الجهاد والإرهاب

 

 

 

 

 

 

بقلم الدكتورة

 

زينب عبد العزيز

 

أستاذة الحضارة الفرنسية 

 

 

 

 

القاهرة   2002

 

 

 

 

 

 

 

 

 

"أعظم الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر"

 

سيدنا محمد   عليه الصلاة والسلام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
مقدمة

 

 

كلمة جهاد هي كلمة من الكلمات الجوهرية في الإسلام، بمعنى أنها تمثل جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للمسلمين: سواء خلال ممارسة تطور الإنسان أو خلال ما يعيشه يوميا. انها من الكلمات المحورية التي تذكّر دائما بالمجهود اللازم بذله على النفس في الاختيار بين الخير والشر، وفي محاربتها لأي محاولة تؤّدي إلى انحراف أو ابتعاد المؤمن عن الطريق المستقيم. هي كلمة تضم ثلاث أو أربع مجموعات لمعاني جذرية، كلّ مجموعة تتضمن حوالي عشر مشتقات أساسية. والمعركة الحربية تمثل واحدة من هذه المشتقات.

 

إذن هو من السخرية أن نرى كيف يروق للمستشرقين أو آخرين تقليص حجم المعنى أو بالأحرى تجريده من كل اأبعاد الإنسانية لمشتقاته ليركّزوا على معنى العنف واختزاله   وحصره في "الحرب المقدّسة"، بالمعنى المتعصب للجهاد الديني اى "القتل من أجل القتل"، "القتل من أجل الاستبعاد" بالإضافة إلى كلّ ما تضمه صنوف الوحشية...

 

في واقع الأمر لا توجد كلمة باللغة الفرنسية تستطيع التعبير عن معنى كلمة "جهاد" باوسع معاني الكلمة التى تنعكس على مستويان شخصيان: فردي وجماعي، خارجي وداخلي، أو على مستوى أعلى، باطنى وظاهرى. وفي حقيقة الأمر ان اللغة العربية، بعكس اللغة الفرنسية، تتمتع بمرونة المشتقات لا مثيل لها، وبسهولة استعمال تصل إلى درجة انها تعطى ثمانين مشتقّة، وفي بعض الأحيان تصل إلى مائتان، أما بالنسبة للغة الفرنسية، ففي بعض الأحيان نجد فجوات تصل إلى عدم وجود الفعل أو الصفة، أو صيغة المثنّى أو المؤنث في بعض أشكال التصريف كفعل الأمر. ممّا يمثل صعوبة حقيقية في الترجمة والذي يستلزم من المترجم إيجاد مراد فات مختلفة لكلّ معنى مقصود في النصّ.

 

إن اختزال معنى كلمة بمثل هذه المعاني الواسعة وحصرها في واحد من مجالاتها المتعدّدة لا يمسّ إلاّ النيّة والقدرة الفكرية والأمانة للمترجم لكيلا نقول شيئا عن تأثير مثل هذه الترجمة المغلوطة لفهم الإسلام والمسلمين، ولا عن تواطؤ مثل هذه الترجمة المتعمّدة مع المجال السياسي الذي يصل إلى فرض مسميات الرعب والإرهاب والإرهابي. ونفس الشيء إذا انحصر بعض المسلمين ولا يروا في الجهاد الا معناه الضّيّق على انه "مجزرة"، وهنا لن يكون أبدا خطأ الجهاد الذي في واقع الأمر هو قيمة جد واسعة ويضع المجال الحربيّ في درجة اقل بالنّسبة للمجالات الأخرى.

 

إذن هذا العمل سوف يهتم أساسا بتوضيح معنى كلمة جهاد، في مجال الحرب والقتال، موَضّحا المعايير والقواعد المحدّدَة والتي هي بمثابة فرض من الواجب إتباعها من ناحية المقاتل المسلم. لأن الإسلام حتى في وقت الحرب يأخذ فى الاعتبارالجانب الإنساني ويحترم الحياة الإنسانية ويحرّم كل اعمال العنف، والقتل، والمذابح.. إنّ مفهوم الحرب في الإسلام هو الحماية، سواء حماية النفس او الدّين أو الوطن في نطاق الهجوم خاصة عدم البدء بالاعتداء.  َ

 

هذا ما سوف نتناوله بالتفصيل عبر ثلاث فصول. الفصل الأول سيتناول مقارنة المعركة الحربية بين الديانات التوحيدية الثلاثة، والثاني سيبحث الجهاد عبر نصوص القرآن       والسنة وبعض المعارك التي قادها الرسول محمد مع القبائل القريبة، وذلك لتفنيد الفكرة المغلوطة والتي تم فرضها على مرّ القرون، والتي تقول أنّ الإسلام قد انتشر بالسيف. والفصل الثالث سوف يصحح هذا الاتهام الكاذب من معاني الرعب، الإرهاب والإرهابي الذي مارسته َ بالفعل السياسة الغربية، من قبل العصور الوسطى وإلى يومنا هذا، بعنف عنصرى لا سابقة له ومتصاعد وغير مبرّر بل ومجرّد من أي منطق، وذلك لاقتلاع موارد من فُرض عليهم البؤس المهين ومن وصفوا، بعنصرية سفيهة، بالعالم الثلث أو بالعالم النّامي.

 

وهل من ضرورة لإضافة أن هذه العربدة وذلك التّفاخر المسلّح ينتزعان أية مصداقية لوعود حضارة كانت تريد أن تقود العالم؟! وفي الخاتمة سوف نلخص الأفكار التى تناولناها.

 

 تم تصحيح النطق الفرنسي لــكتابة كلمتا Mecque   وMédine إلى النطق الصحيح Makkah

و Al-Madinah على أمل أن نراهم مصحّحتان فيما بعد في النصوص الفرنسية.

 

إنّ ترجمة آيات القرآن هي للكاتبة، وقد تولت جمعية الدعوة الإسلامية العلمية فى ليبيا طباعة الترجمة الكاملة لمعاني القرآن الكريم سنة 2002.

