لعبة الحوار بين الأديان .

 

بقلم الأستاذة الدكتورة

زينب عبد العزيز      

 

أستاذة الحضارة الفرنسية.

 

 

لقد تزايد استعمال كلمة "  الحوار " في السنوات الأخيرة بصورة لافتة للنظر ، وبتنويعات متعددة ، وإن كان أهمها وأكثرها خطورة هي عبارة : " حوار الأديان " . ولكي ندرك مدى أهمية وخطورة هذه العبارة فلابد من الرجوع إلى عام 1965م ؛ ذلك العام الذي اُختُتِمتْ فيه أعمال المؤتمر الفاتيكاني المسكوني الثاني (1962 – 1965م ) الذي يعتبر أول مجمع هجومي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ؛ إذ إن كافة المجامع السابقة كانت عبارة عن مجامع دفاعية تلفيقية.

 

ولقد تم اتخاذ عدة قرارات مصيرية في هذا المجمع الفاتيكاني ؛من أهمها :

 

·        تبرئة اليهود من دم المسيح .

 

·        اقتلاع اليسار في عقد الستينيات .

 

·        اقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات .

 

·        توصيل الإنجيل إلى كافة البشر .

 

·        تحميل عملية التبشير على كافة المسيحيين ؛ الكنسيين منهم والعلمانيين ، والاعتماد في ذلك ، أيضاً ، على كافة الكنائس المحلية .

 

·        توحيد الكنائس "  المنشقة "  تحت لواء كاثوليكية  روما  .

 

ولعل أحداً لم يلتفت آنذاك إلى حقيقة عبارة : " توصيل الإنجيل إلى كافة البشر " إلى أن قام البابا  يوحنا بولس الثاني  بتوضيحها صراحةً عام 1982م حينما أعلن في مدينة  شانت يقب  بشمال غرب إسبانيا ، بوضوح لا مُواربة فيه مطالباً بضرورة تنصير العالم.

 

وأثناء انعقاد ذلك المجمع المسكوني ( 1962 –  1965م ) قام الفاتيكان عام 1964م بتكوين منظمتين أساسيتين هما : " المجلس البابوي للحوار مع الديانات " و " اللجنة العليا لتنصير الشعوب " . وهاتان المنظمتان على اتصال دائم بالعاملين في بعثات التبشير والحوار الديني بالعالم أجمع ؛ إذ إنهما من أهم الإدارات الفرعية والمنظمات التي تضمها الإدارة البابوية .

 

ولا يتسع المجال هنا لنورد كل المراجع الكنسية التي تتضمن شرحاً لمعنى : " الحوار " من وجهة النظر الفاتيكانية ، لكنَّا سنورد بعض النماذج لأهم هذه الشروح ، ففي عام 1969م ؛ أي بعد انعقاد المجمع بأربع سنوات ، أصدر الفاتيكان كتاباً بعنوان : " توجيهات من أجل الحوار بين المسيحيين والمسلمين (1) نذكر منه ما يلي :

 

·        هناك موقفان لابد منهما أثناء الحوار : أن نكون صرحاء ، وأن نؤكد مسيحيتنا وفقاً لمطلب الكنيسة . ( وقد بات مطلب الكنيسة معروفاً . )

 

·        أخطر ما يمكن أن يوقف الحوار : أن يكتشف من نحاوره نيتنا في تنصيره .

 

·        يجب تفادي الدخول في مناقشات حول ما يرِد في القرآن بشأن المسيح والمسيحية ، ولنترك المسلم يتساءل عنها كيفما شاء ، وعلينا أن نتذكر أن قبولنا لسر المسيح يمثل سر إيماننا .

 

·        على جميع المسيحيين المهتمين بالحوار تفادي الحديث عن الحديث عن مُحمد بأي استخفاف ، وألا يبدو عليهم أبداً ازدراء ذلك الحماس الذي يحيطه به الإسلام ، وعدم إنكار دوره الديني كمبشر دائم وشجاع للتوحيد الذي نشره المسلمون فيما بعد .

