موقف الغرب من الإسلام

 

الدكتورة  زينب عبد العزيز

أستاذة الحضارة الفرنسية - مصر

 

     إن موقف الغرب  من الإسلام  واحد لم يتغيّر. و تعامله مع القرآن ، سواء من خلال الرؤية التاريخية أو الرؤية المعاصرة ، يتّبع منهجية عدائية الموقف وإن تنوعت الأساليب وفقا للعصور. و الحديث عن تعامل الغرب مع الإسلام يحتّم علينا تحديد أىّ فئة نعنى. فالغرب يضم ملايين المسلمين من جهة ، ومن جهة أخرى ليس كل المسيحيين معادون للقرآن أو للإسلام و المسلمين . لذلك نحدد أننا نعنى : الغرب المسيحى أو المسيحى المتعصب ، إلخ .. وسوف نتناول موقف ذلك الغرب من الجانب الدينى أساسا أما الملامح الأخرة فسوف نتناول منها ما يرتبط بهذا البحث.    

 

1  نظرة عامة :

 

      حينما بدأ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام دعوته فى مطلع القرن السابع الميلادى، كانت المسيحية الكنسية تتخبط فى حروبها الداخلية و الخارجية الناجمة عن أكبر عملية تحريف تمت فى التاريخ ، وهى : تأليه السيد المسيح فى مجمع نيقية الأول سنة 325 م ، ثم اختلاق بدعة الثالوث بتأليه الروح القدس فى مجمع القسطنطينية عام 381  لمساواة الله بالإبن بالروح القدس ، ثم جَعْل السيدة مريم " أم الله " فى مجمع إفسوس عام 431 – الأمر الذى أدى إلى خلافات عقائدية جذرية لاتزال قائمة فيما بين فرقهم ، إلى جانب العديد من الخلافات العقائدية الأخرى التى لا شأن لنا بها هنا. و فى نفس ذلك الوقت ، كانت هناك مناطق بأسرها لم تُفرض عليها المسيحية بعد  كإنجلترا وبلاد ساكس وجرمانيا و بافاريا و شمال إسبانيا وغيرها.

 

     و أقول " أكبر عملية تحريف تمت التاريخ " لأننا جميعا دفعنا ولا زلنا ندفع ثمن هذا التحريف ، سواء مَن إعترضوا عليه من المسيحيين ، أو المسلمين الذين رفضوه بناء على تعاليم الإسلام الذى أتى كاشفا و مصوبا لهذا  التحريف ، أو حتى أتباع الديانات الأخرى.

 

     وفى القرن الثامن كانت المسيحية تتصارع لكبح جماح الإنشقاقات التى تعانى منها نتيجة لتحريف رسالة التوحيد وغيرها من النصوص ، بينما كانت راية الإسلام ترفرف على مساحات شاسعة تربط آسيا بالمحيط الأطلنطى. و يقول فيليب سيناك (Ph. Sénac) فى كتابه المعنون : صورة الآخر   أنه : " حتى القرن الثالث عشر كانت معظم الوثائق المكتوبة عن الإسلام والمسلمين و التى حددت صورته فى نظر الغرب ، بأقلام رجال كنسيين – وهى كتابات مغرضة يدفعهم وضعهم اللاهوتى إلى نقد و تحريف ديانة ليست ديانتهم "  (صفحة 10). ثم يوضح المؤلف كيف كانت الكتابة آنذاك حكراً على هؤلاء الكنسيين ، وكيف تصدت الكنيسة فى بادىء الأمر للإسلام على أنه إنشقاق من الإنشقاقات أو هرطقة من الهرطقات التى عليها القيام بقمعها أو إقتلاعها  لأنها تخالف ما فرضته من تعاليم وعقائد.

 

     و قد امتد تشويه الإسلام على أيدى العديد من علماء ذلك الغرب فى مختلف المجالات الدينية و الثقافية والأدبية والعلمية، بدءاً بتشويه معانى القرآن الكريم فى الترجمات التى قاموا  بها ، منذ القرن الثانى عشر، أيام حرب الإسترداد تتواصل حتى يومنا هذا. و يكفى أن نطالع ما كتبه المستشرق الفرنسى رجيس بلاشير R. Blachère  فى كتابه المعنون : القرآن الصادر سنة 1969 حين قال : " لقد طلب بطرس المبجل ، رئيس دير كلونى (Cluny) من المترجم أن تتم ترجمته بحيث من يقرأها من المسلمين ، الذين تم تنصيرهم حديثا ، أن تمحو أى أثر للإسلام من ذهنهم " (صفحة 9). الأمر الذى نجم عنه سلاح ذو حدّين : فهو من جهة يمثل تشويه متعمّد للقرآن وللإسلام ، و من جهة أخرى فإن هذه الكتابات المغرضة و المعادية للإسلام تمثل أساس المراجع التى تتم دراستها فى المدارس و الجامعات الغربية.. مما أدّى إلى تكوين نوعٍ من الطبيعة التلقائية النافرة ، المعادية  للقرآن و للإسلام و المسلمين.

 

2    سبب هذا العداء :

 

      و يرجع هذا العداء المتواصل ضد الإسلام إلى أنه يمثل الدليل الإلهى ضد التحريف الذى قامت به الأيادى العابثة فى رسالة التوحيد ، فما أكثر الأيات التى تدين هذه الأفعال ، ومنها: " لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة " (37 / المائدة) ، و " لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم "  (17 / المائدة) ، و " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " ..الآية (13 / المائدة) و " يسمعون كلام الله ثم يحرفونه " الآية .. (41 / المائدة) – ولا نقول شيئا عن الآيات التى تتنبأ و تحذر مما يدور حاليا ...

 

     و المعروف علميا عن كل صاحب جريمة ، إن أول ما يهتم به هو طمس معالم الأدلة التى تكشف عن فعلته أو تُثبت إدانته .. وهذا هو السبب الحقيقى  لذلك العداء المستحكم ، الذى لم يترك مجالا إلا واستغله لتشويه القرآن ومقاصده ، أو لتشويه صورة الإسلام و المسلمين .

 

     وقد كان يوحنا الدمشقى ، المتوفى سنة 749 م ، أول من تولّى هذه المهمة بشراسة ، ففى كتابه المعنون : نبع المعرفة ، والذى يتناول فيه قصة مائة هرطقة تعرضت لها المسيحية ، ضمّنه فصلا عن القرآن و الإسلام والمسلمين تحت باب "الهرطقة رقم مائة"، أى إن الإسلام فى نظرهم وحتى منتصف القرن الثامن الميلادى كان يمثل هرطقة من الهرطقات المسيحية المعترضة على تأليه السيد المسيح أو على جعل السيدة مريم "أم الله"!

