" الإيمان تحت تجربة العولمة "

 

 

بقلم القس كريستوف روكو

عرض وتقديم د. زينب عبد العزيز

 

 

        يقــع الكتاب في مـائة خمس وسبعين صفحة من القطع المتوسط ، ويتكون من مقدمة وأربع فصول وخاتمة. الفصل الأول بعنوان : " تحـركات وتساؤلات " يتناول فيه الكاتب تكوينه وتنقلاته ثم يتعرض لعدة تساؤلات من منطلق مجمع الفاتيكان الثاني . والفصل الثاني بعنوان "الأزمـنة تتـغير" تناول خلاله ثلاثة محاور هي : الإرساليات وتطورها ، والمتغيرات التي تجتاح العالم وسقوط الأيدولوجيات وصولاً إلي العولمة ، ثم تساؤلات حول الإرسالية وإنتقاداتها من الداخل و الخارج .والفصل الثالث بعنوان : "تحديات وتوقعات ونداءات " يستعرض خلاله تحديات العصر ومنها الخوف من الأخر ، وحقوق الإنسان ، ومشكلة تعدد أوجه الحقيقة نظراً لتعـدد النصوص الإنجيلية ، وتحدي عدم الإيمان المتفشي في فـرنسا بلد اللإرساليات .

 

        أما التوقعات فتدور حـول ما ينتظره البشر من عـدل ، ونداءات البحث عن قيم دينية جديدة مـُـقنعة . أما الفصل الرابع والأخير فهو بعنوان :" زمـن الشهـود "، ويدور حول اللقاء والحوار ، متطلباته وحدوده ، وحول حتمية البحث عن أساليب جديدة لتوصيل رسالة الرب إلي كافة البشر .

 

        والكتاب صـادر عن دار نـشر دي لا تلييه ، في سلسلة " مســائل مفتوحة " أكتوبر عام 1997 وقد قـّدم له الكردينال إتشيجاري.

 

        والمؤلف القس كريستوف روكو ، في حوالي الخمسين من عمره ، وهو من أعضاء " "منظمة التبشير الفرنسية " التي إنضم إليها منذ أيام المجمع الفاتيكاني الثاني . وهو يوضح كيف أن التبشير بالنسبة له عبارة عن حاجة داخلية يـدعم بها إيمانه الذي يتعرض للحيرى و الشك كلما تناقش مع أحد الذين يحـاول تبشيـرهم من المسلمين أو من أبناء جلدته .

 

 ومنذ عـام 1980، بعد ترسيمه قـساً ، لم يكف عن ذلك الإيقاع المكوكي بين مصر وفـرنسا ، بعد أن درس التبشير لمدة عام بمعهد خاص بباريس ، ثم درس العربية و الإسلاميات لمدة عامين في روما . وتعـد الإنتقادات التي تتعرض لها عملية التبشيرمن أهم الأسباب التي دعته إلي كتابة إنطباعاته وتجـربته الذاتية دفاعاً عن التبشير بناء على خلاص المسيح من أجل كافة البشر ، فهو من المتمسكين بالسياسة التي طرحها مجمع الفاتيكان الثاني ومن المنفـذين لتعاليمه .

 

        ولقد سلك الأب كريستوف روكو طــريق التبشير بفضل تأثيـر "جماعات خريجي الجامعات للتبشير " الذين أقنعوه بالإنتماء إليهم بينما كان يواصل تعليمه الجامعي المدني ، حيث كان يتعرض لصراعات دينية واسعة من زملائه غير المسيحين الذين لم يكن المسئولون عن التبشير على دراية كافية بهم ولا بخطورتهم على حد قوله ..

 

        وفي عام 1997 كانت منظمة التبشير الـفرنسية تضم مائتين وخمسين قساً يكرسون كل حياتهم للحوار مع أتبـاع الديانات الأخرى ومعظم هؤلاء القساوسة يمارسون عملية التبشير وهم يقومون بوظائف مدنية أخرى ، ومنهم سيدات راهبات . وفي حوالي نفس هذه الفترة تكونت جماعات أخــرى من المدنيـين للتبشير تحت اسم " الجليل" نسبة إلي منطقة الجليل شمال فلسطين المحتلة  .