 

·        من أهم عقبات الحوار ما قمنا به في الماضي ضد الإسلام والمسلمين ، وهذه المرارات عادت للصحوة حالياً ، وقد أُ ضيفت الآن قضية إسرائيل وموقف الغرب منها ، ونحن كمسيحيين نعرف ما هي مسئوليتنا حيال هذه القضية ، وعلينا أن نبحث دائماً عن توجه إنساني ، خاصة أن حل هذه المشكلة ليس في أيدينا .

 

·        لا يكفي أن نتقرب من المسلمين ، بل يجب أن نصل  إلى درجة احترام الإسلام على أنه يمثل قيمة إنسانية عالية وتقدماً في التطور الديني بالنسبة للوثنية .

 

·        مراعاة سوء فهم المسلم للعقيدة المسيحية ، لأن العبارات الوارد ة في القرآن عن المسيحية تشوهها ، فهم ينفون التثليث وتجسد الله في المسيح ، وأي حوار في هذا المجال سيُواجه بالفشل ما لم يغير المسلم من موقفه .

 

·        في أي حوار يجب على المسيحي أن يقنع المسلم بأن المسيحية قائمة على التوحيد ، وألا يناقش أية تفاصيل ، فأى كلام سيقوله المسيحي تبريراً للعقيدة لن يمكنه أن يقنع به المسلم الذي لا يرى في الثالوث إلا المساس بالتوحيد ، ويستند في ذلك إلى سورة التوحيد أواًلإ خلاص .

 

·        ضرورة القيام بفصل المسيحية في حد ذاتها عن العام الغربي ومواقفه المعادية  والاستعمارية فالمسلم لم ينس ذلك بعد .

 

·        على من يقوم بالحوار من المسيحيين فصل ماهو ديني عمَّا هو دنيوي في المواقف السابقة للكنيسة والغرب من الإسلام والمسلمين والبحث عن نقاط مشتركة .

 

·        يجب الاعتماد على الغرس الثقافي ، وعدم إغفال الدور الذي يقوم به الغرب في العالم الثالث من تغيير حضاري .

 

·        لابد من اشتراك الجميع في الحوار ، وليس العاملون في الكنيسة وحدهم .

 

 

وفي شهر كانون الأول / ديسمبر عام 1984م أصدر البابا  يوحنا بولس الثاني نصا إرشادياً

 

بعنوان : " بشأن المصالحة والتوبة في رسالة كنيسة اليوم " (2) وهو خطاب يقع في 128 صفحة ، مكون من ثلاثة أجزاء ، نطالع فى الفصل الأول من الجزء الثالث منه موضوعاً عن    " الحوار " ، هو البند رقم 25 ، ويقع في ست صفحات ، ومما جاء فيه :

 

·        إن الحوار بالنسبة للكنيسة هو عبارة عن أداة ، وبالتحديد عبارة عن طريقة للقيام بعملها في عالم اليوم .

 

·        إن المجمع الفاتيكاني الثاني قد أوضح أن الكنيسة هي علامة لتلك الأخوة التي تجعل الحوار الصريح ممكناً وتزيده قوة ، وذلك بمقتضى الرسالة التي تتميز بها ، وهي : إنارة الكون كله ببشارة الإنجيل ، وتوحيد البشر بروح واحدة .

 

·        إن على الكنيسة أن تكون مستعدة دائماً لإقامة " حوار " مثمر بين كل الذين يؤلفون شعب الله الواحد ، وأن تتمكن من إقامة حوار مع المجتمع البشري .

 

·        لقد خصَّ سلفنا بولس السادس " الحوار " بقسم مهم من رسالته العامة مبدوءة بعبارة: " كنيسته " حيث وصف " الحوار " وحدده تحديداً له دلالته؛ إذ قال عنه: " إنه حوار الخلاص. "

 

·        أن الكنيسة تستعمل طريقة الحوار لكي تحْسِنَ حمل الناس على الارتداد والتوبة سواء أكانوا أعضاء في الجماعة المسيحية بالتعميد والاعتراف بالإيمان ، أم هم غرباء عنها ، وذلك عن طريق تجديد ضميرهم وحياتهم تجديداً عميقاً في ضوء سر الفداء والإخلاص اللذين حققهما المسيح ووكلهما لخدمة الكنيسة .