 

والهرطقة فى نظر الكنيسة هو كل ما يتعارض مع ما تفرضه من عقائد ونصوص ..

 

     وتبعه نيسفور، (758 – 829 ) بطريارك القسطنطينية ، فى نفس خط  الذم الجارح والتسفيه. و تواصلت المسيرة التى لم تتوقف حتى يومنا هذا بل تتزايد فى إيقاع محموم.. ففى القرون الوسطى أنشأوا المعاهد لدراسة اللغات الشرقية ودراسة القرآن الكريم ، لا لفهمه وإنما لدراسة كيفية الهجوم عليه أو إستخدام بعض آياته لتمرير عمليات التنصير وتسهيلها. وهاهم حديثا يُنشئون المعاهد لتخريج الأئمة بغية تكوين جيل يفرض ما أطلقوا عليه "الإسلام الغربى" و"الإسلام الفرنسى"  وغيرها من المسميات والمجالات التى لا تهدف إلا إلى تفريغ القرآن من مضمونه العقائدى و الفكرى والإجتماعى وقصره ، إن أمكن ، على مجرد المجالات الشعائرية !

 

     كما أشعلوا الحروب الصليبية التى أعلنها البابا أوربان الثانى فى مجمع كليرمونت سنة 1095. ولقد أعلنها باسم الرب ، و طالب "جنود المسيح " – كما أطلق عليهم ، بحياكة علامة الصليب على صدور ثيابهم و على ظهورهم وعتادهم.. وفى واقع الأمر لم تندلع هذه الحروب ضد المسلمين والمد الإسلامى فحسب ، و انما امتدت أيضا ضد الشعوب التى لم يتم تنصيرها بعد فى الغرب ، و ضد المسيحيين المنشقين كالأريوسيين والكاتار ، أو البروتستانت فيما بعد ، لإبادتها أو لإقتلاعها عما تؤمن به .. و امتدت هذه الحروب شرقا وغربا لنشر مسيحية روما الكاثوليكية الرسولية بالسيف و المذابح ومحاكم التفتيش وألف عام من الظلمات المفروضة ومنع التعليم ومحاربة العلم – وما أكثر المراجع التى تتناول هذا التاريخ الدامى الذى وصم الحضارة الغربية المتعصبة..

 

     فالمجامع و رجال الإكليروس هم الذين كانوا يغذّون مثل هذا التعصب دفاعا عما نسجوه عبر المجامع على مر العصور. ولا يسع المجال هنا لنقل كل قراراتهم و يكفى أن نطالع ، على سبيل المثال لا الحصر ، القرار رقم 25  من مجمع فيينا المسكونى ، المنعقد فيما بين 1311 و 1312م ، برئاسة البابا كليمانت الخامس ، الذى أمر بقيام حملة صليبية جديدة لمحاربة الإسلام والمسلمين . و يقول القرار :

 

     " من المهين للإسم الإلهى ومن العار للعقيدة المسيحية ، أن يحدث فى بعض مناطق العالم الخاضعة لأمراء مسيحيين ، و يسكن فيها مسلمين مع المسيحيين ، أحيانا منفصلين وأحيانا أخرى مختلطين معهم ، أن يقوم شيوخهم بالدعاء و الإعلان عن اسم محمد فى مساجدهم (ويكتبونه "ماأوميه" تحريفا) ، حيث يجتمع المسلمون ليعبدوا محمد الغدّار         ( le perfide)  ، وذلك كل يوم وفى ساعات محددة، فى مكان مرتفع ، و يرتلون علانية بعض العبارات تكريما له. وهو ما يسمعه كل المسيحيين و المسلمين ، والأدهى من ذلك أن يتم هذا أيضا فى مكان آخر قد دُفن فيه أحد المسلمين الذى يبجله المسلمون كقديس ويعبدونه. وهناك عدد كبير من القادمين من نفس هذه المناطق و غيرها يجتمعون علانية، وهو ما يَحِط من شأن عقيدتنا و يوّلد فضيحة كبرى فى قلوب الأتباع. وبما أن هذه الأشياء التى لا تروق للجلالة الإلهية لا يمكن أن نتحملها ، فإننا نمنع بصرامة وبموافقة هذا المجمع المقدس ، أن تتم مثل هذه الأشياء داخل الأراضى المسيحية ، وبما أن الكاثوليك الحقيقيين هم المدافعون الأمناء عن العقيدة المسيحية ، فإننا نفرض بكل إلحاح ، مستشهدين بالحكم الإلهى، نحكم على جميع الأمراء و على كل واحد منهم ، الذين يقيم تحت سلطتهم هؤلاء المسلمون و يمارسون هذه الأشياء ، أن يقتلعوها تماما من أراضيهم و أن يحرصوا على استبعاد العار الذى يجلبه لهم و لباقى أتباع المسيح ما ذكرناه بعاليه، و أن يتمعنوا فى المكافأة التى سيحصلون عليها فى نعيم الآخرة. إننا نمنع بصرامة أى أحد تابع لسلطتهم أن يغامر بعد ذلك أو أن يجرؤ على ذكر أو الإعلان عما قلناه سابقا : أى ذكر الإسم الدنس لمحمد (le nom sacrilège) ، أو أن يذهبوا إلى الحج المذكور. إن الذين سيجرؤون على التصرف بعكس هذا سيتم تأديبهم ، باسم التحية الواجبة لله ، بطريقة بحيث أن الآخرين سيبتعدون عن القيام بنفس الخطأ من هول الرعب المنعكس عليهم" (المجامع المسكونية، ج/ 2 ، صفحة 787 ) .

 

     ومن الواضح أن المحاولات متواصلة ـ لا منذ مطلع القرن الرابع عشر كما وهو تاريخ هذا المجمع ، وإنما قبله بكثير ، لمنع الآذان ومنع أداء فريضة الحج لمنع انتشار الإسلام أو إقتلاعه من البلدان التى يحكمها "أمراء مسيحيون" . وياله من "تسامح" غفلنا عنه طويلا حتى استشرى بجنون لا حد له !!

 

     والأدهى من ذلك أنه يوجد فى هامش ذلك القرار اسم المرجع  المتضمن لوسائل التعذيب التى ستؤدى الى "الرعب المهول"  الكفيل بمنع المسلمين من إقامة الصلاة ، أو من أداء فريضة الحج . وذلك هو الموقف الذى شبّ عليها الكنسيون وتبنوه تجاه القرآن والإسلام والمسلمين..

