كلية الآداب والعلوم الإنسانية                                            

 

مختبر اللغة والإبداع والوسائط الجديدة               مركز الدوحة الدولى لحوار الأديان

 

      القنيطرة– المغرب                                             قطر

 

 

 

المؤتمر الدولى

 

حول دور الأديان فى تعزيز قيم المعرفة

 

الواقع والمأمول

 

يومى 4-5 ماى 2011

 

 

 

بكلية الآداب والعلوم الإنسانية

 

جامعة ابن طفيل – القنيطرة

 

المغرب

 

 

 

مداخلة  أ. د. زينب عبد العزيز

 

أستاذة الحضارة الفرنسية

 

 

 

 

المحور الثانى : دور الأديان فى تعزيز المعرفة :

 

المنظور المسيحى للمعرفة

 

*  مقدمة : 

كلمة المعرفة متعددة المعانى وتشتمل على العديد من المعطيات ، وتعنى إجمالا كل ما تم التوصل إليه من معرفة عن طريق العقل. فهى المعلومة الثقافية والتمثّل الفكرى لرؤية ما فى الذهن ، الذى يحولها بدوره إلى معطى من المعطيات. وطبيعة المعرفة وكيفية الحصول عليها وتحصيلها والدور الذى تقوم به فى المجتمعات الإنسانية يتم دراستها أو تناولها من العديد من النواحى، كالفلسفة والتجريب وعلم النفس والعلوم المعرفية والإنسانية والدينية والإجتماعية. والعلوم هى أحد أهم وسائل أشكال المعرفة ، فالعلم بصفة عامة هو مجمل الوسائل المنهجية للحصول على المعارف. و دراسة التقدم العلمى تعنى بصفة عامة بحث تطور المعرفة العلمية ، ليس كمجرد كمّ من المعارف فحسب، وإنما أيضا كيفية تناولها وفهم إرتباطها بالعلم والمجتمع من الناحية التطبيقية . أى ما تم تراكمه عبر آلاف السنين، أو فى حقبة زمانية معينة لفهم ما فى  الكون وحل طلاسمه. وعبارة تاريخ العلوم المعرفية ليست مجرد عملية تأريخ زمانى لعدة اكتشافات علمية وإنما تعنى ضمنا تاريخ تطور فكرةٍ ما والمؤسسات التى تقدم لهذه الفكرة ووسائل تنميتها والتأريخ لها، فالمعرفة تعنى تطور الإنسانية والحضارة تجاه حالة أكثر رقيا وأكثر ترابطا من أجل الصالح العام.

 

 ولقد اتخذت مسيرة المسيحية الحالية فى مشوارها مع المعرفة و تطور العلوم خطاً مغايرا لذلك تماما  منذ نشأتها وحتى يومنا هذا ، هو : خط إقتلاع الآخر ومحاربة العِلم والعلماء ، وذلك لأسباب متعلقة بالعقائد ، فكانت دائما فى صراع عنيف مع العلم والعلماء. وتحديد عبارة "المسيحية الحالية" أقصد بها المسيحية التى تم نسجها على مر العصور والتى لا علاقة لها بيسوع ولا بالإنجيل الذى أوحاه له الله سبحانه وتعالى ، والمشار إليه فى القرآن الكريم . لذلك لا يجوز التعامل مع هذه النصوص الإنجيلية على أنها منزّلة ولا مساواتها لاقرآن الكريم .

 

فمن الثابت علميا وتاريخيا أن هذه المسيحية ، ومنذ نشأتها ، قد قامت إعتمادا على تاريخ دموى قادته المؤسسة الكنسية بمحاربة كل ما قبلها وما حولها بالهدم والتدمير المتعمّد . وهو نفس الخط الذى حاولت إتباعه ضد الإسلام منذ بداية إنتشاره وحتى يومنا هذا.. فمنذ أن تم الإعتراف بها كديانة يمكن أن تتم ممارستها مع الديانات الأخرى ، بناء على مرسوم ميلانو الذى وقّعه الإمبراطور قسطنطين عام 311 ، بدأت مسيرتها العدوانية حماية لما قامت به من تحريف.. ثم تبع هذا المرسوم تأكيدا لسريان فاعليته عام 313 . وقد تم هذا القرار بناء على مباحثات أجراها الإمبراطور قسطنطين مع ملكياد ، الأسقف المسيحى المسؤل آنذاك ، بأن يسمح قسطنطين للمسيحيين بممارسة عبادتهم شريطة أن يكفّوا عن رفض تجنيدهم فى الجيش ،  فقد كانت تعاليم المسيح تحرّم القتل . وما كان من الأسقف ملكياد بعد قبوله هذا الشرط إلا أن إلتزم بوعده وعقد المجمع المعروف بمجمع آرل (Arles) سنة 314 ، الذى أعلن فيه : "لعن كل من يرفض الخدمة العسكرية بما أن الدولة لم تعد تضطهدهم" !.. ويمثل هذا التحايل من جانب الأسقف نموذجا شديد الوضوح لعمليات الخروج الرسمى عن تعاليم المسيح والتحايل عليها من أجل مصلحة ما ، وهو ما تواصل على مر التاريخ وفقا للظروف والأطماع ..

 

ولم تعد عبارات من قبيل التاريخ الدموى للكنيسة أو التاريخ الإجرامى للبابوات بغريبة ، فقد إمتدت قوائم أحداثها لتملأ آلاف المجلدات . ومن أهم ما يندرج فى موضوع محاربة المؤسسة الكنسية للعلم ، حرقها للكتب والمكتبات ، وخاصة مكتبة الإسكندرية التى قاد الأسقف تيودوز السكندرى حملة إشعال نيرانها. وكذلك تم إبادة كل ما يوجد من مخطوطات ونصوص ووثائق محيطة بفترة حياة المسيح ، بحيث أن من يود الكتابة عن هذه الحقبة لا يجد أمامه سوى ما تقدمه الكنيسة فى أناجيلها أو فى كتابات آبائها ومؤرخيها . كما تولت عملية هدم المعابد الوثنية أو تحويلها إلى كنائس .

 

ومن أشهر المعدّات القمعية التى لجأت إليها المؤسسة الكنسية فى محاربتها للعلم والمعرفة ، ما اُطلق عليه عبارة "عصور الظلمات" .. إذ لجأت إلى محاكم التفتيش للسيطرة على عقول المواطنين ، وإلى نبذ المرأة ومحاربتها تحت مسمى "قتل الساحرات" .. كما اتسع نطاق هذه الآلة الجهنمية لتشتمل على الحروب الصليبية والحروب الدينية التى طالت أو إقتلعت شعوبا بأثرها كالكاتار والفودوَا والبوجوميل وسكان الأمريكاتين ، وفرض نظام العبودية ، وكلها حروب قد حصدت ملايين وملايين من البشر . وقد تم ترسيخ أو تطبيق مختلف هذه المخازى إعتمادا على ما يطلق عليه  العلماء فى الغرب عبارة "طاحونة التزوير". تلك الطاحونة التى دارت رحاها لتقوم بعمليات تحريف نصوص الأناجيل وتزوير الوثائق ، وأشهرها الوثيقة المعروفة باسم "هبة قسطنطين" ، التى يزعم فيها البابا سيلفستر الأول (314ـ335) أن الإمبراطور قد منحه الأولوية على كافة البطرياركات الشرقية إضافة الى مدينة روما وكل المقاطعات التى حولها وكافة المناطق الغربية وكل ممتلكات الإمبراطور، إضافة الى ثروات وحق إستخدام نفس البروتوكول الخاص به وبقصره وحاشيته. وتنتهى الوثيقة مثل كل الوثائق بفرض اللعنات والحرمان على كل من يخالف تنفيذ ذلك .

 

ولم يتم كشف زيف هذه الوثيقة إلا فى منتصف القرن الثامن ، ورغمها ظلت الكنيسة تستخدمها على أنها أصلية حتى قام العالم لورنزو فاللا (L. Valla)، عام 1440 بتأكيد إثبات أنها مزورة ومنع التعامل بها. وظلت المؤسسة الكنسية تحارب للحفاظ على ملكية هذه الأراضى والممالك والقصور حتى مطلع القرن العشرين ، وانتهت بإتفاقيات لاتران التى تم التوقيع عليها عام 1920 وتم تحديد ملكيات الفاتيكان بمساحته الحالية ، التى لا تتجاوز 44 % من الكيلومتر المربع ! وتلك قصة أخرى..

