسيحية الأولى. الأمر الذي اثار طوفان الكنائس ضده". كما أشار إلى "أنه حدد بوضوح أن المسيحية هي التي دفعت بنفسها الى الحضيض بتركها الحق والغوص في هاوية الثالوث، بينما ظل الإسلام وفيا للحق فيما يتعلق بالله، وهي عبارة كاسحة لا يمكن لأوروبا عصره أن تتقبلها وقادته إلى الحرق حيّا"..

ويوضح چوم دي ماركوس أن السنة التي تم فيها طباعة كتاب "تصويب المسيحية" تصادف أنه كان "ذكرى مرور مائة عام على سقوط القسطنطينية. وهو ما كان له آثار جمة في أوروبا وأدى إلى عصر النهضة. أما في اسبانيا فكانت ذكرى استردادها في الأذهان بينما المد الإسلامي في أوروبا قد أدى بالكنيسة الى ضرورة التأكيد على مهاجمة الإسلام وشيطنته لتثبيت المسيحية في ذهن أتباعها. وبالتالي كان لا بد للمؤسسة الكنسية التأكيد على اختلاق ما أطلقوا عليه "الجانب المتدني للإسلام"، إن لم تكن شيطنته لتثبيت إيمان أتباعها. وتزايد تشويه صورة النبي محمد، وهو ما كان قد بدأه يوحنا الدمشقي في القرن الثامن".

ويضيف دي ماركوس أن ظهور التيار البروتستانتي لم يبدل من الصورة المعادية للإسلام موضحا: "فقد خشي مارتن لوثر على المسيحية أن تُسحق أمام المد الإسلامي". واتبع كالڤين نفس الموقف المعادي للإسلام ووصف المسلمين بأنهم "منحلون ويتسببون في ضياع العديد من البشر بعقائدهم لذلك لا بد من قتلهم". وعلى العكس من ذلك فإن اللاهوتي الهولندي إيرازموس دي روتردام (1467ـ1536)، كتب قائلا: "إن المسيحيين لا يمكنهم أن يعطوا دروسا للمسلمين فيما يتعلق بالدين، بما ان المسيحيين يخلّون بالتزاماتهم بالوصايا ويقومون بأعمال بشعة"، مؤكدا أنه "يفضل مسلما مخلصا على المسيحي المزيّف" (مارسيل باتايون: "إيرازموس وإسبانيا"، ص 96 ط 2000).

وتمر الأيام والقرون كالموج الكاسح، وتجرف الحروب الصليبية المتعصبة ملايين المسلمين منذ أن أنزل الله الإسلام، تصويبا للتحريف الذي تم في الرسالتين السابقتين، وبدأ ينتشر. فمنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا تتواصل الحروب الصليبية بمسميات مختلفة دون أن تتوقف..

ويبقي السؤال ثابتا مدوّيا: الي متي ستظل تلك الأيادي التي حرّفت النصوص وزوّرتها وبدّلت رسالة السيد المسيح، الذي قال بوضوح إنه لم يأت إلا من أجل خراف بيت إسرائيل الضالة (متّى 15: 24) ثم حولت أقواله وفكره الى جريمة "تنصير العالم".. ومن "نبي مقتدر" كما تقول الأناجيل عدة مرات، جعلته إلاها، ثم "إلاها بثلاثة رؤوس"، كما يقول ميشيل سرڤيه.. فإلى متى ستظل تلك الأيادي العابثة الآثمة تحارب الإسلام وتحاول بتر الحق لتفرض الضلال والأكاذيب على العالم، وأتباعها صامتون ؟!

 

زينب عبد العزيز

28  مارس 2017