كلية دار العلوم – جامعة القاهرة

 

مؤتمر : الإتجاهات الحديثة فى علم الفيزياء

 

من 6 ألى 11 أبريل 2006

 

 

 

القرآن الكريم

 

مشروع حضارى

 

                                          

 

 

 

الأستاذة الدكتورة

 

زينب عبد العزيز

 

استاذة الحضارة الفرنسية

 

 

 

القاهرة 2006

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مقدمة

 

إن الأحداث الجارية على الصعيد العالمى  تحتم علينا ، عند تناول التعريف بالقرآن الكريم كمشروع حضارى ، أن نبدأ بالتعريف بالإسلام وبالإشارة إلى الظروف التى أدت إلى مجيئه وما يدور حاليا من أحداث.

  فالإسلام هو ثالث و آخر رسالات التوحيد ، أوحى به الله لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم  ليبلغه للعالم أجمع. وقد انتشر الإسلام في القرن السابع الميلادى  بدءاً من شبه الجزيرة العربية، وامتد منها إلى شتى بقاع الدنيا. و يمكن تعريف رسالة التوحيد التي يحملها الإسلام في بضع كلمات بأنها : مبدأ يحرر العقل الإنساني. إنها رسالة تنزه الخالق عن كل تجسيد و تصوير؛ و تنبذ الخرافات و تعدد الآلهة، وتخلو من الأساطير والبدع. كما انها رسالة  تنفي أن يكون للإنسان قوة حقيقية بذاته؛ ولكنها تجعله مهيمناً على كل ما استخلفه  الله  عليه في الأرض؛ فرسالة  الإسلام تدعو الإنسان للوقوف في وجه الظلم و القهر، و محاربة الاستغلال والجهل؛ لتنظيم الحياة الاجتماعية و الدينية فى علاقة تكاملية لا انفصال فيها.

    وقد جاء الإسلام بعد اليهودية و النصرانية مؤكداً على ما سبقه من رسالتين توحيديتين، مبيناً حقيقة ما غيره أهل الكتاب في رسالاتهم، محتوياً على كل ما يحتاجه الإنسان من توجيهات ضرورية لصلاح الدنيا و الآخرة. فإذا كان اليهود قد حادوا عن التوحيد بالرجوع إلى العجل وقتل الأنبياء، وما اقترفته النصارى من شرك بالله عز و جل وتأليه يسوع عليه الصلاة و السلام، واختلاق بدعة الثالوث وما تغص به الأناجيل من التناقضات، فإن الكشف عن كل هذه التجاوزات الثابتة تاريخيا وعلميا هوالسبب الحقيقى وراء الحرب الشعواء التي يشنها الغرب المسيحى المتعصب ضد الإسلام ، منذ بداية انتشاره  حتى يومنا هذا.

    و الإسلام دين متكامل، لا يعرف الدوجماتية أو فرض الأفكار غير العقلانية و هو يشمل كل ما يهم المجتمع الإنساني من إرشادات دينية و اجتماعية و اقتصادية وسياسية و حربية. لهذا يعتبر الإسلام  ديناً و نظاماً اجتماعياً  في ارتباط منطقي. فهو تشريع إلهي عام و أسلوب للحياة يركز على المبادئ الأساسية الثابتة التي تنظم حياة الإنسان بشقيها  الروحي و المادي.

    و كما يوضح مدلول كلمة " إسلام" في اللغة العربية ، فإن الإسلام لا يعني عبودية الاستعباد و الإذلال كما يصورها و بإصرار المبشرون و المستشرقون، وإنما هو كلية الاعتماد على الله تعالى و طاعته و محبته، بمعنى أن يسلم الإنسان أمره لله تسليما  تاما  بكل ثقة و يقين.

    و الإسلام بصفته نظام متكامل الأبعاد ينظم الحياة الإنسانية فى مجاليها الدنيوى والأخروى ، فيمكن وصفه بأنه: نظام يتحرك حركة دائبة حول محور ثابت.  و هذا الثبات مرجعه إلى أن قوانينه لا تتغير مع تغير مظاهر و تطبيقات الحياة الإنسانية من عصر لآخر، لأن التغير يظل محكوم بالقيم الراسخة التي حملها الوحي الإلهي. و هذا الثبات لا يعني الجمود  و ليس مرادفاً له.

    و كمثال على هذا الوصف  فإن المادة التي يتكون منها الكون- سواء كانت الذرة أو الإشعاع الناتج عن انشطارها أو عن أي تفاعل آخر- هذه المادة ثابتة  في تركيبها الأساسي و لكنها مع  ثباتها هذا ، تتحرك وتأخذ أشكالاً مختلفة قد تتغير وتتحول. أو تركيب الذرة مثلا ، فهي تحتوي  على النواة  التي بها مدارات ثابتة و لكنها تمتلئ بحركة الإلكترونات حولها.  وكذلك كل كوكب أو نجم أو مجرة له مداره وتفاعلاته المتغيّرة ، ومداره الذي يدور حوله في حركة منتظمة يحكمها نظام محدد و ثابت.

     و كذلك طبيعة النفس البشرية، حيث أن لها قوانينها و محورها الثابت الذي تدور حوله كل أنظمة جسم الإنسان التي تعمل بنظام و دقة. فكل إنسان يمر في حياته بمراحل مختلفة من الميلاد حتى الشيخوخة، كما أنه يمر بتطورات اجتماعية متنوعة، يصبح بها أكثر أو أقل رقياً حسب اقترابه أو ابتعاده عن إنسانيته، و مع هذه التغيرات تظل طبيعته المتميزة التي فطره عليها الخالق سبحانه ثابتة لا تتغير. وتأمّل الكون بشفافية و حيادية يثبت لنا بوضوح أن كل ما يحويه من عجائب وكل الدقة المتناهية التي يعمل بها  من المحال أن يكونا من قبيل الصدفة... و هذه الحقيقة أدركها في النهاية العديد من العلماء شرقا و غربا.

    و هكذا يتضح معنى المقولة التي تصف الإسلام بأنه" في حركة دائبة حول محور ثابت بقانون ثابت".  لأن هذا  المعيار لا يمكن محوه من معايير التنزيل الإلهي.  وهو مفهوم راسخ  بقوة في الفكر الإسلامي، لذلك لا يمكن لأحد أن يقرُب القوانين والمحاور الثابتة للإسلام بحجة تطويرها أو تكييفها مع العصر الحالي كما يزعم المبشرون و المستشرقون أو التيارات السياسية والإجتماعية الحديثة وكل من وَلاها. لأن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية هو أساس عقيدة المسلم و ليس قابلاً على الإطلاق للتغييرأو التطوير إذ أن ثوابت  الإسلام ثابتة . وحقيقة وجود الله   الأبدية واللانهائية  و وحدانيته و مطلق قدرته حقائق يوقن بها كل مسلم يقيناً ثابتاً. لأنه سبحانه وتعالى هو المهيمن على الكون و على جميع المخلوقات وهذا الكون ملك  له، يحكمه بأمره وبمشيئته سبحانه.

 

القرآن الكريم - رؤية عامة

 

إن القرآن الكريم  والسنة هما المصدر الأساسى الثابت لتعاليم الإسلام . والقرآن هو كلام الله الذي نزل به جبريل بلسان عربي على محمد(صلعم) و الذي انتقل بكل دقة و دون أدنى تغيير من محمد(صلعم)، النبي الأمي ، عن طريق كُتاب الوحي الذين كانوا حوله يسجلون كل ما يوحى إليه و يحفظونه عن ظهر قلب.  و كذلك كان كل من يسمعه من العرب يحفظه في ذاكرته لما عرف عنهم من القدرة على حفظ الأشعار والقصائد الطويلة. وقد امتد تنزيل القرآن الكريم على مدى 23 سنة،  نزلت خلالها الآيات على فترات متقطعة حتى وفاة النبي عليه الصلاة و السلام في عام 632 ميلادية. 

 ويحتوي القرآن الكريم كلام الله، المنزّل بوحي متفرِّد باللغة العربية، و انتقل تباعاً،  كتابة و قراءة، بلا أدنى تغيير فيه . وهو يتكون  من 114 سورة مرتبة ترتيباً تنازلياً، و تنقسم السور إلى آيات، عددها الإجمالي هو 6236 آية. و لم يواجه القرآن أي مشكلة من المشكلات المتعلقة بمصداقية النص مثل غيره من النصوص، لأنه بخلاف ديانات التوحيد الأخرى، يعد الإسلام الدين الوحيد الذي  تم تثبيت مصادره منذ البداية. فالقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يتمتع بهذه الميزة لثبات نصه التام  منذ عهد النبي صلى الله عليه و سلم. لذا فهو يمثل المعجزة الخالدة للإسلام بطابعه المتفرد ، المقنع و المتكامل.  

    وقد تم جمع القرآن بعد ذلك في أوراق  ثم على صورة كتاب أو مصحف، فى عهد الخلفاء الراشدين  أبي بكر وعمر و عثمان. و نسخ هذا المصحف الأول وتم توزيعه على كل الأمصار الإسلامية ، و هو نفس النص الذي يوجد الآن بين أيدي القراء دون أدنى تغيير أو خطأ في نقله على مر الزمان.

    و القرآن هو أساس عقيدة المسلم . فهو يتناول علاقة الخالق سبحانه و تعالى بمخلوقاته ، كما يحدد القواعد المتينة لتأسيس المجتمع  على العدل و الأمن ، مع وضع الحدود العامة التي تنظم جميع مجالات الحياة و كذلك العبادات في ضوء حقيقة راسخة هي الوحدانية المطلقة لله .  فالله واحد، ليس كمثله شيء ، و هو وحده الذي بيده مقاليد هذا الكون الشاسع .

    و هذه الرفعة وهذا التنزيه المطلق لله تعالى لا يتنافى أبداً مع التكريم والمكانة العالية التي أنعم الله بها على الإنسان ، بجعله خليفة ، مكلفاً بعمارة الأرض.

    و الإسلام ينبذ كل أشكال الشرك  مثل عبادة الأصنام أو العجل أو الكواكب، ويرفض  تعدد الآلهة أو فكرة التثليث أو تأليه البشر أو عبادة الملائكة أو الجن. و هو دين لا مكان فيه للوساطة بين الله و البشر، كما لا يقبل فكرة تجسد الله فى أحد مخلوقاته... وكل هذه المعاني جاءت في سورة الإخلاص ( السورة رقم 112)، في أربع آيات هى :

" قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد و لم يولد* و لم يكن له كفواً أحد".