 

*   عصر التنوير : 

امتدت تلك المسيرة الشيطانية بظلماتها حتى عصر التنوير ، الذى قام لمواجهة عصور الظلمات والإستبداد الكنسى . وذلك لا يعنى أنه لم تكن هناك معارضات كاشفة أو فاضحة طوال هذه الفترة. فكل خطوة من هذه الخطوات التحريفية كانت تقابلها محاولة من المحاولات الكاشفة. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر من المؤرخين القدامى : سلسيوس وكتابه "الخطاب الحق" سنة 178م ، وهو من أهم الكتب المنهجية فى نقد المسيحية فى عصر الوثنية ؛ وبورفير (234ـ310) ، وخاصة الإمبراطور جوليان  الذى حاول خلال فترة حكمه التى امتدت حوالى عامين (361ـ363) ، التصدى للمسيحية ووقف عملية تنصير الدولة التى بدأها قسطنطين وفرضها فى مجمع نيقية (325 م) الذى تم فيه تأليه يسوع ، فما كان من الكنيسة إلا أن رتبت إغتياله.

 

ويمثل عصر التنوير أعلى وأعنف ما وصل إليه الصراع الكنسى آنذاك ، فى مشواره الطويل منذ تحريف المسيحية على يد بولس ، الذى جعل نفسه رسولا، ثم واحدا من القديسين ، وكان أول من ألّه يسوع . وبدأت هذه المعركة بما عُرف باسم "معركة القدامى والعصريين" ، فى القرن السابع عشر المواكبة لأزمة الضمير الأوروبى . فقد بدأ الفلاسفة برفض الحلول اللاهوتية والسلطة التقليدية المتوارثة ، وراحوا يراجعون المفاهيم الأساسية المتعلقة بمصير الإنسان وتنظيم المجتمع ، إيمانا منهم بالتقدم العلمى ومنجزاته. وكانت قاعدة اليقين الديكارتية هى نقطة الإنطلاق التى اعتمد عليها الفلاسفة لرفض أية سلطة سوى سلطة العقل.. وراحوا يُخضعون النصوص الإنجيلية والعقائد والأخلاق المسيحية ومؤسساتها إلى التحليل العلمى النقدى الدقيق. وبدأت عملية مراجعة للنصوص الإنجيلية ، لا من جانب البروتستانت وحدهم وإنما من بين نفس رجال الإكليروس الكاثوليكى ، الذين راحوا يدرسون هذه النصوص ويفسرونها تفسيرا علميا بغية تخليصها من الأخطاء والأساطير. وأكثر ما اهتم به فلاسفة ذلك العصر هو محاربة الظلمات والتعتيم الذى كانت تفرضه الكنيسة وراحوا يفسرون العقائد ، متهمين رجال الكنيسة بخداع الشعوب ، وراحوا يطالبون بحرية العقيدة ـ وحرية العقيدة هنا مقصود بها حرية الإبتعاد عن المسيحية أو الكفر بها والتحول إلى الإلحاد أو اللادين دون التعرض للقمع والإضطهاد.

 

وسرعان ما توالت الإدانات البابوية ضد فلاسفة التنوير ، وأهم هذه النصوص : الخطاب الرسولى للبابا كليمانت الثانى عشر (1652ـ1740) المعروف باسم "خلاص المسيحية" ، وهو أول نص عقائدى كبير يعبّر عن الأصولية الكاثوليكية ضد التنوير. كما أدينت كل أعمال التنوير ووُضعت فى "الأندكس" ، أى فى قائمة الكتب التى يحرّم البابا أتباعه من الإطلاع عليها. وظل هذا الإندكس معمولا به إلى أن تم تغيير اسم لجنة محاكم التفتيش عام 1966 إلى "لجنة عقيدة الإيمان" ، وإن كانت ملاحقة الكتب المعارضة أو الكاشفة للكنيسة تتم بصورة أخرى ، وأشهر مثال على ذلك ما حدث مع رواية "شفرة دا فنشى" للكاتب دان براون من ملاحقة أدت إلى رواج لم يتخيله كاتبها !.. 

 

ومن أهم مؤرخى عصر التنوير الذين هاجموا الكنيسة وكشفوا ما تقوم به من تحريف ، المركيز دارجنس (M. D’Argens)  الذى قام بترجمة خطاب الأمبراطور جوليان ضد المسيحيين وكتب له مقدمة والعديد من الهوامش التفسيرية. ومن أهم ما كتبه فيها : "من الواضح أنه حتى عهد الأسقف الجامح أطنازيوس (295ـ373) لم يكن أحد يعترف بأن المسيح هو الله ، وأن عبارة "ابن الله" كانت تعنى قديما الإشارة إلى "إنسان متعلق بشرع الله" ، وذلك مثلما كانت عبارة "ابن بليال" تعنى "إنسان فاسق منحرف ".

 

ومن بينهم أيضا القس جان ميلييه (1678ـ1733) . ومن أشهر ما كتبه مذكراته المعروفة بعنوان "وصية ميلييه" ، التى إعتذر فيها لله وطلب منه أن يغفر له لأنه أضاع عمره فى خداع الناس بتعليمهم المسيحية ، و"خطاب إلى قساوسة المناطق المجاورة" ، و "ضد القس فينيلون". وكان فينيلون هذا من الدعامات الأساسية المساندة للكنيسة فى القرن السابع عشر. وما أن توفى ميلييه حتى قام الأديب فولتير بتلخيص وصية الأب ميلييه فى 70 صفحة حيث أن حجم الوصية الأصلية 366 صفحة ، وقام بنشرها. فحاربته الكنيسة بوضع هذا التلخيص والكتاب الأصلى له فى قائمة الكتب الممنوعة التى تحرّمها لجنة محاكم التفتيش.

 

ومن كتّاب عصر التنوير البارون هولباخ (1723ـ1789) وكان من أبرز العلماء والفلاسفة ؛ واللورد هنرى بولنبروك (1678ـ1751) ، ومن أشهر ما كتبه ضد المسيحيين فى العصور الأولى وما قاموا به من تحريف وتزوير ومؤامرات جمعها فى كتاب بعنوان "الفحص المهم"  ؛ واللاهوتى ثيرو (1765) وغيرهم ؛ ولا يمكن إغفال كل من فولتير والقس ريشار سيمون أو القس إرنست رينان .

 

إذ يعد فولتير (1694ـ1778) من أهم الذين تصدوا للكنيسة فى عصره ، ومن أشهر مؤلفاته فى نقد هذا المجال : "القاموس الفلسفى" ، و"أنجيل العقل" حيث قام بفحص الأناجيل وتفنيدها علميا ، إذ يقول : "أننى لم أجد أى أثر للمسيحية فى تاريخ المسيح : فالأناجيل الأربعة التى بقيت لنا تتعارض فى الكثير من الوقائع ، ومع ذلك فهى تجمع على أن يسوع قد خضع لشرع موسى منذ مولده حتى وفاته " .. ويسخر فولتير من كمّ الأخطاء والمتناقضات الواردة فى الأناجيل طوال عشر صفحات ، ثم يوجز قوله مؤكدا : "أن كتبة الأناجيل يتناقضون حول مدة حياة يسوع ، وحول ما كان يبشر به وحول يوم العشاء الأخير ، ويوم وفاته ، وحول عدد مرات ظهوره بعد وفاته ، وفى كلمة واحدة : أنهم يختلفون حول كل الوقائع. لقد كان هناك تسعة وثمانين إنجيلا كتبها المسيحيون فى القرن الأول والثانى وكانت جميعها تتناقض بل وأكثر من ذلك" (صفحة 115). ولا داعى لكتابة ما أصابه من حرب من جانب الكنيسة فتاريخه معروف.

 

أما القس ريشار سيمون (1638ـ1712) ، فهو أول من أرسى قواعد وأسس النقد العلمى الدينى ، حتى وإن كان هناك من سبقوه من أمثال هوبس (Hobbes) ، و لا بيرير (La Peyrère) ، أو سبينوزا (Spinoza) الذين تناولوا دراسة مصداقية نصوص الكتاب المقدس بالتحليل العلمى والعقلانى إلا أن ما من واحد منهم قد توصل إلى الأسلوب العلمى المنهجى الشديد الدقة مثلما فعل ريشار سيمون. ومن أهم مؤلفاته "التاريخ النقدى للعهد القديم" (1632) من ثلاثة أجزاء ، تتضمن تحليلا علميا ولغويا للنص ولكل الذين ترجموه أو علّقوا عليه. ثم كتاب "التاريخ النقدى لترجمات العهد الجديد" (1689). ومن أهم ما أثاره فى هذا البحث عمليات التحريف التى تمت بناء على التلاعب فى الترجمات من النصوص اليونانية أو العبرية ، وكمّ المتناقضات الواردة بالأناجيل. ثم تبعه بكتاب "التاريخ النقدى لأهم المعلقين على العهد الجديد" (1693) ، وكتاب "ملاحظات جديدة حول نص وترجمات العهد الجديد" (1795) ، ثم قام بعمل ترجمة للعهد الجديد إعتمادا على الطبعة اللاتينية القديمة ، مزودة بملاحظات متعددة ، من 4 أجزاء. وقد إعتمد فيه على الترجمة التى كان قد قام بها القديس جيروم فى القرن الرابع ، بناء على تكليف من البابا داماز ، الذى طلب منه ضم تلك الأناجيل المتعددة ليخرج منها بالأربعة المعروفة حاليا. وأوضح القديس جيروم فى مقدمة هذه الأناجيل الجديدة ما قام به من تعديل وتبديل فى النصوص حتى تتمشى مع مطلب البابا !