 

·        أن الحوار الصحيح يرمي –  إذن وأولاً –  إلى تجديد كل فرد بالارتداد الباطني والتوبة ، مع احترام كل الضمائر ، اعتماداً على الصبر والتأني والتقدم خطوة خطوة وفقاً لما تقتضيه أحوال الناس في عصرنا .

 

·        تقوم الكنيسة بتشجيع الحوار المسكوني بصفة خاصة  ؛ أي الحوار بين الكنائس والجماعات الكنسية التي تعترف بالمسيح ابن الله والمُخَّلِص الوحيد ، وكذلك الحوار مع سائر جماعات الناس الذين يبحثون عن الله ويتوقون إلى إقامة علاقة اتحاد معه .

 

·        إن الكنيسة الكاثوليكية بجميع فئاتها تسير بصدقٍ في طريق الحوار المسكوني ، بعيداً عن التفاؤل السهل ، ولكن بحذر وبلا تردد أو تباطؤ .

 

·        إن حوار المصالحة الذي تلتزم به الكنيسة على الأخص من خلال نشاط الكرسي الرسولي و أجهزته المختلفة حوار معقد دقيق ، ويمكن القول : " إن الكرسي الرسولي يسعى إلى التدخل لدى حكام الشعوب والمسئولين عن مختلف المحافل الدولية ، أو الانضمام إليهم بإجراء الحوار ، أو حضهم على الحوار لمصلحة المصالحة وسط  صراعات عديدة .

 

·        والعلمانيون ، الذين يتخذون التبشير بالإنجيل ميداناً لنشاطهم الخاص في عالم السياسة والاجتماع والاقتصاد الواسع المقصد  وفي الحياة الدولية ، مدعوون للاتحاد برعاتهم والالتزام بالحوار مباشرة لمصلحة الحوار من أجل المصالحة، فالكنيسة هي التي تقوم بعملها من خلالهم وبواسطتهم .

 

ومن أهم الوثائق التي صدرت فيما يتعلق بالحوار مع الديانات الأخرى  نصَّان أساسيان ؛ أولهما هو : الخطاب الرسولي للبابا  يوحنا بولس  الثاني  والمعنون : " رسالة الفادي" الصادر في 7 من كانون أول / ديسمبر عام 1990م ، وقد تم إعلانه يوم 23 من كانون ثانٍ / يناير 1991م ، وثانيهما وثيقة " حوار وبشارة " ، والمؤرخة في 19 من آيار / مايو عام 1991م ، وتم الإعلان عنها في يوم 20 من حزيران / يونيو ، وهي من إعداد لجنة الحوار والمجلس الأعلى لتبشير الشعوب ، وتأتي على مسافة خمسة أشهر من خطاب البابا السالف الذكر .

 

والعلاقة الموضوعية بين الوثيقتين تكمن في أن الخطاب الرسولي للبابا يؤكد ويفرض أن عملية فداء المسيح قد تمت من أجل خلاص جميع البشر . الأمر الذي معناه إخضاع جميع البشر لعملية التنصير المُلحة التي تم اتخاذ قرارها في المجمع الفاتيكاني الثاني ( عام 1965 ) ، والتي طالب بها البابا علناً عام 1982م . أما الوثيقة الثانية فتعني    اختصاراً –  كيفية  تنفيذ عملية التنصير هذه ، وكيفية القيام بها من خلال الحوار .