 

        أما عن كيفية إختياره وإعـداده للعمل في مصر فيـقول القس روكـو أنه قد وقع عليه الإختيار في مايو 1978 ، وأكثر ما أصابه بالقلق هو كيفية العمل في بلد أكثر من 90% من سكانه مسلمون ، أي أنه بلد بلا مجتمع مسيحي تقريباً . وقد أمضى أعوام 1979 -1981 للعمل في مدرسة فرنسية بين شباب عاص مُـلحد ، لكي يتدرب على كيفية الإقناع ، وهنا يقول روكو : " إن عملية الغرس الثقافي الديني لم تعد مسألة قاصرة على كنائس أسيا وأفريقا فحسب ، وإنما قد أصبحت ضرورية ومّلحة حتى في الغرب نفسه " . كما يوضح المؤلف كيف أن عملية " تطويع النص للـواقع " لم تكن من المطالب الحيوية آنذاك ، وأن عقيدة الكنيسة لابد وأن يعاد صياغتها من جديد في لغة تتمشى مع الواقع .لذلك نراه يؤكد على أهميتها إذا ما أرادت الكنيسة أن تنقل إنجيلها إلي الأخرين حقاً إذ لم يعد من الممكن الإكتفاء بتكرار ما قام به المبشرون السابقون فيما مضى .

 

        ويهتم الأب روكـو بتجربة التنصير الحديثة في الجـزائر ، التي بدأت منذ عام 1949 ، واتي جـاهـد المسئولون عنها للخروج بها بعيداً عن نطاق إرتباط التبشير بالإستعمار الفرنسي للمغرب ،وتم التركيز على منطقة الشرق الأوسط للخروج من مأزق المواجهة الثقافية و السياسية المعقدة بين فــرنسا و الجزائر. وتم إختيار مصر لموقعها الجغرافي ولكل ما يترتب على ذلك من جهة ، ولإمكانية الدخول في علاقات مباشرة مع المسيحين العرب الذين ينتمون إلي كنيسة قائمة منذ المسيحية الأولى وهي الكنيسة القبطية.

 

        ويعود الأب روكو إلي تجربة تكوينه وإعداده لعملية التبشير في مصر ، فبعد أن عمل بإحدى مدارس الشباب الفرنسي لمدة عامين كان عليه أن ينتقل إلي روما ليدرس في المعهد البابوي للدراسات العـربية والإســلامية لمدة عامين . وأكثر ما لفت إنتباهه في ذلك المعهد هو دور الأب روبير كاسبار الذي يقوم بتدريس منهج بعنوان : "مدخل إلي الإسلام ، تاريخه وأسسه وفكره الروحي و الديني" ، قائلاً أن هذا الأب يبني تجربه على فكرة إعادة التفكير في إيمانه المسيحي وعقائده لإعادة صياغتها من أجل الحوار مع المسلمين .وهو نفس الموقـف الذي يتبناه المؤلف في تجربته المعاشة بمصر .

 

        وقد وصل الأب روكـو إلي القــاهرة ـ في أول زيارة له ، في صيف 1981 للإقامة في القــاهرة ، أي بعد أن تم تعليمه وتـدريبه في معهد روما . وثم تعينه كمدرس للغة الفرنسية في مدرسة الخرنفش  للبنين وهي تضم طلبة فيما بين العاشرة والحادية عشر من العمر . وفي نفس هذه الفترة قام أحد القساوسة القبط بتعليمه العربية الدارجة ، ثم أتيحت له فرصة التعيين في إحدى كليات التربية بمدينة السويس . وقد شجعه ذلك القس القبطي على قبول الوظيفة قـائلاً :" إنها فرصة لا تتاح لأي قس أن يشغل إحدى وظائف المؤسسات التعليمية العامة ... ولابد من إنتهازها لأن الشباب المصري بحاجة إلي مقابلة المؤمنين المسيحين ليتحاور معهم بحرية ، فعليه أن يساعدهم على إختيار الطريق السليم "! كما أشار عليه ذلك القس بأن العمل جماعة ولو بين عدد صغير أكثر فائــدة وأكثر أمناً له من العمل بمفرده ...