 

وتعد أعمال القس إرنست رينان (1823ـ1892) (E. Renan) بمثابة رؤية شاملة لتطلع القرن التاسع عشر الفرنسى ومطالبه فى مجال النقد الدينى . فقد أحدث كتابه "تاريخ أصول المسيحية" (7 أجزاء) هزة فى المجتمع الفرنسى حين نزع صفة القداسة عن الكتاب المقدس وخاصة عن الأناجيل وراح يتحدث عن المسيح على أنه إنسان وليس بإله ! كما كشف عن أن القديس مرقس قد إتجه إلى روما وليس إلى الإسكندرية فى مصر ، وأن الكنائس فى عصورها الأولى كانت تبحث عن توثيق تاريخها ونَسَبها فتلتصق بأحد الحواريين .. وكان القديس مرقس من الذين لم يقم أحد بالإنتساب الى تبشيره ، فتلفعت به كنيسة الإسكندرية. الأمر الذى نراه ثابتا أيضا فى الموسوعة الكاثوليكية تحت موضوع القديس مرقس وفى غيرها من المراجع ..

 

ولأسباب متعلقة بالعقائد وكيفية إختلاقها ، كانت الكنيسة دائما فى صراع مع العلم والعلماء ، ولم يكن يسمح فى بادئ الأمر إلا بأن يكون العلماء من اللاهوتيين ، أى من الذين يوظفون العلم ويشكلونه وفقا لمبادئ الكنيسة ومتطلباتها، وقد أجبرت بعض العلماء لتقديم تواريخ معينة للكون تتمشى مع ما هو وارد فى الأناجيل وخاصة فى العهد القديم. وقد كتب إسحاق نيوتن أن عمر الكون 3998 سنة قبل الميلاد ، وأقره جوهانس كيپلير.. وحينما كتب بنوا دى ماييه أن الأرض عمرها ملياران من السنين قبل الميلاد أجبرته الكنيسة على التغيير ، وظلت تفرض أن الأرض مسطحة وأنها محور الكون حتى القرن السادس عشر ، وحينما قال جيوردانو برونو (1473ـ1543) (G. Bruno) أن الكون لا نهائى أحرقته الكنيسة حياً فى أحد ميادين روما !

 

وأتى عصر التنوير ليرفض ذلك الدين الذى امتدت عصور ظلماته القمعية ، ليفتح مشروع الموسوعة العلمية الكبرى ، إلا ان سيطرة الكنيسة ظلت ممتدة باستيلائها على مجال التعليم ، فكل من كان يود ممارسة هذه المهنة كان يتعين عليه أن يكون قساً أولا. وأتت الثورة الفرنسية لتطيح بقيود الكنيسة فى القرن التاسع عشر لتبدأ معركة جديدة بين الكنيسة والعلم متعلقة بالتفسير الدينى وقواعده ..

 

وإن خرجنا من هذه النماذج الخاطفة بشئ حول المنظور المسيحى للمعرفة وموقفها من العلم والعلماء فى تلك الفترات الزمانية ، فهو أن الكنيسة منذ نشأتها وخاصة منذ أن تم الإعتراف بالمسيحية كديانة رسمية يمكن أن تتم ممارستها فى الإمبراطورية الرومانية (سنة 311) مثل باقى الديانات الوثنية القائمة ، إعتمدت على الفريات والأكاذيب والتزوير فى صياغة تراثها ، كما إعتمدت على إستخدام كافة الوسائل لإقتلاع الآخر بالقتل والتدمير لترسيخ ما نسجته ، كما تصدت بشتى أنواع العنف للحد من إنتشار العلم ومحاربة العلماء..

 

* العصرية :  

تمثل كلمة العصرية (Modernité) خلفية محورية متعددة الملامح وكثيرا ما يتم خلطها بالحداثة (Modernisme) والأصولية (Fondamentalisme). وهى تعنى أيضا أزمة الكنيسة مع العلم فى فترة سابقة على الحداثة ، وإن كانت العصرية تشير إلى الجانب الكنسى وكشف التحريف الذى تغص به نصوص الكتاب المقدس ، إلا أنها تتضمن معنى التقدم المادى وإنعكاسه على المجتمع الغربى. أما فى المستعمرات وبلدان العالم الثالث ، فهى تعنى عملية غرس الثقافة الغربية مع تدمير التراث المحلى . وعادة ما تتولاها البعثات التبشيرية أو تقوم بجانب كبير منها .. ومن أهم العناصر التى تمثل الخلفية العامة للعصرية هى عصر التنوير ـ كما رأينا بعاليه ، والثورة الفرنسية ، والليبرالية . وذلك لإرتباطها المباشر بخبايا الأصولية وأبعادها .

 

وتستخدم كلمة العصرية إشارة إلى الزمن الراهن للمتحدث ، وما ينعم به من إنجازات جديدة للتقدم العلمى والتقنيات ؛ والأشخاص الذين يلتزمون بكل ما هو معاصر لهم ؛ وفى مجال تاريخ الأدب إشارة إلى المعاصرين ، على خلاف القدامى والكلاسيكيين ؛ وفى مجال التاريخ إشارة إلى التاريخ الحديث الذى يبدأ من أواخر القرون الوسطى . وازداد إلتصاقها بالمفهوم الدينى عام 1909 عند إستخدامها فى الخطاب العام فى خضم أحداث المعركة الطاحنة بين الحداثة والأصولية ، وتوارت عن الخطاب الدينى تقريبا عند استتباب كلمة الحداثة .

 

والعصرية لا تشير إلى مفهوم إجتماعى بعينه ولا إلى مفهوم سياسى محدد ، بل ولا ترمى إلى مفهوم تاريخى بمعنى الكلمة. أى أنها كلمة تتعارض مع مختلف الثقافات السابقة أو التراثية. ولا توجد قوانين للعصرية ولا ملامح ثابتة لها فى كل مجال ، وإنما هناك ما يمكن أن نطلق عليه منطق العصرية أو الأفكار المحركة لها.

 

وكانت معركة "القدامى والعصريين" تتواصل بشقيها ، الجانب الأدبى والجانب الدينى ، أو الصراع بين البلاط والكنيسة، ذلك الصراع الذى لم يهدأ وإنما كان يشرئب ويخبو وفقا للأحداث و التحالفات. وسبقتها معركة "الطمأنينة"، وهى معركة دينية تعبدية أقرب ما تكون للتصوف الإسلامى ،  قام البابا إينوسنت الحادى عشر بإدانتها عام 1687، ، وتبعه البابا إينوسنت الثانى عشر بإدانتها عام 1699  باستصدار وثيقة محاكم التفتيش التى تتضمن 68 إتهاماً لأتباعها الذين تمت إبادتهم عن آخرهم . وكانت القضية الحقيقية متعلقة بمصداقية النصوص الإنجيلية والمطالبة بالإبتعاد عنها بما يسمح بدخول الفكر الإسلامى العربى من إسبانيا عن طريق الأب مولينوس ، وهذه قضية أخرى ..

 

وقد واكبت هذه المعركة الفترة المعروفة باسم صحوة العقل الفلسفى والدفاع عن السلطة الأخلاقية للإنسان كنقيض للإنسان الخاضع للكنيسة أو للسلطة الكنسية. وقد أدى تقدم العلوم اللغوية والأبحاث فى القرن السادس عشر إلى أن تقدم مارتن لوثر فى 31 أكتوبر 1517 بإعلان بيانه فى ويتنبرج ، متضمنا 95 إدانة للكنيسة الأم ، أدت إلى ذلك الصراع الدامى الذى امتد قرونا وكانت له إنعكاساته على الجانب الكاثوليكى الذى لجأ إلى عقد مجمع ترانت (1545ـ1563) لرأب ذلك الشرخ الغائر وتثبيت عقيدة الإيمان وفرضها بكل ما اعتراها من تغيير وتبديل على مر المجامع .