 

وتقع وثيقة " رسالة الفادي " في 144 صفحة ، وتضم ثمانية فصول ، ونجد في الفصل الخامس منها خمس صفحات عن " الحوارمع الإخوة من ديانات أخرى  "  نقتطف منها :

 

·        إن الحوار بين الديانات يشكل جزءا من رسالة الكنيسة التبشيرية ، وهو لا يتعارض مع رسالة التبشير إلى الأمم ، بل على العكس من ذلك ، أنه مرتبط بها بصفة خاصة ، ويعد تعبيراً عنها ، لأن هذه الرسالة موجهة إلى أُناس لا يعرفون المسيح ولا إنجيله . وهم في أكثريتهم الساحقة ينتمون إلى ديانات أخرى .

 

·        لقد نوه المجمع الفاتيكاني بإسهاب ، وكل تعاليم السلطة الناجمة عنه ، وأكد بثبات دائماً على أن الخلاص يأتي من المسيح ، وأن الحوار لا يعفي من التبشير بالإنجيل .

 

·        وفي ضوء المخطط من أجل الخلاص ، فإن الكنيسة لا ترى أي تناقض بين التبشير بالمسيح والحوار بين الديانات ، لكنها تشعر بضرورة تنسيقهما في إطار رسالتها الى الأمم، لأنهما متميزان .

 

·        إن الكنيسة تعترف طواعية بكل ما هو حق ومقدس في التقاليد الدينية عند البوذية والهندوسية والإسلام كانعكاس للحقيقة التي تنير للبشر جميعا ، إلا أن ذلك لا يخفف من واجبها وعزمها على الإعلان بلا تردد أن يسوع المسيح هو الطريق ، والحق ، والحياة .

 

·        على الحوار أن يوجه وينمى بالإقناع أن الكنيسة هي الطريق العادي للخلاص ، وأنها وحدها تملك كل وسائل الخلاص.

 

·        مع العلم بأن الحوار يمكن أن يكون مصد ر غنى لكل جانب إلا أنه يجب ألا يكون هناك استسلام ولا تساهل ، بل شهادة متبادلة بغية تقدم هؤلاء  وأولئك في طريق البحث والاختيار الديني ، وبغية تجاوز الأفكار المسبقة وعدم التسامح وسوء الفهم .

 

·        يرمي الحوار إلى التطهير والاهتداء الداخليين اللذين إذا ما تما في خضوع تام للروح القدس أثمرا روحياً .

 

·        أن المؤمنين جميعاً والجماعات المسيحية كلها مدعوة لممارسة الحوار حتى وإن لم يكن على نفس المستوى ، وبأشكال متماثلة .

 

·        أن إسهام العلمانيين في هذا الحوار ضروري : إذ يستطيع المؤمنون من خلال أمثلة حياتهم وعملهم أن يحسِّنوا العلاقات بين أتباع الديانات المختلفة ، فضلاً عن أن البعض منهم بوسعه المشاركة في الأبحاث والدراسات . إن الحوار هو الطريق إلى الملكوت ، وهو بالتأكيد سيعطي ثماره ، حتى وإن كانت الأزمنة والأوقات في علم الأب .

 

 

أما وثيقة " حوار وبشارة " ( 4) فتتكون من تسعة وثمانين بنداً ، وهي مُقسَّمة إلى     13 بنداً .  وثلاثة أجزاء 73  بنداً ، وخاتمة  3 بنود  ، الجزء الأول فيها بعنوان :          " الحوار بين الأديان"  ( 14 54 ) والثاني بعنوان : " التبشير بيسوع المسيح "  ( 55 – 76 ) ، والثالث بعنوان : " الحوار بين الأديان والتبشير " ( 77– 86 ) .

 

وقد صدرت هذه الوثيقة في ذكرى مرور خمسة وعشرين عاماً على صدور وثيقة مجمع الفاتيكان الثاني والمعنونة : " زماننا هذا " حول علاقات الكنيسة مع الديانات الأخرى ، وهي توضح أهمية الحوار بين الديانات في هذه العلاقة القائمة على ازدواجية رهيبة بين القول والتنفيذ، فالحوار والتبشير يمثلان وجهي عملة واحدة هي رسالة الكنيسة التبشيرية ، وهي وثيقة مقدمة من اللجنتين المسئولتين عن إعدادها كبرنامج ومنهج عمل للكنيسة العالمية ، بما في ذلك الكنائس المحلية ، وقد قام بالتوقيع عليها الكاردينال  أرنزي  المسئول عن الحوار مع المسلمين ، ومما ورد بهذه الوثيقة :