 

        وما أن إنتــقل إلي مدينة السويس حتى إنضم إلي بعض الراهبات اللاتي يعملن هناك منذ عام 1952 ويقمن بعلاج المرضى في الوحدة العلاجية الصغيرة التي أقمنها في مسكنهم الخاص ! ويوضح المؤلف الأب روكو كيف أن أحداً لم يتعرف على شخصيته كا قس ! وإن كل ما لفت الأنظار إليه من الجانـبين ، أي من قبل المسلمين والمسيحين ، هو عــدم زواجه ، ولعل ذلك يرجع إلي أن أحــداً لم يفكر في أن الزواج محـّرم في الكنيسة الكاثوليكية على رجال كهنوتها ...

 

         وما أن شرع في العمل معهن حتى فكـر في ترجمة إسم المنظمة التي ينـتمون إليها إلي اللغة العربية ، فوجد أنه سيثير ريــبة المسئولين ويعــوق ما يقومون به من أعمال، لذلك إكتفى بإختيار عبارة :" أخوة الطريق " بمعنى أنه يتولى من يضعه الرب في طريقه " بالرعاية و الإهتمام ليهـديه " ... إلى المسيحية !

 

         وعند عــودته إلي باريس لفترة ، عمل الأب روكو في منظمة "مكتب العمل الإجباري" ، وهي إحدى المنظمات الكنسية الخاصة بالأحياء الفقيرة بالمدن الكبرى  . وبدأ وقتها في تكوين ما أطلق عليه فريق القساوسة - العمال الذين سيقع عليهم العمل في ضواحي باريس العمالية ، في ذلك البلد الذي يقول عنه أن 90% من سكانه لا تعني كلمة الرب بالنسبة لهم أي شيئ .. فهي أحياء تفضي بالعمال والمهاجرين المسلمين ، والإحتكاك اليومي بهم كان بمثابة تجربة ومحنه جديدة لعقيدته ...

 

        ويقول الأب روكو عن تلك اللقاءات أنها تسبب مخاطر كبيرة على من يقوم بعملية التبشير نظراً لما يواجهه من مناقشات تسـتدعي التعـديل و التبديل قائلاً :" أننا لا نخرج سالمين من مثل هذا النوع من الحياة والحــوار مع أولئك الذين ترسلنا إليهم الكنيسة".

 

        موضحاً أنه يضطر إلي التبشير بالمسيحية دون إستخدام عبارات كنسية ، وإنما يلجأ إلي كلمات فلسفية أو عبارات إعتيادية لا يذكر خلالها اسم يسوع أو أحد صفاته كإبن الله وما إلي ذلك ، مثلما فعل بــولس في أثينا قديماً ، وهو نفس ما تبناه البابا يوحنا بولس الثاني من أسلوب عمل في خطابه عن الإرساليات وعملها .لذلك يرى الأب روكو ، المدرس بإحدى كليات الـتربية بمدينة السـويس ، أن ذلك هو خير نموذج لإقتـلاع الهوية وغـرس المفاهيم المسيحية بلا مقاومات .

 

        وعن صعوبة عمله في مصر يشير روكو إلي شدة التدين سـواء بين المسلمين أو بين المسيحين ، ويندهش من مدى تداخل كلمة ( الله ) في معاملات الحياة اليومية بل ويعرب عن قلقه من المناقشات التي تــدور حول جعل الشريعة الإسلامية منبعاً أساسياً للــقانون ...

 

        إلا أنه يوضح أن التداخل مع الناس وإقامة العلاقات وتوطيد الصداقات يسهل عملية بث الأفكار الجديد قـائلاً "وهنا يبدأ الغـرس الثقافي وإنتزاع الهوية الأم " بفضل تبني منهج بولس من أن يكون يهودياً مع اليهود وخارجاً عن القانون مع الخارجين عنه . وكانت هذه الوسيلة –كما يوضح – هي مفتاح عمله في مصر ..