 

3  المجمع الفاتيكانى المسكونى الثانى (1965 ) :

 

      يمثل هذا المجمع نقطة فارقة فى تاريخ المسيحية ، فهو أول مجمع هجومى فى التاريخ ، بمعنى  الكلمة ، وأول مجمع يخرج خروجا سافرا عن تعاليم المؤسسة الكنسية ونصوصها الدينية من أجل الأغراض السياسية أو  بسبب ضغوطها الخفية .. وقد أصدر هذا المجمع ثلاثة أنواع من الوثائق التنظيمية الدينية ، والإجتماعية، والسياسية التاريخية . ومن أهم هذه القرارات إجمالا فيما يعنى هذا البحث :

 

 1-  تبرأة اليهود من دم المسيح ، رغم مخالفة ذلك تماما للعقيدة  وللنصوص الشديدة الوضوح . إذ يتضمن العهد الجديد أكثر من مائة آية صريحة تتهم اليهود بقتل السيد   المسيح ، كما يقولون ..

 

2 -  إقتلاع اليسار فى عقد الثمانينيات (من القرن العشرين) ، حتى لا   تبقى اية أنظمة  بديلة للرأسمالية الإستعمارية .. وما أكثر ما  كتب عن  تفاصيل اختلاق حزب " تضامن"  فى  بولندا ،  واختلاق "العام المريمى"  لتأجيج مناخ  دينى  مفتعل ، أوعن المبالغ التى اُهدرت لتنفيذ  هذه المخططات . بل وما أكثر ما كتب عن فضيحة بنك أمبروزيانو التابع للفاتيكان فى إيطاليا والذى تولى تمويل هذه العمليات وأفلس بعجز مليار ونصف تقريبا من الدولارات ، بل هى فضيحة تورط فيها أيضا المحفل الماسونى هناك والمافيا الإيطالية!

 

3-  إقتلاع الإسلام  فى عقد التسعينيات حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم !

 

4 -  توصيل الإنجيل لكافة البشر.. وهى الصيغة المضغمة التى  تم إعلانها آنذاك ، ثم  قام البابا  يوحنا  بولس  الثانى  عام 1982 بتوضيحها  فى خطاب رسمى معلنا  ضرورة    تنصير العالم ، موضحا أن   ذلك قرار لا رجعة  فيه ..(لأنه قرار مجمع مسكونى ، أى مجمع عالمى ) !

 

5 -  توحيد كافة الكنائس  تحت  لواء كاثوليكية روما ، وإنشاء لجنة خاصة بذلك ،  رغم الخلافات  العقائدية الجذرية بينها. وعندما  لم  يتم ذلك ، راح البابا يوحنا  بولس الثانى يحثهم قائلا : " إن هذه هى الوسيلة الوحيدة للتصدى للمد اإسلامى" (وارد فى كتاب: الجغرافيا السياسية للفاتيكان )

 

6 -  فرض عملية التبشير على كافة المسيحيين ، الكنسيين منهم و المدنيين ، وهى أول مرة فى التاريخ تقوم فيها الكنيسة بإصدار قرارات مكتوبة ومعلنة خاصة بالمدنيين الذين لا  يندرجون رسميا فى الهيكل الكنسى ، وبالتالى استخدام كافة المجالات المدنية فى عمليات التبشير و التنصير.

 

7 -  استخدام الكنائس المحلية فى عمليات التبشير والتنصير، الأمر الذى يضع الأقليات المسيحية  فى موقف عدم الأمانة أو الخيانة للبلد الذى يعيشون فيه ..

 

8 -  فرض بدعة "الحوار" كوسيلة للتبشير وكسب الوقت حتى يتم التنصير بلا مقاومة تذكر بينما تتوالى التنازلات  بالتدريج من جانب المسلمين ..

 

9 -  إنشاء لجنة للحوار  برئاسة الكاردينال آرنزى ، وهو ما يوضح أهمية الحوار فى مفهومهم أو فيما يخططون له ، فالكاردينال هى الرتبة السابقة لرتبة البابوية.

 

10 - إنشاء لجنة خاصة بتنصير العالم برئاسة الكاردينال يوسف  طومكو. وقد  قام  أعضاء اللجنتين بإصدار وثيقة مشتركة فى 20/6/1991  بعنوان : "حوار و بشارة "  تتضمن التوجيهات اللازمة  لعملية التنصير الدائرة منذ ذلك الوقت فى تصعيد متواصل وكيفية إدارتها فى مختلف البلدان.

 

 

 

     وإضافة إلى إعلان البابا ، فى سنة 1982 م ، عن  ضرورة تنصير العالم ، فقد أصدر خطابا رسوليا بعنوان : عشية الألف الثالثة ، فى عام 1995 ، يعد بمثابة خطة خمسية لتنصير العالم قبل حلول مطلع الألفية الثالثة. وقد وصفته آنذاك صحيفة  لو موند ديبلوماتيك الفرنسية قائلة : أنه يسير على الإسلام بوابور ظلط  لدكه تماما ! وذلك إضافة إلى إقامة المؤتمرات العالمية الكبرى للتنصير..

 

4 – أهم الملامح الأخرى :

 

      و أول ما نبدأ به هنا هو تحديد أن الربط بين المجال الدينى و السياسى  مفروغ منه لتضافرهما الشديد  فى سياق الأحداث الراهنة . وقد رأينا أن الهدف الدينى الثابت والواضح للغرب المسيحى هو :  تنصير العالم، وإن كان الترتيب قد أُعد ليتم ذلك عشية الألف الثالثة، وأنه قرار لا رجعة فيه. وعملية تنصير العالم تمثل جزء لا يتجزأ من نظام العولمة ، الرامى إلى جعل العالم خاضع لنظام دينى و سياسى وإقتصادى و فكرى وإجتماعى واحد ، أو ما يطلقون عليه : " قرية واحدة "، حتى تسهل قيادته. وبالتالى ، العمل على إقتلاع الحضارات الأخرى بعقائدها – وخاصة الإسلام ، الذى أتى شاهداً  على عمليات التحريف التى تمت فى رسالة التوحيد ، ومصوباً لها. و من أهم هذه الوسائل المستخدمة ، المجالات التالية :

 

أ     مجلس الكنائس العالمى :

 

      عندما فشل الغرب المتعصب فى تنصير العالم عشية الألف الثالثة ، قام مجلس الكنائس العالمى ، فى يناير 2001 ، بإسناد مهمة إقتلاع الإسلام إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، مع تسمية هذا العقد  (2001 – 2010 )  "عقد إقتلاع الشر" الذى هو الإسلام فى نظرهم . وما هى إلا  بضعة  أشهر حتى اختلقت الإدارة الأمريكية مسرحية "الحادى عشر من سبتمبر"  لتتلفع بشرعية دولية قبل تنفيذ مشاريعها الإستعمارية التنصيرية. وتكفى الإشارة إلى عشرات الكتب والأبحاث التى راحت تثبت ضلوع تلك السياسة فى هذه الجريمة اللا إنسانية ، خاصة بمناسبة الذكرى السادسة لها.