 

·        إن سرعة وسائل الاتصال وتحرك الشعوب وتداخلها قد أوجد نوعاً من الوعي الجديد بالتعددية الدينية ، فالديانان الأخرى لم تعد تكتفي بالتواجد ببساطة ، أو ببقائها صامدة ، بل – في بعض الأحيان – تعرب عن صحوة جديدة ، فهي مازالت تلهم وتؤثر على حياة الملايين من أتباعها ، ففي الإطار الحالي للتعددية الدينية لم يعد من الممكن تناسي الدور المهم الذي تؤديه التقاليد الدينية .

 

·        إن هذه الوثيقة مقدمة لأتباع الكاثوليكية ولبقية أتباع الكنائس الأخرى لتوحيد الجهود ، لذلك تنتهي المقدمة بتوضيح دلالة بعض العبارات الأساسية التي ترد طوال النص ، ومنها :

 

التبشير : عبارة لها أكثر من معنى ، ومنها توصيل النبأ السعيد إلى الإنسانية جمعاء ، وتغيير       أعماق الإنسان بواسطتها ، وقيام الكنيسة بغرض الارتداد بواسطة الطاقة الإلهية للرسالة التي   تبلغها للأفراد والجماعات ، والتبشير صراحة وبوضوح وبلا مُواربة بيسوع المسيح .

 

 

الحوار : تتسم هذه العبارة بأكثر من معنى أيضاً :

 

        *  أولاً : الاتصال المتبادل بغية تحقيق هدفٍ معين .

 

        * ثانياً : اتخاذ موقف من الاحترام والصداقة الذي يجب أن يتسم به كافة أنشطة إرسالية   

 

 التبشير ؛ أي ما يسمى بروح الحوار .

 

        *  ثالثاً : مجمل العلاقات الإيجابية والبناءة بين الأديان مع جماعات العقائد المختلفة بغية          

 

 المزيد من التعارف والإثراء مع الطاعة الكاملة للحقيقة واحترام حرية كل فرد .

 

البشارة : تعني توصيل الرسالة التبشيرية وسر الخلاص الذي حققه الله للجميع في يسوع  بقوة الروح القدس ، ويمكن القيام بذلك على الملأ ، ويمكن القيام بذلك سراً في صيغة حوارات خاصة.

 

الارتداد : إن فكرة الارتداد تتضمن دائماً اتجاه الإنسان بالكامل إلى الله ومن ناحية ثانية تعني تغيير الانتماء الديني ، وخاصة الدخول في المسيحية .

 

أديان وتقاليد دينية : وتشتمل هذه العبارة على الديانات التي يروق لها الانتساب إلىعقيدة إبراهيم ، وكذلك التقاليد الدينية الكبرى لآسيا وأفريقيا وبقية العالم .

 

وبخلاف هذه الإيضاحات الواردة في المقدمة فإننا نطالع في بقية الوثيقة على سبيل المثال:

 

·        إن الحوار مع الديانات الأخرى ليس نزوة من نزوات الكنيسة الحالية ، وإنما هي رسالة مُبلَّغة من الأب ليتم تطبيقها على كافة الأمم .

 

·        إن الله قد خلق كل الرجال والنساء على صورته ، وبذلك فإن مصير الجميع واحد، فلا يوجد سوى خطة خلاص واحدة متمركزة في يسوع المسيح الذي قد توحَّد بتجسده بكل إنسان بلا استثناء ، وأياً كانت عقيدته الدينية .

 

·        الديانات الأخرى رغم ما بها من قيم إيجابية ، هي انعكاس لمحدودية الفكر الإنساني الذي يميل إلى اختيار الشر ، والتعامل مع الديانات الأخرى لا يعني أن يغمض المسيحي عينه على ما بها من تناقضات تفصل بينها وبين المسيحية ، وذلك يعني أن الدخول في حوار بفكرٍ مفتوح مع أعضاء الديانات الأخرى يجب على المسيحيين إقناعهم بصورة سليمة بالتأمل في فحوى ومتناقضات عقائدهم .