 لقد جاء الإسلام مصوباً لمختلف الأشكال  التى حادت بها الرسالات التي سبقته، و جاء حاملاً الرد الواضح على كل التغيرات التي تعرضت لها- و بهذا تتضح  أحد جوانب عظمة هذا الدين وعظمة الدور الذي قام به لتحرير الفكر الإنساني بكل نبل ورحمة.

 ومن المعالم الرئيسية التي تدل على عظمة الإسلام، إعلاؤه لقيمة العقل، وضرورة أن يكون هذا العقل يقظاً ، مدركاً لما حوله، و اهتمامه بحض الإنسان على إعمال عقله، وتحريره من قيود الخرافات و الأوهام. و لا يخفى على أحد ما امتلأت به العصور الوسطى  فى الغرب من تعصب و مذابح و أعمال قهرية... وتحرير العقل يرتبط بشكل مباشر بالدور الذي كلف الله به الإنسان، المخلوق الوحيد الذي حمل أمانة عمارة الأرض عن طريق العمل والتقدم المفيد للبشرية و تأمل كل شيء في الكون ودراسته لصالح البشرية جمعاء.

و بالإضافة إلى الاعتراف بالوحدانية المطلقة لله و بدور الإنسان كخليفة لله على الأرض، يحض الإسلام على الإيمان بالحياة الآخرة- التي تعد من المغيّبات علينا أثناء حياتنا على الأرض - و الإيمان بيوم القيامة و بالحساب الذي يرى فيه كل إنسان ما قدمت يداه  من أعمال، صغيرة أو كبيرة، و يلقى جزاءه عليها إن خيراً فخير و إن شراً فشر.

أما عن مكانة المرأة في الإسلام فقد شهدت تطوراً لم يحدث من قبل إذ أعاد الإسلام للمرأة إحساسها بإنسانيتها و قيمتها ، و لا نبالغ حين نقول أنها وجدت لأول مرة احتراماً لكرامتها . فأول شيء قدمه الإسلام للمرأة  كان محافظته على حياتها، بتحريم وأد البنات عند ولادتهن و تحريم التعامل مع المرأة كأنها متاع و بضاعة تباع

و تشترى و تورّث، كما حدد لها الإسلام حقوقها سواء كانت ابنة أو زوجة أو أم، وأعطاها الحق في قبول أو رفض من يتقدم لخطبتها و كذلك الحق في رفض أن تشاركها امرأة أخرى في زوجها . و هناك أيضاً حق المرأة التي بلغت سن الرشد في التصرف الكامل في أموالها و ممتلكاتها دون تدخل والدها أو زوجها.

و باختصار فإن المرأة في الإسلام تتساوى مع الرجل في الحقوق و الواجبات باستثناء أمرين : الميراث و الشهادة ، و تنظيم هذين الأمرين في الإسلام له أسبابه وليس فيه إجحاف أو تقليل من شأن المرأة بأي حال. فميراث المرأة يختلف اعتماداً على  درجة القرابة و النسب، و في مسألة الشهادة فالاختلاف يرجع إلى الخوف من تعرض المرأة للنسيان نتيجة الإرهاق أو السهو بسبب ظروفها البيولوجية.  أما في الميراث ، ففى بعض الحالات  ، ترث المرأة مثل الرجل و في حالات أخرى ترث أكثر منه بل وأحيانا ترث المرأة ولا يرث الرجل. وهذه واحدة من الحقائق التي كان و لا يزال المستشرقون و كل من يسير على نهجهم  يتجاهلونها أو يتجاهلوا التعريف بها للنيل من الإسلام. وقد حرّم الإسلام الزنا والدعارة ، و فرض على كل من يرتكبهما رجلاً كان أو امرأة عقوبة الرجم أو الجلد.

 

القرآن الكريم مشروع حضاري

 

 أوضحنا أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الخاتم للرسالتين السابقتين. وهو يحوي أهم ما جاء فيهما، مما يتعلق بالإيمان و العبادة و نمط السلوك الإنساني. ويمكن القول إجمالا،  و دون أن نوفيه كل حقه، أنه:  ملتقى للعلماء، و معجم للغويين، و أستاذ معلم في النحو لمن يريد أن يحسن أسلوبه، و أنه موسوعة معارف و قوانين وأحكام: إنه الهداية الحقة الواضحة و المنطقية للبشر كافة؛ انه المعجزة الخالدة المساندة لرسالة النبي محمد عليه الصلاة و السلام ، و دستور يحوي كل ما يخص الإنسان في دنياه و في آخرته فى علاقة تكاملية واحدة. لذلك يعد القرآن الكريم مشروع حضارى متكامل الأركان.

 و من أهم  خصائص القرآن، الوضوح الدقيق لمنطِقه المقنِع، الذي يحتوي على كل عناصر البلاغة، من تهيئةٍ للخطاب، و بحث عن الأدلة و ترتيبها، و طريقة إلقاء شاعرية لا مثيل لها. و ذلك دون الحديث عن الأمثال و الحكم الأخلاقية و التي يظل عمقها و  مداها  دائما الفاعلية إذ انها بمثابة منهج تربوى رفيع المستوى.

  وتشتمل كلمة القرآن على معنيين : أحدها لغوي هو اسم فعل قرأ، بمعنى القراءة مثلما هو وارد في الآية : "إن علينا جمعه و قرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه" (سورة القيامة، الآية: 17، 18)؛ والمعنى الآخر هو الإسم العَلَم نفسه لهذا الكتاب الكريم : "القرآن" ، بمعنى القراءة  كما  يجب أن تكون.

  وبخلاف هذا الاسم العَلم، للقرآن خمسة و خمسون اسماً أو صفة أطلقت عليه على مدار الآيات. من بينها: الكتاب، الكتاب المبين، الكتاب الكريم، كلام الله، النور، النور المبين، الهداية الحقة ، الهدى و الرحمة، الصراط المستقيم، القاطع، النبأ العظيم، تنزيل رب العالمين، المعرفة، العلم، البشير و النذير. وتطلق عليه كذلك عشرة من أسماء الله الحسنى مثل: العزيز، الحكم ، المحيط، الحق، ولكن الأسماء الأكثر شيوعا عند المسلمين هي : القرآن، الكتاب، الفرقان.

     وقد أُنزِل القرآن بلسان عربي مبين، ذلك أن العربية كانت لغة قوم النبي محمد صلى الله عليه و سلم الذي بعثه الله إليهم رسولاً. و قد جاء في أحد الآيات: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " (سورة إبراهيم، الآية: 4) ، و هذا ما يثبت أن الإنجيل المنزّل على سيدنا عيسى عليه السلام، أنزله الله باللغة الآرامية، لغته و لغة قومه و ليس باللغة اللاتينية أو الإغريقية !

     و كما أرسل الله كل نبي بلغة قومه،  فقد أيده بمعجزات تدعم دعوته. و كانت كل معجزات الأنبياء السابقين على المستوى المادي المحسوس مثل عصا موسى، ناقة صالح، الشفاء الذي كان يقوم به المسيح عليه الصلاة و السلام بإذن الله. كل هذه المعجزات انتهت بانقضاء الأزمنة التي جاءت فيها. و معجزة النبي محمد صلى الله عليه و سلم وحدها هي التي كانت على المستوى المعنوي : إنها القرآن الذي سيظل على مدى الزمان و المكان، لأنه النص الإلهي الوحيد الذي بقي سليما دون أدنى تحريف و لو في حرف واحد من حروفه. و أيا كان ما تحقق من تقدم مادي ، يظل القرآن - البيّن الذي لا يقهر- سيظل يكشف عن براهين تردَع كل منكرٍ للحقيقة ومنكرٍ للوحي. هذا ما أوضحه تماما موريس بوكاي في كتابه المعنون: "الكتاب المقدس، القرآن والعلم" (La Bible, le Coran et la Science ) حينما قال: "عندما نكون بصدد مراجعة  مضمون النصوص الدينية بواسطة المعطيات المؤكدة ، فإن عدم التوافق بين النص الإنجيلي و التراث المعرفي المعاصر يبدو جليا. بعكس النص القرآني الذي يتضح خلوّه  من أي عنصر يمكن أن يثير النقد الموضوعي".

 

مراحل تحدي القرآن الكريم:  

 

 إن التحدي الذي يأتي به القرآن الكريم للمنكرين جاء على مراحل. ففي بداية إنكارهم قال لهم القرآن: "فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين" (سورة الطور، الآية: 34). وعندما عجزوا عن الرد وادعوا  أنه حديث مختلق، سألهم الله: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين " (سورة هود، الآية: 13). و عندما عجزوا عن الرد، طلب الله منهم أن يأتوا بسورة واحدة "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين " (سورة البقرة، الآية : 23). ثم جاء آخر تحدٍ، بالنظر لعجز المنكرين: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " (سورة الإسراء، الآية 88).

       إن حجة النبي التي لا يمكن دحضها تكمن في أن الله أوحى إليه هذا القرآن باللغة العربية التي يجيدها العرب تماما و يُلِمّون بكل معانيها و لكنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بحديث مثله و لو بسورة واحدة من ثلاث آيات مثل أقصر سور القرآن. 

 

الجوانب المختلفة لهذا الطابع المتفرد: 

 

     و بخلاف الجانب اللغوي و الذي به مصدر ثراء اللغة العربية الخارق ، هذا الجانب الذي  مثل تعجيزا ً للعرب في زمن الوحي و لا يزال حتى يومنا هذا، دون أدنى تغير في الانطباع الذي يحدثه ، هناك جوانب عديدة تكشف و تثبت هذا الطابع المتفرد و المقنع و المتكامل  للقرآن الكريم الذي  لم يستطع أحد أبداً أن يقلده في الشكل و المضمون.

مجال الغيب: لا أحد يمكنه أن يتنبأ بالمستقبل بدقة فائقة . و مع ذلك فهناك أحداث عديدة تنبأ بها القرآن الكريم، منها قصص الأنبياء السابقين و أقوامهم، والمعطيات والمعارف العلمية التي لم تُعرف إلا منذ قرن أو منذ عدة سنوات والتي لا يمكن لأي تقدم علمي أن يكذبها، ذلك دون أن نتحدث عما لم يثبته العلم بعد. إن القرآن يحتوي على معطيات عن بدء الخليقة، عن  الدورات السابقة، وعن أخبار الأمم السابقة والقادمة، كما ينص على مختلف أنواع التغيير التي ارتكبت في حق الرسالتين التوحيديتين السابقتين. وهو أحد جوانب الإعجاز فى القرآن.