 

     وقد قام مجلس الكنائس العالمى ، الذى يعمل بجهود مشتركة مع  لجنة تنصير العالم ولجان أخرى، بعقد أكبر مؤتمر عالمى للتبشير، من 9 إلى 16 مايو 2005 باليونان ، لتوحيد مختلف عمليات تنصير العالم  بين الكنائس المتعددة ، و خاصة بين الكنيسة الإنجيلية والعَنْصَرية و الكاثوليكية الرومية. وعلى الرغم من توجيه عمليات التبشير فى ثلاثة مجالات أساسية ، هى : بلدان الكتلة الشرقة السابقة ، والدول المسيحية التى تفشى فيها الإلحاد ، و الدول الإسلامية وباقى الديانات الأخرى ، فإن التركيز على كيفية إقتلاع القرآن والإسلام يحتل الصدارة فى جدول الأعمال . و تتوالى مؤتمرات التبشير المحلية والعالمية  بإصرار ودأب منذ مجمع الفاتيكان الثانى، بنفس المغالطات والتعامل بوجهين إعتمادا على الحوار وفقا لنظريتهم.. ومن أهم هذه المؤتمرات السابقة مؤتمر بلجيكا عام 1974 ومؤتمر كولورادو عام 1978، الذى حضره 150 عالما متخصصا فى التبشير لتدارس كيفية إختراق العالم الإسلامى ! ومنها بعد ذلك مؤتمر فيينا عام 2003 ، ومؤتمر باريس عام 2004 ، ومؤتمر لشبونة عام 2005، ومؤتمر بروكسل عام 2006 ..

 

       ومن أهم القرارات التى أسفر عنها مؤتمر اليونان المنعقد عام 2005 والذى يتوسط "عقد إقتلاع الشر"، البنود التالية :

 

* –  تفادى أية صراعات أو منافسة بين الكنائس المختلفة أثناء عمليات التبشير.

 

* –  الإصرار على أن "رسالة الرب" التى تفرضها الكنائس موجهة لكافة البشر.

 

* –  أنه يقع على الكنيسة توجيه الناس إلى التوبة ليدخلوا حياة جديدة بيسوع المسيح .

 

* –  إن الكنيسة بأسرها مطالبة بتوصيل الإنجيل للعالم أجمع .

 

* –  أنه لابد من غرس كنائس المسيح فى الثقافات المحلية لتسهيل تنمية الإيمان

 

      المسيحى  .

 

* –  دراسة كيفية التغلب على الوجود المتزايد للديانات الأخرى ، و خاصة الإسلام، فى 

 

      كل من أوروبا وأمريكا الشمالية فهو يمثل تحديا حقيقيا لنشاطات المبشرين..  

 

      و يفسر هذا القرار الأخير الجوانب الخلفية  لأحداث الشغب فى فرنسا (اكتوبر /نوفمبر2005)  وردود  فعل الحكومة الفرنسية القمعية وإتباعها "سياسة المذبح العاجلة" بالضغط على الإستجوابات الجماعية للمسلمين وأحكامها غير المنطقية بالسجن أو بالطرد (جريدة  لوموند فى 24 / 11 / 2005) ، كما يفسر حربها ضد الحجاب ، و يفسر تكرار نشر الرسوم الكاريكاتورية المهينة ضد الرسول عليه صلوات الله ، والخطاب الإستفزازى للبابا الحالى ، بنديكت السادس عشر، فى جامعة راتيسبون عام 2006 وإصراره على ربط الإسلام بالإرهاب و على أنه بعيد عن العقل والمنطق !..    

 

 ب –  التحالف الأمريكى :

 

      ما يعنينا هنا هو توضيح كيف يَخفى أو يُغطى هذا التحالف طموحاته الإستعمارية-الإقتصادية-الدينية  بتزويد وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية بأكاذيب مفتعلة ليس بقادر على إثباتها.. كما يقوم بخلق جماعات إرهابية، واختلاق الحجج ، ونشر نظرية "المؤامرة الإسلامية "  للسيطرة على العالم ، إعتمادا على تأجيج نار صراع الحضارات للإستحواذ  على سلطاتٍ  تسمح بتنفيذ قرارات المجمع المسكونى الفاتيكانى الثانى (1965) وتدمير العالم الإسلامى و العربى. فمن المتبع فى الغرب المسيحى المتعصب أن قرارات المجامع المسكونية مُلزمة لكافة الملوك والرؤاساء المسيحيين.. لذلك نرى هذا التضافر الرهيب بين السياسى و الدينى بصورة هستيرية.

 

ج  ـ أفغانستان :   

 

      إن ما يدور فى أفغانستان على مرأى و مسمع من الجميع لم يعد بحاجةٍ إلى شرحٍ أو توضيح. فقد تحولت أفغانستان منذ احتلالها إلى أكبر مستودع لمزارع  نبات الأفيون فى العالم بينما تقوم بتحليله وتسويقه كبرى الشركات وعصابات غسيل الأموال ، بل لم تعد تقوم بتصنيعه سرا وإنما فى معامل رسمية لتصدير الهيروين النقى تحت رعاية كبار المسؤلين و كبرى المنظمات الدولية !..

 

     وقد تابع العالم أول بأول تقريبا كيفية تسلل المبشرين مع جنود المارينز ، وكيفية حشر الأناجيل مع العتاد الحربى والمؤن الغذائية، وكيفية وقف الدراسة إلى أن يتم تغيير المناهج. بل لقد تابعت الصحافة العالمية و المحلية تعليقات كل من بيلى وفرانكلين جراهام اللذان أعلنا بوضوح : " إن الإسلام دين شيطانى ولا بد من تنصير كافة المسلمين" (لوس أنجلوس بوست فى  4/4/2003).

 

     كما تتم فى نفس ذلك الوقت تقريبا محاولات لفرض عملية  تجفيف الإسلام من المنبع (كما يقولون) ، وتحجيم دور المعاهد الدينية، وإغلاق كتاتيب تحفيظ القرآن ، وتقييد إنشاء المساجد، والأمر بتقليل طباعة القرآن الكريم تقليلا تدريجيا، بحيث تتوقف طباعته تماما بعد فترة معينة، مع محاولة تغيير نصه  بحذف بعض الآيات أو بإصدار نص  جديد مثال "الفرقان الحق"  الذى اختلقوه  وأغرقوا به العديد من المناطق.. ولا نقول شيئا عن تدنى أخلاقيات المحطات التليفزيونية والإذاعية المعادية للقرآن و للإسلام..

