الإسلام والقرآن

 

 

 

 

 

                                            

 

 

الأستاذة الدكتورة

 

زينب عبد العزيز

استاذة الحضارة الفرنسية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

القاهرة 2002

 

 

مقدمة

 

هل هناك حاجة حقيقية لكتاب جديد باللغة الفرنسية عن الإسلام أو عن القرآن الكريم؟ من المؤكد أنه ليس هناك نقصاً في عدد الأعمال، بما أن المستشرقين والكتاب الغربيين والكتاب العرب والمسلمين قد أنتجوا كماً مبهراً من النصوص، كل حسب وجهة نظره الخاصة أو حسب الهدف الذي يناضل من أجله.

 

وبناءً على هذا، يمكننا أن نصف هذا الإنتاج، في مجموعه و بلا خوف من الوقوع في خطأ إلى ما يلي: تتفق أعمال المستشرقين، بشكل عام، مع الفكر الاستعماري والتبشيري في سعيه الدؤوب للتقليل من قيمة الإسلام، باللجوء إلى المغالطات والتهم الباطلة بهدف دس مشروعه الثقافي؛ أما أغلب الغربيين فقد استسلموا للتعصب المحموم للكنيسة والذي تأخذ حدته في الازدياد منذ عهد الفتوحات الإسلامية وحتى يومنا هذا، وقليل من هؤلاء هم الذين يتصفون بالموضوعية والإنصاف؛ وبالنسبة للكتاب العرب أو المسلمين فيشكلون جبهة الدفاع وذلك الموقف يجعل أعمالهم مزدحمة بالانفعالات والتفاصيل والهوامش. هذا الإنتاج الغزير والذي تضيف إليه وسائل الإعلام موجة أخرى من المعطيات المغلوطة يحير القارئ خاصة أنه في هذه الأيام ليس لديه من الوقت ما يسمح له بالإطلاع على كافة وجهات النظر، كما أن هذا الإنتاج في مجموعه لا يتمشى مع حقائق كثيرة يصر العديد من الكتاب على إخفائها.

 

من هنا جاءت الحاجة لسلسلة من الكتب وأولها هذا الكتاب، نظراً للتداعيات الناتجة عن أحداث سبتمبر عام 2001 بشكل عام وأحداث الفاتيكان عام 1965بشكل خاص. ولم يشهد العالم من قبل مذبحة كالتي شهدها بين هذين التاريخين! لم تكن مذبحة موجهة ضد مجموعة من البشر أو ضد بلد ما، بل كانت حملة شرسة مليئة بالتحيز والتعالي والغطرسة ضد ديانة يعتنقها أكثر من مليار شخص في العالم!  ديانة تتعرض للنبذ بسبب ذنبٍ وحيد هو أنها في الواقع، بالإضافة لما تحتويه من أدلة، تعتبر في ذاتها الدليل على أكبر عملية تزييف عرفتها الدنيا وندفع ثمنها جميعاً، غربيون وشرقيون! 

 

وتعتمد هذه السلسلة على الحقيقة المجردة حتى تخرج للنور واضحة، دقيقة ومحددة. هذه الحقيقة التي تعمدت أطراف عدة إخفائها ونجحت في ذلك نجاحاً كبيراً الآن أكثر من أي وقت مضى. والذي يجرؤ على كتابة ونشر هذه الحقيقة يدرك مع الأسف العواقب والثمن الذي يتحتم عليه دفعه، وكذلك القارئ الذي يسعى للفهم والاستيعاب يجب أن يعرف أنه يحتاج إلى جهد جبار حتى يتخلص من الحاجز النفسي الذي تكاتف أصحاب النوايا السيئة منذ قرون لفرضه عليه لإبعاده عن تلك الحقيقة.

 

والكتاب ليس عملاً دعوياً بقدر ما هو رسالة من الكاتبة إلى القارئ البسيط الذي يبحث عن رؤية واضحة وصادقة لما يجري حوله والذي يأبى أن يدفعه مخططو هذه الحملة الوحشية التي ذكرناها - رغماً عنه- ليكون جزءاً من مخطط سوف يهوي بنا جميعاً بلا استثناء إلى هوة سحيقة.

 

نبدأ السلسلة بهذا الكتاب الذي يتناول في فصلين: "الإسلام والقرآن" كأساس للتعرف على ثالث وآخر رسالات التوحيد والتي يبذل أعداؤها كل جهدهم للتخلص منها حتى لو أدى ذلك إلى دمار للعالم والإنسانية.

 

وكل ما تهدف إليه الكاتبة هو توضيح الصورة الحقيقية للإسلام وتبرئته من كل التهم الباطلة التي تنسب إليه خاصة هذه الأيام والتي تصفه بأنه دين إرهابي يحض على الإرهاب، وذلك حتى يستطيع كل من يستحق أن يسمى إنساناً مهما كانت ديانته أن يشارك في إيقاف هذه المذبحة المروعة التي تجري أحداثها في سرعة تصيب الإنسان بالدوار.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإسلام

 

    

 

 

     الإسلام هو ثالث وآخر رسالات التوحيد أوحى به الله لمحمد[1] بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- ليبلغه للعالم أجمع. انتشر الإسلام في القرن السابع للميلاد بدءاً من شبه الجزيرة العربية إلى شتى بقاع الدنيا. ونستطيع أن نعرّف رسالة التوحيد التي يحملها الإسلام في بضع كلمات بأنها مبدأ يحرر العقل الإنساني. فهي تنزه الخالق عن كل تجسيد وتصوير؛ وتنبذ الخرافات والخزعبلات وتعدد الآلهة وتخلو من الأساطير الخيالية؛ وهي تنفي أن يكون للإنسان قوة حقيقية بذاته؛ ولكنها تجعله مهيمناً على كل ما استخلفه الله[2]  عليه في الأرض؛ ورسالة الإسلام تدعو الإنسان للوقوف في وجه الظلم والقهر، ومحاربة الاستغلال والجهل؛ وهي رسالة تنظم الحياة الاجتماعية والدينية.

 

   وفي عصرنا الحالي يعد الإسلام من أكثر الديانات انتشاراً في العالم. حيث وصل عدد المسلمين إلى ما يقرب من مليار وربع المليار من مختلف الأجناس والأمم والحضارات: من جنوب الفلبين في آسيا على نيجيريا في غرب أفريقيا لا يربط بينهم إلا الإسلام. ويعيش حوالي18% من المسلمين في الغرب وتضم اندونيسيا أكبر غالبية مسلمة في العالم بينما يمثل المسلمون غالبية سكان الشرق الأوسط والقارة الهندية وجنوب شرق آسيا   مساحات شاسعة من افريقيا. وتوجد أقليات مسلمة لا يستهان في روسيا والصين والأمريكيتين وكذلك في أوروبا الغربية والشرقية.

 

    وجاء الإسلام بعد اليهودية والنصرانية مؤكداً على ما سبقه ومبيناً حقيقة ما غيره أهل الكتاب في رسالاتهم ومحتوياً على كل ما يحتاجه الإنسان من توجيهات ضرورية لصلاح الدنيا والآخرة. والحقيقة، أنه لا يمكن التجاوز عن التناقضات التي تحويها الأناجيل نتيجة الكم الهائل من التحريف الذي تعرضت له على مر العصور والتي كانت السبب وراء الحرب الشعواء التي يشنها متعصبو الكنيسة ضد الإسلام منذ ظهوره وحتى الآن.

 

    والإسلام دين متكامل، لا يعرف الدوجماتية أو فرض الأفكار غير العقلانية وهو يشمل كل ما يهم المجتمع الإنساني من إرشادات دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية وحربية. لهذا يعتبر الإسلام ديناً ونظاماً اجتماعياً في الوقت ذاته، وفي ارتباط منطقي. فهو تشريع إلهي عام وأسلوب للحياة يركز على المبادئ الأساسية الثابتة التي تنظم حياة الإنسان بشقيها الروحي والمادي.

 

    وكما يوضح مدلول الكلمة "الإسلام" في اللغة العربية، فالإسلام لا يعني عبودية الاستعباد والإذلال كما يصورها وبإصرار المبشرون والمستشرقون، إنما هو عبودية الاعتماد على الله تعالى وطاعته ومحبته، بمعنى التسليم التام والكامل له سبحانه بكل ثقة ويقين.

 

    والإسلام بصفته نظام كامل وعالمي ينظم الحياة الإنسانية فإنه يمكن أن يوصف بأنه: يتحرك حركة دائبة حول محور ثابت.  وهذا الثبات مرجعه إلى أن قوانينه لا تتغير مع تغير "مظاهر" وتطبيقات الحياة الإنسانية من عصر لآخر، لأن التغير يظل محكوماً بالقيم الراسخة التي حملها الوحي الإلهي. وهذا الثبات لا يعني وليس مرادفاً للجمود، وقد أوضح رينيه جينون الفرق بين المعنيين في كتاباته.

 

    وكمثال على هذا الوصف نجد أن المادة التي يتكون منها الكون- سواء كانت الذرة أو الإشعاع الناتج عن انشطارها أو عن أي تفاعل آخر- هذه المادة ثابتة في تركيبها الأساسي ولكنها مع ثباتها هذا، تتحرك وتأخذ أشكالاً مختلفة قد تتغير وتتحول. ومثال آخر في تركيب الذرة فهي تحتوي على النواة والتي بها مدارات ثابتة ولكنها تمتلئ بحركة الإلكترونات حولها. وأيضاً كل كوكب أو نجم أو مجرة له مداره الذي يدور حوله في حركة منتظمة يحكمها نظام محدد وثابت.

 

     وكذلك طبيعة النفس البشرية، حيث أن لها قوانينها ومحورها الثابت الذي تدور حوله كل أنظمة جسم الإنسان والتي تعمل بنظام ودقة. وكل إنسان يمر في حياته بمراحل مختلفة منذ الميلاد وحتى الشيخوخة، كما أنه يمر بتطورات اجتماعية متنوعة، يصبح بها أكثر أو أقل رقياً حسب اقترابه أو ابتعاده عن إنسانيته، ومع هذه التغيرات تظل طبيعته المتميزة التي فطره عليها الخالق سبحانه ثابتة لا تتغير. وتأمل الكون بشفافية وحيادية يثبت لنا بوضوح أن كل ما يحويه من عجائب والدقة المتناهية التي يعمل بها يستحيل أن يكونا صدفة... وهذه الحقيقة أدركها في النهاية العديد من العلماء في العصر الحالي.

 

    وهكذا يتضح معنى المقولة التي تصف الإسلام بأنه "في حركة دائبة حول محور ثابت بقانون ثابت". وهذا معيار لا يمكن محوه من معايير التنزيل الإلهي.  ولهذا كان هذا المفهوم راسخاً بقوة في الفكر الإسلامي، ولهذا لا يمكن لأحد أن يقرب القوانين والمحاور الثابتة للإسلام بحجة تطويرها أو تكييفها مع العصر الحالي كما يزعم المبشرون والمستشرقون. لأن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية هو أساس عقيدة المسلم وليس قابلاً على الإطلاق للتغييرأو التطوير.

فحقيقة وجود الله   الأبدية واللانهائية، ووحدانيته وطلاقة قدرته، وأنه سبحانه وتعالى هو المهيمن على الكون وعلى جميع المخلوقات وأن هذا الكون كله ملك لله، يحكمه بأمره وبمشيئته سبحانه، كل هذه حقائق يوقن بها كل مسلم يقيناً ثابتاً.

 

تعاليم الإسلام  

    يعتبر القرآن[3]  والسنة هما المصدر لتعاليم الإسلام. والقرآن هو كلام الله الذي نزل به جبريل بلسان عربي على محمد(ص) والذي انتقل بكل دقة ودون أدنى تغيير من محمد(ص) النبي الأمي عن طريق كُتّاب الوحي الذين كانوا حوله يسجلون كل ما يوحى إليه ويحفظونه عن ظهر قلب.  وكذلك كان كل من يسمعه من العرب يحفظه في ذاكرته لما عرف عنهم من القدرة على حفظ الأشعار والقصائد الطويلة.