 

     وتبقى ملاحظة مهمة بالنسبة لكلمة جهاد التي تم تأنيثها من طرف الإعلام الفرنسي، بعد أحداث 11 سبتمبر والحملة التي قامت بعدها: لا أحد يجهل أن كلمة djihad أو Jihad منذ إدماجها في اللغة الفرنسية وهي تستخدم بصيغة المذكّر لأنّ التعريف يكون حسب نوع الاسم المضمر، وهنا الاسم المضمر هو المعركة le combat (مذكّر في اللغة الفرنسية). إضافة الى أنّ أداة التعريف لا تتغير عندما نريد وصف كائن أو شيء قد وصل إلى اعلى درجة من خاصية معيّنة في الوقت المعيّن بالمضمون. وفي موسوعة الإسلام وهو مؤلف برئاسة الجمعية العالمية للأكاديميات في 1908، توجد كلمة جهاد بصيغة المذكر. وفي قاموس لاروس الصغير لعام 2000 مذكورة أيضا بصيغة المذكّر وكذلك كل المؤلفين الفرنسيين. إذن فلماذا هذا الانحراف المفاجئ من طرف بعض الأشخاص الذين اعطوا الاشارة لتأنيثها؟

 

ان إضفاء صفة التأنيث، والتى تستخدم في غالب الأحيان مجازا، يعني: إعطاء الرجل مجموعة الخواص الجسدية والمعنوية المعطاة عادة للمرآة الخ... وهي دائما مستخدمة بمعنى الإنتقاص من الأشياء، للإفساد، والإضعاف، واضفاء التخنيث. وحتى بالنسبة للأشياء، هي تشير إلى معاني: طري، دون نشاط، دون رجولة! لماذا إذن هذه الرغبة فى التحقير والإهانة بهذا التعمّد؟ إن الاستعمال في الواقع قد أنّث بعض الكلمات، مثلا: ضلعية كانت بصيغة المذكّر ثمّ قامت الأكاديمية الفرنسية بتأنيثها بما أنّها جزء من اللّحم (المؤنث في اللغة الفرنسية).

 

وللأسف، فإن هذا التحول المفروض، رغم اعتراض بعض المسلمين المقيمين في فرنسا، لا يمسّ إلا من فرضوه: فهو يكشف تواطؤ رخيص يواكب هذه المسيرة المخزية والتي تهدف إلى إزالة الإسلام والمسلمين. وبدلا من هذا الإيذاء الخبيث، أليس من النزاهة والتحضر محاولة فهم ورؤية الواقع حتى وإن كان يحزنكم؟ هل يمكن الإحساس بأدنى احترام حيال مثل هذا السلوك العدواني؟ ان النّزاهة تُلزم من تفنّنوا في قيادة هذه اللعبة التافهة، إعادة النظر في قراراتهم وتصرّفاتهم.

 

 


الجهاد في الإسلام

 

دراسة مقارنة

 

 

الحديث عن الجهاد في الإسلام يستوجب البداية بشرح الكلمة، نظرا لإلحاح المستشرقين والإعلام الغربي بجهد متواصل لتشويه المعنى، وقصره في أحد مفاهيمه وهي "الحرب المقدّسة" بمعنى: مجزرة ومذبحة! بالرغم من أنّ الجهاد في معناه الواسع لا يعني أبدا الحرب من النوعية الصليبية أي حرب اللعنة والهدم، وإبادة وإلغاء أمّة بكاملها كالحرب الإنجيلية التي تبيد بالسيف كل ما تغزوه! إنّها كلمة شديدة الثراء الإنساني ويتضمن الجذر الأساسي لها العديد من التعبيرات.

 

وإذا استندنا إلى معجم عربي/ فرنسي ويكون أداة عمل جدّي وأكاديمي في نفس الوقت سوف نجد التعريفات التالية والتي تمثل أقل الاشتقاقات للجذر "جهد" والتي تعطي أربع فروع أساسية:

1.     المجهود، التطبيق، الدّقة، الحميّة، السهولة، القوة والقدرة.

2.     الصعوبة، الإرهاق، المشقّة، الجهد البدني والعقلي، نزاع النفس، تركيز كل القوّة (على شيء ما)، مواجهة المصاعب.

3.     ناضل، قاتل/ قاوم، ناضل لأجل...، ثابر؛

4.     دعوة إلى العقيدة الصحيحة؛ الوعظ خصوصا بالوسائل السلمية، والقدوة الصحيحة والإقناع؛ حرب مقدّسة ضد الكفّار والمشركين.

 

وكما نرى هناك فرع يتعلّق بالمجهود الحماسي وآخر يخصّ التّعب وثالث يخصّ القتال أو المقاومة كيفما كان الهدف أو السبب، ورابع يخص الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، وإلى الحرب المقدّسة، بمعنى حماية الدّين ضد الكفّار. إنّ الجهاد حرب لها قوانينها وقواعدها ومعاييرها. ودون الخوض في المشتقّات الأخرى نذكر فقط: مجاهد؛ وهو الذي يبدل المجهود أو يقاوم، واجتهاد وهو التطبيق، الدراسة الدقيقة والمعمّقة والتي تمكّن من حلّ مسائل الحقوق.

 

فمن المحزن والمضحك في نفس الوقت ان نرى هذا الإلحاح الشديد من طرف المستشرقين والإعلام والغربيين لإخفاء أغلب هذه المعاني، وللاحتفاظ بواحدة فقط والتي تسهل عمل التدميرالذي يتواصل ليس فقط في المؤلفات الجدلية بل يصل إلى آليات العمل والتي من المفترض أن تكون ذات نزاهة حيادية! ومن المحبط أن نرى مثلا دي.  بي. ماكدونالد كيف يبدأ مشاركته في موسوعة الإسلام وهو لا يبرز إلا هذا المعنى من بداية إلى نهاية مقالته: {الجهاد، أو انتشار الإسلام بالأسلحة: هو واجب ديني للمسلمين، بصفة عامة. وقد كاد الجهاد أن يصبح ركن سادس أو فرض أساسي، وينظر إليه بالفعل بهذه الطريقة من طرف سلالة الخوارج. وقد تم التوصل إلى هذا المفهوم بطريقة تدريجة لكن سريعة...} الخ، لنشر فكرة مغلوطة عن الإسلام وغرس بغير حق أنه انتشر بالسيف، وأنه يحث على الحرب والعنف، إضافة إلى الكلمات الشهيرة   في أيامنا هذه من رعب وإرهاب! والجهاد في المعنى الشاسع للكلمة، يمس ويتضمن مجالات عدّة: مجال فردي، واجتماعي، وأخلاقي، وديني؛ كما انه يدمج تصورين: مقاومة المسلم السيئ، الخائن او الكافر؛ وأيضا مقاومة الفساد؛ ومن هنا الجهاد يعطي مفهوم لشيئين أساسيين: المجهود الفردي والمجهود المقدّس.