 

فالعصرية ليست مجرد تلك الإنقلابات التقنية والعلمية والسياسية منذ القرن السادس عشر كما هو شائع ، أو كما يتم قوله لطمس أسبابها الدينية ، وإنما هى أساساً حركة تضم الصراع العقائدى وكل ما أدى إلى تغيير البنية الأساسية للمجتمع وللكنيسة بصفة خاصة.

 

*  الحداثة : 

تعد معركة الحداثة والأصولية من أهم وأعنف المعارك التى دارت بين الكنيسة والمجتمع المدنى فى الغرب ، وكادت تطيح بتلك المؤسسة العتيدة لولا صمودها بجبروت متفرد. فالحداثة عبارة قد تم إختلاقها وإستخدامها فى خضم تلك المعركة الطاحنة التى قادتها الكنيسة ضد التقدم العلمى والعلماء  لكشفهم ما قامت به من تحريف وتزوير على مر التاريخ .

 

والحداثة تمثل إتجاه ظهر فى أواخر القرن التاسع عشر  ومطلع القرن العشرين عند المثقفين ومحاولتهم وضع عِلم اللاهوت فى توافق مع الفلسفة والعلوم الحديثة. فهى كلمة تتعارض مع مفهوم كلمة الأصولية ، التى سنتناولها فيما بعد . ويرجع ظهور كلمة الحداثة تحديدا إلى عام 1879 ، وتشير إلى حركة دينية تهدف إلى المطالبة بتفسير جديد للعقائد والمذاهب التراثية بعد إكتشافات التفسير الحديث القائم على التحليل اللغوى والتاريخى. وهى كلمة تم إشتقاقها من العصرية (Modernité)، لإستخدامها أساسا فى المجال الكنسى ومعركة التجديد التى دارت لتحديث اللاهوت والعقيدة الكاثوليكية وعمل تطوير جذرى للعقيدة. أى أنها كانت محاولة لجعل العقائد الدينية  تتمشى مع الحقائق العلمية . وبذلك فهى تعنى تنقية التراث الكنسى ونصوصه الدينية من كل ما به من تحريف وتزييف أو أساطير مخالفة للعقل والمنطق والتى تم تراكمها على مر العصور .

 

فمما لا شك فيه أن العلم قد أثبت أن عمر الإنسان يرجع إلى أكثر من اربعة آلاف سنة وأن الأرض ليست مسطحة وأنها ليست ثابتة وليست محور الكون ، أى أن التقويم الإنجيلى وأساطير الخليقة فيه ، خاصة كما هو وارد فى سفر التكوين هى فى تناقض صارخ مع الإكتشافات العلمية .. كما أن علم نقد الأناجيل ودراسة اللغات القديمة والألسنيات قد إزدهر خاصة فى الجامعات الأوروبية التى راحت تؤكد أن الكتاب المقدس بعهديه لم يكتبه الأشخاص الذين يُعرف بأسمائهم ، ولا فى الأزمنة التى يزعمها التراث الكنسى ، مؤكدين وجود إختلافات جذرية ومتناقضات جسيمة تتطلب إعادة النظر فى ذلك الكتاب من منظور النقد العلمى .

 

وقد كان رد فعل الكنيسة من العنف حتى أنها أدانت الحداثة العلمية وكافة الإفتراضات والنظريات الديمقراطية والتحررية التى بدأت تنتشر فى مختلف بلدان أوروبا منذ حوالى عام 1860. وقد أصدر البابا بيوس التاسع خطابا قال فيه : "لا يمكننا قبول أن يقوم العقل بغزو المجال المخصص للإيمان ليثير فيه القلاقل" ! وبعد عامين تقريبا أصدر خطابا رسوليا آخر بعنوان "كوانتا كورا" وجهه ضد الليبرالية السياسية مصحوبا بكشف يتضمن أهم أخطاء العصر فى نظره . وفى ديسمبر عام 1869 قرر عقد مجمع الفاتيكان المسكونى الأول لمحاصرة الحداثة ، وفرض خلاله عقيدة معصومية البابا من الخطأ بإعتباره ممثلا للإله على الأرض ، وتم رفض كل ما أطلق عليه "الأخطاء" الناجمة عن تقدم العلوم والعلماء والعقلانية والمذاهب الفلسفية والسياسية الحديثة. أى أن هذا المجمع كان ، على حد قول فيليب لو فايان ، "قد زود البابوية بكل الأسلحة العقائدية والدينية التى استخدمها خلفاء البابا بيوس التاسع للحد من ضياع السلطة الزمانية للكنيسة وإضفاء المزيد من السلطات للكرسى الرسولى لصالح الكنيسة العالمية لمواجهة الأخطاء الداخلية والخارجية" (القاموس التاريخى للبابوية).

 

 ثم قام البابا بيوس العاشر سنة 1903 بإدانة الحداثة والتقدم العلمى فى خطابه الرسولى المعنون "باسندى" إذ كان يرى فيها ملتقى كل الهرطقات العلمية . وفى العام التالى أقر إدانة الأب ألفريد لوازى (A. Loisy) وحرمانه فى 7 مارس 1908 لأنه تجرأ وكتب العديد من الأبحاث التى تهدم القواعد الأساسية للعقيدة المسيحية ، ومن أهمها كتابه المعنون "الإنجيل والكنيسة ". وهبّت الصحافة فى مختلف البلدان الأوروبية وتوالت الأبحاث ضد ما أطلقوا عليه "إمبريالية الفاتيكان وطغيانه" .

 

ونطالع فى الموسوعة "الكاثوليكية أمس واليوم وغدا" (1981): " أن الحداثة تعنى أزمة دينية هزت بعمق أركان الكنسية الكاثوليكية خلال العقد الأول من القرن العشرين ، و قد تم استخدام عبارة الحداثة منذ القرن التاسع عشر للإشارة إلى الإتجاهات المعادية للمسيحية فى العالم الحديث وراديكالية علماء اللاهوت الأحرار. فعندما اندلعت داخل الكنيسة الكاثوليكية فى أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين حركة تطالب بإصلاح الكنيسة وعقيدتها لتتأقلم مع العلوم الحديثة ، قام المدافعون عن الأصول الكنسية باستخدام هذه العبارة لفضح تطرفات العصرية ، وخاصة الإنحرافات التى كان أعداء الداخل من الكاثوليك يحاولون غرسها فى الكنيسة باسم متطلبات الحضارة العصرية "الملطخة بالعقلانية والمادية" . ومنذ عام 1907 ، فى الخطاب الرسولى المعنون "باسندى" تحدد معنى هذه العبارة ليشير إلى مجموعة من الأخطاء العقائدية التى تمثل نهاية مطاف الإتجاهات المنشقة لهذه الحركة ".

 

ويمكن إيجاز معنى الحداثة بأنها مجمل المذاهب والإتجاهات المتعلقة بتجديد اللاهوت والتفسير ومراجعة النصوص الدينية وإدارة الكنيسة ، لوضعها فى توافق مع متطلبات العلم و العصر، فهى كلمة نتجت عن اللقاء العنيف للتعليم الكهنوتى التقليدى مع العلوم الدينية الحديثة التى تكونت بعيدا عن الرقابة الأصولية وفى إتجاه مغاير لها. فهى تيار لنقد الدين والمطالبة بضرورة عمل إصلاح للتعليم الكاثوليكى . وهذا التيار لا يمس علاقات الكنيسة  بالحياة الأخلاقية والسياسية والإجتماعية وحدها ، وإنما يمس المبادئ العقائدية نفسها : فالمطلوب تحديثه هو مفهوم وبنية العقيدة ذاتها لكى تتمشي مع المنطق . لذلك أطلق عليها البابا "أنها ملتقى كل الهرطقات" ، لأنها حركة تضرب الأساسات الراسخة للعقيدة برمتها .

 

ولجأت الكنيسة فى ردها لمحاصرة وإقتلاع الحداثة إلى عدد مهول من رجال الكهنوت والعلمانيين للرد على علماء الحداثة ، وأقامت "المؤتمر العالمى الخامس للمسيحية والتقدم الدينى" عام 1910 فى برلين ، ثم المؤتمر السادس عام 1913 فى باريس. كما لجأت الكنيسة إلى الإعتقالات والإغتيالات وإلى فرض قَسَم "الولاء للكنيسة ومعاداة الحداثة" الذى أصدره البابا بيوس العاشر فى سبتمبر 1910 ، وفرضه على كافة العاملين بالمؤسسة الكنسية و على طلبة الإكليروس بل وعلى الباحث عن وظيفة !

 

ويعد كتاب جان ريفيير (J. Rivière) "الحداثة فى الكنيسة" (1929) ، ويقع فى 589 صفحة ، من المراجع الأساسية التى تناولت موضوع الحداثة من مختلف جوانبه ، كما يتضمن كشفا بأهم المراجع التى تناولت هذا الموضوع ويقع فى 17 صفحة...