 

        ومن أهـم المؤشرات أو الدلالات التي خرج بها من تجربته بساطة وتقـشف المساجد الخالية من أية زخارف مثقلة كالكنائس ، إذ أن هذه البساطة تساعد على التركيز والصلاة ، وإنتقد صغر تعـداد الكاثوليك في مصر بالنسبة للأقباط ، إلا أن التساؤل الأكبر الذي لايكف عن التردد في ذهنه فهو كيفية العمل و التبشير في بلد حرية التعبير فيه مقيدة والإضرابات فيه ممنوعة ، والعسكريون فيه يحتلون الحكم منذ عام 1952، وحالة الطوائ يتم تجديدها دورياً منذ مقتل السادات؟ كيف يعمل وسط مجتمع يؤدي إقتصاده إلي خلق طبقة زائدة الثراء والإنفـلات وطبقة لا تأكل وجبتين ؟ فـوجد أن المجال الوحيد المفتوح أمامه  أو الذي يمكن العمل من خلاله هـو مجال التعليم .. فبدأ في تربية الشباب على الحرية وعلى روح الــنقد . أما في مجال التنمية الزراعية فكانت خدمة الفلاحين هي هــدفه .

 

        وعن فعاليات العمل بناء على تعاليم مجمع الفاتيكان الثاني فيقول الأب روكو أنه بات من المسلم به أن نصوص ذلك المجمع تضم نظريتين لاهــوتيتين مختلفتين بالنسبة للتبشير .

 

        فالأولى تقليدية وترى التبشير على أنه إرتداد الأفراد وضمهم للكنيسة  ثم إقامة المزيد من الكنائس المحلية . والثانية توجد في العديد من النصوص التي تدور حول فكرة تنصير العالم وإثبات أن حب الــرب للجميع وأن مهمة الكنيسة على الأرض هي التبشير وتنصير العالم وفقاً لتعاليم يسوع. وهنا يستشهد الأب روكو بنص عـلاقة الفاتيكان بالإسلام متبنياً نفس المغالطات التي سادت صياغته .

 

        وفي حديثه عن تجربة التبشير في مصر يرجـع الأب روكو إلي تجربة الجزائر التي بدأت بالفعل مع الإحتلال الفرنسي لها ، وكانت الكنيسة آنذاك قائمة هناك على الأجانب وعلى المهاجـريين الأوروبيين ، ثم أصبح هناك العديد من الكنائس المحلية ، لذلك يرى أنه يصعب عمل تحليل إجمالي أو تطبيق نفس النسق وإنما يجب الإعتماد على تطوير النص خاصة في منـاخ مثل مصر التي تنازعها الميول الدينية والميول العصرية الغربية نتيجة لتطور الوجـود الغربي وتزايده .

 

         أما في الجزء الخاص بتاريخ عملية التبشير فيوضح الأب روكو أنها قد بدأت بالتحايل في العبارات قديماً ، ثم ابتدعت عـبارة "الإرســاليات " في القرن السادس عشر إشارة إلي الذين يـُرسلون للتبشير ، ثم أصبحت هذه الكلمة منذ القرن الثامن عشر من العبارات الأساسية الكنسية أو من عباراتها التقنية الدالة على عملية التنصير . وفي عام 1917 تم إستشقاق عبارة "أرض الإرســاليات " للدلاله على البلدان التي يجب الإهتمام بها والتي يزمع إقامة كنائس بها .وقد قام باباوات روما فيما بين عامي 1919 و 1957 بالتأكيد على عمل الإرساليات بهذا المعنى "وضرورة توصيل الإيمان إلي الشعوب التي مازالت بعيدة عن الإيمان الحقيقي " أي تلك البلدان التي لم تنصر بعد !.

 

        ثم يـوضح  الأب روكـو كيف كان مطلع القـرن العشرين في أوروبا يمثل فترة تفيض وتغطي بالإرساليات وخاصة في فرنسا ، وأخذت المنظمات تتزايد ومنه منظمة "العمل الكاثوليكي"و "الشبيبه العمالية المسيحية" ،"والشبيبه الزراعية المسيحية" لتواكب كل منها أعمال "الشبيبة الطلابية المسيحية" .وذلك بهدف أن يكون الداعي إلي التنصير بين الفلاحين من الفلاحين ، وبين العمال من العمال ، وبين الطلبه من الطلبة . وقد تزايد إنتشار هذه المنظمات عشية الحرب العالمية الثانية وأصبحت فرنسا منذ عام 1943 تعرف باسم "بلد الإرساليات " !.

 

        وهنا يوضح الأب روكـو كيف كان المعيار الجـديد السائد لمفهوم الإرساليات المتوجهه إلي أفريقيا هو : غــرس جماعات مسيحية 100% من الأهالي المحليين ، في نفس بيئتهم التي لا يجب أن يخرجوا عنها بسبب الدخــول في المسيحية ، عملاً بقـوله لكل إحتياج جـديد تـدابيرجـديـدة!.