 

    بعد ذلك، تم جمع القرآن في أوراق وجمعه على صورة كتاب أو مصحف، وذلك على مدى عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان. وقد تم نسخ هذا المصحف الأول وتوزيعه على كل الأمصار الإسلامية، وهو نفس النص الذي يوجد الآن بين أيدي القراء دون أدنى خطأ في نقله.

 

    والقرآن هو أساس عقيدة المسلم. فهو يتناول علاقة الخالق سبحانه وتعالى بمخلوقاته، كما يحدد القواعد المتينة لتأسيس المجتمع على العدل والأمن، مع وضع الحدود العامة التي تنظم جميع مجالات الحياة وكذلك العبادات في ضوء حقيقة راسخة هي الوحدانية المطلقة لله.  فالله واحد، لا شيء يشبهه، وهو وحده الذي بيده مقاليد هذا الكون الشاسع.

 

    وهذه الرفعة والتنزيه المطلق لله تعالى لا تتنافى أبداً مع التكريم والمكانة العالية التي أنعم الله بها على الإنسان، بجعله خليفة، مكلفاً بتعمير الأرض.

 

    والإسلام ينبذ كل أشكال الشرك مثل عبادة الأصنام أو العجل أو الكواكب، ويرفض عبادة إلهين أو فكرة التثليث أو تأليه البشر أو عبادة الملائكة أو الجن. وهو دين لا مكان فيه للوساطة بين الله وخلقه ولا يقبل فكرة تجسيد الله. وفكرة تأليه المسيح مرفوضة تماماً في الإسلام، لأنه لا يمكن أن يكون أحد خلق الله إلهاً (فالمسيح كأي نبي آخر، لم يكن سوى رجل بسيط، كلفه الله بنقل الرسالة الإلهية). وكل هذه المعاني جاءت في سورة الإخلاص (السورة رقم 112)، في أربع آيات: "قل هو الله أحد- الله الصمد- لم يلد ولم يولد- ولم يكن له كفواً أحد".

 

      وجاء الإسلام مصوباً لكل أشكال الضلال والفوضى التي ملأت ديانات التوحيد التي سبقته، نتيجة لما تعرضت له هذه الديانات من تحريف، جاء حاملاً الرد على كل الانحرافات والأخطاء التي بها- وبهذا تتضح أحد جوانب عظمة هذا الدين وعظمة الدور الذي قام به لتحرير الفكر الإنساني.  لأن كل من يعرف ما وصلت إليه أحوال الدنيا في عصور ما قبل الإسلام، يدرك جيداً عظم ونبل ورحمة هذا الدين.

 

 ومن المعالم الرئيسية التي تدل على عظمة الإسلام، إعلاؤه لقيمة العقل، وضرورة أن يكون هذا العقل يقظاً، ومدركاً لما حوله، واهتمامه بحض الإنسان على إعمال عقله، وتحريره من قيود الخرافات والأوهام، والتخلص من سيطرة المتعصبين من رجال الكنيسة ومن الأسرار المفروضة. ولا يخفى على أحد ما امتلأت به العصور الوسطى المسيحية من تعصب ومذابح وأعمال بربرية...  ولا أحد يجهل إلى أي مدى لجأ القائمون على سلطة الكنيسة إلى الدخول في حروب وحشية لفرض الرجعية والفكر المظلم اللاعقلاني، بهدف خنق العقل والمعرفة عن طريق القهر وتحريم الإطلاع على ما يخالف الفكر الكنسي وجعله في كشف الكتب المدانة (الإنداكس)!

 وتحرير العقل يرتبط يشكل مباشر مع الدور الذي كلف الله به الإنسان، الذي كان المخلوق الوحيد الذي حمل أمانة تعمير الأرض عن طريق العمل، ومحاولة تحقيق التقدم المفيد للبشرية وتأمل كل شيء في الكون.

 

وبالإضافة إلى الاعتراف بالوحدانية المطلقة لله وبدور الإنسان كخليفة لله على الأرض، يحض الإسلام على الإيمان بالحياة الآخرة- التي تعد من الأمور المغيبة علينا أثناء حياتنا على الأرض - والإيمان بيوم القيامة وبالحساب الذي يرى فيه كل إنسان ما قدمت يداه من أعمال، صغيرة أو كبيرة، ويلقى جزاءه عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

 

أما عن مكانة المرأة في الإسلام فقد شهدت تطوراً لم يحدث من قبل. فقد أعاد الإسلام للمرأة إحساسها بإنسانيتها وقيمتها، ولا نبالغ حين نقول إنها وجدت لأول مرة احتراماً لكرامتها. وأول شيء قدمه الإسلام للمرأة كان محافظته على حياتها، بتحريم وأد البنات عند ولادتهن وتحريم التعامل مع المرأة كأنها متاع وبضاعة تباع وتشترى وتوَرَث، كما حدد لها الإسلام حقوقها سواء كانت ابنة أو زوجة أو أم، كما أعطى الإسلام للمرأة الحق في قبول أو رفض من يتقدم لخطبتها وكذلك الحق في رفض أن تشاركها امرأة أخرى في زوجها. وهناك أيضاً حق المرأة التي بلغت سن الرشد في التصرف الكامل في أموالها وممتلكاتها دون تدخل والدها أو زوجها.

 

وباختصار فإن المرأة في الإسلام تتساوى مع الرجل في الحقوق والواجبات باستثناء أمرين: الميراث وشهادة المرأة. وتنظيم هذين الأمرين في الإسلام له أسبابه، وليس فيه تقليل من شأن المرأة بأي حال. فميراث المرأة يختلف اعتماداً على درجة القرابة والنسب، وفي مسألة شهادة المرأة فالاختلاف يرجع إلى الخوف من تعرض المرأة للنسيان نتيجة الإرهاق أو السهو. وفي بعض حالات الميراث، ترث المرأة مثل الرجل وفي حالات أخرى ترث أكثر منه، بل أحيانا ترث المرأة ولا يرث الرجل. وهذه واحدة من الحقائق التي كان ومازال المستشرقون والمبشرون وكل من يسير على نهجهم يتجاهلونها. والإسلام حرم أيضاً الزنا والدعارة، وفرض على كل من يرتكبهما رجلاً كان أو امرأة عقوبة الرجم أو الجلد.

 

 ومن تعاليم الإسلام الإنسانية والاجتماعية وصيته بطاعة واحترام ورعاية الوالدين وكذلك وصيته بمساعدة الأرامل والأطفال واليتامى والمساكين والمحتاجين وعدم الجور عليهم ولا أكل حقوقهم بالباطل.

 

 وحين فرض الله الزكاة في الإسلام، أوجد بذلك نظاماً مالياً واجتماعياً لو طبقه الناس بأمانة ودقة، لما بقي على الأرض بائس ولا محروم، لا يملك أي مورد أو دخل. فمفهوم الزكاة يختلف عما فهمه وترجمه المستشرقون، فهي ليست من الضرائب أو العشور، وليست هبة من الغني إلى الفقير، ولكنها قدر محدد من المال تحسب كميته بدقة بناء على قيمة محددة من الدخل ويوجه هذا المال إلى أشخاص بعينهم. وقد حدد الله تعالى من تصرف لهم الزكاة وذلك في الآية رقم 60 من سورة التوبة كما حددت السنة الشريفة نصاب الزكاة.

 

    وتضم تعاليم الإسلام كذلك إرشادات للحفاظ على حرية الفرد، حيث تحرم الاتجار بالبشر من العبيد، وتعطي العبد الحق في استرداد حريته، كما تحدد مواقفاً عديدة توجب على من يمتلك عبداً أن يعتق رقبته.

 

العقائد الرئيسية

 

الإيمان بالله خالق السماوات والأرض وما بينهما، الذي كلف الإنسان بتعمير الأرض وسخر له باقي المخلوقات ورزقه نعماً لا تعد ولا تحصى ولم يطلب منه إلا أن يعبده ويطيعه وألا يجعل له سبحانه أنداداً. ورحمة الله وسعت كل شيء، فالله يغفر كل الذنوب إلا أن يشرك به (وهناك شرك أكبر وأصغر، وشرك في النية بعدم إخلاصها لله). وهو سبحانه في عليائه وعظمته أقرب للإنسان من حبل الوريد، سبحانه ليس كمثله شيء.

 

الإيمان بالملائكة

 

رغم أن الإسلام حرم عبادة الملائكة إلا أنه أكد أننا لابد أن نؤمن بهم، لأنهم جزء من عالم الغيب. والملائكة خلقهم الله من نوره وأوجب عليهم طاعته وعبادته. وهم لا يعصون لله أمراً ويفعلون ما يأمرهم به. ومن الملائكة من كلفه الله بكتابة وتسجيل أعمال بني آدم، وهم موجودون على يمين ويسار كل إنسان. ومنهم المكلفون بقبض أرواح بني آدم عند الموت.

 

الإيمان بكتب الله المرسلة

 

كل مسلم يجب عليه أن يؤمن بالكتب السماوية السابقة وبأنها مرسلة من عند الله، وهي التوراة (العهد القديم) التي نزلت على موسى والإنجيل (العهد الجديد) الذي نزل على عيسى بن مريم[4]. والإيمان بهذه الكتب، كما أُنزِلت ورفض ما تم فيها من تحريف. أى الإيمان بأنها جاءت من عند الله تعالى، لأن جميع الرسالات السماوية أكدت على حقيقة واحدة: هي عبادة الله الواحد، الذي إليه نسعى ونلجأ. والإسلام هو آخر وحي السماء الذي جاء متمماً وخاتماً للرسالات السابقة. ومحمد (ص) هو خاتم الرسل والأنبياء، لأن بعده لن يكون هناك نبياً ولا رسولاً، حيث جاءت رسالته مصححة ومكملة للرسالتين السابقتين، وهي رسالة صالحة لكل زمان ومكان.

 

الإيمان بالرسل

 

يرتبط الإيمان بالرسل ارتباطاً مباشراً بالإيمان بالرسالات التي أنزلها الله على هؤلاء الرسل. والمسلم يجب عليه ألا يفرق بين أحد منهم من آدم إلى المسيح عيسى بن مريم عليهم السلام، حيث أنهم جميعاً مرسلون من عند الله. ومن هؤلاء الرسل من جاء بالمعجزات، التي تفوق قدرته كبشر، ولكنها كانت بتأييد من الله سبحانه وتعالى بقدرته ومشيئته. وكل مسلم عليه أن يتفكر في قصص هؤلاء الأنبياء ومصير أقوامهم وسوف يجد بها دروساً وعبراً وأدلة راسخة على وحدانية الله تعالى.

 

     وحيال ما قام به أصحاب النفوذ أو المتعصبون من رجال الكنيسة من تحريف في الكتب السماوية السابقة، لا يملك المسلم إلا أن ينظر إلى هذا التحريف بأسف وعدم تقدير، رافضاً بشدة القول بأن المسيح ابن مريم هو ابن الله كما يزعم النصارى، وكذلك القول بأن عزيراً ابن الله كما يزعم اليهود. كما أن المسلم على يقين بأن المسيح عليه السلام لم يصلب. والتواريخ التي تمت فيها جميع هذه التحريفات مذكورة في محاضر المجامع ويمكن لأي شخص يريد التأكد من هذا الأمر أن يرجع إليها بسهولة.

 

الإيمان بيوم القيامة

 

 لأن الحياة الدنيا حياة مؤقتة وانتقالية، فإن الإسلام يهيئ أتباعه للحياة الآخرة، حياة الخلود والثواب والعقاب والجنة والنار، حيث يحاسب الله الناس على أعمالهم ويزنها عليهم بمثقال ذرة. وهذه المشاهد يصفها القرآن الكريم بالتفصيل ليحض المسلمين على فعل الخير وترك الشر وعلى اتباع الصراط المستقيم.

 

 الإيمان بالقدر

 يؤكد الإسلام على حقيقة أن كل شيء في هذا الكون يمضي بإرادة الله ، مع  التأكيد على أن للإنسان قدراته  وإرادته التي تعينه على أداء ما عليه من واجبات وتجعله مسئولاً عن كل ما يختار أن يقوم به من أعمال.

 

أركان الإسلام

 

بُنِيَ الإسلام على خمسة أركان تمثل روح الإيمان وهي:

1- شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. 2- إقامة الصلاة. 3- إيتاء الزكاة .4- صوم رمضان.  5- حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.