الإعجاز العلمى للقرآن : والإعجاز العلمى فى القرآن يظهر فى كل مجال من مجالاته، فنراه فى نظمه اللغوى ، وفيما يتضمّنه من أخبار الأولين ، وفى إخباره بأحداث الماضى والمستقبل. ووجه الإعجاز العلمى هنا يرجع إلى إخبار القرآن الكريم بحقائق أثبتها العلم التجريبى حديثا و ثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية فى زمن الرسول. وتتمثل أوجه الإعجاز فيما :

*  التوافق الدقيق بين ما فى نص القرآن وبين ما يكشفه العلماء، وفى تصحيح القرآن لما شاع بين البشرية فى أجيال مختلفة (فكرة تكوين الطفل من دم الحيض) .    

 

* جمع مختلف النصوص للموضوع الواحد يكمّل بعضه ولا يتناقض (تحريم الخمر).

 

*  سن تشريعات خفى حكمتها عند النزول وأثبتها العلماء (تحريم أكل لحم الخنزير).

 

* عدم الصدام بين نصوص القرآن القاطعة وبين الحقائق العلمية (السحاب الركامى).                 

 

المجال الاجتماعي، يحتوي القرآن على الهداية الحقة  لتوجيه الناس نحو الاستقامة لمعالجة العيوب التي تصيب المجتمعات، وذلك على مستوى العبادة والأخلاق وعلى المستوى الاجتماعي بمختلف مجالاته. إنه يمثل معيناً لا ينضب من التعاليم. بيد أن النبوءة الراسخة تظل بكل تأكيد، هي أن الإسلام سيتجلّى على كل الديانات الأخرى ! إنها حقيقة نعيشها جميعا - شرقيون وغربيون- أيا كان اختلاف الرؤى أو وجهات النظر. لأنه رغم كل جهود التعصب ، و رغم مليارات الدولارات التي أنفقتها وتنفقها حملات التبشير، لمحاصرة الإسلام - منذ ظهوره و حتى أيامنا- إلا إن الإسلام يواصل مسيرته و امتداده !  رغم الضغوط الكاسحة التي شبهوها "بوابور الزلط"  الذي يحاولون سحق الإسلام به. و هنا لا يسعنا إلا أن نكرر ما جاء في القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " ( سورة التوبة ، الآية  33).  وهذا ما يسبب- للأسف- ذلك العناد في الغرب في أوساط المتعصبين المعاصرين الذين يرون أنه مهما تكن الجهود المبذولة للتلاعب في ترجمات القرآن أو من أجل تضييق الخناق على تعاليم الإسلام  ، لمنع انتشاره، أو حتى لتنصير الشعوب مستخدمين في ذلك كل أنواع الحيل و الإكراه والضغوط السياسية والمادية، إلا أن الإسلام يواصل انتشاره بقوة وبصورة واضحة. ولا نملك هنا إلا أن نضيف بكل موضوعية : بدلاً من كل هذه المحاولات لاستئصال الإسلام، ألن يكون أكثر منطقية و أكثر إنسانية بل و حتى أكثر تحضرا محاولة فهمه على حقيقته ؟! فلا أحد يجهل - في الواقع- أن  التدبير الأصّم والحثيث الشديد العناد- الموجه ضد الإسلام و المسلمين والذي بدأ منذ ظهور الإسلام  وبداية انتشاره، قد تزايد بإيقاع محموم منذ مجمع الفاتيكان الثاني الذى صدرت خلاله بعض القرارات الموجِهة للسياسة الحالية، بعد اتفاق مشترك بين حكام كل من الولايات المتحدة  ومخابراتها المركزية و الفاتيكان ، و منها على سبيل المثال :

 

تبرئة اليهود من صَلب المسيح (رغم كل ما بالأناجيل من إدانات صريحة ضدهم).

 

اقتلاع اليسار في عقد الثمانينيات ( كي لا يتبقى أي نظام  سياسي  واقتصادي إلا الرأسمالية الأمريكية الإستعمارية).

 

اقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات (حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم وفقا لكاثوليكية الفاتيكان).

 

إنشاء" لجنة تنصير العالم"  و"لجنة الحوار مع الديانات غير المسيحية"  لكسب الوقت فى جدل أصمّ حتى تتم عملية التنصير بلا مقاومة تذكر !. وكل ما يحدث حاليا حول العالم - للأسف- يثبت هذه الحقائق  بوضوح  شديد. 

 

الثورة التي أحدثها القرآن: 

     إن الثورة التي أحدثها القرآن عند تنزيله مست عددا من الميادين. فقد بدأ بمحاربة تعدد الآلهة سواء الوثنية أو تلك التى تشرك بالله ، كما هاجم الانشقاق الطائفي والتعصب وضيق الأفق الذين يولدهم التعنت ، وهاجم كل ما  تسبب في انحراف رسالة التوحيد  عن طريقها  الحق.

     إنها ثورة عقائدية فكرية إجتماعية تقوم بتحرير العقل البشري، بفضل أخلاقيات أساسها التدليل المنطقي القاطع و المقنع ، حتى يغيّر الناس سلوكهم، بمحض اختيارهم وبالتفاهم و الرحمة و ليس بالإكراه أو بالسلاح و النار. فمن أهم دعائم الإسلام أنه لا إكراه فى الدين. و قد كان عديد من العرب قد اعتنق اليهودية أو المسيحية قبل مجيء الإسلام ثم هزتهم بشدة تعاليمه وهدايته الحقة إلى الصراط المستقيم  و التي تشمل الجانبين الروحي و الاجتماعي دون  أدنى تناقض أو انفصال.

 

مقاصد القرآن الكريم: 

     تهدف مقاصد القرآن الكريم إلى رقي البشرية و إصلاح المجتمع. فالقرآن كتاب تربية و تعليم، كتاب يُطهّر و ينقي  بفضل مدى وعمق قِيَمه المنطقية، لأن القرآن لا يحتوي على أي دوجماتية أو فرض للأفكار غير العقلانية. فالتنزيه المطلق لله عز   و جل،  و التمييز البيّن و التام بين الخالق و خلقه،  والإيمان بيوم الحساب، بالبعث، بالثواب والعقاب ما هي إلا مبادئ أساسية. و كذلك توضيح ما يجهل الناس عن النبوة، عن رسالة التوحيد، و عن  دور الرسل الذين بعثهم الله للأمم المختلفة، و تفنيد ما تم تشويهه في رسالة التوحيد ، وإثبات أن الشفاعة في كليتها ليست إلا لله رب العالمين. فإن كل الأنبياء لم يبعثوا - في الواقع- إلا لنشر الرسالة نفسها: وحدانية الله، الإيمان بالقدر، بالشريعة المنزّلة و بآيات الله عز و جل و خاصة إعمال العقل.

 

أهمية العقل فى القرآن:

     والإسلام هو دين  الفطرة السليمة، دين العقل و الفكر، العلم و الحكمة، دين البراهين و الحجج، دين الضميرالحى و الإحساس، الحرية و الاستقلالية. والإسلام - الذي لا يمارس أي سيطرة على روح الشخص أو عقله- يُخرج الناس من غياهب الظلمات التي فرضت عليهم لأكثر من الف عام إلى نور العقل. 

     والعقل ، الذي لم يرد ذكره  بتاتا في الكتاب المقدس ، يمثل عنصراً أساسياً في القرآن الكريم. فقد ورد ذكرإعمال العقل ووظائفه أكثر من مائة مرة على عدة أشكال: "أولوا الألباب"، "أولوا النهى"، "الذين يعقلون"، "الذين يتفكرون"، " يتدبرون"، " يبصرون"، وكلها ليست سوى أسماء مختلفة لوظائف العقل الذى لا يرد اسمه كعضوٍ فى حد ذاته و إنما يذكر دوماً فى حالة فعل. فالأفعال التي تحث على التفكير والتأمل والتدبر والفهم والتصور والسمع والتمييز والترقب تمثل تشكيلة ذات أهمية واضحة فى النص القرآنى.  كذلك كلمات مثل العلم والحكمة والمعرفة و مشتقاتها كلها كلمات ذكرت مئات المرات في القرآن الكريم. حتى قلب الإنسان -بصفته عضو الإدراك و التفكير في القرآن- ذكِر وحده مائة و اثنتين و ثلاثين مرة! ذلك دون الحديث عن الآيات المتعلقة بالعلوم و الدراسات. ويمكننا أن نضيف بهذه المناسبة ، أن كون القلب عضواً للإدراك و التفكير كما جاء و صفه في القرآن الكريم هو أحد المعطيات التي لم يثبتها العلم بعد. وهو ما يمثل ملمحا من ملامح الإعجاز العلمى فى القرآن . 

     و بالإضافة لتأكيده على أهمية العقل والعلم و المعرفة، ينفي القرآن كل إكراه في الدين و يهدف إلى الإصلاح الإنساني والاجتماعي والسياسي و الوطني المبني بفضل الوحدة. وهذه الوحدة يحققها القرآن في عدة مجالات هى : وحدة المجتمع والجنس البشري، وحدة  الدين، وحدة التشريع القائم على العدالة، الأخوة بين أفراد المجتمع، المساواة في العبادة، وحدة المواطنة السياسية الدولية، وحدة العدالة ووحدة اللغة.

 

الخصائص العامة :

      ويمثل سَن الخصائص العامة للإسلام فيما يتعلق بالالتزامات الشخصية بالواجبات و الأمور المستحقة مقصداً آخر. و يمكننا وصف هذه الخصائص كما يلي: القسط في كل شيء و من أجل الجميع : تحقيق السعادة في الحياة الدنيا و الاستعداد للحياة الأخرى بعمل الأفضل. تقليص الفروق الاجتماعية القائمة بين الأشخاص، التعارف بشكل أفضل من أجل تقارب إنساني دون تشيّع. الرحمة حتى في تطبيق الفروض، مثلا بالنسبة للمرضى و المسنين الذين لا يستطيعون الصوم يمكن أن يكفِّروا بالصدقة. منع أي مبالغة في العبادة و في تطبيق تعاليمها. التقليل من أي إكراه، لأن التعاليم الشرعية مقسمة تدريجياً: ما هو قطعي فهو عام، وما هو تطوعي فكلٌ يؤدي منه قدر استطاعته. فعلى سبيل المثال عدد الصلوات المفروضة خمسة أما صلاة النافلة فتترك لإرادة و قدرة كل شخص.