 

وامتدت أزمة الحداثة إلى معظم بلدان أوروبا وكانت كافة المحاور المطروحة تنصب حول مكونات العقيدة ، والإعتراض على سلطة البابا وعلى معصوميته من الخطأ ، وإنتقاد التفسير اللاهوتى والكيان الكنسى ، وألوهية المسيح وعقيدة وجوده الفعلى فى القربان المقدس . فلم يعد من الممكن تقبّل العقيدة المسيحية لا بالعقل و لا بالمنطق . لذلك لا بد من توضيح أن إستخدام كلمة "الحداثة " فى مجال الإسلام هو أمر مرفوض تماما لأن الإسلام لم يتعرض لما عانت ولا تزال تعانى منه النصوص المسيحية من تعديل وتبديل وتزوير ..

 

*  الأصولية : 

لا يسع المجال هنا لتناول كيفية إشتقاق واستخدام كلمة "الأصولية" فى اللغة الفرنسية ، فلها مصدران هما : "Intégral" و "Fondamental" ، وكلاهما يشير إلى تقبل الشرائع الكنسية الكاثوليكية والتمسك بها تماما . وطوال أزمة الحداثة فإن كل الذين كانوا يعربون عن إنتمائهم التام للكنيسة يقولون أنهم "كاثوليك أصوليون"، أى متمسكين بكافة الأصول العقائدية و الكنسية بغض الطرف أو على الرغم مما بها من مخالفات وتناقض . أى أنها تعنى أنهم متمسكون بحرفية العقيدة والأصول الأساسية ، ومنها : الإيمان بوحى الكتاب المقدس بعهديه وبمعجزاته، وبالميلاد العذرى، وبألوهية المسيح، وبمصالحة الخطيئة بدمه، والإيمان بالوجود الفعلى للَحم ودم المسيح فى الإفخارستيا، و ببعث الأجساد، وبعودة المسيح وحكمه ألف عام، وبخلود عذاب النار ..

 

وتعود جذور الأصولية إلى أيام إمبراطورية نابليون الفرنسية والحركات الإجتماعية المعاصرة له ، إذ كانت نوعاً من رد الفعل ضد المثل السياسية الناجمة عن الثورة ، وضد العلوم الدنيوية وأثرها على المعتقدات المسيحية . وقد إزداد إزدهار الأصولية عقب الحرب العالمية الأولى ، خاصة فى الفترة من 1920 إلى 1930، حين إتحدت مختلف التيارات المسيحية لتخليص المدارس والكنائس من المدرسين والرعاه الذين يدافعون عن التطور ولمحاربة تدريس الداروينية فى التعليم العام .. وبذلك تكونت الجبهة المعادية للحداثة .

 

ونطالع فى "القاموس التاريخى للبابوية" (1994) "أن الأصولية اليوم عبارة عن ظاهرة عامة يتحدث عنها الجميع ... لكنها أصلا تنتمى إلى الثقافة الكاثوليكية فى إطار تاريخى شديد التحديد زمانا ومكانا : فى أوروبا البحر الأبيض المتوسط ، وفيما بين زمن البابا ليون الثالث عشر وبيوس العاشر. وهى كلمة تشير إلى الصراع الدائر بين الكاثوليك قبل أن تنتقل إلى المجال العام الدنيوى حيث راحت تبدأ مشواراً جديداً ".

 

ومهما تفاوتت المعطيات والتواريخ فإن كلمة الأصولية وُجدت فى الخطاب الأوروبى عند وصول معركة الكنيسة إلى ذروتها الطاحنة ضد الحداثة . أى أنها كلمة يرتبط معناها الأساسى بالصراع الكنسى حفاظا على الأصول التى هى فى واقع الأمر لا تمت إلى التنزيل بصلة ، فقد ثبُت يقيناً أنه تم نسجها على مر العصور ، وكتبها بشر غير معروفة أسماءهم ، وعبثت بها الأيادى عبر المجامع وفقا للأغراض السياسية والمصالح البابوية . أى أنها أصول غير صادقة ومزورة ، وبالتالى لا يجب ولا يجوز إستخدام كلمة الأصولية بهذا المضمون  بحق القرآن و الإسلام .

 

وينص الخطاب الرسولى المعنون "الجنس البشرى" (1950) على "أن الكنيسة تستند إلى متخصصين فى الدفاع عن العديد من النقاط المتعلقة بالإيمان والأخلاق التى تمس العقيدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة " . ولقد وصل العبث ببعض هؤلاء الآباء ، ومنهم الأب برومون الذى لم يكتف بقرار معصومية البابا من الخطأ وإنما راح يطالب بإعتبار البابا "شبيها بالرب وأن تكون كل كلمة من كلماته وثيقة من حقائق الإيمان" !

 

ومهما تنوعت الأوصاف فإن مصطلح الأصولية مرتبط بالكنيسة أولا وأخيرا وبمعركتها ضد التقدم العلمى الكاشف لخباياها ، فالأصولية نبتت أساساً فى رد فعل الكنيسة الكاثوليكية ضد التطور المعرفى والعلمى والثقافى والسياسى الناجم عن الثورة الفرنسية وعصر التنوير، وفى مواجهة المجتمع الحديث وخلفيات أحداث أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ، ومنها : توحيد إيطاليا وضياع الدويلات البابوية وسقوط روما عام 1870 كضيعة بابوية وإختيارها عاصمة لإيطاليا .. وقد أدى قيام البابا بحرمان الملك وإعتكافه فى الفاتيكان إلى تقسيم إيطاليا إلى كاثوليك أصوليين ، ملتفين حول "منظمة العمل الكاثوليكى" ، الخاضعة "لمنظمة عمل المؤتمرات الكاثوليكية" ؛ وإلى علمانيين ويساريين غير راضين عن موقف الكنيسة. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه قد بدأ الزج بها فى مجال الإسلام فى أواخر السبعينات من القرن العشرين ، وإلصاقه بالإرهاب تمهيدا لمحاولة إقتلاعه ، بعد إقتلاع اليسار، وفقا لما تم إقراره فى مجمع الفاتيكان الثانى.

 

وفى عام 1899 أعلن الفاتيكان فى مجلة "الحضارة الكاثوليكية " التابعة له : "أن المبادئ الكاثوليكية لا تتعدّل لا بمرور السنين ، ولا بتغيير البلد ، ولا بسبب الإكتشافات الحديثة ، ولا حتى بسبب المنفعة . إنها دائما نفس التعاليم التى قالها المسيح ، والتى أعلنتها الكنيسة ،  وعرّفها البابوات والمجامع ، والتى رعاها القديسون ودافع عنها المختصون ، ومن الأفضل الأخذ بها كما هى أو أن تترك كما هى ، ومن تقبلها بتمامها وصرامتها فهو كاثوليكى ، ومن يوازن ويتذبذب ويتأقلم مع الزمن ويتساهل فيمكنه أن يطلق على نفسه أى إسم يشاء ، لكنه لن يكون أمام الله وأمام الكنيسة إلا عاصيا وخائناً " !

 

وقامت الكنيسة بإنشاء "جمعية سرية " أسندت قيادتها إلى الأب أومبرتو بنينى (U. Benini)، وسرعان ما أصبح مقر هذه الجمعية بؤرة لجمع و بث المعلومات والإستخبارات أشبه ما تكون بوكالة الأستخبارات المركزية الأمريكية (C.I.A.) ، لمحاربة الحداثة وترسيخ دعائم الأصولية الكاثوليكية. ومن أهم ما كانت تقوم به هذه المنظمة هى الوشاية والإعتقالات .. وكان تركيزها منصباً أساساً على رجال الإكليروس بمختلف درجاتهم الكهنوتية ، الذين يبدون أية ميول للتيارات الحديثة أو يبتعدون عن التعليمات البابوية أو يحيدون عن التفسير الصارم المغالط الذى فرضته الكنيسة . وكان الأسقف بنينى يقيم صلات شديدة النشاط مع مراسليه فى مختلف العواصم الأوروبية من أجل الحصول على بيانات ومعلومات عن شخصيات بعينها .. وكانت الردود تصله بعبارات مشفّرة متفق عليها فيما بينهم . 

 

وأيا كانت خبايا اللعبة الدائرة بين الأجهزة المختلفة ، وأيا كانت نوعية الصراعات الدائرة بين الكنيسة والعلم فإن الأصولية لم تكن مجرد ظاهرة تاريخية إمتدت لفترة ما وإنما هى تعبّر عن موقف لم يتغيّر مهما تغيّرت المسميات : فكل البابوات أدانوا الحداثة منذ أوائل ظهورها ، وتوارثوا الإدانات الموجهة لها بصور متفاوتة من الشراسة ومن السرية أو العلنية .