 

أما بالنسبة للمجهود الفردي فهو يؤكد على الحماس والمواظبة، والمقاومة المستمرة للإهمال واليأس، ويحثّ على التجاوز الحيوي للإنسان وعلى الارتقاء الروحي. بالنسبة للمجهود المقدس فهو يؤكد على طهارة تحقيق ذاته وعلى توافق وسائله، ويحث على مقاومة الفساد الذي يهدد باكتساح المجتمع الإسلامي. وبقول آخر: مهمته السامية تتضمن، من جهة، المثابرة والاستمرار والطاعة ومجاهدة النفس، للوصول إلى الكمال والى تفتح الذات وازدهارها. إذن، انه لا يعنى ذلك القول المشهور: اعرف نفسك بنفسك، الشائع فى الحكمة اليونانية، ولكن: طوّر نفسك، أصبح أحسن، تقدّم كإنسان. إنها تتضمن من جهة أخرى حماية العقيدة وحماية المؤمنين، والنشر المطلق للرسالة السماوية الشاملة، كما ذكرت في ديانة التوحيد الثالثة والأخيرة.

 

ان هذا التحديد الأولي ضروري لوضع القارئ منذ البداية امام المعنى الصحيح لكلمة جهاد أو بالأحرى، امام كل ما تحتويه الكلمة من معطيات، وبعد ذلك، من الضروري التطرق لآيات القرآن؛ التي تتناول هذا الموضوع، لنرى عن قرب والنّص في ايدينا، تلك الخديعة الكبرى التي تم بها تحريف كلمة جهاد عبر الزمن، أو تحديدا: منذ أن بدأ التعصب الكنسي يهاجم الإسلام. ولكن، قبل التطرق لهذه الآيات للمقارنة، من المنطقي أن نبدأ بالتسلسل الزمني لنرى كيف تظهر كلمة: حروب أو معارك في الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد.

 

لا أحد يجهل المذابح الواردة في العهد القديم. مذابح ذات همجية وحشية لا يمكن تخيلها، كلها تحث علىّ الدّمار والإبادة والهلاك. انها مجزرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى بما ان مبدؤها هو قتل شعب مهزوم بأكمله بحد السيف؛ انها عبارة تتردد كاللازمة في هذه النصوص: بتر، صرع، عدم ترك أي شيء حي في المكان! هذا هو معنى المعركة في هذه الكتب.

 

إنّه من الصعب عمليا أن نورد كل هذه الأوصاف االتى تغص بها هذه النصوص، ولكننا نذكر على سبيل المثالا الآيات التالية: {وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف} (يشوع 6: 21)، {واحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها. انما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب} (يشوع 6: 24).

 

انه عمل إبادة واستأصل يصل إلى درجة مسح ذكرى الكائنات من تحت السماوات! قتل كلّ الذكور، قتل الملوك، نهب كل الماشية، كل القطعان، وكل الممتلكات خصوصا الذهب والبرونز! حرق المدن وكل المخيمات، القتال حتى لا يبقى ولا ناج واحد ولا هارب، قتل كل الشعب بحد السيف! مضاعفة القتال ضد المدينة وتدميرها... القتل، القتل دون رحمة، دون تحفّظ، قتل الرجال والنساء، الأطفال والرّضّع، البقر والنّعاج، الجمال والحمير ... القتل دون نسي تمرير كل الشعب على حدّ السيف! تخريب البلد، عدم ترك أي رجل أو امرأة على قيد الحياة، نهب الماشية والملابس، نهب كل الأشياء القيّمة، الهجوم على المدينة واحتلالها... اما بالنسبة للشعب فسوف يلقى وحشيات مختلفة...

 

وهذه القساوة التى لا يمكن تصورها ليست من خيالنا، إنها مأخوذة على طول الفصول ولكنها تبلغ ذروتها في هذه الآية لصاموئيل 2 (12: 31) والتي تقول: " واخرج الشعب الذي فيها ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد وامرّهم في اتون الآجر وهكذا صنع بجميع بنى عمون. ثم رجع داود وجميع الشعب الى اورشليم".

 

وهنا ملاحظة تفرض نفسها لأن هذه الآية التي توجد في طبعة الكتاب المقدّس لسنة 1860، بدّلت لتخفيف هذه الوحشيات غير الإنسانية، لتصبح هكذا في الكتاب المقدّس طبعة الفاتيكان المسمى طبعة القدس (1986): {واخرج الشعب الذي فيها ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد وامرّهم في اتون الآجرّ وهكذا صنع بجميع مدن بني عمون. ثم رجع داود وجميع الشعب الى اورشليم} لقد خفّفت هذه الآية مرّة أخرى من هذه الوحشيّات الهائلة لتصبح في آخر ترجمة للكتاب المقدّس بالفرنسية (2001): " كما استولى على غنائم وفيرة. واستعبد اهلها وفرض عليهم العمل بالمعاول والمناشير والفؤوس وافران الطوب. وعامل جميع اهل مدن العمونيين بمثل هذه المعاملة. ثم عاد داود وسائر جيشه الى اورشليم ".!! اى انهم من ضحايا مبتورين ومحروقين ومذبوحين حوّلوهم إلى عمّال أو صنّاع! ونجد نفس التغيير قد تم على النص العربى لطبعة سنة 1988... ويا لها من كتب مقدسة!

 

ان التحايل على إيمان الاتباع أو القرّاء بهذا الاستهتار، ومقارنة الطبعات المختلفة هو في إمكان أي شخص يريد التحقّق، والدّليل بين أيدينا؛ ان هذا التّحايل يزيل أي مصداقيّة لهذه النّصوص المزعوم أنّها مقدّسة والتي يفرض القائمون على التّعصّب الكنسي أنّها منزّلة! لأن النص المقدّس المنزّل يبقى كاملا دون أي تحريف، ولا حتى حرف واحد من حروفه. وهذا ما يمثل الفرق الكبير أو بالأحرى الفارق الشاسع بين هذه النصوص التي تحتوي ليس فقط على "الباطل والنّاقص"، كما يقول مجمع الفاتكان الثاني، ولكنّها باختصار مغلوطة تماما منذ تأليفها عبر الزمان وعلى مرّ طبعاتها.

 

غير أنّه، قد لا يكون هناك ما يدعو الى اندهاشنا من هذه الهمجية أو الوحشية الشّرسة، إذا وضعنا في اعتبارنا أنّها عبارة عن تطبيق آية، آية واحدة تلخّص وتوضّح هذا التصرّف اللاإنساني بما أنّه يفرض على الأتباع: "ملعون من يمنع سيفه عن الدم"! (ارميا 48: 10) في طبعة 1860، لأن هذه الآية كآيات كثيرة، قد مر عليها التعديل التقليدي الشهير. وفي طبعة الكتاب المقدس لسنة 1931 نجد: "ملعون من يبعد سيفه عن المجازر" وفي الكتاب المقدس طبعة القدس سنة 1986، نقرأ: {وَمَلْعُونٌ مَنْ يَمْنَعُ الدَّم عَنِ سَيْفَهُ}. وأخيرا في الترجمة الجديدة للكتاب المقدس سنة 2001، نجد: " ملعون من يحرم سيفه من شيء من الدم"!