المعاملات :  ومن مقاصد القرآن معاملة الأشخاص دون قهر أو طغيان لأنه لا أحد لديه الحق في الحكم على غيره حسب المظاهر و لا في التصرف كسيِّد على كل شيء أو  متحكم في الجميع ! كما أنه لا يحق لأحد بتاتاً إيذاء جاره أو تجاوز القوانين لأن ذلك يمس سيادة القانون و القضاء

السياسة : ويمثل تِبيان توجيهات الإسلام في السياسة، من حيث طرقها و قواعدها العامة، مقصدا آخر. فالسلطة في الإسلام تعود للأمة، التي هي مجموع الشعب. و قوام هذه السلطة هو الشورى و ليس الاستبداد، ويكون على رأس السلطة الإمام أو الخليفة الذي يطبق الشريعة. والشعب هو الذي له الحق في تعيينه أو عزله. هذه السلطة القانونية و السياسية الممنوحة للشعب، تعود لكون القرآن يخاطب المؤمنين في مجموعهم في الآيات الخاصة بالسلطة و الدولة، وكذلك فيما يخص الأحكام العامة. فالقرآن لا يكتفي فقط بالنصح بالعدالة المطلقة و المساواة بل يعدهما معيارين أساسيين، بينما يمنع الظلم منعاً باتاً. كذلك فإن الفضيلة مأخوذة تماما بعين الاعتبار في كل أحكام القرآن التي تحض  على العدل في كل المجالات.

المال والثروة : و يعد  الإصلاح المالي  أحد المقاصد التي  تضع حدا  لطغيان  الثروة و سلطتها ؛  حداً لطغيان الهجمات الحربية و نكباتها؛ و للظلم المفروض على المرأة و الاستحواذ عليها؛ والظلم المرتكب ضد الضعفاء والسجناء والعبيد. فالثروة و المال يعتبران اختباراً يمكن أن يوجه الإنسان نحو الخير أو الشر.  لذا يصف القرآن عدة وسائل تبين كيف يهب المرء من ماله، كيف يتعلم أن يعطي لمساعدة  جاره وقريبه،  وكيف يمتنع عن الشح و التفاخر. وأنْ يتعلم المرء كيف يهب، هو في الحقيقة محور إنساني و أخلاقي له أهمية كبرى في القرآن الكريم، فما نحن إلا مؤتمنين على المال، أما المالك الحقيقي لكل شيء فهو الله.

     ويمكن تلخيص الإصلاح المالي في القرآن الكريم - عموما- في النقاط التالية: قبوله الملكية الفردية بشرط عدم حرمان الغير أو الإضرار بهم و عدم الغش؛ تحريمه الربا و الميسر؛ سماحه بوضع السفهاء تحت الوصاية للمحافظة على مالهم؛ فرضه للزكاة منذ بداية الإسلام؛ تقريره إعالة الزوجة في حالة الطلاق؛ مساعدة المحتاجين وضيافة عابري السبيل؛ إعطاء الصدقات؛ إدانته للإسراف والتبذير والبخل والشح.

  الزكاة :  و حين فرض الله الزكاة في الإسلام ، أوجد بذلك نظاماً مالياً و اجتماعياً لو طبقه الناس بأمانة و دقة ، لما بقي على الأرض بائس و لا محروم لا يملك أي مورد أو دخل. فمفهوم الزكاة  يختلف عما فهمه و ترجمه  المستشرقون ، فهي ليست من الضرائب أو العشور ، و ليست هبة من الغني إلى الفقير ، و لكنها قدر محدد من المال تحسب كميته بدقة بناء على قيمة محددة من الدخل و يوجه هذا المال إلى أشخاص بعينهم. و قد حدد الله تعالى من تصرف لهم الزكاة و ذلك في الآية رقم 60 من سورة التوبة  : " للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل الله و ابن السبيل."  كما حددت السنة الشريفة نصابها.

 والزكاة ثاني أركان الإسلام بعد الصلاة. و هما يمثلان الركنين الرئيسيين اللذين يقوم عليهما الإسلام. و كلمة زكاة في اللغة العربية مشتقة من تزكى بمعنى تطهر وتنقى . و إعطاء الإنسان  جزءاً من ماله للمحتاجين يعبّر عن هذا المعنى. ويوضح القرآن أن الزكاة كانت مفروضة على أمم الأنبياء السابقين كما هي مفروضة على المسلمين. و تقترن الزكاة في آيات القرآن بالصلاة مما يجعلهما تقريباً على قدم المساواة في الأهمية والقيمة.  فالزكاة مثلها مثل الصلاة هي أحد الفروض التي يجب أداؤها على كل مسلم.

النظام الحربى : والنظام الحربي فى الإسلام يهدف إلى إنهاء الخراب الذي تؤدي إليه الحروب، و المحافظة على مصلحة الجنس البشري. ويمكن تلخيص هذا الإصلاح كما يلي: محاربة المعتدين هي أول  قاعدة مع منع البدء  بالهجوم أو الاضطهاد   و الجور. والهدف من وراء هذا القتال - بعد دفع العدوان- هو الدفاع عن الدين دون أي إكراه. وتفضيل السلم على الحرب، لأن السلم هو الحالة الأساسية التي ينبغي أن يعيشها الناس. والبقاء في حالة تأهب من باب الاحتياط. واستعمال الرحمة في وقت الحرب و في معاملة الأسرى. لذلك يلحّ القرآن على قيمة الشرف والنزاهة ويدين المراوغة و التمييز، كما يشيد بالاستقامة، ويحث على المحافظة على العهد، والوفاء بالمعاهدات المبرمة و يحرم الخيانة. 

 

المرأة فى الإسلام :

      إن وضع المرأة هو واحد من أكبر إسهامات الإسلام، والذي يمنح للمرة الأولى في تاريخ البشرية حقوقًا إنسانية و دينية و اجتماعية لهذه "الإنسانة" التي امتهنت كثيرا حتى ذلك الوقت. فقد تدنى وضع المرأة في مجتمعات ما قبل الإسلام بما فيها مجتمعات أهل الكتاب (اليهود و النصارى) إلى حالة غير إنسانية و عنصرية. وفقط بمجيء الإسلام منح القرآن للمرأة نفس حقوق الرجل عدا ما يستثنى بحكم طبيعة تكوينها، كما حث الإسلام على تشريفها وعلى إحاطتها بالرحمة و المودة. 

 فقد كانت المرأة قبل الإسلام مادة للبيع و الشراء، كانت ترغم على الزواج و البغاء، كانت توَرّث كالتركة، و لم يكن لها الحق في الميراث، حتى أنها كانت تعتبر مادة نجسة، دونية، دون روح ، بتقرير من أحد المجامع الكنسية ! وكان لأبيها الحق  في بيعها أو دفنها حية عند ميلادها. بينما أعطاها الإسلام حق التملك ، و سمح لها بالميراث، و غمرها بالعطف بجعل الرجل مسؤولاً عن إعالتها، حتى إن كانت غنية، كما منحها الحق في إدارة ممتلكاتها الخاصة، و سمح لها بالبيع و الشراء والتصدق وحماية مالها وأعطاها حق اللجوء للإجراءات القانونية. و هو ما لا تعرفه بعد بعض الغربيات!

وفي هذه الجملة من الأحكام المشرّفة للمرأة، يدين القرآن و يحرم تحريماً قاطعاً البغاء و الزنا و يقرر في حقهما عقوبات صارمة. كذلك بالنسبة لتعدد الزوجات الذي كان غير محدود عند اليهود و الوثنيين، يحدده القرآن بأربع زوجات،  و يكون بسبب ظروف مثل المرض العضال أو العقم، مع التأكيد التام على العدل و الرحمة إذ ينص القرآن: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا " (سورة النساء، الآية 3)  و بعد هذه الآية بقليل و في نفس السورة يقول الله تعالى : "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم .." (سورة النساء، الآية 129). إذن الذي يريد حقاً أن يتبع الأوامر الإلهية ما عليه إلا أن يتمسك بالأساس: العدل. والسبيل الواجب اتباعه و الاختيار السليم واضحين تماماً. 

 

حرية العبيد :

      ولا يمكن التحدث عن المقاصد الرئيسية للقرآن الكريم دون التطرق إلى تأكيده على  الحرية و عتق العبيد أو رؤيته في معاملة الأسرى. و الحقيقة أن قانون البقاء للأقوى كان و لا يزال هو السائد في كل المجتمعات القديمة و حتى أيامنا هذه ،        و لنذكر- على سبيل المثال لا الحصر- الغطرسة الفائقة للسياسة الأمريكية الحالية      و عربدتها المندفعة عبر العالم ! فقد أساءت كل الحضارات القديمة معاملة العبيد     و فرضت عليهم أقسى الأعمال، فكان الظلم و التمييز هما القاعدة. وقد ظلت هذه الحالة قائمة حتى في اليهودية و المسيحية. و بقي الرق معمولاً به في أوروبا والولايات المتحدة حتى نهاية القرن الثامن عشر. ولم يُلغ من بريطانيا إلا في نهاية القرن التاسع عشر. ولا نكون مبالغين إذا قلنا أن هذه البلدان لم تشرع في مثل هذه الإجراءات إلا لرعاية مصالحها الاستعمارية و الإمبريالية الخاصة. كذلك فإن لا أحد يجهل  إلى أي مدي ما زال لون البشرة يؤثر في هذه المجتمعات. بينما نرى مع مجيء الإسلام في القرن السابع نص القرآن على عتق العبيد، لأول مرة في تاريخ البشرية ، مع مراعاة مصلحة المالك و الرحمة بالمعتوق. 