 

1- الشهادتين

     حين ينطق شخص ما بالشهادتين، يصبح مسلماً لأنه قد قبل ما شدد الإسلام في النص عليه كأساس له: وهي وحدانية الله، وتفرده في الألوهية: فالعبودية لا تجب إلا إليه وحده دون سواه؛ وكل ما في هذا الكون الفسيح ملك يمينه بلا ند ولا شريك. ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي بعثه الله برسالة الحق لهداية البشرية إلى الدين القويم. وهذه الشهادة هي عماد الإسلام.  وهي القاعدة الصلبة لعقيدة التوحيد الراسخة لدينا نحن المسلمون. والتي تمثل الاختلاف الحقيقي أو الشرخ الحاسم بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما يفسر تلك الكراهية البغضاء التي تدفع متعصبي الكنيسة لمحاربة الإسلام بضراوة ليس لها مثيل، والواقع أن القرآن يحتوي على الأدلة الدامغة على التحريفات المختلفة التي تعرضت لها المسيحية.

 

2- الصلاة

     الصلاة فرض على كل مسلم كتطبيق عملي للإيمان. وإقامة الصلاة تعد تعبيراً عن التواضع التام من الإنسان، الذي يسلم أمره بالكامل لله تعالى. والمسلم يؤدي الصلاة خمس مرات في اليوم: في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء. يبدأ المسلم في تهيئة نفسه للدخول والتركيز في الصلاة بالتطهر بالوضوء. ثم يقف موجهاً وجهه نحو الكعبة ويؤدي الصلاة بقراءة بعض آيات القرآن وترديد بعض أذكار الصلاة، والركوع والسجود في الأماكن المطلوبة. ويمكن للمسلم أن يصلي منفرداً أو في جماعة. وصلاة الجمعة وهي صلاة الظهر يوم الجمعة هي الصلاة التي يجب أن يؤديها الرجل في المسجد. أما عن باقي الصلوات، فالأفضل للرجل أن يؤديها في المسجد؛ ومن الممكن أن يؤديها في مكان آخر. أما المرأة فلها الاختيار أن تذهب إلى المسجد أو أن تصلي في المنزل.  وصلاة الجمعة تسبقها خطبة وهي موعظة يلقيها إمام المسجد وتكون موضوعاتها متنوعة، فد تتعلق بالأحداث الجارية في المجتمع أو بأي موضوع يهم المصلين. 

 

3- الزكاة

     الزكاة ثاني أركان الإسلام بعد الصلاة. وهما يمثلان الركنين الرئيسيين اللذين يقوم عليهما الإسلام. وكلمة زكاة في اللغة العربية مشتقة من تزكى بمعنى تطهر وتنقى. وإعطاء الإنسان جزءاً من ماله للمحتاجين يعبر عن هذا المعنى. ويوضح القرآن أن الزكاة كانت مفروضة على أمم الأنبياء السابقين كما هي مفروضة على المسلمين. وتقترن الزكاة في آيات القرآن بالصلاة مما يجعلهما تقريباً على قدم المساواة في الأهمية والقيمة. ويحدد القرآن الكريم في الآية 60 من سورة التوبة مستحقي الزكاة: " للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل." والزكاة هي أحد الفروض التي يجب أداؤها على كل مسلم.

 

4- صوم رمضان

     الصوم هو الامتناع عن الطعام والشراب ومباشرة الأزواج من الفجر وحتى غروب الشمس. عرفت أمم الأنبياء السابقين الصوم، فقد نصت عليه معظم الأديان بشكل أو بآخر. والصوم عبادة بين العبد وربه، تدل على إيمان الإنسان وعزيمته، كما يعتبر وسيلة يقاوم بها شهواته. ويستحب في شهر رمضان الإكثار من الصلاة ومن قراءة القرآن والامتناع عن كل معصية والإحسان إلى الوالدين وأولي الأرحام.

 

5- الحج

     الحج فريضة على كل مسلم مرة واحدة في العمر إن استطاع إليه سبيلاً. والمقصود بالاستطاعة: القدرة المالية والبدنية. وقد فرضه الله على المسلمين ليستشعروا رباط العبادة الذي يوحدهم معاً مهما بعدت بينهم المسافات ورغم بعد بلادهم عن الكعبة، المركز الذي انتشر منه الإسلام إلى العالم. وفي شعائر الحج إحياء لسنة إبراهيم[5] عليه السلام ونهاية لما كان يمارسه الكفار من شعائر قبل الإسلام. وفترة الحج تكون من يوم الثامن إلى الثاني عشر من شهر ذي الحجة. وقد بلغ عدد الحجاج في عصرنا هذا أكثر من مليوني مسلم كل عام.

 

      وللحج أركان وشعائر محددة وهي: النية، الإحرام، الطواف سبعة أشواط حول الكعبة، السعي سبعة أشواط بين الصفا والمروة، المبيت بمنى وعرفة ومزدلفة.

     وشروط الإحرام هي: - عدم ارتداء المخيط من الثياب حيث يكتفي الحاج بقطعتين من القماش الأبيض يلفهما حوله -عدم تغطية الرأس-عدم التعطر والتطيب- الامتناع عن مباشرة الأزواج- عدم قتل الصيد.

     وتجب الفدية على من يخالف أحد هذه الشروط.

     والمرأة تمارس نفس الشعائر بنفس الشروط ما عدا شرط الملبس والصيد. فلها أن ترتدي ملابسها العادية ويفضل الأبيض من الثياب وعليها أن تكشف وجهها وكفيها.

 

الشريعة الإسلامية

 

الشريعة هي قانون الإسلام الذي أوحى الله به لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم). وهي تحتوي على كل ما يتعلق بالعقيدة والفقه. ثم أصبح للشريعة معنى أدق حيث تُعنى في الأساس بالفقه.

 

مقاصد الشريعة

 

     من المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية الحفاظ على خمسة عناصر ضرورية لحياة البشر وهي: الحفاظ على الدين، الحفاظ على النفس، الحفاظ على العقل، الحفاظ على المال والحفاظ على النسل والذرية.

 

مميزات الشريعة

 

     تمتاز الشريعة الإسلامية بصفات خاصة لا توجد في الشرائع الأخرى، فهي محددة وتخلو نصوصها من أي تناقض أو غموض، كما أنها مرنة ومتوازنة، أحكامها ميسِرة وترفع المشقة عن المسلمين والشريعة تحقق العدل والمساواة والحرية لكل البشر.  ومن هذه المميزات:

 

الشريعة شاملة

 

     فهي تضم أحكام العبادات التي تنظم علاقة الإنسان بربه مثل أحكام الصلاة والصوم والزكاة؛ والأحكام التي تنظم علاقات الأفراد داخل الدولة المسلمة وعلاقات الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى.

     ومن الأحكام التي تنظم علاقات الأفراد: أحكام الأسرة والزواج والحقوق العامة وحقوق الأبناء وأحكام الطلاق ...إلخ. و هناك أحكام أخرى مثل :- الأحكام التي تنظم المجتمع المدني: أحكام البيع والشراء والرهن والتوكيلات وكل ما ينتج عن هذه المعاملات من حقوق مالية.- أحكام القانون الجنائي وهي تختص بالحكم في الجرائم التي يرتكبها أي شخص عاقل قادر على تحمل التكاليف والعقوبات المستحقة عليه.- أحكام تنظم القضاء وإجراءات التقاضي.- أحكام تختص بدستور الدولة وهي تتعلق بالنظام السياسي وقواعده وتحديد سلطة الحاكم على المواطنين وكذلك حقوق وواجبات كل منهما نحو الآخر.- أحكام دولية تنظم علاقة الدولة المسلمة بالدول الأخرى وكيفية معاملة غير المسلمين داخل الدولة المسلمة.

  

الشريعة محددة، تخلو من التناقضات والغموض

 

     أوحى الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) القرآن الكريم على مدى ثلاثة وعشرين عاماً. ويحتوي القرآن على 6326 آية لا يوجد في أيٍ منها حكماً يناقض الآخر أو مبدأ يهدم آخر، بل إن كل أحكام القرآن تتكامل بدقة تحقيقاً لمصلحة العباد وخيرهم مما يعد أحد مظاهر تفرد هذا الكتاب.

 

الشريعة مرنة وصالحة لكل زمان ومكان

 

     فهي توفر حلاً لكل مشكلة تظهر في حياة البشر في أي مكان وأي عصر، موضحة رأي الشرع في كل ظرف يجدّ على حياة البشر بشكل مفاجئ.

 

الشريعة تيسر وترفع المشقة

 

     وهذا هو المبدأ الذي تدور حوله كل أحكام الشريعة الإسلامية. وهناك آيات قرآنية كثيرة تدعو إلى التيسير ورفع الحرج والمشقة وهذه هي روح وحقيقة الإسلام: فهو دين وسط معتدل ومتوازن. 

 

العدالة

 

      تحض كل أوامر القرآن على تحقيق العدالة المطلقة بين البشر وترفض الظلم حتى ضد الأعداء. وظلت هذه العدالة متحققة في التاريخ الإسلامي حتى مع غير المسلمين الذين فضلوا العيش في حماية شريعة الإسلام السمحة.

 

المساواة

 

     ما إن يبتعد الإنسان عن تعاليم الإسلام، حتى يضيع منه معنى المساواة. فالقرآن الكريم لا يعرف فكرة "الكيل بمكيالين" التي طبقها بوقاحة سدنة الحكم في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة. وهو يوضح أن التقوى هي المقياس الوحيد الذي توزن به أعمال الإنسان. والناس متساوون أمام الخالق سبحانه، مهما اختلفت ألوانهم أو أوطانهم.

 

الحرية

 

     تكفل أوامر القرآن للإنسان حرية الفكر وحرية العقيدة وكذلك حرية التعبير.   وفي مجال الفكر، حرر الإسلام العقل من أوهام وخرافات الجاهلية، واهتم بهذا العقل الإنساني وحضه على التفكر وملاحظة ما حوله.

 

     وتتضح الأهمية الكبيرة التي يعطيها الإسلام للعقل في تكرر أفعال مثل يعقلون ويفقهون ويتفكرون ويتدبرون عشرات المرات في القرآن الكريم. ويبلغ احترام العقل ذروته في الإسلام فنرى أن الله سبحانه وتعالى يكافئ من يبذل أي جهد لإعمال عقله حتى وإن أخطأ. ويتجلى كذلك بشكل كبير في كون أول كلمة اُنزلت في القرآن الكريم هي فعل الأمر: "اقرأ"! وكل مسلم مطالب حقاً بقراءة كتاب الله المقروء وهو القرآن وكتاب الله المنظور وهو الكون من حوله.

 

     أما حرية العقيدة فتتضح من خلال الآية 256 من سورة البقرة: "لا إكراه في الدين." وقد تم تطبيق هذا المبدأ بكل أمانة ونبل مع غير المسلمين الذين عاشوا في الدولة الإسلامية. و يزخر التاريخ الإسلامي بالحقائق والأحداث التي تؤكد ذلك والتي لا يمكن إنكارها.

 

     كفلت الشريعة أيضاً حرية التعبير التي تسمح لكل إنسان أن يعبر عن نفسه كما يشاء وأن يصرح بأفكاره ومشاعره. بل والأكثر من ذلك أن الشريعة جعلت من حرية التعبير واجباً على كل مسلم واعتبرت من يمتنع عنها مقصراً في أحد تكاليف الدين.

 

مصادر الشريعة

 

      تتميز الشريعة الإسلامية بكل ما سبق، لكونها جاءت بوحي من الله تعالى وأن مصدرها الرئيسي هو القرآن الكريم. أما المصدر الثاني فهو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. وبالإضافة لهذين المصدرين الرئيسيين والذي يعد الإخلال بأي من أحكامهما مخالفة شديدة، هناك مصادر أقل أهمية، لكن لها دور تكميلي. مثل "الإجماع" وهو اتفاق أئمة الإسلام على حكم ما، و "القياس" وهو تطبيق حكم نصت عليه الشريعة في أحد الأمور على أمر آخر مماثل له لم يرد ذكره بها وذلك لتشابه الأمرين وتشابه الظروف المحيطة بهما، وهناك أيضاً "الاستحسان و المصالح المرسلة" والتي لا تتعارض بتاتاً مع الشريعة.