 

        وقد إستمرت هـذه الإرساليات بتدفقها إلي أن قام الفاتيكان فيما بين عامي 1954 و1959 بمنع العمل العمالي على أنه لايليق بالقساوسة –وإن كان في الواقع حماية لرجاله من أن يتحول معظمهم إلي اليسار الذي بدأت محاربته منذ تلك الفترة .

 

         وقد إرتفعت نبرة التبشير في منتصف الخمسينات عندما أعلن البابا بيوس الثاني عشر نداء إلي كافة كنائس أوروبا وأمــريكا الشمالية لتساند الكنائس الإفريقية في مرحلة توسعها قائلاً :  "إن التبشير لم يعد قاصراً على فئة معينه وإنما يقع على عاتق الجميع " ، كما أطلق نداءه إلي كافة المدنيين وخاصة أعضاء الجماعات الكاثوليكية المختلفة. وهو نفس الخط الذي تبناه المجمع الفاتيكاني الثاني والذي أصدر بمقتضاه العديد من الوثائق لتكـريسه .

 

        وهنا يوضح الأب روكو كيف أصبح مفهوم الإرساليات ، بعد المجمع ، يقوم على ثلاثة محاور أساسية هي :-

 

التنمية وتحريـر الشعوب من اليسار .

 

الغـرس الثقافي للإنجيل في الثقافات الأخرى .

 

الحــوار مع غير المؤمنين من الديانات الأخرى .

 

        ومع بدايات حركات التحرر من الإستعمار بدأ المسيحيون يدخلون مجالات الإستثمار والتنمية بناء على نداء البابا بولس السادس عام 1967 . أما محور غرس الإنجيل فكان قائماً على فكرة ضرورة جعل التجربة المسيحية نموذجاً يحتذى به ومبدأ إلهام يقوم بتغيير وإعادة خلق تلك الثقافات من جديد ، وهو ما يتم تنفيذه في أفريقيا ، والهند وأمريكا اللاتينية حيث يتم غرس الأنجيل بالمفاهيم المحلية وترجمة نصوص الأنجيل للصلاة بها باللغات المحلية ولإستخدامها في حوارات الحياة اليومية . أما عن المحور الثالث فيقـول الأب روكو أنه قد تقرر تغيير اسم الأخر من "الكفرة" أو من "غير المؤمنين"  إلي عبارة مؤمنوا الديانات الأخرى ، لخلق مزيد من التقارب !

 

        وبخلاف المحاور الجديدة التي تم إنشاؤها كمحور الشمال والجنوب أو الشرق والغرب ، يقول الأب روكو أنه تم إختلاق فكرة " الجماعات الكنائسية الأساسية " التي تمثل عصراً جديداً من التبشير القائم على تكوين جماعات صغيرة العدد تتولى مهمة تنصير عدد معين من الناس من خلال تــولي مسئولية إحتياجاتهم .

 

        وإن كان المؤلف قد بدأ بالتحدث عن تجربته الذاتية وعن تطور إنتشار الإرساليات وعمليات التبشير ، إلا إنه في أواخر الجزء الثاني من الكتاب يتحدث عن أهم العقبات الحديثة ومنها سقوط الثنائية القطبية مع إسقط جدار برلين عام 1989 وأصبح العالم يخضع لهيمنة إقتصادية وثقافية واحدة هي الولايات المتحدة ، وأيدولوجية واحدة هي الليبرالية .

 

                وهنا يـُـشير إلي تصدي الكنيسة فيما مضى للشيوعية خاصة لإنتشار الإلحاد معها ، إلا أن العولمة ونظام القرية الواحدة الذي أخــذ ينتشر بدأ يخلق ما أسماه بفاصل أو هاوية بين أولئك الذين يمكنهم إستخدام الوسائل العصرية للإتصال كالإنترنت ، وبين من لا يجيدون إستخدامها وهم الأميون الــذين يمثلون نصف الشعب المصري مثلاً .