 

·        يتعين على المسيحيين أن يساعدوا مؤمني العقائد الأخرى على التطهر من تراثهم الديني لتقبل عملية الارتداد .

 

·        إن أعضاء الديانات الأخرى مأمورون بالدخول في الكنيسة من أجل الخلاص ، لذلك فهو حوا ر من أجل الخلاص .

 

·        الحوار يتم من أجل الخلاص ، يعني ارتداد الجميع إلى الرب ، وذلك هو ما يعطي قيمة ذاتية للحوا ر ، وأثناء عملية الارتداد هذه يتم القرار بالتخلي عن العقيدة الدينية السابقة والدخول في عقيدة جديدة .

 

·        أهم مجالات الحوا ر بين مجا ل الأديان هو مجال الثقافة ، لأن مفهومها أ وسع من مفهوم الدين الذي لا يمثل سوى بعداً  تصاعدياً  وا حداً ، أما الثقافة ، وخاصة العلمانية ، فيمكنها أن تقوم بدور نقدي با لنسبة لبعض العناصر السلبية في ديانة   أو أخرى .

 

·        رغم كل المصاعب والعقبات فإ ن التزام الكنيسة با لحوار ثابت ولا رجعة فيه .

 

·        إن تقديم الرسالة االتبشيرية ليست مساهمة اختيارية بالنسبة للكنيسة ، إنه الواجب الذي يقع عليها بأمر ا لرب يسوع حتى يمكن للبشر أن يؤمنوا ويُنْقذوا . نعم هذه الرسالة ضرورية ، إنها فريدة ولا يمكن استبدالها ، ولا تتحمل أية لامبالاة ، ولا

 

·        أية تلفيقية ، ولا أية مواءمة ، إنها متعلقة بخلاص البشر .

 

إن نصوص هذه الوثائق من الوضوح بحيث إنها ليست بحاجة إلى توضيح ، أو حصرلنقاطها الأساسية . فالموقف لم يعد يترك أي مجال للشك ، أو التخمين ، أو لافتراض أي بصيص من حسن النية ، فتنصير العالم بات أمراً  يتم تنفيذه بالفعل منذ اتخاذ هذا القرار في المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني عام 1965م ، وعلى حد قول كافة الوثائق التي تتناول هذا الموضوع ؛ إن تنصير العالم هو قرار لا رجعة فيه ، ويتم فعلاً  ، وباستخدام كافة الوسائل شريطة أن يتم تدريجياً وبعناية فائقة وصبر طويل دون أن ينكشف أمر من  يقومون  به .

 

غير أن الأمر اللافت للنظر هنا هو تغيير وسائل وأساليب التبشير من الناحية العملية ؛ أي أنها لم تعد تتم عن طريق فرق المبشرين والمستشرقين فحسب ، وإنما أصبحت تقع على عاتق كافة أتباع المسيحية ، أياً كانت انقساماتهم العقيدية ، مع تغيير الأسلوب القائم على السب والتجريح والسخرية وتحريف معاني القرآن الكريم والسنة ؛حيث إنه أسلوب قد ثبتت عدم فعاليته على مر القرون ، فالإسلام –  ولله الحمد – ينتشر بثبات ورسوخ   لنقائه  وبساطة تعاليمه ، وبتغيير منهج التبشير أصبح الاعتماد على الدراسة والتحليل والبحث عن منافذ للتسلل من خلالها بالتدريج هو القانون الجديد ، إضافة إلى تفادي المناقشات الجادة المتعلقة بمناقشات العقيدة المسيحية الحالية من تثليث وتأليه للسيد المسيح وعبادة الصليب ...إلخ ، والتلفع بمسوح الود والاحترام حتى تتم عملية الاغتيال .