 

التكافل في الإسلام

 

يعتبر التكافل بين المسلمين من أهم ملامح الإسلام. فعلى كل أفراد المجتمع أن يساندوا بعضهم البعض، وأن يسهروا على مصالح ومنفعة كل فرد وأن يحافظوا على قيام المجتمع على قواعد وأسس سليمة. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الشأن: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً". وهناك ستة أنواع من التكافل في الإسلام:

 

تكافل معنوي

فكل إنسان عليه واجب الاحترام والتعاون والمودة نحو أخوته في الإنسانية في كل المجالات. وهناك العديد من الأحاديث النبوية التي تحض على هذا السلوك.

 

التكافل دفاعاً عن الوطن والأمة

يعتبر الدفاع عن الوطن والأمة واجباً على كل فرد في المجتمع المسلم.

 

التكافل في معاقبة الجرائم

فرَض الإسلام دفع الدية كفارة للقتل الخطأ. والأصل في الأمور أن تقع الجريمة على الجاني ولكن جاءت هذه العقوبة بدفع الدية لانتفاء التعمد من الجريمة.

 

التكافل دفاعاً عن المبادئ

تقع المسئولية على كل أفراد المجتمع المسلم في حمايته من كل السلوكيات التي تضر بالمجتمع أو بقيمه أو تراثه.

 

التكافل لحماية الاقتصاد

يجب على أعضاء المجتمع أن يشعروا بواجبهم في عدم الإتيان بأي فعل يضر الآخرين مثل أعمال النصب والاحتيال والشح والتربح والاحتكار...إلخ ويتعين على الدولة أن تتدخل لمنع كل ما يمكن أن يضر بالمجتمع المسلم أو بأي فرد فيه.

 

التكافل المادي

ويبدو واضحاً في الحقوق التي نصت عليها الشريعة للفقراء أو المحتاجين في أموال الأغنياء. وتشمل: الزكاة، الهبات، العطايا، الصدقات، والفدية، وكذلك الوقف، والتبرعات، وإقامة المؤسسات الخيرية.

 

هذه هي الخطوط العريضة لوصف الإسلام، كما أوحى به الله تعالى وكما نعيشه في الواقع كثالث وآخر رسالات التوحيد. وإذا ما قصر البعض في واجبات الإسلام، وإذا ما أساء البعض الآخر إليه وشوه صورته، فالخطأ ليس في الإسلام ولكن فيمن يفرط ويسيء!

          

                                  يناير 2002


القرآن الكريم، المقاصد والأخلاقيات

 

     القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الخاتم للرسالتين السابقتين. وهو يحوي أهم ما جاء فيهما، مما يتعلق بالإيمان والعبادة ونمط السلوك الإنساني. ويمكن القول إجمالا، ودون أن نوفيه كل حقه، أنه: ملتقى للعلماء، ومعجم للغويين، وأستاذ معلم في النحو لمن يريد أن يحسن أسلوبه، وأنه موسوعة معارف وقوانين وأحكام: إنه الهداية الحقة الواضحة والمنطقية للبشر كافة؛ انه المعجزة الخالدة المساندة لرسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ودستور يحوي كل ما يخص الإنسان في دنياه وفي آخرته.

     ومن أهم خصائص القرآن، الوضوح الدقيق لمنطِقه المقنِع، الذي يحتوي على كل عناصر البلاغة، من تهيئةٍ للخطاب، وبحث عن الأدلة وترتيبها، وطريقة إلقاء شاعرية لا مثيل لها. وذلك دون الحديث عن الأمثال والحكم الأخلاقية والتي يظل عمقها ومداها دائمة الفاعلية.

      وقد امتد تنزيل القرآن الكريم على مدى 23 سنة، نزلت خلالها الآيات على فترات متقطعة حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عام 632 من الميلاد. 

     ويحتوي القرآن الكريم كلام الله، المنَزَل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم بوح متفرِّد باللغة العربية بواسطة الملك جبريل عليه السلام. وانتقل تباعاً، كتابة وقراءة، بلا أدنى تغيير فيه. ويتكون القرآن من 114 سورة مرتبة ترتيباً تنازلياً، وتنقسم السور إلى آيات، عددها الإجمالي هو 6326 آية. ولم يواجه القرآن أي مشكلات متعلقة بمصداقية النص مثل الكتاب المقدس. لأن الإسلام، من بين كل ديانات التوحيد، يعتبر الدين الوحيد الذي تم تثبيت مصادره منذ البداية. فالقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يتمتع بميزة فريدة من بين كل الكتب المنزلة: انه لم يخضع لأي تحريف أو تلاعب.  لأن الثبات التام لنصه قد تم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم. لذا فهو يمثل المعجزة الخالدة للإسلام بطابعه المتفرد، المقنع والكامل. إنه بمثابة تحدٍّ لكل من ينكر أنه منزّل من عند الله.

     وكلمة القرآن تشمل معنيين: أحدها لغوي هو اسم فعل قرأ، بمعنى القراءة مثلما هو وارد في الآية: "إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه" (سورة القيامة، الآية: 17، 18)؛ والمعنى الآخر هو الاسم العلم نفسه لهذا الكتاب المقدس، المبجل، النقي: "القرآن"، بمعنى القراءة كما يجب أن تكون.

 

     وبخلاف هذا الاسم العَلم، للقرآن خمسة وخمسون اسماً أو صفة أطلقت عليه على مدار الآيات. من بينها: الكتاب، الكتاب المبين، الكتاب الكريم، كلام الله، النور، النور المبين، الهداية الحقة، الهدى والرحمة، الصراط المستقيم، القاطع، النبأ العظيم، تنزيل رب العالمين، المعرفة، العلم، البشير والنذير. وتطلق عليه كذلك عشرة من أسماء الله الحسنى مثل: العزيز، الحكم، المحيط، الحق، ولكن الأسماء الأكثر شيوعا عند المسلمين هي: القرآن، الكتاب، والفرقان.

     وقد أنزِل القرآن بلسان عربي مبين، ذلك أن العربية كانت لغة قوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله إليهم رسولاً. وقد جاء في أحد الآيات: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " (سورة إبراهيم، الآية: 4)، وهذا ما يثبت أن الإنجيل المنزل على سيدنا عيسى، أنزل باللغة الآرامية، لغته ولغة قومه   وليس باللغة اللاتينية أو الإغريقية كما يزعم المحرفون!

     وكما أرسل الله كل نبي بلغة قومه، فقد أيده بمعجزات تدعم دعوته. وكانت كل معجزات الأنبياء السابقين على المستوى المادي المحسوس مثل عصا موسى، ناقة صالح، الشفاء الذي كان يقوم به المسيح عليه السلام بإذن الله. كل هذه المعجزات انتهت بانقضاء الأزمنة التي جاءت فيها. ومعجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحدها هي التي كانت على المستوى المعنوي: إنها القرآن الذي سيظل على مدى الزمان والمكان، لأنه النص الإلهي الوحيد الذي بقي سليما دون أدنى تحريف ولو في حرف واحد من حروفه. وأيا كان ما تحقق من تقدم مادي، يظل القرآن - البيّن الذي لا يقهر- سيظل يكشف عن براهين تردَع كل منكرٍ للحقيقة ومنكرٍ للوحي. هذا ما أوضحه تماما موريس بوكاي في كتابه المعنون: "الكتاب المقدس، القرآن والعلم" (La Bible, le Coran et la Science) حينما قال: "عندما نكون بصدد مراجعة مضمون النصوص الدينية بواسطة المعطيات المؤكدة، فإن عدم التوافق بين النص الإنجيلي والتراث المعرفي المعاصر يبدو جليا. بعكس النص القرآني الذي يتضح خلوّه من أي عنصر يمكن أن يثير النقد الموضوعي".

مراحل تحدي القرآن الكريم  

     إن التحدي الذي يأتي به القرآن الكريم للمنكرين جاء على مراحل. ففي بداية إنكارهم قال لهم القرآن: "فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين" (سورة الطور، الآية: 34). وعندما عجزوا عن الرد وادعوا أنه حديث مختلق، سألهم الله: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين" (سورة هود، الآية: 13). وعندما عجزوا عن الرد، طلب الله منهم أن يأتوا بسورة واحدة "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين" (سورة البقرة، الآية: 23). ثم جاء آخر تحدٍ، بالنظر لعجز المنكرين: "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" (سورة الإسراء، الآية 88).

       إن حجة النبي التي لا يمكن دحضها تكمن في أن الله أوحى إليه هذا القرآن باللغة العربية التي يجيدها العرب تماما ويلِّمون بكل معانيها ولكنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بحديث مثله ولو بسورة واحدة من ثلاث آيات مثل أقصر سور القرآن. 

الجوانب المختلفة لهذا الطابع المتفرد 

     وبخلاف الجانب اللغوي والذي به مصدر ثراء اللغة العربية الخارق، هذا الجانب الذي يمثل تعجيزاً للعرب في زمن الوحي ولا يزال مستمرا حتى أيامنا هذه، دون أدنى تغير في الانطباع الذي يحدثه، هناك جوانب عديدة تكشف وتثبت هذا الطابع المتفرد، المقنع والكامل للقرآن الكريم، والذي لم يستطع أحد أبداً أن يقلده في الشكل أو المضمون.

     ففي مجال الغيب، لا أحد يمكنه أن يتنبأ بالمستقبل بدقة فائقة. ومع ذلك فهناك أحداث عديدة تنبأ بها القرآن الكريم، منها قصص الأنبياء السابقين وأقوامهم، والمعطيات والمعارف العلمية التي لم تعرف إلا منذ قرن أو منذ عدة سنوات والتي لا يمكن لأي تقدم علمي أن يكذبها، ذلك دون أن نتحدث عما لم يثبته العلم بعد. إن القرآن يحتوي على معطيات عن بدء الخليقة، عن الدورات السابقة، وعن أخبار الأمم السابقة والقادمة، كما يحتوي على كل أنواع التحريف التي ارتكبت في حق الكتب المقدسة لرسالتي التوحيد السابقتين. 

     وفي المجال الاجتماعي، يحتوي القرآن على الهداية الحقة لتوجيه الناس نحو الاستقامة ولمعالجة العيوب التي تصيب المجتمعات، على مستوى العبادة والأخلاق وعلى المستوى الاجتماعي. إنه يمثل معيناً لا ينضب من التعاليم. بيد أن النبوءة الراسخة تظل بكل تأكيد، هي أن الإسلام سيتجلّى على كل الديانات الأخرى! إنها حقيقة نعيشها جميعا - شرقيون وغربيون- أيا كان اختلاف الرؤى أو وجهات النظر. لأنه رغم كل جهود التعصب الكنسي، ورغم مليارات الدولارات التي أنفقتها حملات التبشير والمبشرون، لمحاصرة الإسلام - منذ ظهوره وحتى أيامنا- إلا إن الإسلام يواصل مسيرته وانتشاره!  رغم الضغوط الكاسحة التي شبهوها "بوابور الزلط" الذي يحاولون جميعاً سحق الإسلام به. وهنا لا يسعنا إلا أن نكرر ما جاء في القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" (سورة التوبة، الآية 33).  وهذا ما يسبب- للأسف- ذلك الذعر في الغرب في أوساط المتعصبين المعاصرين الذين يرون أنه مهما تكن الجهود المبذولة للتلاعب في ترجمات القرآن ومن أجل تضييق الخناق على تعاليم الإسلام، ولمنع انتشاره، أو حتى لتنصير الشعوب مستخدمين في ذلك كل أنواع الحيل والإكراه، إلا أن الإسلام يواصل انتشاره بقوة وبصورة واضحة.