 

        ثـم يتناول نقطة أخـرى أو عــقبة  من العقبات التي تـواجه الكنيسة وهي وجود "الأخر " في بـلده ، أي في فـرنسا ، موضحاً كيف أن المبشر لم يعد بحاجة إلي السفر إلي مصر مثلاً لكي يلقاه أو للقيام بمهام التبــشير وإنما يتعين القيام بهذه المهمة في فـرنسا ذاتها خاصة بعد أن أصبح الإسلام يمثل الديانة الثانية فيها بل وفي عديد من البلدان الأوروبية كما يقول .

 

        أما عن الليبرالية السائدة الأن والقائمة على نظام إقتصادي واحد يسانده صندوق النقد الدولي و البنك الدولي ، فقد أدت في نظره إلي تقسيم العالم وإزدياد الفقراء فقراً ، وهو ما يراه في مصر حيث تخضع السلطة لـتنفيذ إجــراءات تملي عليها من الخارج عن طريق هاتين المؤسستين . وخطورة ذلك الجانب أنه يؤدي إلي جعل النقود معيارا لكل شيئ . فلم تعـد هناك تلك المواجهه كالتي كانت بين الكنيسة واليسار مثلاً وإنما تولدت أنواع من الأصوليات كنوع من الدفاع عن الذات أصبح لزاماً على الكنيسة أن تواجهها ، ثم ينتقل إلي المحور الأخير من سلسلة العقبات التي تواجه التبشير ، هي : الـــمرأة ، موضحاً كيف أن الشرع مازال يجعلها خاضعة للرجل وبالتالي يمثل حائلاً بين المرأة وإمكانية تحريرها .

 

        وينهي المؤلف هذا الجزء من تجربته المعاشة التي مازالت قائمة ، بثلاث خطوط رئيسة هي :-

 

إن عهد الإرساليات بصورته التقليدية قد إنتهى

 

ولابد للكنيسة من البحث عن مجالات أخرى خاصة بعد إنتقال "الأخر " إلي أرض المبشرين  .

 

ولابد من الإستعانة بكافة المسيحيين في عملية التنصير خاصة بعد أن أصبحت الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا هي أكبر الأقليات الدينية ! لذلك يطالب الأب روكو بضرورة التركيز على تنصير الشباب والتأكيد على غرس هــويتهم المسيحية .

 

        ورداً على ما يـراه البعض من أنه في زمن التعــددية وزعـم إحترام الأخر – كما تقول الكنيسة – تبدو الإرسالـيات كنوع من الإمبريالية ويجب إلغاءها وإلغاء فكرة فرض العقيدة المسيحية على الأخرين ، فيرى أن ذلك يمثل تناقضاً حتى في فكرة الحوار التي تثير بدورها فكرة الحقيقة بمعنى : هل هناك حقيقة خاصة بكل جماعة ؟ وإن تم إقرار ذلك فماذا عن يســوع وعالميته وفرض الإيمان بمسيحيته على العالم ؟ لذلك لا يرى إلا التأكيد على عملية الغــرس الثقافي المسيحي وزرع الإنجيل .

 

        كما يثير قضية صراع الكنائس المختلفة لا فيما بينها من تناقضات فحسب وإنما في تسابقها على عمليات التبشير فكثيراً ما سمع من أحد القساوسة القبط عبارة : " نحن لسنا بحاجة إلي مزيد من القساوسة الغربيين ، ومن الأفضل أن تظلوا في دياركم"!.

 

        ومن أهــم العقبات التي تكتنف عملية الحوار ، كما يقول ، تلك الريبة المتبادلة خاصة أن الكنيسة تقوم بالحوار بوجههين : وجه للحوار والأخر للتبشير ، وأن الحوار عبارة عن إستراتيجية متأقلمة مع الظروف الحالية عقب فشل الإستراتيجيات السابقة ، لذلك يرى المسئولون عن لجنة تبشير الشعوب في روما أن الحوار – في نظرهم – عبارة عن مرحلة مؤقتة وأن الرسالة الحقيقية هي التبشير الفعلي والتعميد وزيادة عدد الكنائس .وينهي الكاتب هذا الجزء بضرورة أخذ هذه العقبات في الإعتبار لتخطيها .