 

أخلاقيات القرآن الكريم: 

 

  كان هذا هو الملمح العام لمقاصد القرآن الكريم بخطوطها العريضة. بقيَ أن نعرض لأخلاقياته من خلال مفاهيم الواجبات، المسؤولية، العقوبات، النية و السعي والتي هي جميعا مفاهيم مرتبطة بالنظام التربوي للقرآن و تمثل الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها هذا النظام  الذي يظهر فيه بوضوح تام الفرق بين ما هو مفروض، ما هو جائز، وما هو منهي عنه أو محرّم. و من جهة أخرى فإن أخلاقيات القرآن تمثل قانوناً أو قاعدة حضارية عامة ثابتة يمكن تطبيقها على الإنسانية جمعاء.  و ذلك لأن كل مبدأ مذكور في القرآن، يمكن دون تعديل أن يطبقه المرء على نفسه أو على الغير، على الأغنياء كما على الفقراء.

      غير أنه من المثير للدهشة أن نرى المستشرقين الذين فتشوا في القرآن عن كثب بغرض مهاجمته يلتزمون صمتاً مطبقاً، و لا نريد أن نصفه بصمت القبور، فيما يتعلق بأخلاقيات القرآن، بقيمها الجليَّة التي لا تقدر، وكذلك فيما يتعلق بالمبادئ الأخلاقية العامة التي تدور عناصرها الأساسية حول المعرفة والسلوك. إن مجموع الآيات المتعلقة بهذين المجالين، تمثل تهذيبا للسلوك البشري في الحياة اليومية، وتؤدي إلى راحة الذهن في ما يخص الحياة الأخرى. إنه " تشريع كامل  مزدوج الكمال" على حد قول الشيخ دراز : أنه مرونة في الصرامة، تقدم في الثبات،  وتنوع  في الوحدة والترابط. مما يسمح للنفس البشرية أن تضمن سعادة مزدوجة من الصعب التوفيق بين شقيها: فهي  نوع من الاستسلام في إطار من الحرية، لمحة من الرغد   والتيسير أثناء الكفاح، و بادرة تجديد مع الحفاظ على الاستمرارية. وللأسف فإن  عدد كبير من الغربيين لم يفهموا مدى اتساع هذه الحكمة و لا عمقها. لأن القرآن يدعو إلى الأخذ بالمنطق السليم ويحث على التفكير و التدبر. إن الضمير الذي يتوجه إليه القرآن مستنير بتعليم إيجابي، فيه الواجبات محددة ومقسمة و قادرة على مواجهة الواقع الحي. فهل يصعب فهم ذلك المعنى إلى هذا الحد ؟ ومع ذلك، فإن قانون الأخلاقيات به  فيه وضوح لا ريب فيه. و أحكام ذلك القانون  في مجملها موجهة إلى البشرية جمعاء، فنفس القاعدة، كما عرضنا منذ قليل  يمكن أن تطبق على النفس     وعلى الغير، على الأقارب وعلى الأغراب، على الفقراء وعلى الأغنياء، داخل المجتمع الواحد أو خارجه. وكل حكم من هذا القانون يؤخذ على أنه مبدأ قابل للتعميم، يمكن تطبيقه على الحالات المشابهة. مع الإشارة إلى أن الواجب الأخلاقي في القرآن يحكمه شرطان :أن تكون أحكامه في متناول الطبيعة الإنسانية و أن تكون في الوقت ذاته قابلة للتنفيذ، بعيدا عن أي نوع من الاستبداد عند تطبيقها في واقع الحياة الملموس.

  وهناك نتيجتان للفروض المبينة في القرآن : المسؤولية والعقاب. و لأن المسؤولية الأخلاقية و الدينية هي مسئولية فردية فهي لا تنتقل من شخص لآخر و لا مجال لأدنى التباس فيها. فكل شخص يتحمل مسؤولية أفعاله كاملة. لا أحد يتحمل تبعات غيره ولا أحد من حقه العفو والمغفرة بالمقابل وبالهبات!.  وتقوم الإجراءات القانونية بتنظيم العقوبات المدنية ، أما معاقبة الإنسان على نواياه و ما في ضميره فمردها إلى الخالق عز و جل. 

     إن مذهب القرآن الكريم هو خلاصة، أو إذا جاز القول هو خلاصة خلاصات، حيث أن شكله ومضمونه مترابطين ترابطاً وثيقاً في أسلوب متماسك ودقيق.  وهو يلبّي كل المتطلبات الشرعية، الأخلاقية، الاجتماعية و الدينية للإنسان لذلك نعتبره مشروعا حضاريا متكاملا. و هذا المنهج في مجموعه تميّزه  روح التوافق التي تجعله يجمع في آن واحد بين التحررية والانضباط ، بين العقلانية و الروحانية، بين الليونة والصرامة، وبين المحافظة والتقدمية. إنه كيان عضوي تلتحم فيه كل هذه العناصر معاً لتبقى متحدة دون أي تعارض. إنه ليس مجرد وضع للأضداد جنباً إلى جنب ولكنه تكامل إيجابي، يحافظ على النظام ويسمح بالتقدم الإنساني العالمي.

     وهذه المفاهيم يرتبط بعضها ببعض: فالعقل يقود للإيمان، و الإيمان يرجع إلى العقل. و الإنسان بقيامه بواجباته و مسئوليته، يسهر على حسن سير الأخلاقيات العامة. إذ إن التقوى بكل تأكيد هي المبدأ الأساسي الذي يجمع بين احترام ما هو مثالي والبحث عن الأحسن. 

     و حتى نحظى بنظرة شاملة ربما تعطينا فكرة أكثر واقعية عما قلناه، يمكن القيام بتصنيف للآيات  طبقاً للموضوعات التي تتناول الأخلاقيات الفردية، والأسرية، والاجتماعية، و تلك التي تخص الدولة و الدين. 

 

1-   الأخلاقيات الفردية:  و تشتمل على أربعة أقسام من التعاليم :

 

أ‌-       الأوامر: وتشمل:  توجيهات عامة؛ توجيهات أخلاقية؛ الحث على المجهود المعنوي للوصول إلى نقاء الروح؛ الاستقامة، العفة؛ الأدب؛ غض البصر؛ السيطرة على الأهواء؛الامتناع في وقت معين عن الطعام و مباشرة الأزواج؛ كظم الغيظ ؛ الصدق ؛ لين الجانب و التواضع؛ التريّث في الأحكام؛ عدم إتباع الظن؛ الثبات و التحمل؛ الإقتداء بالأمثلة الحسنة؛ المحافظة على الوسطية؛ فعل الخيرات ؛ التنافس في فعل الخير؛ حسن الاستماع و اختيار النصيحة الأفضل؛ نقاء النية.

ب‌- النواهي:  و تشمل: الانتحار؛ بتر وتشويه الإنسان لجسمه؛ الكذب؛ النفاق؛  تناقض الأعمال مع الأقوال؛ البخل؛ الإسراف؛ التفاخر؛ التعالي؛ التكبر؛ العُجب؛ التباهي؛ تفاخر الإنسان بقوته أو بعلمه؛ التعلق بالدنيا؛ الحسد والطمع؛ الإغراق في  ما لا يفيد من الندم أو في الفرحة المبالغ فيها؛ الفجور؛ تعاطي المشروبات الكحولية ؛ كل رجس (مادي أو معنوي)؛ أخذ مال بطريقة غير مشروعة؛ و كذلك إساءة إنفاق المال.

 

ت‌- المباح: و تشمل الاستعمال المعتدل لما هو طيّب.

 

ث‌- الإستثناء: و يسمح بها عند الضرورة القصوى.

 

 2-الأخلاقيات العائلية:  و تشمل أربعة أقسام من التعاليم :

 

    أ- الواجبات نحو الآباء و الأبناء:  و تشمل: البر ؛التواضع؛ طاعة الوالدين؛ احترام حياة الأطفال وعدم التفريط  فيها ؛ تربية الأطفال و العائلة على الأخلاق بصفة عامة.

   ب- الواجبات الزوجية  و تشمل: 1- أسس إنشاء الأسرة :  معرفة روابط  الزواج المحرمة والجائزة؛  تحديد الخصال الضرورية والمستحبة ؛  القبول الحر والمتبادل؛ الصداق؛ شروط تعدد الزوجات. 2-الحياة الزوجية: الروابط المقدسة والمحترمة، السلام داخل الأسرة؛ المودة والرحمة؛ المحافظة على النسل؛ المساواة في الحقوق والواجبات؛ الحوار و القبول المتبادل ؛ التحاور الإنساني؛ الحياة بتوافق، حتى في حالة التنافر؛ المصالحة حتى في حالات النزاع؛ الاحتكام. 3- الطلاق: اعتبار الانفصال أسوأ الحلول؛ تحديد فترة العدّة؛ توفير السكن الملائم والمعاملة الطيبة أملاً في الإصلاح؛ عدم فرض عدة إجبارية على المرأة التي طلقها زوجها قبل الدخول بها؛ وجود خيارين بعد العدة: إما العودة عن اقتناع، أو الانفصال  الذي يعطي الحق في زواج آخر؛ عدم ابتزاز المرأة المطلقة؛ عدم اعتبار الطلاق نهائياً إلا بعد المرة الثالثة؛  فرض النفقة للمطلقات اللواتي ليس لهن صداق؛ وكذلك فرض نفقة للمطلقات بشكل عام.

 

  ج- الواجبات تجاه الأقربين: و تشمل إشراكهم معنا في سعادتنا، و حقهم في  الوصية.

 

   د- الميراث: ويشمل تحديد الحقوق المخصصة للذكور والإناث، وهي ليست حكراً على أكبر الأبناء أو الأطفال الوحيدين؛ و تحديد قواعد التقسيم. 

 

3  -   الأخلاقيات الاجتماعية و تشمل 3 أقسام من التعاليم :

 

أ‌-       المحرمات : وتشمل قتل النفس؛ السرقة؛ الاحتيال؛ الربا؛ كل أنواع النهب؛ كل أنواع  التملك غير القانوني؛ سلب المال  خاصة مال اليتيم؛ خيانة  الأمانة وإساءة استغلال الثقة؛ القذف دون دليل؛ الظلم؛ التواطؤ؛ الدفاع عن الظالم؛  عدم الوفاء بالعهود؛ الغدر والخداع؛ تضليل القضاة أو رشوتهم؛ شهادة الزور؛ الازدواجية؛ السب، إساءة معاملة الفقير واليتيم؛ السخرية؛ تحقير الغير؛ التجسس؛ النميمة والقذف؛ العلاقات خبيثة النية و التصديق المتواطئ؛ التشنيع؛ التدخل الضار في أمور الغير؛ عدم التأثر بما يحل بالجماعة من ضرر .