 

فمن أمر إلهي واضح وجليّ دون أيّ لبس، بما أن الأمر يتعلّق بلعن كل من يمنع أو يحفظ سيفه من اراقة الدم، والقتل والذبح، تصل الآية إلى هذا التجريد الذي يدل على أكثر من تفسير واحد، ومن ضمنها اقلها اذية، لأنها يمكن أن تفسّر بمعنى رشّ السيف بالقليل من الدم وليس من الضروري دم إنساني!     

 

اما بالنسبة للحرب أو المعركة في العهد الجديد، فلا أحد يجهل هاتان الآيتان الشهيرتان واللّتان بنيت عليها نظرية السلام والتسامح المسيحي: {وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً} (متى 5: 39)، والثانية: {وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ كثيرا} (متى 5: 44)، وفي طبعات أخرى "مضطهدون" أصبحت "لاعنون".

 

ومع ذلك، ففى تطبيق الواقع المعاش، وليس فقط في أيامنا، ولكن خاصة في زمن عيسى، عليه السلام، نجد تصرّف عكسي تماما: فعندما سأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن عقيدته، أجابه يسوع أنه كلّم العالم علانية، ثم سأله ثائرا او متمرّدا: {لماذا تسألني} وعند هذه العبارة لطم يسوع أحد الخدّام وكان واقفا فقال: "أهكذا تجيب رئيس الكهنة؟" وهنا، وعلى عكس النظرية التي كان يبشّر بها، وبدلا مت منحه الجانب الآخر اعترض عيسى وهو يقول للخادم: «إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيّاً فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ وَإِنْ حَسَناً فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟» (يوحنا 18 :19-23).

 

وكما هو واضح، من اجل صفعة واحدة، نرى عيسى المسالم، الميال لظبط النفس وحب القريب، عندما صُفع لم يتمالك غضبه ليمد الجانب الآخر حسب أقواله (متى 5:39) ولكنه اعترض، رغم إنه كان مكتوف اليدين! وهو ما يستلزم شجاعة محددة بوضوح لتحمّل الدفاع عن النفس مهما كانت الظروف، ويبين في نفس الوقت أن الدفاع عن الذات يثبت إمكانية التعارض مع فلسفته الشخصية.

 

والمثال الآخر لا يختلف: فبينما هو خارج من بيت عنيا مع الإثناعشر، جاع عيسى: {وَفِي الْغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ عَنْيَا جَاعَ. فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئاً. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئاً إلاَّ وَرَقاً لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. فَقَالَ يَسُوعُ وهو يلَعَنها: «لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَراً بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ». وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَسْمَعُونَ.(مرقس 11: 12-14).

 

فعلى الرغم من إنه لم يكن موسم التين، كما يبين النص، أراد عيسى وفقط لأنه جاع، او حتى من قبيل الرفاهية تذوق التين ولم يجده، فبدلا من أن يبارك شجرة التين، أو يدعو لها كي تثمر، لعنها! أيمكن القول بان للضرورة احكام؟

 

ومثال ثالث، دائما في نفس السياق: فى لحظة ما يسمى بآلام يسوع وفي ساعة القتال الحاسم، نرى من كان قد قال لتلاميذه أن يتركوا كل شيء ويتّبعوه، يقول لهم: «لَكِنِ الآنَ مَنْ لَهُ كِيسٌ فَلْيَأْخُذْهُ وَمِزْوَدٌ كَذَلِكَ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفاً» (لوقا 22: 36) ويا لها من كلمة تصدم، نظرا لوقع كلمة "تسامح"، التي تراكمت عبر قرون ولكنّها تثبت مرّة أخرى إلى أي حدّ استطاع عيسى بن مريم مناقضة هذا التسامح، عندما وجب عليه مواجهة من يهدمونه ويتولى الدفاع عن نفسه.

 

وأكثر من ذلك، في وقت الخطر، نجده يتّخذ موقفا عكس الوفاق والمصالحة، بما أنه يقول بلا مراوغة: «جِئْتُ لأُلْقِيَ نَاراً عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضطرمت؟» (لوقا 12: 49) وبعدها مباشرة وبدلا من أن يتراجع أو يغير العبارة، فهو يؤيد ويعزّز ما صدر عنه مؤكدا: «أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَماً عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلِ انقساما. لأَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ خَمْسَةٌ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُنْقَسِمِينَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَاثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ. يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الاِبْنِ وَالاِبْنُ عَلَى الأَبِ وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا».  (لوقا 12: 51-53).

 

وبالإضافة إلى هذه النار الملقاة على الأرض بهذا التّعمّد، وإلى هذه التفرقة المقصودة والموصوفة بدقّة؛ يأتي موضوع الكراهية. موضوع يقلّل انشودة الحب وحب القريب وحب التسامح الى درجة انعدامه: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامرأته وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضاً فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً» (لوقا 14: 26).

 

وهكذا فإنّ السلام المسيحي المزعوم، وفي حياة مؤلفه شخصيا، يتحوّل للتفرقة والمعركة والقتال بالسيف بكراهية لم يمكن تكذيبها أبدا! لأنّ المسيحية في الواقع انتشرت في الأرض بهذه الطريقة، بالسيف، وليس الإسلام. ويكفي أن نتصفّح كتب التاريخ الأولى، خلال أو بعد العصور الوسطى مرورا بمحاكم التفتيش والتوظيف الكنسى وعصور الظلمات المفروضة، كما أنّه يكفي تصفح الكتب التي تعالج تاريخ المبشّرين والارسالات المسيحية في الأرض لتثير الاشمئزاز. سواء كانت الحروب بين المسيحيين والوثنيين أو خصوصا بين المسيحيين بعضهم بعضا منذ تأليه السيد المسيح في 325 في المجمع نيقية الأول، فإن الحصيلة ليست إلا مذبحة مفجعة لا يمكن وصفها حقا، فالنتيجة لا توحي إلا بقاسم مشترك أعظم بينها: اقتلاع الآخر.