  ولا نملك هنا إلا أن نضيف بكل موضوعية: بدلاً من كل هذه المحاولات لاستئصال الإسلام، ألن يكون أكثر منطقية وأكثر إنسانية بل وحتى أكثر تحضرا محاولة فهمه على حقيقته ؟! فلا أحد يجهل - في الواقع- أن التدبير الأصّم والحثيث الشديد العناد- الموجه ضد الإسلام والمسلمين والذي بدأ منذ ظهور الإسلام وانتشاره، قد تزايد بإيقاع جامح منذ مجمع الفاتيكان الثاني الذي صدرت خلاله بعض القرارات التي تعد هي الموجِهة للسياسة الحالية، بعد اتفاق مشترك بين حكام الولايات المتحدة والفاتيكان ومنها:

1-   تبرئة اليهود من الصلب (كي يكونوا رسميا أسياد وأرباب كل شيء).

2-   اقتلاع الشيوعية في عقد الثمانينيات (كي لا يتبقى أي نظام سياسي واقتصادي إلا الرأسمالية اليهودية-الأمريكية).

3-   اقتلاع الإسلام في عقد التسعينيات (كي لا تبقى إلا المسيحية المحرّفة التي ستؤول في النهاية إلى يهودية-مسيحية إرهابية).

4-   إعادة تنصير العالم (كأن العالم كان دائما مسيحيا!) حتى تبدأ الألفية الثالثة بعد تنصير الأرض في كنف كاثوليكية الفاتيكان.

كل ما يحدث حاليا حول العالم - للأسف- يثبت ذلك دون أدنى تكذيب. 

الثورة التي أحدثها القرآن: 

     إن الثورة التي أحدثها القرآن عند تنزيله مست عددا من الميادين. فقد بدأ بمحاربة تعدد الآلهة سواء الوثنية، أو ما فرضه المتحكمون في الكنيسة من تأليه للمسيح وذلك في أول مجلس كنسي في نيقيه (سنة 325)، كما أنه هاجم الانشقاق الطائفي والتعصب وضيق الأفق الذي يولده التعنت، كما هاجم كل ما تسبب في انحراف التوحيد الأول عن طريق الحق.

     إنها ثورة تقوم بتحرير العقل البشري، بفضل أخلاقيات أساسها التدليل المنطقي القاطع والمقنع، حتى يغير الناس سلوكهم، بمحض اختيارهم وبالتفاهم والرحمة وليس بالإكراه. وقد كان عديد من العرب قد اعتنق اليهودية أو المسيحية قبل مجيء الإسلام، ثم هزتهم تعاليمه وهدايته الحقة بشدة إلى الصراط المستقيم الذي يشتمل على الجانبين الروحي والاجتماعي دون أدنى تناقض.

مقاصد القرآن الكريم: 

     تهدف مقاصد القرآن الكريم إلى رقي البشرية وإصلاح المجتمع. فالقرآن كتاب تربية وتعليم، كتاب يطهر وينقي النفس بفضل مدى وعمق قِيَمه المنطقية، لأن القرآن لا يحتوي على أي دوجماتية أو فرض للأفكار غير العقلانية. فالتنزيه المطلق لله عز   وجل، والتمييز البيّن والتام بين الخالق وخلقه، والإيمان بيوم الحساب، بالبعث، بالثواب والعقاب ما هي إلا مبادئ أساسية. وكذلك توضيح ما يجهل الناس عن النبوة، عن رسالة التوحيد، وعن دور الرسل الذين بعثهم الله للأمم المختلفة، وتفنيد ما شوهه الوثنيون واليهود والنصارى في رسالة التوحيد في ظل حماية قسطنطين لهم، وكذلك الرفض الجازم للتثليث الذي ما هو إلا شكل من أشكال الشرك غير المفهوم والذي يصعب تخيله؛ وإثبات أن الشفاعة في كليتها ليست إلا لله رب العالمين. فإن كل الأنبياء لم يبعثوا - في الواقع- إلا لنشر الرسالة نفسها: وحدانية الله، الإيمان بالقدر، بالشريعة وبآيات الله.

     والإسلام هو دين الفطرة السليمة، دين العقل والفكر، العلم والحكمة، دين البراهين والحجج، دين الضمير والإحساس، الحرية والاستقلالية. والإسلام - الذي لا يمارس أي سيطرة على روح الشخص أو عقله- يُخرج الناس من غياهب الظلمات التي فرضت عليهم إلى نور العقل. 

     والعقل الذي لم يرد ذكره بتاتا في الكتاب المقدس يمثل عنصراً أساسياً في القرآن الكريم. فقد ورد ذكر وظائف العقل أكثر من مائة مرة على عدة أشكال: "أولوا الألباب"، "أولوا النهى"، "الذين يعقلون"، "الذين يتفكرون"، "يتدبرون"،    "يبصرون"، وكلها ليست سوى أسماء مختلفة لأولئك الذين يستخدمون عقولهم. فالأفعال التي تحث على التفكير والتأمل والتدبر والفهم والتصور والسمع والتمييز والترقب تمثل تشكيلة ذات أهمية بالغة.  كذلك كلمات مثل العلم والحكمة والمعرفة ومشتقاتها كلها كلمات ذكرت مئات المرات في القرآن الكريم. حتى قلب الإنسان - بصفته عضو الإدراك والتفكير في القرآن- ذكِر وحده مائة واثنتين وثلاثين مرة! ذلك دون الحديث عن الآيات المتعلقة بالعلوم والدراسات. ويمكننا أن نضيف بهذه المناسبة، أن كون القلب عضواً للإدراك والتفكير كما جاء وصفه في القرآن هو أحد المعطيات التي لم يثبتها العلم بعد. 

     وبالإضافة لتأكيده على أهمية العقل والعلم والمعرفة، ينفي القرآن كل إكراه في الدين ويهدف إلى الإصلاح الإنساني والاجتماعي والسياسي والوطني المبني بفضل الوحدة. وهذه الوحدة يحققها القرآن في ثمانية مجالات: وحدة المجتمع والجنس البشري، وحدة الدين، وحدة التشريع القائم على العدالة، الأخوة بين أفراد المجتمع، المساواة في العبادة، وحدة المواطنة السياسية الدولية، وحدة العدالة ووحدة اللغة.

      ويمثل سن الخصائص العامة للإسلام فيما يتعلق بالالتزامات الشخصية بالواجبات والأمور المستحقة مقصداً آخر. ويمكننا وصف هذه الخصائص كما يلي: القسط في كل شيء ومن أجل الجميع: تحقيق السعادة في الحياة الدنيا والاستعداد للحياة الأخرى بعمل الأفضل. تقليص الفروق الاجتماعية القائمة بين الأشخاص، التعارف بشكل أفضل من أجل تقارب إنساني دون تشيّع. الرحمة حتى في تطبيق الفروض، مثلا بالنسبة للمرضى والمسنين الذين لا يستطيعون الصوم يمكن أن يكفِّروا بالصدقة. منع أي مبالغة في العبادة وفي تطبيق تعاليمها. التقليل من أي إكراه، لأن التعاليم الشرعية مقسمة تدريجياً: ما هو قطعي فهو عام، وما هو تطوعي فكلٌ يؤدي منه قدر استطاعته. فعلى سبيل المثال عدد الصلوات المفروضة خمسة أما صلاة النافلة فتترك لإرادة وقدرة كل شخص. 

      ومن مقاصد القرآن معاملة الأشخاص دون قهر أو طغيان لأنه لا أحد لديه الحق في الحكم على غيره حسب المظاهر ولا في التصرف كسيِّد على كل شيء ومتحكم في الجميع! كما أنه لا يحق لأحد بتاتاً إيذاء جاره أو تجاوز القوانين لأن ذلك يمس سيادة القانون والقضاء. 

     ويمثل تِبيان توجيهات الإسلام في السياسة، من حيث طرقها وقواعدها العامة، مقصدا آخر. فالسلطة في الإسلام تعود للأمة، التي هي مجموع الشعب. وقوام هذه السلطة هو الشورى وليس الاستبداد، ويكون على رأس السلطة الإمام أو الخليفة الذي يطبق الشريعة. والشعب هو الذي له الحق في تعيينه أو عزله. هذه السلطة القانونية والسياسية الممنوحة للشعب، تعود لكون القرآن يخاطب المؤمنين في مجموعهم في الآيات الخاصة بالسلطة والدولة، وكذلك فيما يخص الأحكام العامة. فالقرآن لا يكتفي فقط بالنصح بالعدالة المطلقة والمساواة بل يعدهما معيارين أساسيين، بينما يمنع الظلم منعاً باتاً. كذلك فإن الفضيلة مأخوذة تماما بعين الاعتبار في كل أحكام القرآن التي تحض على العدل في كل المجالات.

    ويعد الإصلاح المالي أحد المقاصد التي تضع حدا لطغيان الثروة وسلطتها؛ للهجمات الحربية ونكباتها؛ للظلم المفروض على المرأة والاستحواذ عليها؛ للظلم المرتكب ضد الضعفاء والسجناء والعبيد. فالثروة والمال يعتبران اختباراً يمكن أن يوجه الإنسان نحو الخير أو الشر لذا يصف القرآن عدة وسائل تبين كيف يهب المرء من ماله، كيف يتعلم أن يعطي لمساعدة جاره وقريبه، وكيف يمتنع عن الشح والتفاخر. وأنْ يتعلم المرء كيف يهب، هو في الحقيقة محور إنساني وأخلاقي ذو أهمية كبرى في القرآن الكريم، فما نحن إلا مؤتمنين على المال، أما المالك الحقيقي لكل شيء فهو الله.

     ويمكن إذًا أن نلخص الإصلاح المالي في القرآن الكريم – عموما- في النقاط التالية: قبوله الملكية الفردية بشرط عدم حرمان الغير أو الإضرار بهم وعدم الغش؛ تحريمه الربا والميسر؛ سماحه بوضع السفهاء تحت الوصاية للمحافظة على مالهم؛ فرضه للزكاة منذ بداية الإسلام؛ تقريره إعالة الزوجة في حالة الطلاق؛ مساعدة المحتاجين وضيافة عابري السبيل؛ إعطاء الصدقات؛ إدانته للإسراف والتبذير والبخل والشح. 

     وهناك إصلاح النظام الحربي والذي يهدف لإنهاء الخراب الذي تؤدي إليه الحروب، والمحافظة على مصلحة الجنس البشري. ويمكن أن نلخص هذا الإصلاح كما يلي: محاربة المعتدين هي أول قاعدة مع منع البدء بالهجوم أو الاضطهاد والجور. والهدف من وراء هذا القتال - بعد دفع العدوان- هو الدفاع عن الدين دون أي إكراه. وتفضيل السلم على الحرب، لأن السلم هو الحالة الأساسية التي ينبغي أن يعيشها الناس. والبقاء في حالة تأهب من باب الاحتياط. واستعمال الرحمة في وقت الحرب وفي معاملة الأسرى. لذلك يلحّ القرآن على قيمة الشرف والنزاهة ويدين المراوغة والتمييز، كما يشيد بالاستقامة، ويحث على المحافظة على العهد، والوفاء بالمعاهدات المبرمة ويحرم الخيانة. 

     إن وضع المرأة هو واحد من أكبر إسهامات الإسلام، والذي يمنح للمرة الأولى في تاريخ البشرية حقوقًا إنسانية ودينية واجتماعية لهذا "المخلوق" الذي امتهن كثيرا حتى ذلك الوقت. فقد تدنى وضع المرأة في مجتمعات قبل الإسلام بما فيها مجتمعات أهل الكتاب (اليهود والنصارى) إلى درجة غير إنسانية وعنصرية. وفقط بمجيء الإسلام منح القرآن للمرأة نفس حقوق الرجل عدا ما يستثنى بحكم طبيعة تكوينها، كما حث الإسلام على تشريفها وعلى إحاطتها بالرحمة والمودة. 

     فقد كانت المرأة قبل الإسلام مادة للبيع والشراء، كانت ترغم على الزواج        والبغاء، كانت تورث كالتركة، ولم يكن لها الحق في الميراث، حتى أنها كانت تعتبر مادة نجسة، دونية، دون روح، بتقرير من أحد المجامع الكنسية! وكان لأبيها الحق في بيعها أو دفنها حية عند ميلادها. بينما أعطاها الإسلام حق التملك، وسمح لها بالميراث، وغمرها بالعطف بجعل الرجل مسؤولاً عن إعالتها، حتى إن كانت غنية، كما منحها الحق في إدارة ممتلكاتها الخاصة، وسمح لها بالبيع والشراء والتصدق وحماية مالها وأعطاها حق اللجوء للإجراءات القانونية. وهو ما لا تعرفه بعد بعض الغربيات!