ب‌- الأوامر: و تشمل: رد الأمانة؛ المصادقة على العقود لإبعاد الريبة؛ الوفاء بالعهود و الوعود ؛ شهادة الحق؛ إحلال السلام بين الناس، رفض الشفاعة أو الوساطة لصالح المجرمين؛ التواضع و التعاطف المتبادل؛ فعل الخير خاصة  للضعفاء؛ إنماء أموال اليتيم؛ تحرير العبيد أو تسهيل حصولهم على حريتهم؛ العفو وفي كل الحالات عدم  التجاوز في معاقبة المسيء؛ دفع السيئة بالحسنة؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ نشر العلم، المودة وإكرام الضيف؛ حب الناس؛ تحقيق العدل مع الإحسان. عدا هذا هناك  ثلاثة مواقف تتسم بالشرعية إلى حد ما: الحرص على الحصول على الحقوق، الكرم في حال الغنى، الإيثار. والواجب الصرف يتصدر الوسط.و يعد التصدق واجباً عاماً، الشروط الضرورية في الصدقة: تحديد مصارفها، إخلاص النية، جودتها، طريقة الإعطاء (الأفضل أن تكون سرية و غير مهينة لآخذ الصدقة). الحث على حب العطاء؛ وإدانة اكتناز الأموال.

ج ‌-  قواعد الأدب: و تشمل: الاستئذان للدخول على الغير؛ غض الصوت و عدم مناداة الكبار من خارج المكان؛  إلقاء التحية عند الدخول؛ رد السلام بأحسن منه؛ التفسح في المجالس؛ اختيار مواضيع محترمة للأحاديث؛ استخدام الألفاظ الأكثر عذوبة؛ الاستئذان عند ترك المجلس

 

4-   الأخلاقيات في الدولة:  و تشمل قسمين من التعاليم :

 

     أ- علاقة الحاكم و الشعب: و تشمل جانبين: 1- واجب الحكام: مشاورة الشعب، تطبيق القرارات المتخذة بفعالية حسب ما تقتضيه العدالة؛ إرساء النظام؛ المحافظة على المال العام وعدم اختلاسه؛ والامتناع عن جعله منفعة خاصة للأغنياء؛ إعطاء الحرية القانونية للطوائف الدينية المحلية. 2- واجب الشعب: الحفاظ على النظام؛ الطاعة المشروطة؛ الاجتماع على الخير؛ الشورى في الأمور المشتركة؛ تفادي البلبلة والتخريب؛ تجهيز وسائل الدفاع المشترك؛ الرقابة الأخلاقية؛ الامتناع عن التواطؤ أو التحالف مع الأعداء.

    ب- العلاقات الخارجية: وتشمل جانبين:1- في الظروف العادية: الحرص على الأمن العام؛ الحض على ثقافة السلام بلا إجبار أو إثارة للكراهية؛ البعد عن التسلط والاضطرابات؛ عدم المساس بأمن الحياديين؛ حسن الجوار و العدل و الخير.2- في حالة العدوان:عدم التخوف من المبادرة باستخدام السلاح؛ عدم القتال في الأشهر الحرم أو في الأماكن المقدسة. هناك حالتان تكون فيهما الحرب شرعية:1- الدفاع عن النفس 2- إغاثة الضعيف الذي لا يمكنه الدفاع عن نفسه. قتال من يقاتلنا فقط؛عدم الفرار من أمام المعتدي؛ الحزم والوحدة أمام العدو؛  التحلي بالصبر والأمل؛ عدم الخوف من الموت لأنه يأتي  في أجله؛ لكن الأوْلى هو الخوف من الابتلاءات ونزعات الخائنين؛ عدم الاستسلام ولكن قبول السلام والامتناع عن ملاحقة العدو بعد استسلامه؛ الوفاء بالعهود المبرمة؛ عدم الرد على الغدر بمثله؛ الوفاء ببنود العهد حتى وإن كانت مجحفة. الإشادة بالطموح واعتبار الأخوة الإنسانية قيمة مقدسة تعلو على تبني الأحكام المسبقة القائمة على اختلاف الأعراق والأجناس. و هذه الأخوة  هي معيار التقدير. 

4- الأخلاقيات الدينية:   و تشمل واجبات الإنسان نحو الله: الإيمان به وبالحقائق التي أقرها سبحانه؛ الطاعة غير المشروطة لله؛  التدبر و التأمل لكلماته و لآياته؛ الاعتراف بنعمه وحمده عليها؛ تحمل ابتلاءاته باستسلام؛ اللجوء إليه؛ عدم القنوط من رحمته ولا أمْن مكره؛ تعليق كل قرار مستقبلي بإرادته؛ الوفاء بعهد الله؛ عدم النطق بما لا يليق من القول في حقه سبحانه؛ اجتناب التورط في أية أحاديث بها تحقير للدين؛ عدم جعل الله عرضة للأيمان؛ الوفاء باليمين و العهد؛ ذكر الله على الدوام؛ تقديسه وتعظيمه؛ أداء العبادات اليومية لوجه الله؛  زيارة الكعبة (على الأقل مرة في العمر)؛ الاستغناء عن الدنيا بأسرها؛ دعاء الله كثيراً خوفاً وطمعاً؛ الإنابة إليه واستغفاره؛ حب الله، حبه تعالى حباً يفوق كل شيء. 

 

الشريعة الإسلامية :

 

الشريعة هي قانون الإسلام الذي أوحى الله به لنبيه محمد (صلى الله عليه و سلم). وهي تحتوي على كل ما يتعلق بالعقيدة و الفقه. ثم أصبح للشريعة معنى أدق حيث تُعنى في الأساس بالفقه.

 

مقاصد الشريعة: من المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية هي الحفاظ على خمسة عناصر ضرورية لحياة البشر و هي:

 

الحفاظ على الدين، الحفاظ على النفس ، الحفاظ على العقل ، الحفاظ على المال والحفاظ على النسل و الذرية.

 

مميزات الشريعة: تمتاز الشريعة الإسلامية بصفات خاصة لا توجد في  الشرائع الأخرى ، فهي محددة و تخلو نصوصها من  أي تناقض أو غموض، كما أنها مرنة و متوازنة ، أحكامها ميسِرة و ترفع المشقة عن المسلمين و الشريعة تحقق العدل و المساواة والحرية لكل البشر.  و من هذه المميزات:

 

الشريعة شاملة: فهي تضم أحكام العبادات التي تنظم علاقة الإنسان بربه مثل أحكام الصلاة والصوم و الزكاة؛ و الأحكام التي تنظم علاقات الأفراد داخل الدولة المسلمة وعلاقات الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى.

     و من الأحكام التي تنظم علاقات الأفراد: أحكام الأسرة و الزواج و الحقوق الزوجية و حقوق الأبناء و أحكام الطلاق ...إلخ . و هناك أحكام أخرى مثل :- الأحكام التي تنظم المجتمع المدني: أحكام البيع و الشراء و الرهن و التوكيلات و كل ما ينتج عن هذه المعاملات من حقوق مالية.- أحكام القانون الجنائي و هي تختص بالحكم في الجرائم التي يرتكبها أي شخص عاقل قادر على تحمل التكاليف و العقوبات المستحقة عليه.- أحكام تنظم القضاء و إجراءات التقاضي.- أحكام تختص بدستور الدولة و هي تتعلق بالنظام السياسي و قواعده و تحديد سلطة الحاكم على المواطنين و كذلك حقوق و واجبات كل منهما نحو الآخر.- أحكام دولية تنظم علاقة الدولة المسلمة بالدول الأخرى و كيفية معاملة غير المسلمين داخل الدولة المسلمة.

الشريعة محددة ،  تخلو من التناقضات و الغموض : أوحى الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه و سلم) بالقرآن الكريم على مدى ثلاثة و عشرين عاماً. و يحتوي القرآن على 6326 آية لا يوجد في أيٍ منها حكماً يناقض الآخر أو مبدأ يهدم آخر، بل إن كل أحكام القرآن تتكامل بدقة تحقيقاً لمصلحة العباد و خيرهم  مما يعد أحد مظاهر تفرد هذا الكتاب.

الشريعة مرنة و صالحة لكل زمان و مكان: فهي توفر حلاً لكل مشكلة تظهر في حياة البشر في أي مكان و أي عصر، موضحة رأي الشرع  في كل ظرف يجد على حياة البشر بشكل مفاجئ.

الشريعة تيسر و ترفع المشقة: و هذا هو المبدأ الذي تدور حوله كل أحكام الشريعة الإسلامية. و هناك آيات قرآنية كثيرة تدعو إلى التيسير و رفع الحرج و المشقة و هذه هي  روح و حقيقة الإسلام: فهو دين وسط معتدل و متوازن. 

 

العدالة فى القرآن:

 

      تحض  كل أوامر القرآن على تحقيق العدالة المطلقة بين البشر و ترفض الظلم حتى ضد الأعداء. و ظلت هذه العدالة متحققة في التاريخ الإسلامي حتى مع غير المسلمين الذين فضلوا العيش  في حماية شريعة الإسلام السمحة.

 

المساواة:

     ما إن يبتعد الإنسان عن تعاليم الإسلام ، حتى يضيع منه معنى المساواة.فالقرآن الكريم لا يعرف فكرة " الكيل بمكيالين"التي طبقها بوقاحة سدنة الحكم في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة. و هو يوضح أن التقوى هي المقياس الوحيد الذي توزن به أعمال الإنسان. و الناس متساوون أمام الخالق سبحانه ، مهما اختلفت ألوانهم أو أوطانهم .

 

الحرية:

     تكفل أوامر القرآن للإنسان حرية الفكر و حرية العقيدة و كذلك حرية التعبير .   و في مجال الفكر، حرر الإسلام العقل من أوهام و خرافات الجاهلية ،و اهتم بهذا العقل الإنساني و حضه على التفكر و ملاحظة ما حوله.