 

      وغنىّ عن القول أن "المنبع" الأساسى الذى يقصدونه فى الإسلام هو القرآن الكريم ومختلف وسائل حفظه، بعد أن فشلوا فى الوصول إلى مآربهم عن طريق تحريف ترجماته أو عن طريق بتر معطياته لمحاربته بها كزعم اضطهاده للمرأة ، أو زعم أنه ينص على إيماننا بالتوراة أو بالإناجيل  التى حرفوها ، وما إلى ذلك.

 

د ـ حضارة العراق :

 

      إن ما فعله ذلك الغرب بأرض العراق وحضارته دليل آخر لا نزال نعيش أحداثه المريرة. ففى 15/1/2005 نشرت صحيفة  الجارديان البريطانية مقالا إفتتاحيا يتناول التدمير المتعمد لتراث الحضارة البابلية على أيدى قوات الإحتلال، نورد منه ما يلى :

 

     "إن الدمار الذى سببه إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية على حطام مدينة بابل التاريخية، أحد أهم واشهر المناطق الأثرية فى العالم ، يعتبر أحد الأعمال البربرية الثقافية الأكثر دناوة فى ذاكرة التاريخ الحديث، إذ أنه عمل لا تبرره أية ضرورة عسكرية  وكان من الممكن تجنبه تماما ، فلم تكن هناك حاجة لبناء المعسكر فى المدينة حيث كانت توجد حدائق بابل المعلقة، وهى إحدى عجائب الدنيا السبع فى العالم القديم. ويقول د. جون كورتيز، كاتب المقال ،أن السلطات الأمريكية كانت على علم تام بتحذيرات علماء الأثار بالأهمية الأثرية العالمية لهذه المنطقة، ورغمها فقد تجاهلت القوات الأمريكية هذه التحذيرات تماما" ..

 

     ولم يقتصر الدمار الذى لحق بالموقع على هدم بعض الصروح الأثرية النادرة مثل بوابة الإله عشتروت ، بل إمتد إلى ما يقرب من ثلاثمائة ألف متر مربع من المنطقة الأثرية، تم تسويتها بالأرض و دفنها فى الردم المأخوذ من مناطق أخرى لإنشاء مهبط لطائرات الهيلوكوبتر ومواقف لسيارات النقل الثقيل ، لم تكن هناك أية  ضرورة لوضعها فوق ذلك الكنز الأثرى. إن هذا العمل الإجرامى أثريا وحضاريا و دينيا يعنى أن مواقع أثرية لم يسبق التنقيب فيها قد تم تدميرها إلى الأبد.. أو،كما يقولون  بلغتهم الشهيرة التى سبق وأعلنوها : قد " دكوها إلى ما قبل العصر الحجرى" ..

 

     إن تدمير التراث الإنسانى والحضارى للعراق لم يكن عفوياً أو عن غير قصد ، بل لقد تم الترتيب له قبل العدوان  بأسابيع معدودة  عندما قاموا بتغيير قانون الآثار  لتسهيل خروجها. فما أعلنه الأستاذ سعد إسكندر ، مدير المحفوظات الوطنية ، يؤكد أن هناك ما يزيد على واحد وخمسين ألف قطعة أثرية عراقية مفقودة ، إضافة إلى سرقة و نهب أكثر من  60 % من تاريخ العراق المكتوب ، وهذه النسبة تمثل ملايين المخطوطات والسجلات والوثائق الملكية منذ العهد العثمانى. وهو ما يعنى يقينا: إقتلاع متعمّد للتراث .

 

     إن هؤلاء الطغاة قد نشأوا  ودأبوا على إقتلاع الآخر سواء جغرافيا أوحضاريا ودينيا. فما فعلوه بالسكان الأصليين للأمريكاتين واستراليا وزنوج إفريقيا ، أو تعذيبهم وإبادتهم لملايين البشر لفرض عقيدتهم ، لا يمكن محوه من ذاكرة التاريخ .. وهو نفس ما قامت به الأيادى العابثة  التى كونت الكنيسة الأولى ، وقيامها باقتلاع كل من يخالفها من أفراد أو شعوب ، وإبادة كل ما يكشف عمّا نقلته من العبادات القديمة وأدخلته فى مسيحيتها. وهو ما يفسّر ذلك الإنتقام الضروس الذى يفرضونه على أرض بابل القديمة ، على واحدة من أقدم حضارات العالم التى نهلوا منها ما نهلوه.. وهو ما يحاولون فرضه على القرآن الكريم  وعلى الإسلام والمسلمين. ويكفى أن نطالع الإصدارات الغربية الحديثة بأقلام بعض الأمناء  لنرى أهوال ما قام  و يقوم به هؤلاء "المتحضرون" ..

 

هـ أحداث الشغب فى فرنسا :      

 

     وحتى أحداث الشغب التى اندلعت فى ضواحى باريس فى أكتوبر/ نوفمبر 2005 تحولت إلى مناسبة لسب أحد نصوص القرآن الخاص بتعدد الزوجات : 

 

      فقد أعلنت هيلين كارير دانكوس ، الأمين الدائم للأكاديمية الفرنسية "أن تعدد الزوجات هو أحد أسباب أعمال الشغب فى ضواحى باريس والأمر شديد الوضوح : كثير من الأفارقة مزواجون ، وفى المسكن الواحد توجد ثلاث أو أربع زوجات و 25 طفلا. أنهم مكدسون بحيث لم تعد هذه المساكن المكتظة تسمّى مساكن وإنما شىء آخر". وفى يوم 15/11/ 2005 ، صرح وزير العمل الفرنسى لجريدة الفايننشيال تايمز البريطانية قائلا : "أن تعدد الزوجات هو أحد الأسباب المحتملة لأحداث الشغب التى اندلعت طوال ثلاثة اسابيع فى ضواحى باريس" وقد علقت الجريدة فى موقعها الإلكتروتى بأن هذا التصريح الذى يمكنه أن يشعل المناقشات حول أزمة الضواحى قد يهين المسلمين والمنظمات المعادية للعنصرية..  وكان قد سبق لوزير الداخلية الفرنسى آنذاك ، نيكولا ساركوزى ، استغلال قضية الحجاب فى فرنسا وتوظيفها لإدخال منظومة صراع الحضارات فى الصراعات السياسية الفرنسية ثم راح يلوح بقدوم الإرهاب ..