 

وللأسف لا نستطيع إلا أن نلاحظ، من البداية إلى النهاية، كم هو مثقل تاريخ الغرب بالاغتيالات والتدمير، وكم هو غارق بالدّماء والمؤامرات. ولكنّ الغرب يبدو وكأنه يتناسي مصادره المسيحية، وبنياته العميقة وحروبه وعدوانه، السرّي منها أو المعلن، وحروبه الدينية ومراحله الاستعمارية واستقراره العنيف بتقسيم خريطة العالم وممتلكاته. كما يبدو وكأنه شديد النسيان لتجارته بالرقيق التي بقيت حتى القرن العشرين، وخدعه السياسيّة الخسيسة، ولا نذكر منها إلا غرس الصّهاينة في أرض فلسطين، قبل 1948 بكثير، فلا أحد يجهل أنّها "من صنع الغرب، ذلك الغرب الكريه" كما يقول F. Braudel في ص 130 من كتابه المعنون: Grammaire des civilisations. بالإضافة إلى ذلك الفصل الجديد، المخادع والمستفزّ في نفس الوقت، والذي يبدو، زيفا، لكنّه بدأ منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، وقد تم الإعداد له بدهاء منذ تاريخ طويل، لأنّه حتى الساعة لم تستطع أيّة حجّة قانونيّة أن تبرر هذا الهجوم المزعوم... ويكفي قراءة كتاب تييري ميسان Thierry Meyssan المعنون "الخديعة الكبرى" لتدرك ذلك.

 

تبقى الرّؤية عن قرب لكلمة "جهاد" في الإسلام، والذي تمثّل فيه الحرب فقط جزء محدد من معانيه المتنوّعة. ويصعب استخراج كل الآيات التي تتناول كلمة جهاد ومشتقّاتها، لأنّ الترجمة إلى الفرنسية تتنوّع حسب المضمون. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر الآيات التالية:

 

§        {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} (29، 8)

 

§        {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} (31، 15)

 

§        {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم ٌ} (9، 79)

 

§        {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ} (5، 53)     

 

وترد كلمة جهاد في واحد وأربعين آية من القرآن، على شكل سبعة عشر مشتقّة        وتنوّع. وتأتي في شكل غير مباشر ومضمر تحت اسم القتال أكثر من عشرين مرّة. ويشتمل محتوى هذه الآيات على مختلف استعمالات الجهاد في المجال الحربي. سنذكر إذن معظم الآيات التي لها علاقة بالجهاد: معاييره ومبادئه وأسبابه واستعداداته وثوابه؛ والجهاد للدعوة؛ والجهاد في سبيل الله؛ وإثم ترك الجهاد:

 

§           {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (2، 216)

 

§           {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (2 ، 217)

 

§           {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (2، 194)

 

§           {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} (8، 160)

 

§           {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} (2 ،190)

 

§           {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} (2، 191)

 

§           {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} (2، 193)

 

§           {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ   الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (22، 39و40)

 

§           {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (9، 36)

 

§           {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (8، 71)

 

§           {وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ} (9، 12)

 

§           {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ   فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ    وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (8، 56 و57 و58)

 

§           {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (66، 9)

 

§           {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (8، 61)

 

§           { إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً   سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} ( 4  90 و 91 )

 

§           {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (9، 5)

 

§           {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (9، 6)

 

§           {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (4، 74)

 

§           26 {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (3 ،169)

 

§           {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} (3، 195)

 

§           {انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (9، 41)

 

§           {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (9 ،111)

 

§           {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (61 ،11)

 

§           {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (61 ،4)

 

§           {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً} (4 ،84)

 

§           {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (3 ،157)

 

§           {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (22 ،78)

 

§           {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (3 ،200)

 

§           {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (8 ،15 و16)

  

وكما قرأنا، الجهاد أمر من الله، حتى وإن كان فظيعا في ذاته فهو شرّ يحتوي على خير. ومنذ البداية يتحدّد بتجلّي معنى المعركة الحربية في هذا الأمر. فالجهاد كره لأنّه يُبعد عن الشريعة، يبعد عن العبادة التي يجب على الإنسان القيام بها دون سهو، بما أنّها دافع أو سبب وجوده.

 

إنّ الجهاد معركة مشروطة في ضوابطها وهدفها وتسلسلها وشروطها أو نتائجها. انها معركة مشروطة بنبل الأخلاق والانضباط. عدم القتال في الشهر الحرام: رمضان، عدم القتال في المسجد الحرام، إلا إذا شنّ الكفار المعركة في ساحته، فالهدف الأعلى للجهاد هو حماية الدين.

 

إنّ أسباب هذا الجهاد محدّدة بوضوح: إخراج المسلمين من بيوتهم، الفتن التي يقوم بها الكفار، لأنّ الفتنة تعتبر أشدّ من القتل. ولذلك كتب على المسلمين ان يعدوا كلّ قواهم ليفزعوا أو يخيفوا وليس ليذبحوا ويفنوا بالسيف!

 

وكقاعدة إلهية، يقال: عدم الاعتداء، عدم البدء بالمهاجمة، ولكنّ الدفاع عن النّفس بقدر الاعتداء الذي يتعرض له الإنسان. وإذا خان العدو وكان من عادته الخيانة وحنث اليمين ويهاجم الإسلام إذن يجب قتل قائدي الكفر الذين لا يوفون باليمين أبدا! وهنا يجب أن تكون المعركة قاسية. ومع ذلك، إذا كان هؤلاء الأعداء، هؤلاء الخونة الكفار الذين يحرفون ويشوهون النصوص المقدسة أو المواثيق، هؤلاء المنافقون، زارعو الردّة، هؤلاء المشركين إذا عادوا إلى الوراء أو إذا اقترحوا السلام ولم يقاتلوا أبدا، يجب على المسلمين الرجوع عن المعركة وقبول السلام. بل أكثر من ذلك، إذا تاب هؤلاء الكفّار، وأقاموا الصلاة وأدّوا الزكاة، يفكّ أسرهم. ولم يرد فى أى مكان أنه يتعيّن عليهم الدخول فى الإسلام. هذا ما حدّد تجاههم بوضوح ودقّة في القرآن: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (5 ،47). فإذا بدّل أهل الإنجيل نصوصهم، وإذا أخفوا أو محوا النصوص المنزّلة، وإذا انحرفوا عن الطريق المستقيم أو اعتبروا فاسقون من أجل ذلك فليس هذا من خطأ المسلمين!

 

والجانب الآخر من الجهاد، الذي يحدّد القتال في سبيل الله لإقامة التوحيد، فهو واجب يقع على كلّ المؤمنين الذين يجب عليهم الجهاد بأموالهم وبأنفسهم بمثابرة ومنافسة في المواظبة، إذن يُحثّم القتال في الصّف، متحّدين وغير متفرّقين، دون هروب أو تجنّب القتال. أنّه جهاد يجب أن يُقاد بحكمة بالحسنى، وبالمناقشة بالطّريقة المُثلى.

 

أما بالنسبة للثواب فإنّ الذين يموتون في سبيل الله هم أحياء عند ربّهم ولهم رزقهم: لهم الجنّة كمثوى، وتُكفّر سيّئاتهم. وهذا القتال في سبيل الله نتيجته مغفرة ورحمة في نفس الوقت.