وفي هذه الجملة من الأحكام المشرّفة للمرأة، يدين القرآن ويحرم تحريماً قاطعاً البغاء والزنا يقرر في حقهما عقوبات صارمة: الجلد أو الرجم. كذلك بالنسبة لتعدد الزوجات الذي كان غير محدود عند اليهود والوثنيين، يحدده القرآن بأربع زوجات، ويكون بسبب ظروف مثل المرض العضال أو العقم، مع التأكيد التام على العدل والرحمة: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا" (سورة النساء، الآية 3) وبعد هذه الآية بقليل وفي نفس السورة يقول الله تعالى: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم.." (سورة النساء، الآية 129). إذن الذي يريد حقاً أن يتبع الأوامر الإلهية ما عليه إلا أن يتمسك بالأساس: العدل. والسبيل الواجب اتباعه والاختيار السليم واضحين تماماً. 

     ولا يمكن أن نتحدث عن المقاصد الرئيسية للقرآن الكريم دون التطرق إلى تأكيده على الحرية وعتق العبيد أو رؤيته في معاملة الأسرى. والحقيقة أن قانون البقاء للأقوى كان وما زال هو السائد في كل المجتمعات القديمة و حتى أيامنا هذه،      ولنذكر- وليس على سبيل الحصر- الغطرسة الفائقة للسياسة الأمريكية الحالية      وعربدتها المندفعة عبر العالم ! فقد أساءت كل الحضارات القديمة معاملة العبيد     وفرضت عليهم أقسى الأعمال، فكان الظلم والتمييز هما القاعدة. وقد ظلت هذه الحالة قائمة في اليهودية والمسيحية. وبقي الرق معمولاً به في أوروبا والولايات المتحدة حتى نهاية القرن الثامن عشر. ولم يلغ من بريطانيا إلا في نهاية القرن التاسع عشر. ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن هذه البلدان لم تشرع في مثل هذه الإجراءات إلا لرعاية مصالحها الاستعمارية والإمبريالية الخاصة. كذلك فإن لا أحد يجهل إلى أي مدي ما زال لون البشرة يؤثر في هذه المجتمعات. بينما نرى مع مجيء الإسلام في القرن السابع نص القرآن على عتق العبيد، لأول مرة في تاريخ البشرية، مع مراعاة مصلحة المالك والرحمة بالمعتوق. 

أخلاقيات القرآن الكريم: 

      كان هذا هو الملمح العام لمقاصد القرآن الكريم بخطوطها العريضة. بقيَ أن نعرض أخلاقياته من خلال مفاهيم الواجبات، المسؤولية، العقوبات، النية والسعي والتي هي جميعا مفاهيم مرتبطة بالنظام التربوي للقرآن وتمثل الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها هذا النظام الذي يظهر فيه بوضوح تام الفرق بين ما هو مفروض، ما هو جائز وما هو منهي عنه أو محرّم. ومن جهة أخرى فإن أخلاقيات القرآن تمثل قانوناً أو قاعدة عامة ثابتة مطلوب تطبيقها على الإنسانية جمعاء.  وذلك لأن كل مبدأ مذكور في القرآن، يمكن دون تعديل أن يطبقه المرء على نفسه أو على الغير، على الأغنياء كما على الفقراء.

      غير أنه من المثير للدهشة أن نرى المستشرقين الذين فتشوا في القرآن عن كثب بغرض مهاجمته يلتزمون صمتاً مطبقاً، ولا نريد أن نصفه بصمت الأموات، فيما يتعلق بأخلاقيات القرآن، بقيمتها الجليَّة والتي لا تقدر، وكذلك فيما يتعلق بالمبادئ الأخلاقية العامة، والتي تدور عناصرها الأساسية حول المعرفة والسلوك. إن مجموع الآيات المتعلقة بهذين المجالين، تمثل تهذيبا للسلوك البشري في الحياة اليومية، وتؤدي إلى راحة الذهن فيما يخص الحياة الأخرى. إنه "تشريع كامل مزدوج الكمال"، كما يقول الشيخ دراز: أنه مرونة في الصرامة، تقدم في الثبات، وتنوع في الوحدة. مما يسمح للنفس البشرية أن تضمن سعادة مزدوجة من الصعب التوفيق بين شقيها: فهي نوع من الاستسلام في إطار من الحرية، لمحة من الرغد   والتيسير أثناء الكفاح، وبادرة تجديد مع الحفاظ على الاستمرارية.

وللأسف فإن عدد كبير من الغربيين لم يفهموا اتساع هذه الحكمة ولا عمقها. لأن القرآن يدعو إلى الأخذ بالمنطق السليم ويحث على التفكير والتدبر. إن الضمير الذي يتوجه إليه القرآن مستنير بتعليم إيجابي، فيه الواجبات محددة ومقسمة وقادرة على مواجهة الواقع الحي. فهل يصعب فهم هذا المعنى إلى ذلك الحد؟ ومع ذلك، فإن قانون الأخلاقيات به فيه وضوح لا ريب فيه. وأحكام ذلك القانون في مجملها موجهة إلى البشرية جمعاء، فنفس القاعدة، كما عرضنا منذ قليل يمكن أن تطبق على النفس وعلى الغير، على الأقارب وعلى الأغراب، على الفقراء وعلى الأغنياء، داخل المجتمع أو خارجه. وكل حكم من هذا القانون يؤخذ على أنه مبدأ قابل للتعميم، يمكن تطبيقه على الحالات المشابهة. مع الإشارة إلى أن الواجب الأخلاقي في القرآن يحكمه شرطان: أن تكون أحكامه في متناول الطبيعة الإنسانية وأن تكون في الوقت ذاته قابلة للتنفيذ، بعيدا عن أي نوع من الاستبداد عند تطبيقها في واقع الحياة الملموس.

وهناك نتيجتان للفروض المبينة في القرآن: المسؤولية والعقاب. ولأن المسؤولية الأخلاقية والدينية هي مسئولية فردية فهي لا تنتقل من شخص لآخر ولا مجال لأدنى التباس فيها. فكل شخص يتحمل مسؤولية أفعاله كاملة. لا أحد يتحمل تبعات غيره. تنظم الإجراءات القانونية العقوبات المدنية، أما معاقبة الإنسان على نواياه وما في ضميره فمردها إلى الخالق. 

إن مذهب القرآن الكريم هو خلاصة، أو إذا جاز القول هو خلاصة خلاصات، حيث أن شكله ومضمونه مترابطين ترابطاً وثيقاً في أسلوب متماسك ودقيق.  وهو يلبّي كل المتطلبات الشرعية، والأخلاقية، والاجتماعية والدينية للإنسان. وهذا المذهب في مجموعه تميّزه روح التوافق التي تجعله يجمع في آن واحد بين التحررية والانضباط، بين العقلانية والروحانية، بين الليونة والصرامة، وبين المحافظة والتقدمية. إنه كيان عضوي تلتحم فيه كل هذه العناصر معاً لتبقى متحدة دون أي تعارض. إنه ليس مجرد وضع للأضداد جنباً إلى جنب ولكنه تكامل إيجابي، يحافظ على النظام ويسمح بالتقدم الإنساني العالمي.

وهذه المفاهيم يرتبط بعضها ببعض: فالعقل يقود للإيمان، والإيمان يرجع إلى العقل. والإنسان بقيامه بواجباته ومسئوليته، يسهر على حسن سير الأخلاقيات العامة. إذ إن التقوى بكل تأكيد هي المبدأ الأساسي الذي يجمع بين احترام ما هو مثالي والبحث عن الأحسن. 

وحتى نحظى بنظرة شاملة ربما تعطينا فكرة أكثر واقعية عما قلناه، لنرجع إلى رسالة الدكتور دراز[6][1] ونقوم بتصنيف للآيات طبقاً للموضوعات التي تتناول الأخلاقيات: الفردية، الأسرية، الاجتماعية، وكذلك التي تخص الدولة والدين. 

1-   الأخلاقيات الفردية: 

 وهي تشمل أربعة أقسام من التعاليم:

أ‌-       الأوامر: وتشمل: توجيهات عامة؛ توجيهات أخلاقية؛ الحث على المجهود المعنوي للوصول إلى نقاء الروح؛ الاستقامة، العفة؛ الأدب؛ غض البصر؛ السيطرة على الأهواء؛ الامتناع في وقت معين عن الطعام ومباشرة الأزواج؛ كظم الغيظ؛ الصدق؛ لين الجانب والتواضع؛ التريث في الأحكام؛ عدم إتباع الظن؛ الثبات والتحمل؛ الإقتداء بالأمثلة الحسنة؛ المحافظة على الوسطية؛ فعل الخيرات؛ التنافس في فعل الخير؛ حسن الاستماع واختيار النصيحة الأفضل؛ نقاء النية.

ب‌- النواهي: وتشمل: الانتحار؛ بتر وتشويه الإنسان لجسمه؛ الكذب؛ النفاق؛ تناقض الأعمال مع الأقوال؛ البخل؛ الإسراف؛ التفاخر؛ التعالي؛ التكبر؛ العُجب؛ التباهي؛ تفاخر الإنسان بقوته أو بعلمه؛ التعلق بالدنيا؛ الحسد والطمع؛ الإغراق فيما لا يفيد من الندم أو في الفرحة المبالغ فيها؛ الفجور؛ تعاطي المشروبات الكحولية؛ كل رجس (مادي أو معنوي)؛ أخذ مال بطريقة غير مشروعة؛ وكذلك إساءة إنفاق المال.

ت‌- المباح: وتشمل الاستعمال المعتدل لما هو طيّب.

ث‌- الاستثناء: وتسمح عند الضرورة القصوى. 

2-الأخلاقيات العائلية:

وتشمل أربعة أقسام من التعاليم.

أ- الواجبات نحو الآباء والأبناء: وتشمل: البر؛ التواضع؛ طاعة الوالدين؛ احترام حياة الأطفال وعدم التفريط فيها؛ تربية الأطفال والعائلة بصفة عامة على الأخلاق.

ب- الواجبات الزوجية وتشمل: 1- أسس إنشاء الأسرة: معرفة روابط الزواج المحرمة والجائزة؛ تحديد الخصال الضرورية والمستحبة؛ القبول الحر والمتبادل؛ الصداق؛ شروط تعدد الزوجات. 2-الحياة الزوجية: الروابط المقدسة والمحترمة، السلام داخل الأسرة؛ المودة والرحمة؛ المحافظة على النسل؛ المساواة في الحقوق والواجبات؛ الحوار والقبول المتبادل؛ التحاور الإنساني؛ الحياة بتوافق، حتى في حالة التنافر؛ المصالحة حتى في حالات النزاع؛ الاحتكام. 3- الطلاق: اعتبار الانفصال أسوأ الحلول؛ تحديد فترة العدّة؛ توفير السكن الملائم والمعاملة الطيبة أملاً في الإصلاح؛ عدم فرض عدة إجبارية على المرأة التي طلقها زوجها قبل الدخول بها؛ وجود خيارين بعد العدة: إما العودة عن اقتناع، أو الانفصال الذي يعطي الحق في زواج آخر؛ عدم ابتزاز المرأة المطلقة؛ عدم اعتبار الطلاق نهائياً إلا بعد المرة الثالثة؛ فرض النفقة للمطلقات اللواتي ليس لهن صداق؛ وكذلك فرض نفقة للمطلقات بشكل عام.

ج- الواجبات تجاه الأقربين: وتشمل إشراكهم معنا في سعادتنا؛ حقهم في الوصية.

 د- الميراث: ويشمل تحديد الحقوق المخصصة للذكور، وهي ليست حكراً على أكبر الأبناء أو الأطفال الوحيدين؛ وتحديد قواعد التقسيم. 