 

     ومن الملاحظ من متابعة الصحافة الفرنسية فى الفترة التى سبقت أحداث الشغب تلك، أنها ظلت تردد وتحذر شبه يوميا  عن قرب وقوع هجمات إرهابية – وكأنها بذلك تعد الرأى العام الفرنسى والعالمى لربط هذه الإحداث بالقرآن الذى يسمح بتعدد الزوجات ، وبالتالى ربطها بالإسلام و المسلمين الذين تسعى للتخلص من وجودهم.. ثم تبين بعد ذلك أن هذه الأحداث بدأت بقنبلة مسيلة للدموع رماها واحد من رجال البوليس الفرنسى داخل أحد المساجد أثناء الصلاة  ..

 

و –  الجماعات المتعصبة ولعبتها  فى العالم العربى :

 

     هناك جماعة مسيحية إنجيلية سرية  تدعى "الأسرة" ، وهذه المنظمة تقود اليوم هدفا كاسحا ضد المسلمين. وتمثل هذه الجماعة الإطار الأساس للسياسة الغربية و تدفع بنفوذها فى العالم من خلال جيش من المبشرين ، بحيث أصبح التطرف الدينى يمثل أحد أهم العناصر فى الجغرافيا-السياسية فى الشرق الأوسط . وبينما لا تكف بعض الأوساط ووسائل الإعلام عن إتهام الإسلام بكل أنواع الإتهامات والتلافيق، فإن المعلقين يتلفعون بالصمت حول مسؤلية الكنائس التى تساهم فى إحتدام الموقف ضد الإسلام ، مثلما يتلفعون بصمت القبورحول كل أفعال الصهاينة فى أرض فلسطين لإقتلاع شعبها. فمن المعروف ان أعضاء هذه الكنيسة هم أكثر المساندين لإسرائيل حماسا، ويرفضون أية تنازلات فى الأرض للفلسطينيين أصحاب الأرض وسكانها الأصليين.

 

     و الإنجيليون الذين يسيرون فى خطى المسيحية الصهيونية ، هم جماعة من الأصوليين البروتستانت ، كانت قد تكونت فى أواخر القرن التاسع عشر، أى فى نفس الوقت الذى تم فيه الإعداد لإقامة دولة لليهود . وهم جماعة تزعم أن إقامة دولة اسرائيلية يعد تحقيقا للنبوءة الإنجيلية  لعودة المسيح ليحكم العالم لمدة الف عام فى سلام ! ..

 

     وهذا التيار الإنجيلى الذى يضم أكثر من سبعين مليونا من الأتباع فى الولايات المتحدة ، يعتمد على آلاف المبشرين الذين تم تعيينهم لتصديرهم إلى البلدان الإسلامية والعربية وغيرها. ويقول شارل سان برو (Ch. St. Prot) مدير مرصد الدراسات الجغرافية-السياسية فى فرنسا ، فى مقال له عن هذه الكنائس : " ان الكراهية التى تكنها هذه الجماعات للإسلام واحتقارهم حتى للعرب المسيحيين ، يجعل منهم  أداة مميّزة للسياسة الأمريكية الرامية إلى تحطيم العالم العربى لإعادة تنظيم الشرق الأوسط الكبير بحيث يكون خاضعا لواشنطن وحلفائها الصهاينة ". ويتم تدخل الكنائس الإنجيلية فى العالم الإسلامى و العربى حاليا على ثلاثة مستويات :

 

1 -  الدعاية المعادية للإسلام ، والتى تملك  كل الإمكانيات  لاتهامه  بكل مصائب الدنيا،

 

و ربط الإسلام بالإرهاب و " محور الشر" و الشيطنة.

 

2 ـ إستخدام الأقليات المسيحية العربية لخلق الفرقة وتعبأتهم ضد المسلمين إعتمادا على وعود ومكافآت مالية ومناصب وعقود عمل ، ومنح تأشيرات الشنجن لكل من يزعم أنه "مسيحى مضطهد" ! وهى محاولة مقنّعة لإحلال عمالة مسيحية بدلا من المسلمة التى يسعون إلى إعادة تهجيرها لبلدانها الأصلية.

 

3 –  عمليات تنصير المسلمين  التى  تمثل أوضح نشاطات الإنجيليين إعتمادا على جماعات منظمة فى شبكات ، وعلى توصيل رسالة إنجيلية تعتمد على نصوص القرآن. وهو ما تقوم به جمعية "إدارات  العالم العربى"التبشيرية الإنجيلية العالمية التى تتلخص مهمتها فى : " الإعلان عن النبأ السعيد لمنقذٍ  لمسلمى العالم العربى " . و هم يعتمدون زوراً على أن القرآن  يفرض علينا الإيمان بالتوراة  و بالإنجيل ، متناسين أو متجاهلين أن النص القرآنى يقصد ما أنزله الله من توراة  و إنجيل ، وليس التوراة التى   إنتهوا من  صياغتها فى القرن الثامن الميلادى، أو الإنجيل  (العهد الجديد) الذى ثبت يقينا أنه  تم  تكوين  مجمل كتبه فى أواخر القرن الثانى الميلادى ، ثم قام القديس جيروم بتكوين وصياغة نصه فى القرن الرابع ، وفرضوه فى  مجمع  ترانت ، المنعقد  فيما بين 1545 و 1563، على "إن الله هو المؤلف"، ثم عدّلوا القرار قائلين: ان الله استعان بالروح القدس ليلهم الحواريين!

 

 والعملية التبشيرية التى يقودها الغرب المتعصب تساندها العديد من المحطات الإذاعية والتليفزيونية وخاصة أعضاء الكونجرس و المخابرات المركزية الأمريكية. كما يتم إدراج الدعاية التبشيرية فى مشاريع برامج التنمية الإلكترونية GIPI   ( برنامج : سياسة المبادرة الشاملة للإنترنت) وبرنامج MEPI (مبادرة الشراكة فى الشرق الأوسط)، وقد تم إقامتهما فى معظم بلدان العالم العربى والإسلامى، بعد أن أقر البابا السابق يوحنا بولس الثانى مبدأ إستخدام المجال الإلكترونى فى التبشير.

 

وهذا التبشير الذى تموله و تحميه السياسة الغربية يهدف إلى خلق بؤَرْ خلاف فى قلب البلدان العربية لإضعافها وتسهيل السيطرة عليها. كما يهدف إلى إشعال صراع الحضارات المزعوم بصورة مفتعلة لتندرج فى المشروع الذى تمت صياغته منذ 11 سبتمبر 2001 لإتهام الإسلام بالشيطنة . أى انه يندرج باختصار فى إطار سياسة هادفة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير وفرض الهيمنة عليه لصالح الكيان الصهيونى.