 

 

ان الجهاد في الإسلام، في المجال الحربي الصرف، سنتناوله في الفصل التالي، ليس فقط عبر آيات القرآن ولكن أيضا عبر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تُكمّل؛ بالتطبيق؛ التفاصيل المحدّدة. الأمر الذي يثبت إلى أيّ حدّ الاتهامات المُلصقة بكلمة جهاد مبنيّة بالتّأكيد على غير أساس. فالجهاد مفروض للدفاع عن الإيمان، للدّفاع عن الوطن، للدّفاع عن المؤمنين الذين يعيشون فيه، والدّفاع عن نّظام الدّولة الذي أقيم حديثا والذي أعطي السلطة والفعاليّة لهذا المجتمع. وهو بعيد كلّ البعد عن أن يكون معركة تهدف الى إبادة الآخر وتدمير الخصم وإلغاء وجوده. هو خاصة بعيد عن هذا المعيارالإنجيلى الذي يفرض عدم منع السيف من إراقة الدّماء، لكيلا يصاب باللّعنة الأبديّة! هذه الشراسة غير الإنسانية التي يطبقها قادة الصهيونيّة المُتعصّبون بلا تبصُّر وبلا عقاب خاصة في هذه الأيام. لأنّ هذه الجريمة التي لا تستطيع أية عبارة أن تصفها، وهذه الوحشيّة التي تقع في فلسطين ضدّ شعب مجرّد من كلّ شيء إلا حقه النّاقص، على هذه الأرض، علة أرضه، سوف تبقى للأبد خزي لن يزول من تاريخ الصّهيونية والمسيحيّة التي تتّبعها بلا قيد. عار يُخزي الغرب الذي يعرف السّكوت ومن عادته السكوت طالما الأمر يتعلّق بحذف الإسلام أو المسلمين!

 

وهذه المهمة السامية للدفاع عن الإيمان والمُؤمنين، والدعوة المطلقة للرّسالة الربّانية، عبر بعد أخلاقي غير مألوف، وعبر بعد من الثبات والمثابرة والطاعة المتواضعة، يعطي للجهاد انطلاقة على عكس ما نجده في كتابات الديانتين التوحيديتين السابقتين. لأنّ مفهوم تأسيس المواجهة مع الآخر قد تسامى في مفهوم مجاهدة النفس بفضل السبب المطلق للجهاد الذي يمثّل وجوب العدل.

   

وهذا ما يفسّر النّجاح السّريع الكامل وغير المتوقع، الذي قامت به القوات الشابّة المسلمة، المُنطلقة بحماس ضدّ الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية. وهذا النّجاح لا يرجع فحسب الى حماس الإيمان أو الى عمق الاعتقاد الديني الراسخ، الحقيقى والمنتصر في آن واحد، لكنه يرجع أيضا وخاصة الى الواقع التاريخي ـ الاجتماعي لهاتين الإمبراطوريتين اللتان كانتا خارجتان من صراع دامي. صراع كان قد وضعهما في مواجهة حتى628، متزاحمين فى المنافسة للسيطرة على الشرق الأوسط.

 

وإذ انهكتهما هذه المعارك، كانت هاتين الإمبراطوريتين تعانيان من صعوبات داخلية ضخمة. فالإمبراطورية البيزنطية، تحت قيادة هرقل، كانت تعيش نزاعات دينية عميقة، ذات طابع اضطهادي، يقودها أرثوذوكس القسطنطينية، ضد أنصار الطبيعة الواحدة ليسوع ويعاقبة سوريا ومصر. بحيث أنّ سكان هذين البلدين استقبلا بحماس صادق المسلمين الذين كانوا أكثر تسامحا.  وتكررالمثال، بتفاصيل متنوّعة الى حد ما، حسب ظروف كل بلد.

 

وهذا التسامح وهذا الوضوح في الأوامر الإلهية الإسلامية، وهذه النزعة الإنسانية العميقة والعادلة، ادى الى انه خلال أثني عشر عاما، من 633 إلى 645، قد تخلصت بلاد ما بين النهرين، وفلسطين وسوريا ومصر من الإضطهاد المُتعصّب، بفضل الإسلام والمسلمين.  الأمر الذي يؤكد ويعطي مصداقية لظاهرة انتشار الإسلام، والذي يَظلّ واحدا من بين الأحداث الأكثر تأثيرا والأكثر ثباتا في تاريخ العالم، منذ الثلث الأول من القرن السابع.

 

ان هذا الوضوح في الأوامر الإلهية الإسلامية، المحفوظة كاملة بدقّة متناهية، منذ تنزيل القرآن إلى نهاية الأزمان، ترجع الى أنّه لا يوجد أي "كيمياء" مفروضة من طرف أي عصر ظلومات كيفما كانت، ولا أي توقعات مسيحية اخروية، ولا أي تاريخ منسّق، مُعدّل، محرّف أو مزوّر، ولا أي مسيح أو أي وسيط ولا أية وساطة مُتآمرة ولا فادي أو خلاص مزعوم للبشر، ومختلق من كل ناحية! لا شيء من كل هذه الخزعبلات الكنسيّة. لا شيء سوى اختيار بسيط بين الخير والشّر، بين الحلال والحرام، بين الطريق المستقيم المُحدّد بوضوح والالتواء المُذًبذًب. انه اختيار متواصل، يجب على كلّ إنسان عمله، والذي يضعه وحده في مواجهة خالقه، لا يملك إلا أعماله، التى اختارها بمحض ارادته لاجتياز امتحان اليوم الآخر.

 

ونشير في السياق التاريخي للمجتمع أنّه في الفترة المكّية كان أساس مفهوم الجهاد مُركّز على الدعوة وعلى نشر القرآن وتعاليمه وأوامره. وبعد الهجرة إلى المدينة، تكوّن أول مجتمع إسلامي. دولة مُكوّنة من المهاجرين الذين صاحبوا الرسول والأنصار الذين استقبلوهم، واليهود الذين قرّروا العيش مع المسلمين. مجتمع تنظمه بنية ومنهج دولة جديد، يسهر عليه مسؤول على إبقاء النظام في هذا المجتمع النّاشئ.