     و تتضح الأهمية الكبيرة التي يعطيها الإسلام للعقل في تكرر أفعال مثل  يعقلون  و يفقهون و يتفكرون و يتدبرون عشرات المرات في القرآن الكريم. و يبلغ احترام العقل ذروته في الإسلام  فنرى أن الله سبحانه و تعالى يكافئ من يبذل أي جهد لإعمال عقله حتى و إن أخطأ. و يتجلى كذلك بشكل كبير في كون أول كلمة نزلت في القرآن الكريم هي فعل الأمر:" اقرأ"! و كل مسلم مطالب حقاً بقراءة كتاب الله المقروء و هو القرآن و كتاب الله المنظور و هو الكون من حوله .

     أما حرية العقيدة فتتضح من خلال الآية 256 من سورة البقرة:" لا إكراه في الدين." و قد تم تطبيق هذا المبدأ بكل أمانة و نبل مع غير المسلمين الذين عاشوا في الدولة الإسلامية. و يزخر التاريخ الإسلامي بالحقائق  و الأحداث التي تؤكد ذلك والتي لا يمكن إنكارها.

     كفلت الشريعة أيضاً حرية التعبير التي تسمح لكل إنسان أن يعبر عن نفسه كما يشاء و أن  يصرح بأفكاره و مشاعره. بل و الأكثر من ذلك أن الشريعة جعلت من حرية التعبير واجباً على كل مسلم و اعتبرت من يمتنع عنها مقصراً في أحد تكاليف الدين.

 

مصادر الشريعة:

 

      تتميز الشريعة الإسلامية بكل ما سبق  ، لكونها جاءت بوحي من الله تعالى و أن مصدرها الرئيسي هو القرآن الكريم . أما المصدر الثاني فهو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . وبالإضافة  لهذين المصدرين الرئيسيين  والذي  يعد الإخلال بأي من أحكامهما مخالفة شديدة ، هناك مصادر أقل أهمية، لكن لها دور تكميلي. مثل الإجماع و هو اتفاق أئمة الإسلام على حكم ما، و القياس و هو تطبيق حكم نصت عليه الشريعة في أحد الأمور على أمر آخر مماثل له لم يرد ذكره بها و ذلك لتشابه الأمرين و تشابه الظروف المحيطة بهما، و هناك أيضاً الاستحسان و المصالح المرسلة و التي لا تتعارض بتاتاً مع الشريعة.

التكافل في الإسلام

يعتبر التكافل بين المسلمين من أهم ملامح الإسلام . فعلى كل أفراد المجتمع أن يساندوا بعضهم البعض، و أن يسهروا على مصالح و منفعة كل فرد و أن يحافظوا  على قيام المجتمع على قواعد و أسس سليمة .و يقول النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك الشأن :" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً." و هناك ستة أنواع من التكافل في الإسلام:

تكافل معنوي : فكل إنسان عليه واجب الاحترام و التعاون و المودة نحو أخوته في الإنسانية في كل المجالات. و هناك العديد من الأحاديث النبوية التي تحض على هذا السلوك.

 

التكافل دفاعاً عن الوطن و الأمة: يعتبر الدفاع عن الوطن و الأمة واجباً على كل فرد في المجتمع المسلم.

 

التكافل في معاقبة الجرائم: فرض الإسلام دفع الدية كفارة للقتل الخطأ. و الأصل في الأمور أن  تقع الجريمة على الجاني  و لكن جاءت هذه العقوبة بدفع الدية لانتفاء التعمد من الجريمة.

 

التكافل دفاعاً عن المبادئ: تقع المسئولية على كل أفراد المجتمع المسلم في حمايته من كل السلوكيات التي تضر  بالمجتمع أو بقيمه أو تراثه. 

 

التكافل لحماية الاقتصاد: يجب على أعضاء المجتمع أن يشعروا بواجبهم  في عدم الإتيان بأي فعل يضر الآخرين مثل أعمال النصب  و الاحتيال  و الشح  و التربح و الاحتكار...إلخ و يتعين على الدولة أن تتدخل لمنع كل ما يمكن أن يضر بالمجتمع المسلم أو بأي فرد فيه.

 

التكافل المادي: و يبدو واضحاً في الحقوق التي نصت عليها الشريعة للفقراء أو المحتاجين في أموال الأغنياء. و تشمل : الزكاة، الهبات ، العطايا،الصدقات و الفدية و كذلك الوقف و التبرعات و إقامة  المؤسسات الخيرية.

 

هذه هي الخطوط العريضة لوصف الإسلام ، كما أوحى به الله تعالى و كما نعيشه في الواقع كثالث و آخر رسالات التوحيد. و إذا ما قصر البعض في واجبات الإسلام ، و إذا أساء البعض الآخر إليه و شوه صورته ، فالخطأ ليس في الإسلام و لكن في من يفرط و يسيء !

 

الخاتمة

 

      ليس المجال هنا الحديث عن التحريف الذي تعرض له الكتاب المقدس بعهديه ، بإضافة بعض الأصحاحات التي لم تكن موجودة ، أو بالتغيير فى النص أو بالاستبعاد. وهذا الاستبعاد شديد الأهمية  بالنسبة لحياة المسيح عليه السلام أو بالنسبة للتعاليم التي قدمها ،  فعلى حد قول موريس بوكاي أن الكنيسة: " لم تحتفظ في العهد الجديد إلا بعدد محدود من الكتابات التى تثبت عقيدتها و أهمها الأناجيل الأربعة المعتمدة" (ص 5 من المقدمة). وليس من فراغ  أو بلا سبب أن تحدد الوثيقة رقم 4 من مجمع الفاتيكان الثاني في وصفها لهذه الكتب: "إنها تحوي أموراً غير مكتملة وباطلة" ، وفي الوقت ذاته لا  يفوتها أن تضيف ، في نفس الجملة ، أن هذه الكتب على الرغم من ذلك تعد " الدليل على منهج  تربوي  الهي  حقيقي"!!

     لكن رغم هذه المعطيات التي لم يعد أحد يجهلها، و التي تعتبر من أحد الأسباب المباشرة للإلحاد في الغرب ، فتجدر الإشارة إلى أن اليهودية لا تقبل بأي رسالة جاءت بعدها، وهذا موقف لا  يتحدث عنه أحد ، خاصة الكنيسة، حتى بعد أن أعادت لليهود الاعتبار بتبرئتهم من تهمة صلب المسيح؛ و المسيحية لا تأخذ بعين الاعتبار رسالة جاءت بعد عيسى عليه السلام. والديانتان رغم تعارضهما نتيجة الاختلافات والعداءات اللاهوتية ، يتفقان على رفض أي  رسالة  بعدهما حتى و إن كان  لوجودها  سببا أو حكمة! إذ أنه على حد قول الأب لولونج: " لا تزال رسالة القرآن وشخصية الرسول محمد و الفكر الإسلامي الأصيل والمعاصر لا يأخذوا حقهم من التقدير بشكل غريب في الرأي العام الغربي . وعلاوة على ذلك  فإن هذا الرأي العام تصوغه أحكام مسبقة صنعها التاريخ ، والتقليل من شأنهم إعلاميا  ظهر في عصرنا هذا ، لدرجة  يحسبون معها أنهم على علم بأمور ليست لديهم أى معرفة حقيقية بها" (ص 75). و يضيف موريس  بوكاي على هذا عن  دراية  تامة قائلا : " إن القرآن يحوي كلام الله، بلا أي إضافة بشرية. و وجود المخطوطات التي ترجع إلى القرن الأول من العصر الإسلامي يدل على صدق النص الموجود حالياً ...فلا يوجد تعارض في القرآن بل تناغم بين النص والمعارف الحديثة، تناغم لا يستطيع البشر تفسيره." (ص 2 و3 من المقدمة.)

     ومن جهة أخرى، فإن القرآن يوجب على  كل مسلم الإيمان بالرسالتين السابقتين، كما أنزلهما الله تعالى ، بعيداً عن أي تحريف ، والإيمان بكل الأنبياء. بل لا يمكن لمسلم أن يسب أحد الأنبياء وخاصة عيسى عليه ااصلاة والسلام ، مثلما يفعل المتعصبون فى الغرب المسيحى الذى لايزال يسب سيدنا محمد صلوات الله عليه بأحط الأوصاف حتى يومنا هذا.

     إذن، فإن فهْم الإسلام كما أنزله الله ، يعد ضرورة تفرض نفسها في هذه الأيام، إذا كنا نريد  الحفاظ على النزاهة الإنسانية والحد من الصراعات المفتعلة. لأن استيعاب هذا التميّز الذي يتصف به الإسلام، و الذي يعتبر أساسه و معياره في آن  واحد  وحدانية الله المطلقة و تنزيهه، سوف يسمح باستيعاب السبب وراء رفض الإسلام  لكل صور الشرك بالله، أو عبادة البشر، أو عبادة الملائكة والجن والأصنام، و رفضه للوساطة ولكل صور التجسيد لله، و بالأخص رفضه لفكرة تأليه المسيح عليه السلام  التي تم فرضها في مجمع نيقيه لأول سنة 325، لأنه لا يمكن  الحط من شأن الخالق و جعله أحد مخلوقاته. وهو ما يفسِّر أساس وسبب الفكرة التي ظهرت في القرون الوسطى  و التي جعلت من الإسلام والمسلمين "عدو لدود" للنصرانية. وهي الفكرة التي لا تزال مع الأسف تتغلغل بشكل مُلِّح في الوعي البشري المسيحي بإصرار عنيد  بمواصلة  إشعالها عن عمد.

     إن الإسلام كما رأينا، لا يتنافى على الإطلاق مع العقل، أو الروح العلمية، أو حقوق الإنسان، و ليس كما يتطاول جون كلود بارو في قوله: " انه دين جاء من الصحراء و لا يخلق إلا الصحاري"، وهو بذلك ينضم إلى كل الذين يصرّون بتشبث على التخلص من الإسلام، كما يقولها صراحة في نهاية كتابه ، في سياق مدحه للحداثة: "إن الحداثة  الممتدة الدوام لا يمكن إلغاءها، و ليس أمام الإسلام إلا أن يتكيف معها من أجل الصالح العام للبشرية،أو أن يختفي". (صفحة 134)!! 

     إن هذه الحداثة المزعومة " الممتدة الدوام"، هذه الحداثة  " المبنية على موت الله"، و التي اختلقها الغرب   بشتى الوسائل و على حساب  خسائر لا حصر لها ،  أصبح هو أول من يشتكي منها في أيامنا هذه. لأنها السبب الأساسي في ما يعاني منه من  تشتت و خروج عن المسار. لذلك فإن فكرة تكيف الإسلام أو زواله ليست واردة، لأنه لا يمكن أبدا التكيف مع شيء لا يستقيم و يتساقط باليا. إن حداثةً مبنية على إلغاء الخالق لاستبداله بالتقدم المادي، بالمال، و بالأنانية و الفجور، تحت ذريعة الحرية الشخصية، تناقض كل منطق و كل الأخلاقيات.