 

و يقول الكاتب جان بودريار) (J. Baudrillard فى كتابه المعنون " قوى الجحيم " الصادر فى أواخر أكتوبر 2002 ، : " ان ما يدور حاليا هو أكثر من عنف ، أنه إحتدام العنف ، أنه عنف يتزايد كالعدوى فى سلسلة من ردود الأفعال التى تهزم كل الحصانات وكل إمكانات المقاومة (...) لأن الإسلام هو النقيض الحيوى للقيم الغربية ،  لذلك فهو يمثل العدو رقم واحد (...) ، وفيما يتعلق بالتعصّب الدينى المسيحى فإن كل الأشكال المخالفة له تعد هرطقة ،  وبذلك فيتعيّن عليها إما أن تدخل النظام العالمى الجديد ، طواعية أو قهراً ، أو عليها أن تختفى. إن مهمة الغرب الآن هى أن يتم إخضاع الثقافات المختلفة بشتى  الوسائل إلى القانون الوحشى المسمى التساوى (...) فالهدف هو التقليل من المناطق المنشقة وإستبعاد كل المساحات المعترضة، سواء أكانت مساحات جغرافية أم مساحات فى المجال العقائدى ".

 

و يؤكد سيرج لاتوش (Serge Latouche) فى كتابه حول " تغريب العالم" قائلا : "إن سيطرة الغرب لم تتمثل فقط فى فرض الإستعمار، و إنما فى التبشير و السيطرة على السوق و الاستيلاء على المواد الخام و البحث عن أراض جديدة و الحصول على أيادى عاملة رخيصة ، و إقتلاع الهوية التراثية الدينية، والقيام بالغرس الثقافى الخاص بالغزاة ، مستعينين بشتى وسائل الإعلام وغيره (...). إن عملية تغريب العالم هى أولا وأخيرا عبارة عن حرب صليبية .. والحروب الصليبية هى أكثر العمليات جنوناً فى كل ما قام به البشر .. أن عملية تغريب العالم كانت ولا تزال عملية تنصير ، ومعظم عمليات التنمية فى العالم الثالث تتم  مباشرة أو بصورة  غير مباشرة  تحت علامة الصليب ".

        

 

خلاصة القول

 

      لقد جاهر الغرب المسيحى بالعداوة لدين الإسلام ، وجاهر على لسان مبشريه وأتباعه وإعلامه ، للمطالبة بتغيير العقيدة الإسلامية وإبطال الجهاد بعد بتره من كافة معانيه الإنسانية وقصره ظلما على الجزئية الحربية، وذلك على الرغم من أن الجهاد الحربى فى الإسلام مقنن شرعا ويمنع المسلم من بدء العدوان. كما طالب التعصب الغربى بالتدخل فى مناهج التعليم ومناهج العلوم الشرعية ، ومنع وصول المتدينين إلى المناصب العليا فى التربية والتعليم وغيرها من المجالات ، وعزل بعض الدعاة والخطباء، والتضييق على الحلقات الدراسية القرآنية ، و وقف العمل الخيرى الإسلامى ومصادرة أموال هذه الجمعيات، إضافة إلى ما تناولناه فى سياق البحث. وكل ذلك إعتمادا على التلبيس والمغالطة لترويج وتبرير هذا الإقتلاع على أنه جزء من الإصلاح الشامل المطلوب من أجل الديمقراطية ! والواقع الذى نعيشه يؤكد للجميع أن معنى الديمقراطية فى السياسة الغربية بات يعنى: الإستعمار و التنصير، على حد تعبير العديد من المعلقين .

 

     وهذا الموقف الغربى المعتدى يُعد تدخلا فجاً فى الشؤن الداخلية والدينية  وقلباً للمفاهيم وإعتداء صارخا على ثوابت الأمة وخاصة على القرآن الكريم الذى يعد  دعامتها الأساسية.

 

     إن قبول القيام بهذا التغيير المطلوب فى ديننا هو بمثابة إعتراف ضمني باتهامات الغرب المتعصب لنا  وإقرار بأن ديننا ومناهجنا تولد الإرهاب ! والإستجابة لهذه المطالب هو استسلام لتمكين المتعصبين من مآربهم ، وقد شجعهم على ذلك ما لمسوه من تهاون فى الدفاع عن ديننا. فهذا التنازل المطلوب لا حدود له ، فى نظر الغرب المعتدى، إلا الإقتلاع التام للإسلام و المسلمين ..

 

      ولقد أوضحنا فى مطلع هذا البحث أن الغرب المسيحى ليس بكله معاد للإسلام ، وأن هناك بؤَرٌ من نورٍ فى غياهب ذلك الغرب . و ينبغى علينا أيجاد جسور ترابط وأن نمد أيدينا لنتعاون مع هذه النقاط المضيئة الرافضة للإرهاب الغربى بأنواعه وتدخلاته، لتوضيح الحقائق المتعلقة بالقرآن وبالإسلام والمسلمين . وأهم ما يجب التركيز عليه ، بخلاف التعريف بمعطيات القرآن الكريم الحقيقية – وليس ما يقدمه لهم المستشرقون، هو:

 

*   أنه لا انفصال فى القرآن أو فى الإسلام بين الدين والدنيا ، وأن هدفه  عمارة الأرض وليس  دكها  أو إبادة بعض شعوبها كما يفعلون.

 

 

*   عدم قبول  مقولتهم المزعومة من أنه "لا نقاش فى العقيدة " ، فالخلاف الأساسى  بيننا هو ما قاموا  به من تحريف فى رسالة التوحيد . فلا حصر ولا عدد  للدراسات الجادة الأمينة ، التى راحت تكشف عمليات التحريف التى تمت فى النصوص الأولى، ومنها "ندوة عيسى" التى أثبتت أن المسيح ، كما تقدمه  الكنيسة ، لا سند تاريخى له، وإن 82 %  من الأقوال المنسوبة إليه لم ينطق بها ، وإن 84 % من الأعمال المنسوبة إليه لم يقم بها ، إضافة إلى كشفهم ما تم أخذه من الديانات الوثنية قبل بترها من الوجود ، ـ أى أنه تم كشف وتوضيح كيف تم تكوين المسيحية الحالية عبر المجامع على مر العصور ، كما قاموا  بإثبات أن الأناجيل المعتمدة قد  تم  تجميعها  إجمالا  فى النصف الثانى من  القرن الثانى الميلادى، وأنها ليست منزّلة كما يزعمون. وقد رأينا كيف قام القديس جيروم بتوليفها فى القرن الرابع بإعترافه شخصيا. وهو ما أثبته القرآن الكريم. فقد كان القرآن سبّاقا بالإشارة إلى شتى التفاصيل من تغييرٍ وتبديلٍ و تحريف. وكلها حقائق لا بد من مواجهة الغرب بها دفاعا عن ديننا وعن كياننا كمسلمين.