 

ومهما اختلفت الآراء التى تناولت تاريخ هذا الصراع الكنسى المستمر ، للحد من سلطة العلم والعلماء ، فإن هذا الخط قد تواصل منذ أولى بدايات المسيحية وتحريفها حتى المجمع المسكونى الفاتيكانى الثانى (1965) . فقد تغيرت الدفّة ليصبح أول مجمع هجومى فى تاريخ المؤسسة الكنسية ، ونقطة إنطلاق جامحة للأصولية الكنسية ضد المجتمع الحديث ، وذلك بعد أن وجدت الكاثوليكية نفسها فى بؤرة صراع مزدوج : الصراع ضد ما يعترى المجتمع المدنى من تغيير أدى إلى إفلاته من قبضتها ؛ والصراع ضد التيار المنبثق من داخلها والذى أدى إلى تصدعات لم يعد من الممكن رأبها أو طمس معالمها ، بل ولا حتى مواجهتها !

 

وقبل أن نتناول هذا المجمع الفاتيكانى الثانى تجدر الإشارة فى عجالة إلى توضيح كيف نُسج تحريف المسيحية ليرى القارئ غير المتخصص حقيقة ما يقوم به الفاتيكان من جهد حفاظا على كيانه القائم على تلال من التلاعب والتضليل، وعلى التحريف المتعمّد وعلى أخطاء جوهرية فى الترجمة تم فرضها قهرا وتعتيما ..

 

*  خطوات التحريف الرئيسية : 

لا نتناول خطوات التحريف الرئيسية باقتضاب إلا لإرتباطها الشديد بأزمة الحداثة والأصولية ، لنوضح كيف أن المسيحية الحالية منذ بداية مشوارها وحتى اليوم قائمة على التحريف المتعمّد وعلى أخطاء جوهرية فى فى الترجمة من مختلف النصوص وفى عمليات التلفيق التى نجم عنها عشرات الاف من المتناقضات .. ويشير أندريه پول فى بحثه الجماعى المكون من ستة أجزاء ، بعنوان "العلوم الإنجيلية" ، كيف تبدلت المسيحية عبر التاريخ ، فقد قام بولس فى بلدة كورنثيا ، عام 51 م ، بتقديم يسوع على أنه المسيح، الممسوح، الذى أعلن عنه الأنبياء فى العهد القديم خاصة فى سفر إسحاق ، الأمر الذى يكشف عن أن يسوع ليس الشخص الذى كانت  تعنيه النبؤات القديمة . ثم يوضح كيف أدخل بولس عبارة "يسوع الرب" فى رسائله ، وهى البدعة التى أقرها مجمع نيقية الأول عام 325 م . وظل الكتاب المقدس بكل اسفاره حتى أواخر القرن الثانى عبارة عن مجموعات من النصوص المنفصلة، ولم يتم تقسيمهم إلى الجزئين إلا فى مطلع القرن الثالث. واطلقوا عليه باللغات الأجنبية عبارة "Testament" على الجزئين على أنها ترجمة لعبارة "Diathéké" ، وللفصل تماما بين المسيحية واليهودية . والغريب أن كلمة "دياتيكيه" هذه تعنى "العهد" ، ولم يكن فى تاريخ أصول المسيحية سوى عهد واحد هو "عهد الختان" الذى تم أيام سيدنا إبراهيم وإبنه إسماعيل ، "وأراده الله أن يكون عهدا أبديا" كما تقول نصوصهم. و كلمة  "Testament" تعنى "وصية" وليس "عهدا "، وإن كانت المخالفة لا تبدو فى اللغة العربية .

 

والتحريف التالى جاء بإلصاق كلمة أو صفة  "Kanon" أى "شرائع سماوية" أو "قانون إيمان" على هذه النصوص وتم تثبيتها فى مجمع لاوديسية عام 360 م. ومن أشهر الكلمات التى أدت إلى ترجمتها الخاطئة إلى إستحداث عقائد، كلمة "Fosse" أى "حفرة" أو "لحد" وهى فى المزمور 16 وتمت ترجمتها "Corruption"، أى "فساد" لكى تتم قرائة الإصحاح 13 من أعمال الرسل على أنه إشارة إلى نبوءة بعث يسوع ؛ أو ترجمة كلمة "إمرأة شابة" فى يوشع 7 : 14 إلى "عذراء" وبنوا عليها عقيدة الميلاد العذرى ليسوع ! الأمر الذى أدى بالقاضى الباحث جوزيف هويلس (J. Wheless) أن يقول فى كتابه الشهير "هل هذا كلام الله ؟” ، فى صفحة 256 : أنها "درس طبخ فى النبؤات " ..

 

 ثم قام القديس جيروم بناء على أمر من البابا داماز بالتوفيق بين أكثر من خمسين إنجيلا ليخرج بالأربعة المعروفة حاليا بعد أن قام بالتغيير والتبديل والتعديل فى النصوص ، كما يوضح ذلك فى المقدمة التى كتبها لهذه الترجمة التصويبية التى قام بها.. وفى القرن الثالث عشر ، ورغم كل الإحتجاجات من العديد من الكنسيين والعلماء ، أطلقوا عليها إسم "فولحات" (Vulgate)، أى نشر عام أصلى ، وجعلوها النص الرسمى الأصلى للكتاب المقدس  ! ورغم تعالى الإحتجاجات من العلماء قام مجمع ترانت بفرضها عام 1546  على أنها النص المنزّل من عند الله . أى أن ذلك الكتاب المحرّف رسميا وبإعتراف مَن قام بصياغته هو ما تعتبره الكنيسة نصاً منزلا حتى يومنا هذا رغم كل ما كتبه العلماء لفضح ما به من تلاعب متعدد الأشكال ..

 

وأهم ما نجم عن مختلف التيارات المتتالية لأزمة الحداثة هو إثارة قضيتين أساسيتين لا رجعة فيهما : المساس بمصداقية النص الإنجيلى ومحتواه المعرفى أو العلمى؛ والمساس بمصداقية ذلك النص وصياغاته المختلفة عبر الزمان. وهو ما يعنى نقده شكلا وموضوعا !

 

ومما زاد الأمر تعقيدا وفداحة إكتشاف مخطوطات قمران بالبحر الميت عام 1947 ، وأهم ما نجم عنها إكتشاف أو إثبات أن يسوع كان نبيا من الأنبياء وليس بإله ، وهو ما كان القرآن الكريم قد كشف عنه .. وفى عام 1949 ، أى بعد ذلك بعامين تم إكتشاف نصاً كاملا للنص القديم للترجمة الآرامية الفلسطينية للعهد القديم، وهو ما أطاح بنص "الفولجات" التى تم طبخها فى القرن الرابع و زعموها أنها منزّلة من عند الله ! وقد تدخل اليهود طرفا فى هذه الأبحاث باستيلائهم على أغلبية مخطوطات قمران بعد أن كان الفاتيكان هو المستحوذ الوحيد عليها. وهنا يقول الباحث أندريه پول : "لم تعد هناك ضرورة حتى لكى يُعلن علم التفسسير القديم عن إفلاسة " .. أى أن إفتضاح الأكاذيب بات من الوضوح بحيث لم يعد الأمر بحاجة إلى أن يتم الإعلان عنه !..

 

ومثلما تضافرت جهود الكنيسة لمحاصرة أعمال علماء الحداثة تضافرت جهودها بصورة أكثر عنفا لمنع نشر أية معلومات عن مخطوطات قمران. فما زالت السلطات الفاتيكانية تحارب نشر الحقائق الجديدة فى محاولة مستميتة لمحاصرتها وإن أمكن الزج بها فى طى النسيان ..

 

*  المجمع الفاتيكانى المسكونى الثانى : 

قبل أن نتناول هذا المجمع تجدر الإشارة إلى تغيير أساسى ألمّ بالفاتيكان وبالكرسى الرسولى وهو : إنخراطهما فى النظام العالمى الجديد ، وخاصة البابا الحالى ، بنديكت 16 الذى أعلنها أكثر من مرة فى حوارات عابرة ، ولعل ذلك يفسر التغيير الجذرى الذى طرأ على موقف تلك المؤسسة . فالنظام العالمى الجديد قائم على : فرض نظام إقتصادى واحد ، ونظام سياسى واحد ، ونظام دينى واحد ، لتطبيقها على ما أطلقوا عليه "القرية الواحدة" ، حتى تسهل إدارتها والتحكم فيها. وقد تم إنجاز الكثير من النقطتين الأوليين ، أما النقطة الثالثة "نظام دينى واحد" فهى التى يدخل فيها ضمناً إقتلاع الإسلام وتنصير العالم .. 