 

وبعد إنشاء هذا المجتمع، كان عليه الحفاظ على حدوده وموانيه والدفاع عنها ضدّ أي هجوم، كما كان عليه ان يحارب بشدّة كل من يتدخل للاستيلاء على هذا المنهج القائم على العدل أو المساس به. كما كان عليها محاربة كل من كانوا يقاومون الدعوة، بتدبير المُؤامرات ضدّ الدولة، أو الذين يُصرّون على عبادة الأصنام. هذه المعركة، و هذا الجهاد كان يجب أن يتم وفقا لأوامر القرآن: {ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو اعلم بالمهتدين} (16،  25 ) ، الحكمة و الموعظة الحسنة و ليس أبدا بالإرغام، بما أنّه ذُكر بوضوح في آيات أخرى أنّنا لسنا مُكلّفون إلا بالبلاغ و البلاغ المبين:

-          

-         {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} (5، 92)          

-         {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (13، 40)

-         {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بمسيطر} (88: 21 و22)

-         {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ} (42، 48)

 

وكما نرى، حتى الرسول لم يكن عليه إلا تبليغ الرسالة، بلا أي إرغام أو أي سيطرة. البلاغ بالحكمة والموعظة الحسنة وليس بإبادة أو استئصال الشعوب. إنّها حقيقة مدعّمة بتاريخ المعارك التي قادها المسلمون، سواء في وقت النّبيّ أو فيما بعد. مما يُكذّب ويستبعد أى اتهام، تم نسجه وفرضه عبر القرون، يقول بأن الإسلام قد انتشر بالسّيف.

 

ألم يحن الوقت بعد هذا الكم من الاتهامات المُكذّبة، أن يراجع الغرب   بعامة، والمستشرقين والمبشرين والإعلام بخاصة، أن يراجعوا عدوانيتهم وأن يعيدوا النظر في مواقفهم المتشبثة، والتي لا تمسّ في الواقع إلاّ نزاهتهم!؟ ألم يحن الوقت للاعتراف ولإدانة التزييف المتضمن أو المفروض، في جميع أنواع الوثائق، منذ قرون، ووضع حدّ لكل هذا التزوير الذي يُزيّف الحقيقة ويُفقد مصداقية مُؤلّفيها، والتي تخدع خاصة القارئ الغربي بمضمونها الكاذب؟ ذلك القارئ الذي ينتهي به المطاف باكتساب كره فطري تجاه الإسلام والمسلمين...

 ألم يحن الوقت، بعد هذا الكمّ من التّخريب والمجازر المُدبّرة، والمُعدّة بالاتفاق بين مختلف مؤسسات المافيا الدولية والسياسية والكنسية، لفهم أنّ الإسلام هو الدّيانة التوحيدية الثالثة والأخيرة، المُنزّلة من عند الله لتصويب ما تم من تحريف الديانتين السبقتين؟! وخاصة، لفهم أنّ الحقيقة ينتهي بها الأمر دوما بالظهور جليا..

 
                              الجـهاد في الإسـلام

 

      وجهة نظر إسلامية

 

   

 

الجهاد في الإسلام، في المعنى الحربي للكلمة، يأخذ دلالة قانونية، شرعية، في نطاق اعتباره كدفاع. دفاع عن النفس، عن الأسرة، عن الوطن وعن الدين. ومن هنا، يعتبر الجهاد أطهر الحروب، من جميع وجهات النظر: سواء الهدف، أو أسلوب القتال والشروط، أو تنظيم سياقه ومدى أو وجوب توقف العدوان، وآثار أو عواقب هذه الحرب. إن جميع مراحل هذه الحرب الجهادية مُبيّنة بوضوح، سواء في آيات القرآن أو أحاديث النبي، كما هى واضحة لكل مسلم.

 

ولكن هذا التعصب الأعمى، وهذا التحريف المُمَارس سواء في الترجمات المغلوطة للقرآن، والأحاديث أو معظم نصوص التراث الإسلامي قد أدّى إلى جهل حقيقي بالإسلام. هذا بالإضافة للرّفض المتعنت للتّعصب الكنسي للإعتارف بأنّ الإسلام هو الديانة التوحيدية الثالثة والأخيرة، وخاصة الإصرار على جعله خصما يستوجب الصراع، ومن هنا، مجالا لمحاربته، بتقديم وقائع غير صحيحة لتبرير الاعتداءات أو حتى لاستبعاده. كلّ هذا، أثار بلا ريب اثار خلطا رهيبا في نفس معنى كلمة "جهاد" عند الغربيين، بحيث انتهى الأمر الى ترسيخ فكرة خاطئة، تقول أن الإسلام انتشر بالسيف، و يدعو إلى الحرب، و يثير الكراهية و النزاع، و أنّه يُحرّض على العنف و الوحشيّة، بالإضافة إلى عبارات الرعب والإرهاب والإرهابيين التى اضيفت في الأيام الأخيرة!

   

ولتفنيد هذه الأكاذيب، يكفي أن نبيّن ما أمر به الله، من عدل وإنصاف: عدم خلط الأمور؛ عدم خلط المعطيات أو الحقيقة، وعدم البحث إلا عن الحقيقة؛ عدم الافتراء والاغتياب. وكثيرة هي الآيات التي تفرض ذلك، ولا نذكر منها إلا: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (3:71).

 

ورغمها ، فلا يمكننا إنكار مجهود الكثير من الشرفاء الغربيين ، الذين كذّبوا هذه الافتراءات، والّذين حاولوا  تصحيح  هذه  الصّور أو المعطيات  المُزيّفة ، سواء أكانوا قدامى أم  معاصرين ، و نذكر منهم توماس كارليل: "الأبطال و عبادة الأبطال" ؛ جوستاف لوبون: "حضارة العرب"؛ سيجريد هانك: "شمس الله تلمع على الغرب"؛ مارسيل بوازار: "الإسلام و الغرب"، موريس بوكاي: "الكتاب المقدّس والقرآن والعلم"، الذين بيّنوا كيف أنّ المسلمين لم ينقادوا أبدا لأي تخريب، و لم يبدأوا أبدا بالهجوم ، وأنّ التعصب المنسوب للمسلمين ليس إلا أساطير و دعاية خالصة مُعادية، تكذبها  أدلة لا تُحصى.

 

لقد قضى رسول الله ثلاث عشرة سنة في مكّة، وهو يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وكانت النتيجة المباشرة لهذه الإقامة القصيرة هي اعتناق الإسلام من طرف الناس من جميع الطبقات، رغم أنّ معظمهم كان من المحرومين. ولم تكن لدى النبي أية ثروة لرشوتهم، كما تدّعي بعض النفوس الوضيعة، ولم تكن لديه أية سلطة كي يجذبهم لها! لم تكن لديه إلا الرسالة الإلهية التي استلمها: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (21: 107)، رحمة شاملة، عالمية، تتجلّى في كلّ أفعال ومواقف محمّد.