 

ومما تقدم نخرج بأن الحوار في مفهوم الكنيسة الفاتيكانية ليس إلا حرباً صليبية جديدة ؛ حرباً بالكلمات بدلاً من السلاح ، وهو ماكان قد أعلنه  بطرس  المبجل ، رئيس دير كلوني ، في مطلع القرن الثاني عشر ؛ إذ قال للمسلمين : " إنه لن يبدأ حرباً صليبية جديدة بالسلاح ، وإنما بالكلمات ؛ أي بالحوار . " ( 5 ) الأمر الذي يوضح أن لعبة الحوار الحالية التي تُدار على الصعيد العالمي هي جزء متواصل من مخطط  قديم بدأه  بطرس المبجل مع  مسلمي إسبانيا  وتمخض عن إبادتهم جميعاً , وإبعاد الإسلام عن إسبانيا ، على حد قول  جليان رييس فى صفحة  245 الذي يوضح بعد ذلك بمائة صفحة تقريباً " كيف أنه بازدهار الإمبريالية الأوروبية ، طوال القرن التاسع عشر ، قد بدأ احتلال مواقع استراتيجية تم انتزاعها من المسلمين ، ومنها مصر وإيران وأفغانستان والمشرق العربي وشمال افريقيا " صفحة  ( 356 ) فالا رتباط الحميم  بين الا ستعمار والتبشير والحوار من القضايا التي لم تعد بحاجة إلى مزيد من الأدلة والبراهين .

 

وإذا عدنا إلى مطلع هذا المقال ، وإلى قرارات ذلك المجمع الفاتيكاني ، الذي تم فيه تكريس وتدعيم مخطط الحوار والتنصير ، والذي لم يكن في واقع الأمر إلا الخطة التنفيذية لاستتاب العولمة  وفرضها على  العالم  أجمع  بحيث لا يكون هناك سوى  نظام  سياسي واقتصادي واحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، ونظام ديني بزعامة الكاثوليكية الفاتيكانية، وربطنا كل ما يدور حالياً ، وكل ما بدأت حياكته منذ عام 1965م من اختلاق عبارات من قبيل " الإسلاميين " و" الإسلام السياسي " و " الإرهاب الإسلامي " وتعمد تشويه صورة الإسلام والمسلمين ، مستعينين بكل وسائل الإعلام من تعتيم وترويج  وصولاً إلى سن قانون حماية الأقليات المسيحية في البلدان الإسلامية بعد أن حملَّهم المجمع المشاركة الإجبارية في عمليات التبشير ، ووضعهم بذلك أمام محنة الولاء ، ولمن يكون ؛ للتعصب الفاتيكاني ، أم للوطن الذي ويأويهم ويرعاهم ؟... إذا ما ربطنا بين كل هذه الخيوط وغيرها ، فلم نذكر إلا الشذرات ، وبين ما يدور من أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية ، لأدركنا فداحة الموقف ، ولأدركنا ضرورة أن كل المسلمين بعامة ، وكل الذين يشتركون منهم في إجراءات الحوار حقيقة أبعاد تلك اللعبة بالنسبة للغرب والتعصب الفاتيكاني ؛ إذ إن ذلك المخطط " لا رجعة فيه " كما أكده البابا " يوحنا بولس الثاني " في أكثر من موقع , وأكثر من وثيقة .

 

 

 كشف المراجع

  

 

 1- P .Marella , Cardinal : " Orientations pour un dialogue entre Chrétiens et musulmans "   éd.  Ancona , Roma , 1991 .

 

2-  يوحنا بولس الثاني : " المصالحة والتوبة في رسالة الكنيسة اليوم . " منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام ، الفاتيكان ، 1984م .

 

3- John Paul ІІ : " Redemptoris Missio " Libreria editrice Vaticana , 1991

 

 

4- F. Arinze , Cardinal : " Dialogue et Annonce. " Document du Conseil Pontifical Pour le Dialogue inter-religieux et de La Congrégation pour L'Evangélisation des peuples, 1991.

 

5- Julien Riès : " Les Chrétiens parmi les religions." Desclée , Paris , 1987 .