 

        أما في الفصل الأخـير فيتـناول التحديات الجديدة ومنها الخوف من الأخر ، ذلك الخوف الذي أدى إلي زيادة العنصرية في فرنسا في إنتخابات 1997 ، وإلي رغبة الجبهه الوطنية في طرد الأجانب وأغلبيتهم من المسلمين العرب ، موضحاً كيف بدأ الغرب فعلاً في غلق أبوابه في وجه هذه العمالة ، موضحاً كيف يتثنى لأبناء الشمال التنقل في العـالم بأسره ، أما أبناء الجنوب فلا يجــدون إلا الأبواب المغلقة ، الأمـر الذي ينجم عنه التساؤل حول مصداقية عبارة التعايش معاً جنباً إلي جنب . ثم يشير إلي تحدي الصحة العامة وإلي صعوبة إمكانيات العلاج التي لم تعد متاحة إلا للأغنياء وإنتشار الفساد كما في مصر ، إضافة إلي ما يتطلبه أمن الدولة من إجراءات تبرر التعذيب وإختفاء البعض أو القتل ، موضحاً أن ذلك المستوى المتدني من الفقر يمثل وصمة عار في وجه الكنيسة . ومنها ينتقل إلي الوحشية السائدة في إبادة البعض مثل مذابح رواندا أو تلك الإبادة المنتظمة في معارك يــوغسلافيا السابقة {مغفلاً اسم مسلمي البوسنه !} ؛ والوحشية السائدة في مذابح الجزائر ، وكلها أحداث تزيد من تساؤلات الشباب حول حقيقة وجود الله أو حتى حقيــقة تجسده في المسيح لإنقاذ البشر ، إضافة إلي نظام الكيل بمكيالين الشديد الوضوح حالياً حتى للمصريين ! من هنا يرى أن المهام التي تقع على عاتق الكنيسة ضخمة وبحاجة إلي البحث عن حلول عاجلة حاسمة .

 

        ثم يـتناول المشاكل التي تواجه من يعتنقون المسيحية  والعقبات التي تحول دون إعلان تنصيرهم صراحة كالحرمان من الميراث وما إلي ذلك ، مطالباً بضرورة أن يقوم المسيحيون جميعاً بالإلتزام بدينهم حتى يكونوا قدوة للأخرين ، وأنه أصبح عليهم أن يعيشوا الإيمان والعقيدة والتبشير في آن واحد .فذلك هو الطريق الوحيد الممكن من خلال الحوار الذي يراه من أهم وسائل كسر الحواجز والحد من الأفكار المسبقة التي تفصل بين المبشريين والأخرين ، مطالباً في نفس الوقت بضرورة الإستماع "للأخر " لمعرفته ومعرفة كيفية الوصول إليه لإقـناعه فالحــوار في نظره ليس بتجربة سهلة أو محايدة ويتطلب وقتاً ومهارة ، فالحوار الذي يتناول كل جوانب الحياة المعيشة أوسع وأهم من ذلك الحوار القــائم على العقائد الدينية وحدها ، فالإنسانية المتعددة الجنبات تتطلب نظاماً إرسالياً متعدد الجوانب .

 

        وهنا يتعرض روكــو لمشكلة من المشاكل الأساسية وهي تعدد وتناقض النصوص الإنجيلية ، التي هي على عكس القرآن بالنسبة للمسلمين ، وإن كان يخرج بضرورة إستخدام ذلك على أنه دليل على التعددية ، ثم يشير ثانية إلي مشكلة تعدد المذاهب الكنسية التي تمثل فضيحة خاصة حينما تدخل في صراعات أمام الأخرين ، لذلك يرى من أهم الوسائل التي يتم البث من خلال إختلاق وسائل جديدة من التأمل والبحث عن النقاط المشتركة ، لأن مهمة الكنيسة اليوم أصبحت البحث عن وسائل حاذقة لتبليغ الرسالة إلي كافة البشر، وتلك مهمة تقع على عاتق كل الذين تم تعميدهم ، وهنا يطالب الأب روكو بضرورة العودة إلي الصلاة وطلب العون من الرب لتصبح الصلاة دعامة من دعـامات الحياة اليومية ، كما يرى ضرورة البحث عن وسائل للتقريب بين الكنائس والحــّد من خلافاتها الداخلية ، بل الحـّد من التكالب على تكريس المكاسب المالية وتقـديم نمــوذج ديني قائم على الإهتمام بالأخر لإحتضانه ، ففي الوقت الذي أصبحت فيه العولمة هي الســائدة ولم يعد هناك بديل للرأسمـالية الليبـرالية فإنه يقع على الكنائس أن تأخــذ موقفاً حاسماً من ديون العالم الثالث وتجارة الأسلحة حتى يمكنها أن تصبح علامة على الملكوت وتتويجاً له. وهنا يقول الأب روكو أن ذلك قد بدأ بالفعل ممثلاً في الصلاة الجماعية التي أقامها البــابا يــوحنا بولس في بــلدة أسيز مع ممثلي كل الديانات إلتزاماً بالحــوار ، ويرى أنه لا مخرج للكنيسة من كل المآزق التي تواجهها إلا بالبحث عن وسائل إقناع جديدة وبالبحث عن حل مشاكل الأخرين .