2-   الأخلاقيات الاجتماعية: 

 وتشمل 3 أقسام من التعاليم:

أ‌-       المحرمات : وتشمل قتل النفس؛ السرقة؛ الاحتيال؛ الربا؛ كل أنواع النهب؛ كل أنواع  التملك غير القانوني؛ سلب المال  خاصة مال اليتيم؛ خيانة  الأمانة وإساءة استغلال الثقة؛ القذف دون دليل؛ الظلم؛ التواطؤ؛ الدفاع عن الظالم؛  عدم الوفاء بالعهود؛ الغدر والخداع؛ تضليل القضاة أو رشوتهم؛ شهادة الزور؛ الازدواجية؛ السب، إساءة معاملة الفقير واليتيم؛ السخرية؛ تحقير الغير؛ التجسس؛ النميمة والقذف؛ العلاقات خبيثة النية والتصديق المتواطئ؛ التشنيع؛ التدخل الضار في أمور الغير؛ عدم التأثر بما يحل بالجماعة من ضرر .

ب‌- الأوامر: وتشمل: رد الأمانة؛ المصادقة على العقود لإبعاد الريبة؛ الوفاء بالعهود والوعود؛ شهادة الحق؛ إحلال السلام بين الناس، رفض الشفاعة أو الوساطة لصالح المجرمين؛ التواضع والتعاطف المتبادل؛ فعل الخير خاصة للضعفاء؛ إنماء أموال اليتيم؛ تحرير العبيد أو تسهيل حصولهم على حريتهم؛ العفو وفي كل الحالات عدم التجاوز في معاقبة المسيء؛ دفع السيئة بالحسنة؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ نشر العلم، المودة وإكرام الضيف؛ حب الناس؛ تحقيق العدل مع الإحسان. عدا هذا هناك ثلاثة مواقف تتسم بالشرعية إلى حد ما: الحرص على الحصول على الحقوق، الكرم في حال الغنى، الإيثار. والواجب الصرف يتصدر الوسط. ويعد التصدق واجباً عاماً، الشروط الضرورية في الصدقة: تحديد مصارفها، إخلاص النية، جودتها، طريقة الإعطاء (الأفضل أن تكون سرية وغير مهينة لآخذ الصدقة). الحث على حب العطاء؛ وإدانة اكتناز الأموال.

ت‌-  قواعد الأدب: وتشمل: الاستئذان للدخول على الغير؛ غض الصوت وعدم مناداة الكبار من خارج المكان؛ إلقاء التحية عند الدخول؛ رد السلام بأحسن منه؛ التفسح في المجالس؛ اختيار مواضيع محترمة للأحاديث؛ استخدام الألفاظ الأكثر عذوبة؛ الاستئذان عند ترك المجلس. 

3-   الأخلاقيات في الدولة: 

 وتشمل قسمين من التعاليم.

   أ- علاقة الحاكم والشعب: وتشمل جانبين: 1- واجب الحكام: مشاورة الشعب، تطبيق القرارات المتخذة بفعالية حسب ما تقتضيه العدالة؛ إرساء النظام؛ المحافظة على المال العام وعدم اختلاسه؛ والامتناع عن جعله منفعة خاصة للأغنياء؛ إعطاء الحرية القانونية للطوائف الدينية المحلية. 2- واجب الشعب: الحفاظ على النظام؛ الطاعة المشروطة؛ الاجتماع على الخير؛ الشورى في الأمور المشتركة؛ تفادي البلبلة والتخريب؛ تجهيز وسائل الدفاع المشترك؛ الرقابة الأخلاقية؛ الامتناع عن التواطؤ أو التحالف مع الأعداء.

 ب- العلاقات الخارجية: وتشمل جانبين:1- في الظروف العادية: الحرص على الأمن العام؛ الحض على ثقافة السلام بلا إجبار أو إثارة للكراهية؛ البعد عن التسلط والاضطرابات؛ عدم المساس بأمن الحياديين؛ حسن الجوار والعدل والخير.2- في حالة العدوان: عدم التخوف من المبادرة باستخدام السلاح؛ عدم القتال في الأشهر الحرم أو في الأماكن المقدسة. هناك حالتان تكون فيهما الحرب شرعية:1- الدفاع عن النفس 2- إغاثة الضعيف الذي لا يمكنه الدفاع عن نفسه. قتال من يقاتلنا فقط؛ عدم الفرار من أمام المعتدي؛ الحزم والوحدة أمام العدو؛ التحلي بالصبر والأمل؛ عدم الخوف من الموت لأنه يأتي في أجله؛ لكن الأوْلى هو الخوف من الابتلاءات ونزعات الخائنين؛ عدم الاستسلام ولكن قبول السلام والامتناع عن ملاحقة العدو بعد استسلامه؛ الوفاء بالعهود المبرمة؛ عدم الرد على الغدر بمثله؛ الوفاء ببنود العهد حتى وإن كانت مجحفة. الإشادة بالطموح واعتبار الأخوة الإنسانية قيمة مقدسة تعلو على تبني الأحكام المسبقة القائمة على اختلاف الأعراق والأجناس. وهذه الأخوة هي معيار التقدير. 

5- الأخلاقيات الدينية:  

     و تشمل واجبات الإنسان نحو الله: الإيمان به وبالحقائق التي أقرها سبحانه؛ الطاعة غير المشروطة لله؛  التدبر و التأمل لكلماته و لآياته؛ الاعتراف بنعمه وحمده عليها؛ تحمل ابتلاءاته باستسلام؛ اللجوء إليه؛ عدم القنوط من رحمته ولا أمْن مكره؛ تعليق كل قرار مستقبلي بإرادته؛ الوفاء بعهد الله؛ عدم النطق بما لا يليق من القول في حقه سبحانه؛ اجتناب التورط في أية أحاديث بها تحقير للدين؛ عدم جعل الله عرضة للأيمان؛ الوفاء باليمين و العهد؛ ذكر الله على الدوام؛ تقديسه وتعظيمه؛ أداء العبادات اليومية لوجه الله؛  زيارة الكعبة (على الأقل مرة في العمر)؛ الاستغناء عن الدنيا بأسرها؛ دعاء الله كثيراً خوفاً وطمعاً؛ الإنابة إليه واستغفاره؛ حب الله، حبه تعالى حباً يفوق كل شيء. 

                                                                   

                                                                 يناير 2002

 

  

                                  

الخاتمة

   

      ليس المجال هنا الحديث عن التحريفات التي تعرض لها الإنجيل العبري أو العهد القديم المسيحي، بإضافة بعض الكتب التي لم تكن موجودة بالعبرية، أو بالحذف والاستبعاد الذي قامت بها الكنيسة. وهذا الاستبعاد شديد الأهمية بالنسبة لحياة المسيح عليه السلام أو بالنسبة للتعاليم التي قدمها، فعلى حد قول موريس بوكاي أن الكنيسة: "لم تحتفظ في العهد الجديد إلا بعدد محدود من الكتابات أهمها الأناجيل الأربعة المعتمدة" (ص 5 من المقدمة). وبالفعل فليس من فراغ أو بلا سبب أن تحدد الوثيقة رقم 4 من مجمع الفاتيكان الثاني في وصفها لهذه الكتب القديمة: "إنها تحوي أموراً غير متكاملة وباطلة"، وفي الوقت ذاته لا يفوتها أن تضيف، في نفس الجملة، أن هذه الكتب على الرغم من ذلك تعد "الدليل على منهج تربوي إلهي حقيقي"!!

     لكن رغم هذه المعطيات التي لم يعد أحد يجهلها، والتي تعتبر من أحد الأسباب المباشرة للإلحاد في الغرب فتجدر الإشارة إلى أن اليهودية لا تقبل بأي رسالة جاءت بعدها، وهذا موقف لا يتحدث عنه أحد، خاصة الكنيسة، حتى بعد أن أعادت لليهود الاعتبار بتبرئتهم من تهمة الصلب؛ والمسيحية لا تأخذ بعين الاعتبار رسالة جاءت بعد عيسى عليه السلام. والديانتان رغم تعارضهما نتيجة الاختلافات والعداءات اللاهوتية، يتفقان على رفض أي رسالة بعدهما حتى وإن كان لوجودها سببا أو حكمة! إذ أنه على حد قول الأب للونج: "لا تزال رسالة القرآن وشخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والفكر الإسلامي الأصيل والمعاصر لا تأخذ حقها من التقدير بشكل غريب في الرأي العام الغربي. وعلاوة على هذا فإن هذا الرأي العام تصوغه أحكام مسبقة صنعها التاريخ والتقليل من الشأن إعلاميا، ظهرت في عصرنا هذا، لدرجة تجعله يحسب أنه على علم بأمور ليست لديه معرفة حقيقية بها" (ص 75). ويضيف موريس بوكاي على هذا وعن دراية تامة قائلا: "إن القرآن يحوي كلام الله، بلا أي إضافة بشرية. ووجود المخطوطات التي ترجع إلى القرن الأول من العصر الإسلامي يدل على صدق النص الموجود حالياً" لأنه "في القرآن لا يوجد تعارض بل تناغم بين النص والمعارف الحديثة، تناغم لا يستطيع البشر تفسيره". (ص 2 و3 من المقدمة.)

     ومن جهة أخرى، فإن القرآن يوجب على كل مسلم الإيمان بالرسالتين السابقتين، كما أنزلهما الله تعالى، بعيداً عن كل التحريف الذي تم فيها.

     إذن، فإن فهم الإسلام كما أنزله الله، يعد ضرورة تفرض نفسها في أيامنا هذه إذا كنا نريد أن نحافظ على النزاهة الإنسانية. لأن استيعاب هذا التميز الذي يتصف به الإسلام، والذي يعتبر أساسه ومعياره في آن واحد هو وحدانية الله المطلقة و تنزيهه، سوف يسمح باستيعاب السبب وراء رفض الإسلام لكل صور الشرك بالله، أو عبادة البشر، أو عبادة الملائكة والجن والأصنام، و رفضه للوساطة ولكل صور التجسيد لله، وبالأخص رفضه لفكرة تأليه المسيح عليه السلام التي تم طرحها في المجمع الكنسي الأول بمدينة نيقيه سنة 325، لأنه لا يمكن  الحط من شأن الخالق وجعله أحد مخلوقاته. وهو ما يفسِّر أساس وسبب الفكرة التي ظهرت في القرون الوسطى والتي جعلت من الإسلام والمسلمين "عدو" للنصرانية. وهي الفكرة التي لا تزال مع الأسف تتغلغل بشكل مُلِّح في الوعي البشري المسيحي بإصرار عنيد.

     ويكفي أن نقرأ كتاب فيليب آجي المعنون: "يوميات عميل سرى: عشر سنوات في المخابرات المركزية الأمريكية"Journal d`un agent secret: dix ans dans la C.I.A. ، الذي ظهر سنة 1975، لنرى إلى أي حد تسلل التدخل السياسي في الفاتيكان، كما يكفي  أن نقرأ كتاب لويدجي مارينيلّي المعنون : "كشف الفاتيكان" "Le Vatican mis à nu"، وهو كتاب  يكشف حقائق متفجرة، يكشف النقائص والفضائح بجميع أنواعها، التي تتزايد بلا رادع في إدارةٍ هَوَت منذ زمنٍ بعيد في مستنقع السياسة و دسائسها. 

     إن الإسلام كما رأينا، لا يتنافى على الإطلاق مع العقل، أو الروح العلمية، أو حقوق الإنسان، وليس كما يتطاول جون كلود بارو في قوله: "انه دين جاء من الصحراء ولا يخلق إلا الصحاري"، وهو بذلك ينضم إلى كل الذين يصرّون بتشبث على التخلص من الإسلام. وهو بالفعل يقولها صراحة في نهاية كتابه، في سياق مدحه للحداثة: "إن الحداثة الممتدة الدوام لا يمكن إلغاءها، وليس أمام الإسلام إلا أن يتكيف معها من أجل الصالح الأعظم للبشرية، أو أن يختفي"، (صفحة 134)!! 

     إن هذه الحداثة المزعومة "الممتدة الدوام"، هذه الحداثة "المبنية على موت الإله"، والتي اختلقها الغرب بشتى الوسائل وعلى حساب خسائر لا حصر لها، أصبح هو أول من يشتكي منها في أيامنا هذه. لأنها السبب الأساسي فيما يعاني منه من تشتت وخروج عن المسار. لذلك فإن فكرة تكيف الإسلام أو زواله ليست واردة، لأنه لا يمكن أبدا التكيف مع شيء منتحر، أقرح، ويتساقط باليا. إن الحداثةً المبنية على إلغاء الخالق لاستبداله بالتقدم المادي، بالمال، وبالأنانية والفجور، تحت ذريعة الحرية الشخصية، تناقض كل منطق وكل الأخلاقيات.