 

 ويمثل إندماج الفاتيكان فى هذه المنظومة أكبر عملية هروب يقودها للإفلات من عواقب أزمة الحداثة والأصولية التى أدت إلى نتيجة حتمية لم تعد بخافية ، ألا وهى : إبتعاد الأتباع والكثير من رجال الإكليروس عن الكنيسة وتفضيلهم الإلحاد أو اللا دين عن الإنتماء إلى مؤسسة انكشفت عوراتها حتى النخاع وبلا رجعة . والمحزن والكاشف فى نفس الوقت أنه حينما سأل أحدهم البابا يوحنا بولس الثانى عن رأيه فى ما أطلقوا عليه "النزيف الصامت للكنيسة" ، إشارة إلى كل الذين يغادرونها ، أجاب البابا قائلا : "يكفينى من يعتنقون المسيحية فى قارة إفريقيا" . وهو ما يكشف عن حجم عملية التنصير الدائرة فى القارة الإفريقية !..

 

وبدلا من الإعتراف بكل ما اقترفته المؤسسة الكنسية من إجرام و ذنوب فى حق البشرية ، رأت بكل ما تحمله من جبروت وإمكانيات ، أن تفرض المسيحية على العالم أو تنصيره على أنه مخرجها الوحيد بل الوحيد الآمن ، بالنسبة لوضعها ، حتى وإن تم ذلك على حساب الدين والعقائد والنصوص التى لا تزال تضم  وتحوى ما يدينها يقيناً !.. بل حتى موقفها من العلم والعلماء قد تنوّع وتبدل إذ باتت تستعين بكل الوسائل والإكتشافات العلمية الحديثة فى عمليات تنصير العالم ، وتكفى الإشارة إلى القمر الصناعى "لومن 2000"  (Lumen 2000) لضمان عدم التحكم فى إرسالها ، ومحطات إذاعية وتليفزيونية ومطابع ، بل حتى الإنترنت ومئات المواقع الإلكترونية باتت تُستخدم للتنصير بخلاف جيوش من المنصرين ، من مختلف الفئات والأعمار، الذين ينتمون لعشرات المنظمات القادرة فرقها على إختراق كافة الطبقات الإجتماعية بلا إستثناء ، بل لقد وصل صلفها إلى تكوين فِرق منصّرين من الأطفال ..

 

و مجمع الفاتيكان الثانى بمثابة نقطة تحول جذرية فى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ، فهو أول مجمع هجومى فى التاريخ ، على عكس كافة المجامع السابقة والتى يمكن أن نطلق عليها عبارة : مجامع تلفيقية ، تقام لرأب ما يستجد من نتوءات أو معارك متعلقة بالعقيدة أو النصوص .. والمجمع المسكونى ، أى العالمى ، مُلزِم لكافة الكنائس المنشقة ، وعددها 349 كنيسة ، كما أنه مُلزِم لجميع الملوك والرؤساء المسيحيين ، وذلك بموجب إتفاقيات سابقة لا تزال سارية فيما بينهم . وقد تمخض ذلك المجمع عن 16 وثيقة ما بين ميثاق وبيان وقرار ، متفاوتة الطول ، من بضعة صفحات إلى قرابة المائة صفحة ، ولا يخلو نص منها من الإشارة إلى ضرورة تنصير العالم . وأهم ما تتضمنه هذه الوثائق من قرارات إجمالا :

 

*  تبرأة اليهود من دم المسيح وتحميل ذنب مقتله على كافة اليهود و الأتباع المسيحيين ، ثم تم تعديلها وقصرها على اليهود ، ثم فيمن قتلوه آنذاك كما يقولون ، وذلك رغم وجود أكثر من مائة جملة فى الأناجيل الحالية تتهم اليهود بأنهم قتلة الرب ؛

 

*  إقتلاع اليسار فى عقد الثمانينات ، حتى لا تبقى هناك أنظمة بديلة للرأسمالية الإستعمارية المتحكمة فى العالم ؛

 

*  إقتلاع الإسلام فى عقد التسعينات ، حتى تبدأ الألفية الثالثة بعالم كله متنصّر؛

 

*  فرض إستخدام الكنائس المحلية فى عملية التنصير، وهو ما يضعها فى موقف الخيانة بالنسبة للبلدان         الإسلامية التى توجد فيها ؛

 

*  فرض المساهمة فى عملية تنصير العالم على كافة الأتباع ، بموجب التعميد الذى تلقوه فى الصغر، الأمر الذى يضعهم أيضا فى موقف الخيانة للأغلبية المسلمة التى يعيشون بينها ؛

 

*  توحيد كافة الكنائس تحت لواء كاثوليكية روما ؛

 

*  إنشاء لجنة بابوية خاصة بتنصير الشعوب ؛

 

*  وإنشاء لجنة بابوية من أجل الحوار مع الديانات الأخرى ..

 

* تغيير إسم لجنة محاكم التفتيش وجعلها "لجنة عقيدة الإيمان" ، أى أن هذه المحاكم لا تزال تعمل تحت مسمّى آخر ، وقد كان البابا الحالى  بنديكت 16 يترأسها قبل إنتخابه فى البابوية ..

 

وقد تم تبرأة اليهود من دم المسيح ، وبناء علي هذه التبرأة إضطر الفاتيكان سنة 1993 إلى الإعتراف بالكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين – رغم كل ما بينهما من خلافات .. وتم إقتلاع اليسار فى عقد الثمانينات ، فقد إنهار النظام السوفييتى سنة 1991 بالتعاون بين الولايات المتحدة والفاتيكان وجورباتشوف ، وما أكثر ما كُتب فى هذا المجال حتى عن ملايين الدولارات التى تم صرفها .. ولم يكن باقيا من قرارات أساسية إلا إقتلاع الإسلام وتنصير العالم ، لأن عملية توحيد الكنائس المنشقة تسير بخطى واسعة إذ أن الفاتيكان يلوّح بأن ذلك ضرورى من أجل التصدى للمد الإسلامى !.. وحينما بدأت الألفية الثالثة و الإسلام باقياً متزايداً ، رغم المحاولات المستميتة لفرق المنصرين فى جميع أنحاء العالم ، قام مجلس الكنائس العالمى فى يناير 2001 بإسناد هذه المهمة إلى الولايات المتحدة التى أصبحت السلطة العسكرية المتفردة فى العالم .. وفى الحادى عشر من سبتمبر 2001 ، أى بعد بضعة أشهر وفى نفس ذلك العام ، قامت السياسة الأمريكية بعمل "مسرحية 11 / 9 " لتتلفع بشرعية دولية لإقتلاع الإسلام والمسلمين بعد  ربطهما بالإرهاب ظلما وعدوانا..

 

وملايين المسلمين الذين تم إغتيالهم فى أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين وغيرها من البلدان الإسلامية بسبب الغزو غير المبرر الذى لم يتصدى له أحد ، بل ولم يضعه أحد على حد علمى تحت بند "جرائم فى حق الإنسانية" ويطالب بالتحقيق فيها ، كلها حقائق لم تعد خافية . كما أن جحافل المنصرين التى كانت تواكب هذه الجيوش بأناجيلها ، لم تعد بحاجة إلى أدلة وبراهين ، فالوقائع المعاشة تتحدث بما فيه الكفاية .

 

ولتوضيح كيف أن عمليات التلاعب بالنصوص لا تزال تتواصل ، لقد أوضح بنديكت 16 فى آخر كتاب له، صدر فى مارس 2011 ، بعنوان "يسوع الناصرة"، وهو الجزء الثانى من الكتاب الذى صدر منذ عدة أعوام، مؤكدا على أن الشعب اليهودى ليس مسئولا عن مقتل يسوع .. وهو ما كان مجمع الفاتيكان الثانى قد أقره والذى أدى إلى حدوث هاوية بين الكنيسة والأتباع يستحيل رأبها ، ولكنها أول مرة يتجرأ فيها أحد البابوات ليعلن ذلك باسمه ، ويخالف أقوال الأناجيل ، ويشرح عدم صحة تحميل إتهامهم مقتل يسوع بتحليل أقوال إنجيل يوحنا ، ليخرج بأن المقصود بهذه الإدانة هى أرستقراطية المعبد ، ولم يكتب حتى "حاخامات المعبد" وهو الأصح قولا وفعلا ، وأن تلك الأرستقراطية  هى التى أرادت قتل يسوع لأنه أعلن عن نفسه ملكا لليهود وبالتالى قد إغتصب الشرع اليهودى !!. وهذا الرفض اللاهوتى للإتهام بقتل الرب لا يؤكد تعاليم مجمع الفاتيكان الثانى فحسب والذى أسقط تماما الإدانة الجماعية لليهود ، رغم كل ما يرد فى الأناجيل الأخرى ، وإنما يضفيها على جيل جديد من الكاثوليك ، بما أن نصوص الأناجيل الأخرى تتحدث بغير ما هو وارد فى إنجيل يوحنا .. ويا له فعلا من درس طبخ فى استخدام النصوص و لىّ الحقائق ـ على حد قول القاضى جوزيف هويلس !