     وبالتأكيد على أهمية العقل و العلم و المعرفة، و بالتركيزعلى الإنصاف و العدل و الحرية كمعيار، و بلورة أهمية التكافل بكل أشكاله ، فإن الإسلام الذي يشمل توجيهات عبادية ، اجتماعية ، فكرية ، علمية وأخروية، يثبت أنه يتضمن بالفعل مشروعا حضاريا متكامل الأبعاد. انه دين و نظام اجتماعي شامل، في حركة دائبة  داخل نظام ثابت، حول محور ثابت ، دين يحترم كرامة الإنسان، و يدعوه لإتباع صراط الاستقامة و الرقي، دون خلط  للمفاهيم.

     هذه هي الخطوط العريضة التي تتضح من قراءة القرآن والتي حاولنا استخلاصها في مظاهرها الأساسية : المقاصد و الأخلاقيات، و هي المظاهر التي تبيِّن و تبرهن في آن واحد على أن القرآن ليس مناقضاً للعقل ولا للتفكير العلمي،     و لا يمكن أبدا أن يكون موقعه : " أدنى بكثير من بقية النصوص الدينية الكبرى للإنسانية " كما يقول جان-كلود بارو، وليس صحيحا أنه غير مكترث بحقوق الإنسان، أو أنه  دين حرب أو " دين جاء من الصحراء و لا يخلق إلا الصحاري" مثلما يؤكد في الصفحة 110 من كتابه،  حتى وصل إلى ما نقلناه من قبل ، خاتمة لكتابه، في تقرير متغطرس التعالى موضحاً فيه أهمية و قيمة الحداثة الغربية،    قائلاُ أنه " ليس أمام الإسلام إلا أن يتكيف معها من أجل الصالح العام للبشرية، أو أن يختفي" ! 

     و بعد بسمة مريرة عابرة، لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من عمل مقارنة بين تاريخ ظهور هذا الكتاب، سنة 1991 ، و القرار المتخذ في مجمع الفاتيكان الثاني سنة 1965، و الذي ينص على تنصير العالم، وبالتالى ينص على اقتلاع الإسلام في التسعينيات. تماما كما تم اقتلاع الشيوعية في الثمانينيات ( هدم سور برلين سنة 1989، و انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1992). ولا أحد يجهل في أيامنا هذه أن هذا الانهيار بدأ مع بداية عملية الحوار الجديد مع الماركسية، على ضوء ما حدده الفاتيكان و باختلاق العام المرْيمي (نسبة إلى مريم العذراء) و إعدادات أخرى، لا نذكر منها على سبيل المثال إلا " الخطة الخمسية" لتنصير العالم ليوحنا بولس الثاني والمعنونة : "عشية الألف الثالثة".   

     وهو ما يسمح لنا بأن نفهم بوضوح أن هذا الكتاب للسياسى جان-كلود بارو  ، والكثيرين غيره  ً، يمثل الضوء الأخضر لهذه الموجة الجديدة و الشرسة من الهجوم، و التي بدأت  أيضا تحت ذريعة حوار الأديان، تحت حماية من يمسكون بخيوط اللعبة، في ظل الصمت المَقِيت و المتعصب لهذه "الأومرتا" المفروضة أوما بسمّى  "بقانون  الصمت" الرهيب، الذي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.

  انها حملة صليبية مقصودة، تفجّرت بالفعل مع التمثيلية المفتعلة للحادي عشر من  سبتمبر 2001 الشهير. ومن المؤكد أنه لا يوجد ما يصدم في هذه التسمية، لأنه ليس هناك فقط  العديد من سيناريوهات الأفلام الأمريكية التي تتخذ جريمةً مدبرة مبرراً لارتكاب جريمة أخرى أكبر بكثير من الأولى، لكن هناك أيضاً دلائل عديدة تكشفت منذ ذلك الوقت ،  تثبت صحة هذه التسمية، و لكنها بقيت طيّ الكتمان...إن هذا التاريخ المشؤوم لا يمثل في الواقع إلا التلفع بالشرعية الدولية بشكل عملي لتنفيذ التعليمات التي كانت  رامية إلى محو الإسلام في التسعينيات ، حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم بأكمله تحت حماية كاثوليكية روما! وهنا يطرح السؤال نفسه : وماذا عن الطوائف المسيحية الأخرى ؟هل سيتم اقتلاعها كالإسلام هى أيضا؟ من المحزن قول ذلك، و ربما كان من المحزن قراءته ، و لكن ما يدعو للحزن أكثر بكثير هو العيش في مواجهة هذا الصمت المطبق لهؤلاء ، الذين يراقبون في صمت مطبق، بلا أي انفعال... 

     إنها مطاردة حقيقية للبشر، موجهة تحديدا ضد المسلمين ،الذين تم وصمهم بشكل همجي،  منذ 14 قرنا، بأنهم "الأعداء".. مما يمثل دليلا ساطعا ومخيفا في آن واحد على الدور غير الإنساني، و الإجرامي لمن يمسكون بخيوط اللعبة. إنها جريمة جديدة ضد الإنسانية، ترتكب تحت أنظار العالم بأسره... ذلك العالم الذي التزم بالصمت أمام جرائم كثيرة أخرى، في عشرات السنين الأخيرة، و لا نذكر منها كمثال إلا  جريمة سلب فلسطين: فالكل يعلم تماما متى، و على يد من، و كيف، و لماذا تم انتزاع هذه الأرض التي لا تزال تتعرض كل يوم و بشكل منتظم للسلب، تحت سمع و بصر العالم الذي اعتاد على الصمت، واعتاد على قبول التحيزات ، و اعتاد بالأخص على جعل القاهر و المقهور على قدم المساواة ! عالم يدّعى أنه متحضر، متطور، و متفوق !! 

      و بدلاً من تغذية كل هذه الكراهية تجاه الإسلام و المسلمين، تلك الكراهية المتوارثة عبر العصور، و التي زرعتها كتب الدراسات و وسائل الإعلام بطريقة منهجية دؤوب إلى أن أصبحت جزءاً لا يتجزأ ، بل جزءاً تلقائياً من الشخصية الغربية؛ و بدلاً من  وضع الباطل  والحق على قدم المساواة؛ بل  و بدلاً من فرض الباطل بوحشية ليكون أعلى من الحق ؛  على حساب أكثر من مليار وربع من البشر، يذبحون و يبادون لأن ذنبهم الوحيد - في عين من يقودون هذه المذبحة - هو أنهم حافظوا على دينهم سليماً، دون أي تحريف .. بدلاً من كل هذا الظلم، أليس من الأكرم ابراز القيم الإنسانية وإعلاء الضمير... فالإسلام لا يفرض نفسه على أحد : " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " (سورة الكهف، الآية 29) هذا ما ينص عليه القرآن. 

     والإسلام لم ينزّل إلا لأن رسالتي التوحيد السابقتين  قد غيّرتا المسار. فالتوحيد هو أولا: الوحدانية المطلقة لله الذي " ليس كمثله شيء " (سورة الشعراء، الآية 11). و قد انحرف اليهود باتخاذهم العجل إلهًا، وقتلهم الأنبياء والرسل، و لم يبعث المسيح إلا لهداية خراف بني إسرائيل الضالة ( إنجيل متّى 15: 24)- أي لإعادتهم إلي التوحيد بالله. والمسيحيون انحرفوا بتأليههم للمسيح وبفرضهم التثليث، مقيمين بذلك بدعة الشرك بالله. وهذا هو ما أدى لكثير من المجازر بين المسيحيين و اليهود أولا، ثم بين المسيحيين بعضهم البعض، ثم  بين هؤلاء  و بين المسلمين.

     ألم يحن الأوان لنفهم ، بعد 2000 عام من المجازر، كما قالها  بحق الأب ميشيل لولونج (ص73) : " أن التصدي للإسلام بكل الوسائل, بكل هذا القهر السياسي و كل هذا الاضطهاد الديني, لم يتمكن أبدا من دحض سعي الشعوب نحو الحرية و تشبثها الثابت بدينها " ؟! 

          إن المشاركة في وقف هذه المجزرة الشاملة، وهذه الحملة الصليبية الجهنمية، متروك لضمير القارئ... لأننا نحن، المسلمون، المدفوعون رغماً عنا نحو المجزرة، لا نملك  ببساطة سوى قناعتنا و إيماننا العميق للتصدى لهذه اللعبة المرعبة ، التي يشارك فيها المجتمع "الإنساني" الغربى المتعصب، بصوت مخروس، و رغمها يزعم أو يقال عنه أنه متحضّر !..

 

                                                                      

المراجع

 

* - القرآن الكريم.

 

* - محمد عبد الله دراز: أخلاقيات القرآن.

 

نشر الصحافة الجامعية الفرنسية، باريس، 1951؛ الطبعة الثانية، وزارة البحوث و الشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، الرباط، 1983.

 

* - محمد الغزالي: المحاور الخمسة للقرآن الكريم.

 

نشر دار الشروق، القاهرة، 2000.

 

* - د. أحمد الحوفي: سماحة الإسلام.

 

نشر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1994.

 

* - سيد قطب: خصائص التصور الإسلامي.

 

نشر دار الشروق، القاهرة، الطبعة الرابعة عشر 1997.

 

    * - محمد الصادق قمحاوي: شبهات مزعومة ضد الإسلام وردها.

 

نشر دار الأنوار، القاهرة، 1978.

 

    * - محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي.

 

نشر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1994.  

 

 

* Barreau, Jean-Claude : De l’Islam en général et du monde moderne en particulier, éd. le Pré aux clercs, Paris, 1991

* Bucaille, Maurice : la Bible, le Coran et la Science,  éd. Séghers, Paris, 1980

* Lelong, Michel, père : l’Eglise catholique et l’Islam, éd. Maisonneuve/Larose, Paris, 1993

* Thomas, Joseph : le Concile Vatican II     éd. Cerf/Fidès, Paris, 1989

* Vatican II, Documents conciliaires,  éd. le Centurion, Paris, 1966