 

*   عدم قبول أن هذه  النصوص التى تم تحريفها تتساوى  مع القرآن الكريم ، خاصة فى مؤتمرات الحوار التى يفرضونها ، وخاصة بعد ما أعلنه البابا  يوحنا   بولس الثانى  من أنها نصوص بها  " البالى و الخطأ " ، وقد وعد  بتغيير سبعين  آية مراضاة  لليهود بعد تبرأتهم من "قتل الرب" ! وذلك فى أحد  النصوص  الرسمية الصادرة عن الكرسى الرسولى !.

 

*    العمل على كشف وَهْم أسطورة سفر الرؤيا التى يتذرعون بها لتنصير العالم ليأتى المسيح عليه السلام ، فما عسى الفاتيكان فاعلا "بدولة إسرائيل" التى أنشأها ظلما وعدواناً، هل سيقوم بتنصير اليهود أم أن الفاتيكان وأتباعه سوف يتهوّدون ، أم أنها حجج تنصيرية تسرى على البعض ويُعفى منها البعض الآخر ؟!

 

*     بما أن الأناجيل المعتمدة غير منزّلة ولم  تكتبها الأسماء التى هى  معروفة بها ، أى أنها نصوص غير  أصلية ومحرّفة ، بدليل ما قاله القديس جيروم الذى أعاد صياغتها وعدّل وبدّل وغيّر فيها وفقا  لطلب البابا داماز( المتوفى سنة 384 م) ، وذلك فى المقدمة التى كتبها لها وأهداها لنفس ذلك البابا، فلا يحق  للغرب المسيحى المتعصب الإعتماد على أسطورة من أساطيرها لتبرير إقامة دولة للكيان الصهيونى المحتل لأرض فلسطين، خاصة بعد ما أثبتته الحفائر الحديثة هناك من أنه لا حق لليهود فى هذه الأرض ، (راجع كتاب "كشف النقاب عن الكتاب المقدس" لكل من اسرائيل فنكلشتاين ونيل سيلبرمان ، الصادر عام 2002) والأول مدير معهد الآثار بجامعة تل أبيب ، والثانى مدير معهد الآثار والتاريخ فى بلجيكا ، وكلاهما  من اليهود المهتمين بالأمانة العلمية.

 

      كما لا يحق لذلك الغرب التذرع  بتلك الأسطورة لتنصير العالم ، خاصة  وأن المسيح عليه الصلاة  والسلام قد قال: " لم   اُرسل إلا  إلى خراف بيت إسرائيل الضالة "  (متى 15 : 24 ).  و  كان  قد  قال من قبل لحوارييه :  "إلى  طريق  أمم لا تمضوا  وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا .  بل إذهبوا  بالحرىّ إلى خراف  بيت إسرائيل  الضالة" (متى 10 : 5 و6).  وذلك  يعنى  قطعا  أن عمليات التنصير التى تقودها الكنيسة ضد المسلمين تنافى  تعاليم السيد المسيح وتناقضها تماما ، وأنه كان يتعيّن عليها أن تهدى اليهود الذين حادوا عن رسالة التوحيد ، لا أن تخرج عن تعاليم دينها و تقوم بتبرأتهم لأغراض سياسية ، أولها الإعتراف بدولة الكيان الصهيونى المحتل للأرض فلسطين ..

 

*  إن إستنادهم إلى نهاية إنجيل متى و الآية المكتوب فيها : " فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس " (28 : 19 ) هو إستناد باطل لأن عقيدة الثالوث  قد تمت  صياغتها فى  القرن الرابع وتسببت فيما تسببت فيه من إنقسامات ومجازر فيما بينهم ، فكيف يمكن أن توجد فى إنجيل  من المفترض أنه  مكتوب  فيما بين سنة 70  و90م – كما  يقولون ، إن لم تكن قد أُضيفت حشرا وعمدا ؟!

 

      إن الإسلام لا يفرض نفسه على أحد ، والقرأن الكريم ينص بوضوح قائلا :

 

" لا إكراه فى الدين" ( 256 /البقرة). ليكفّ الغرب المسيحى إذن عن أطماعٍ وأنانيةٍ عمياء فى محاولاته الدائبة لإقتلاع القرآن الكريم  لفرض دينٍ هو أول من يعلم كيف تم توليفه عبر المجامع على مر الصور ؛ وليكفّ الغرب المتعصب عن فرض نظام هو أول من يعلم كيف تم  نسجه بالأكاذيب والعنصرية ؛ وليكرس كل تلك الجهود الكاسحة والأموال الطائلة إلى ما تحتاجه البشرية من تضافر كل الإمكانيات والطاقات الإنسانية من أجل الحد من مآسى الجوع والفقر والجهل ومشاكل البيئة التى تحاصر العالم بأسره ، وهى مشاكل قد تسبب هو فى الكثير منها !     

 

 

 

كشف بأهم المراجع

 

 

Alberigo, Giuseppe  (sous la direction de ) : Les Conciles œcuméniques,     éd.   du Cerf, 3 vol., 1994

 

Baudrillard, Jean :  Power Inferno, éd.Galilée, Paris, 2002

 

Blachère, Régis :    Le Coran, P.U.F., Paris, 1969

 

Colonna-Cesari, Constance : Urbi et Orbi, Enquête sur la géopolitique    

 

vaticane, éd. La Découverte, Paris, 1992

 

Damascène, Jean :  Ecrits sur l'Islam, Cerf, Paris, 1992

 

« Dialogue et Annonce », Document du Conseil Pontifical pour le Dialogue

 

interreligieux et de la Congrégation pour l’Evangélisation des peuples. éd. Mission de l’Eglise, Paris, 1992

 

Finkelstein,I. & Silberman,N. : La Bible dévoilée, Bayard,2002

 

Jean-Paul II : Vers l’An 2000 ( Tersio Millenio Adviente), éd. de l’Emmanuel, Paris, 1994

 

Latouche, Serge : L’Occidentalisation du monde,éd. la Découverte, Paris 1989

 

Sénac, Philippe :  L’Image de l’autre, &d. Flammarion, Paris, 1983  

 

Westar Institute : Jesus Seminar.