     وبالتأكيد على أهمية العقل، والعلم والمعرفة، وبإبراز الإنصاف والعدل          والحرية كمعيار، وبلورة أهمية التكافل بكل أشكاله؛ فإن الإسلام الذي يشمل توجيهات ثقافية، اجتماعية، اقتصادية، سياسية وعسكرية، يثبت أنه دين ونظام اجتماعي كامل، في حركة دائبة داخل نظام ثابت، وحول محور ثابت، يحترم كرامة الإنسان، ويدعوه لإتباع الصراط المستقيم والرقي، دون خلط للأوراق.  

     هذه هي الخطوط العريضة التي تتضح من قراءة القرآن والتي حاولنا استخلاصها في مظاهرها الأساسية : المقاصد و الأخلاقيات، وهي المظاهر التي تبيِّن وتبرهن في آن واحد على أن القرآن ليس مناقضاً للعقل ولا للتفكير العلمي،     ولا يمكن أبدا أن يكون موقعه : "أدنى بكثير من بقية النصوص الدينية الكبرى للإنسانية" كما يقول جان كلود بارو، ومن غير الصحيح أنه غير مكترث بحقوق الإنسان، أو أنه  دين حرب أو "دين جاء من الصحراء و لا يخلق إلا الصحاري" مثلما يؤكد في الصفحة 110 من كتابه،  حتى وصل إلى ما نقلناه من قبل من خاتمة لكتابه، في تقرير مبرزاً فيه أهمية وقيمة الحداثة الغربية، قائلاُ أنه "ليس أمام الإسلام إلا أن يتكيف معها من أجل الصالح الأعظم للبشرية، أو أن يختفي" ! 

     وبعد بسمة مريرة عابرة، فلا نستطيع أن نمنع أنفسنا من عمل مقارنة بين تاريخ ظهور هذا الكتاب، سنة 1991، والقرار المتخذ في مجمع الفاتيكان الثاني سنة 1965، والذي ينص على اقتلاع الإسلام في التسعينيات. تماما كما تم اقتلاع الشيوعية في الثمانينيات (هدم سور برلين سنة 1989، وانهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1992)، بالتأخر عامين عما حددوه. ولا أحد يجهل في أيامنا هذه أن هذا الانهيار بدأ مع بداية عملية الحوار الجديد مع الماركسية، على ضوء ما حدده الفاتيكان وباختلاق العام المرْيمي (نسبة إلى مريم العذراء) وإعدادات أخرى، لا نذكر منها إلا "الخطة الخمسية" لبابا يوحنا بولس الثاني. وهو ما يسمح لنا بأن نفهم بوضوح أن هذا الكتاب الصغير للسيد كلود بارو بعامة، والكثير غيره بخاصةً، تمثل الضوء الأخضر لهذه الموجة الجديدة والشرسة من الهجوم، والتي بدأت أيضا تحت ذريعة حوار الأديان، وفي حماية الغطرسة المعربدة وغير الإنسانية لمن يمسكون بخيوط اللعبة، في ظل الصمت المَقِيت والمتعصب لهذه "الأومرتا" المفروضة أو قانون الصمت الرهيب، الذي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.

انها حملة صليبية مقصودة، تفجّرت بالفعل مع التمثيلية المفتعلة للحادي عشر من سبتمبر 2001 الشهير. ومن المؤكد أنه لا يوجد ما يصدم في هذه التسمية، لأنه ليس هناك فقط العديد من سيناريوهات الأفلام الأمريكية التي تتخذ جريمةً مدبرة مبرراً لارتكاب جريمة أخرى أكبر بكثير من الأولى، لكن هناك أيضاً دلائل عديدة تكشفت منذ ذلك الوقت، تثبت صحة هذه التسمية، ولكنها بقيت طيّ الكتمان. إن هذا التاريخ المشؤوم لا يمثل في الواقع إلا بداية تنفيذ التعليمات التي كانت رامية إلى محو الإسلام في التسعينيات بشكل عملي، حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم بأكمله تحت حماية الكاثوليكية الفاتيكانية! ومن المحزن قول ذلك، بل وربما كان من المحزن قراءته، ولكن ما يدعو للحزن أكثر بكثير هو الحياة في مواجهة هذا الصمت المطبق لهؤلاء، الذين يراقبون في صمت، بلا أي رد فعل... 

     إنها مطاردة حقيقية للبشر، موجهة خصيصا ضد المسلمين، الذين تم وصمهم بشكل همجي، منذ 14 قرنا، بأنهم "الأعداء".. مما يمثل دليلا ساطعا ومخيفا في آن واحد على الدور غير الإنساني، والإجرامي لمن يمسكون بخيوط اللعبة. إنها جريمة جديدة ضد الإنسانية، ترتكب تحت أنظار العالم بأسره... ذلك العالم الذي التزم بالصمت أمام جرائم كثيرة أخرى، في عشرات السنين الأخيرة، ولا نذكر منها كمثال إلا جريمة سلب فلسطين: فالكل يعلم تماما متى، وعلى يد من، وكيف، ولماذا تم انتزاع هذه الأرض، والتي لا تزال تتعرض كل يوم وبشكل منتظم للسلب، تحت سمع وبصر العالم الذي اعتاد على الصمت، وعلى قبول التحيزات واعتاد بالأخص على جعل القاهر والمقهور على قدم المساواة! عالم يدّعى أنه متحضر، متطور، ومتفوق! 

      وبدلاً من تغذية كل هذه الكراهية تجاه الإسلام والمسلمين، تلك الكراهية المتوارثة عبر العصور، والتي زرعتها كتب الدراسات ووسائل الإعلام بطريقة منهجية إلى أن أصبحت جزءاً لا يتجزأ، بل جزءاً تلقائياً من الشخصية الغربية؛   وبدلاً من وضع الباطل والحق على قدم المساواة؛ بل وبدلاً من فرض الباطل بوحشية ليكون أعلى من الحق؛ على حساب أكثر من مليار من البشر، يذبحون وذنبهم الوحيد - في عين من يقودون هذه المذبحة- هو أنهم حافظوا على دينهم سليماً، دون أي تحريف.. بدلاً من كل هذا الظلم، أبرزوا قيم الإنسانية والضمير... فالإسلام لا يفرض نفسه على أحد، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (سورة الكهف، الآية 29) هذا ما يقوله القرآن. 

     والإسلام لم ينزّل إلا لأن رسالتي التوحيد السابقتين تعرضتا للتحريف. فالتوحيد هو أولا: الوحدانية المطلقة لله الذي "ليس كمثله شيء" (سورة الشعراء، الآية 11). وقد انحرف اليهود باتخاذهم العجل إلهًا، وقتلهم الأنبياء والرسل، ولم يبعث المسيح إلا لهداية خراف بني إسرائيل الضالة (إنجيل متّى 15: 24) - أي لإعادتهم إلى التوحيد. والمسيحيون انحرفوا بتأليههم للمسيح وبفرضهم الثالوث، مقيمين بذلك نوعاً من الشرك البواح بالله. وهذا هو ما أدى لكثير من المجازر بين المسيحيين واليهود أولا، ثم بين المسيحيين بعضهم البعض، ثم بين هؤلاء المحرفون وبين المسلمين.

     ألم يحن الأوان لنفهم، بعد 2000 عام من المجازر، كما قال بحق الأب لولونج (ص73) أن التصدي للإسلام بكل الوسائل، بكل هذا القهر السياسي و كل هذا الاضطهاد الديني، لم يتمكن أبدا من دحض سعي الشعوب نحو الحرية، وتشبثها الثابت بدينها ؟! 

          إن المشاركة في وقف هذه المجزرة الشاملة، وهذه الحملة الصليبية الجهنمية، متروك لضمير القارئ... لأننا نحن، المسلمون، المدفوعون رغماً عنا نحو المجزرة، لا نملك ببساطة سوى قناعتنا وإيماننا، بلا أي مساندة من أي كائن كان، ولا حتى من أكثرية حكامنا، الذين يعد وجود غالبيتهم العظمى إما قائم أو مدعوم بفضل كبار المحركِّين لهذه اللعبة المرعبة، التي يشارك فيها ذلك المجتمع "الإنساني" الدولي، بصوت مخروص، الذي يقال عنه أنه متحضّر ...

                                                                        يناير2002

 

 

المراجع

 

1- القرآن الكريم.

2-  Barreau, Jean-Claude : De l’Islam en général et du monde moderne en particulier

éd. le Pré aux clercs, Paris, 1991.

3-  Bucaille, Maurice : la Bible, le Coran et la Science.                                                  

éd. Seghers, Poitiers/Ligugé, 1980

 

4- محمد عبد الله دراز: أخلاقيات القرآن.

نشر. الصحافة الجامعية الفرنسية، باريس، 1951؛ الطبعة الثانية، وزارة البحوث والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، الرباط، 1983.

5-محمد الغزالي: المحاور الخمسة للقرآن الكريم.

نشر. دار الشروق، القاهرة، 2000.

6- د. أحمد الحوفي: سماحة الإسلام.

نشر. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1994.

7- سيد قطب: خصائص التصور الإسلامي.

نشر. دار الشروق، القاهرة، الطبعة الرابعة عشر 1997.

8-  Lelong, Michel, Père : l’Eglise catholique et l’Islam                                             

éd. Maisonneuve/Larose, Paris, 1993                                      

9- محمد الصادق قمحاوي: شبهات مزعومة ضد الإسلام وردها.

نشر. دار الأنوار، القاهرة، 1978.

10- محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي.

نشر. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1994.

11- Thomas, Joseph : le Concile Vatican II     éd. Cerf/Fidès, Paris, 1989                                                              

12- Vatican II, Documents conciliaires              éd. le Centurion, Paris, 1966                                                                   

 

 

 

 

 

 

الفهرس........................

 



[1] استبدلت الكاتبة طريقة كتابة المستشرقين لاسم النبي محمد(ص)  Mahomet بالطريقة الصحيحة Muhammad  على أمل أن يتم تصحيحها في النصوص الفرنسية.

[2] لأن هذه الكلمة Dieu   كما ينطق باللغة العربية دون ترجمة إلى كلمة رب باللغة الفرنسية Allah 2- تكتب الكاتبة لفظ الجلالة بالحروف اللاتينية  تعبر عن فكرة التثليث و التي فرضها مجلس القساوسة و علماء الدين المسيحي الذين اجتمعوا في مدينة " نيسيه" بآسيا الوسطى عام 325 من الميلاد . مما يمثل نوعاً من الشرك لا يتخيله ولا يقبله المسلمون لان الله واحد لا شبيه له ولا مثيل. 

[3] - اختارت الكاتبة أن تكتب كلمة القرآن باللغة الفرنسية بلفظ Qur`ân   و هو أقرب ما يكون للنطق العربي على أمل أن تحل محل لفظ Coran

المستخدم في النصوص الفرنسية منذ السبعينات.

[4] دائماً يذكر اسم المسيح  مقروناً ب" ابن مريم" في القرآن الكريم للتأكيد على رفض أن يكون لله تعالى ولد ، فهو سبحانه "لم يلد و لم يولد".

[5] - إبراهيم عليه السلام هو الجد الأكبر للمسلمين وقد وصفه القرآن الكريم في سورة آل عمران: " ما كان إبراهيم يهودياً و لا نصرانياً و لكن كان حنيفاً مسلماً و ما كان من المشركين". والمسلمون هم ذرية إسماعيل عليه السلام الابن الأكبر لإبراهيم، و الذي يكبر اسحق عليه السلام بثلاثة عشر عاما. و من المدهش أن يظل المتعصبون من رجال الفاتيكان مصرون حتى وقتنا الحاضر على إنكار هذه الذرية و على عدم الاعتراف بالإسلام دين التوحيد الذي أرسله الله ، على الرغم من كل الأدلة الموجودة في نصوص الإنجيل و التي تؤكد على ذلك.