 

*  الخاتمة : 

لا شك فى أن أول ما نخرج به عند تناول المنظور المسيحى للمعرفة هو : أن الكنيسة لم تكف عن محاربة العلم والعلماء ، ولا تزال ، وأن المسيحية الحالية قائمة على عملية تحريف لرسالة يسوع وإنجيله ، الوارد ذكره ،لا فى القرآن الكريم فحسب ، وإنما فى بعض الجمل التى لا تزال باقية فى الأناجيل رغم تحريفها الشديد ، ومنها : "... حتى أنى من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح " (رسالة بولس إلى أهل رومية 15 : 19) أو "...وأنا أعلم إنى إذا جئت إليكم سأجى فى ملء بركة إنجيل المسيح" (إلى أهل رومية 15 : 29). وقد بدأ التحريف والتلاعب بالرسالة منذ أيام بولس ، الذى جعل نفسه رسولا ، ثم قديسا، وألغى عهد الله الممثل فى الختان الذى أراده الله أبديا وأقام التعميد ، وتواصل التلاعب بالنصوص حتى يومنا هذا. ومع بداية التحريف بدأت عمليات التصدى له، وهو ما لا تزال أصداؤه موجودة فى أعمال الرسل والأناجيل.. ولم تتوقف محاولات العلماء أو بعض رجال الكنيسة من التصدى لهذا التحريف، كما لم تتوقف المؤسسة الكنسية عن محاربة العلم والعلماء وكانت تتصدى لهم بكل جبروت وبشتى الوسائل حتى بالقتل ، بل أنها فى عصور الظلمات كانت تحرّم على الأتباع قراءة النصوص الدينية وتلزمهم بالإكتفاء بما يقوله القساوسة ..

 

واحتدت المعارك وتنوعت مع التقدم العلمى واختراع المطبعة وتقدم دراسة العلوم اللغوية حتى كان عصر التنوير وما تبعه من معركة فاصلة هى : معركة الأصولية والحداثة ، وجاهد البابوات للتصدى لها بالخطب الرسولية التى تدين الحداثة والعلماء ، وجندوا فيالق من أتباعهم للتصدى لمعركة لا تزال تلقى بعواقبها مع تزايد إبتعاد المسيحيين عن الكنيسة . مما دعى البابا بنديكت 16 إلى تكوين لجنة بابوية  فى أكتوبر عام 2010 لإعادة تنصير البلدان المسيحية الأوروبية  بعد أن غاصت فى الإلحاد ..

 

وقد تم إشتقاق كلمتا الحداثة والأصولية أيام تلك المعركة ، بحيث أن كلمة "الحداثة " تشير إلى عملية المطالبة بتنقية النصوص الدينية والعقيدة و تحديثها بإستبعاد كل ما بها من أساطير منقولة أو معطيات لا يقبلها العقل أو المنطق .. وأن كلمة "الأصولية " تمثل رد الكنيسة الكاثوليكية وتمسكها بالنصوص والعقائد بكل ما بها من تناقد مع الإصرار على فرضها على أنها أصول منزّلة ! أى ان الحداثة تعنى حذف التحريف وكل ما هو منافى للعِلم والعقل ، والأصولية تعنى التمسك بهذه الأصول المحرّفة .. لذلك لا يجب ولا يجوز إستخدام هاتين الكلمتين فى حق القرآن والإسلام لإرتباطهما الشديد بتلك المعركة الكنسية مع العِلم والعلماء .. فالقرآن الكريم بدأ تنزيله بفعل أمر: إقرأ ، ولم يتعرض مطلقا لما تعرضت له النصوص المسيحية من تغيير وتبديل ، كما أنه يحثنا على تحصيل العِلم والتعلم ، بل يكرّم العلماء ويجعلهم ورثة الأنبياء ، ولا يقتلهم !.

 

والفاتيكان فى حربه ضد الإسلام ، تلك الحرب الضروس التى بدأت مع بداية إنتشاره ولم تتوقف ، بل باتت حرب معلنة تدور رحاها بكل تبجح ومغالطة ، قد قام بتحويل دفة الهجوم الواقع عليه من علماء دينه أو المنشقين عليه ، وتضامن مع النظام العالمى الجديد ليقوم بحرب كاسحة لإقتلاع الإسلام ، إعتماداً على خطين أساسيين :

 

* عملية إسقاط  لكل ما تعرضت له نصوصه من مآخذ وتحريف وإلصاقها بالإسلام ؛

 

* إلصاق تهمة الإرهاب ، التى مارسها على أتباعه لمدة قرون طويلة ولا يزال ، وجعلها نابعة من القرآن الكريم  ليطالب بتغييره وتنقيته مما به من لا معقول ـ على حد قولهم !!.. لذلك لا بد من تكريس كافة الجهود حاليا للتصدى لعملية إقتلاع الإسلام و تنصير العالم ، لأن ذلك قرار مجمعى ، أى : لا رجعة فيه . ففى الرابع من شهر مارس 2011 أعلن بنديكت 16 عن خطة بيان البرنامج الذى سيقام بناء عليه سينودس الأساقفة من أجل "التبشير الجديد وكيفية توصيله للعالم " الذى سيعقد من 7 إلى 28 أكتوبر 2012 ، ويقع هذا البرنامج التوجيهى فى حوالى 70 صفحة ، سيقومون بدراستها وإضافة المقترحات لمعرفة كيفية التنفيذ بمصطلحات جديدة دون أن يبدو عليهم أنهم يبشرّون !..  

 

وإلى كل الذين سيكتفون بالتشدّق بعبارة أن ذلك غير ممكن أو غير معقول ، أسوق إليهم مقولة البابا السابق يوحنا بولس الثانى ، وهى واردة فى خطابه الرسولى المعنون  " رسالة الفادى " : إن الكرسى الرسولى يسعى إلى التدخل لدى حكام الشعوب والمسئولين عن مختلف المحافل الدولية أو الإنضمام إليهم بمحاورتهم أو إخضاعهم لمصلحة المصالحة " .. والمصالحة كالحوار تعنى فى نصوصهم " الإرتداد والدخول فى سر المسيح " !..

 

 

 

كشف بأهم المراجع

 

 

Baigent, M. & Leigh, R. : La Bible confisquée : enquête sur le détournement des manuscrits de la Mer morte, éd. Plon, Paris, 1991.

 

Bremond, N. de : La foi de Vatican II, éd. Karthala, 2004.

 

Bultmann, R. : Histoire de la Tradition synoptique, le Seuil, 1973.

 

Casanova, A. : Vatican II et l’évolution de l’Eglise, éd. Sociale, Paris, 1969.

 

Castille, D. : Du paganisme au Christianisme, éd. J.M.G., Paris, 2004.

 

Daniélou, J. : Les Manuscrits de la Mer morte et les origines du Christianisme, éd. de L’Orante, Paris, 1974.

 

Duquesne, J. : Jésus, Desclée de Brouwer/Flammarion, Paris, 1944.

 

Garaudy, R. : Intégrismes, Belfond, 1990.

 

Guignebert, Ch. : Modernisme et Tradition catholique en France, Paris, 1908.

 

Laloux, L. : Histoire du Christianisme au XXe. Siècle, F-X de Guignebert, 2004.

 

Lathuilière, P. : Fondamentalisme catholique, éd. Du Cerf, 1995

 

Laurentin, R. : L’Eglise et les juifs à Vatican II, Casterman, 1967.

 

Lefebvre, H. : Introduction à la Modernité, éd. De Minuit, Paris, 1962.

 

Lefranc, E. : Les Conflits de la Science et de la Bible. Paris, 1906.

 

 Loisy, A. : L’Evangile et l’Eglise, éd. Maen Bellevue, Paris, 1904.

 

Paul, A. : Petite bibliothèque des sciences bibliques, Desclée, Paris, 6 vol., 1981-1985.

 

Ricardi, A. : Le pouvoir du Pape, de Pie XII à Paul VI. Rome, 1988.

 

Rivière, J. : Le Modernisme dans l’Eglise, Letousey et Ane, Paris, 1929, 589 pp.

 

Wheless, J. : Is it God’s word ?, N. Y., 1926.

 

                : Forgery in Christianity, Health Research, Canada, 1930.