 

        وينهي الأب روكو المتنكر في وظيفة مـُدرس بإحــدى كليات التربية بمدينة السويس ، خاتمة كتابه بأن الإرساليات ضرورة لابد منها وأن هذه الضرورة هي بمثابة إستجابة لرغبة الرب ، وأنه لابد من البحث عن ممــثلين جـدد يقومون بهذا الدور ، وعن وسائل أفضل لتبليغ الرسالة ، مضيفاً إن العــولمة تدفعنا إلي البحث عن التضامن العالمي وعلي أن نتعلم كيفة التصرف في نطاق ضيق ؛ محلي؛ محدود؛ وعلى البحث عن مــزيد من التقارب بين الكنائس.

 

        ونخــرج من هــذا العرض بأننا مـُخترقون فعلاً، إذ أن عمليات التبشير تتم من خلال الوظائف المدنية التي تـُسند للأجانب ، وأن أكبر مجالات الإختراق هي مجال التعليم ، والفقر، والجهل، والصراع القائم في المجتمع بين التمسك بالــدين والإنجراف في عمليات التغريب والعلمنه، وهو ما يستغله المبشرون كمنافذ يتوغلون منها ، أما مجال المرأة فلم يتم إختراقه بعد بالقــدر الكافي .

 

        التركــيز على مصر أصبح من الأهــداف الرئيسية لمواصلة عملية التنصير لموقعها ولسهولة التعاون مع الكنائس المحلية لخـلق جماعات دائمة من المبشرين .

 

إن التبشير قــائم على ثــلاثة محــاور : الإهتمام بالتنمية والإقتصاد للسيطرة عليهما، الغــرس الثــقافي وإقتلاع الهــوية الإسلامية ، والحوار كوسيلة مرحلية لكسب الوقت .

 

 إن الحــوار له وجهان : أحـدهما للبحث عن نقاط مشتركة في العقيدتين لتسهيل عملية التبشير ، والأخر للتغني بالتعايش معاً وبالتعددية لكسب الوقت حتى تتم فعاليات التنصيـر

 

الإهتمام بـديون العالم الثالث وبتجارة الأسلحة كأوراق ضغط للتنصير .

 

  وإن نظام الإرساليات والتبشير بصوره التــقليدية قد إنتهى ويدور البحث عن أساليب جديدة وعن ممثلين جدد ، والمطالبة بالحد من الخلافات التي بين الكنائس والتناقضات التي في نصوصها وتــوحيد الصفوف للتصدي لمهام عمـليات التنصير التي إتسعت وتعــددت مجالاتها مع النظام العالمي الجــديد ، والإستعانة بكافة المسيحين مدنيين وكنيسيين في عمليات التنصير حيث أن هذه العملية أصبحت ضرورية في كل من البلدان التي لم يتم تنصيرها بعـد وفي البـلدان التي إبتعدت عن الكنيسة أو تلك التي تزايد فيها عــدد المسلمون .

 

وفى نهاية هذا العرض الموجز لإعترافات شديدة الوضوح ، لقس فرنسى تنكر فى وظيفة مدرس فى أحد معاهد التربية فى السويس ، ليشرح  كيفية إختراق البلدان الإسلامية لتنصيرها ، هل ما زلنا لا نفهم ولا نعى معنى الحوار من جانب المسيحيين لتنصير العالم واقتلاع الإسلام ؟ !                                                               

 

مارس 1999