 

وبالرغم من هذه العناية الإنسانية العميقة، الشديدة المثابرة، هُوجم الإسلام من طرف الوثنيين   والكفار. وتعرّض المسلمون إلى جميع أنواع الوحشية والتّعذيب والتّنكيل المعاناة، خاصة المعدمين منهم والعبيد والذين ليس لديهم أي سند. لأن الإسلام في بداية ظهوره كان يُعتبر كانشقاق، من طرف مُحرّفي الرسالة المسيحية، مثل انشقاق أريوس وماني، والعديد غيرهم، الذين رفضوا تأليه عيسى.  وما من شيء جعل هؤلاء الشباب المسلمون يحيدون عن ديانتهم، عن اختيارهم الواعي أو زعزع إيمانهم. بل قاوموا بصلابة، كأبطال حقيقيين، بالرغم من قلة عددهم وبالرغم من فقرهم. فما من واحد منهم ارتدّ أو استسلم رغم المحاولات المُتنوّعة للكفّار. الأمر الذي لا يزال يثير إحباط المُبشّرين إلى أيامنا هذه.

 

إنّ القرآن والسنّة هي المصادر الأساسيّة للإسلام، والتي نجد فيها معاني مُتنوّعة، مشروحة ومُحدّدة للجهاد. كلّ من رجع إلى هذه الآيات أو إلى هذه الأحاديث، يفهم مدى اتساع المعنى الحقيقي لهذه الكلمة، الذي تعرّض إلى العديد من التحريف ولى المعنى لحصره بإصرار في معنى الحرب الدّموية، المُدمّرة، من نوع الحرب الصليبية. غير أنّه في الحقيقة، ان الذي يقاتل في سبيل الله، هو عبارة عن فارس نبيل بكلّ ما فى معنى الكلمة من عمق، والذي قامت تربيته على أسمى معايير خُلُق الفرو سية. محارب يمتثل للواجبات والنّواهي الإلهية التي تأمره بضبط النّفس، ليس فقط أثناء القتال، ولكن أيضا قبل وبعد سياق أحداثها.

  

 يجب على المحارب قبل المعركة أن يتحرّر من أيّة رغبة، يجب ألاّ يخرج للغزوة من أجل أي منفعة شخصية، أو من أجل عشيرته، أو عائلته أو لأي فائدة مادية، دنيوية أخرى. يُستلزم عليه أن يخضع للشّروط والقوانين المفروضة من الله، بالنسبة للجهاد، كما يُستلزم عليه، القتال من أجل حب الله. وحتى هذه العبارة، القتال من أجل حب الله، لا تعني فقط الخوض في معركة من أجل نشر كلمة الله، ولكنّها تنطبق على كلّ المجالات، بمعنى أنّه المفروض علينا أن نعمل تطوّعا، أن نتعلم العطاء، أن نحب فعل العطاء بدون انتظار مقابل كيفما كان. وهذا يعني أيضا أن المقاتل يجب عليه أن يمتثل لأوامر الله، وأن يكون مستعدا لوضع حد للحرب فورا، حين حدوث مخالفة لشرط من شروطها بالرغم من الحالة التي يوجد فيها الفارس المقاتل الشجاع. سواء كان غالبا أو تعرّض لأي أذى من طرف العدوّ، فالأوامر الإلهية لا يمكن مخالفتها. فالقرآن يأمر بوضوح: مراقبة النفس، تحريم الانتقام، والتّشبّث بالثوابت الأخلاقية الدّقيقة.

  

وتُعتبر كلّ هذه التّعليمات المُتعلّقة بالمعركة، بالحرب أو بالنضال، إنّها تتعلّق بما سمّاه الرسول "الجهاد الأصغر"، لأنّ قتال الحرب ذو مدّة عابرة، مُحدّدة ببداية ونهاية المعارك. أما "الجهاد الأكبر"، هذا الفتح الدائم والحقيقي الذي يجب على المقاتل، كما يجب على كل مسلم آخر، أن يقوده طوال حياته، هو الجهاد مع النفس.. جهاد يجب أن يتواصل في كل وقت، بوعي شديد، لكيلا يحيد عن الطريق المستقيم، ومن هنا، قد يؤذي نفسه أو يؤذى غيره.

  

والتطبيق الاجتماعي والخارجي لعبارة "الجهاد الأصغر"، ليس إلا تعبيرا ثانويا، ولا يمُثّل في الواقع إلاّ قتال أو مجهود مبذول في مدّة قصيرة نسبيّا، مهما كانت مدّة المعركة. أمّا "الجهاد الأكبر"، ذلك الجهاد الكبير، الحرب الحقيقية والمقدّسة فعلا والتي يجب على كلّ إنسان، أهل لهذه التسمية أن يقودها، فهو ذو طابع داخلي وروحاني محض.

 

وهنا يجب أن نوضح الفرق الموجود بين التسميتين: "الجهاد الأصغر" و "الجهاد الأكبر"، وإلا لكان الفرق: الجهاد الصغير والكبير. ولكنّ هذا الفرق بين التصغير والتفضيل لا يبين فقط أنّ هناك اختلاف بين أصغر وأكبر، كما يبين وجود تدرجات متنوعة من المُفاضلات بين سلسلة بأكملها من أنواع الجهاد: مساحة من الجهادات الصغرى ومساحة من الجهادات الكبرى. والمراتب مُتعلّقة بمدى تطور الشّخص، ومن هنا فهى تشمل معنى القداسة، لأنّ كل مجهود يجب أن يتم تحت ظل ضوابط كلمة الله وأوامره، على الطريق المستقيم.

 

ويستند هذا التمييز إلى حديث للنبي، الذي ميّز بينهما، عند عودته من معركة قائلا: "عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، لأنّ الحكمة الأساسية من وجود الحرب هو إيقاف الفوضى أيّا كانت، وإعادة النظام؛ ووضع حدّ للظلم، وإعادة الحقّ والعدل، بما إنّ هدف الحرب نفسه هو إقامة السلام، بأعمق معاني الكلمة، وليس بمعنى العربدة القائمة في أيامنا هذه، والذي تريد فيه دولة واحدة بكلّ وقاحة أن تكون المولى والسّيّد لهذه الأرض! وتمثل هذه الحرب المُقدّسة الكبيرة، مقاومة الإنسان للغرائز، الأعداء الحقيقيين الذي يحملهم في ذاته، أى ضد كل العناصر التي تخالف النظام والوحدة، في نفسه، وتخالف الهدوء الصافي الذي يجب أن نصل إليه. وقد أوضح ذلك جيدا رينيه جينون في مُؤلّفه: "رموز العلم المُقدّس"، وكتابات أخرى. ولا يعني ذلك مجرد إزالة هذه العناصر المُخالفة، ولكن تطويرها، بتحويلها نحو وحدة الشخص. بما أنّ أحد الواجبات الأساسية للإنسان هو تحقيق الوحدة في ذاته، لكي يصل إلى تحقيق وحدة الفكرة ووحدة الفعل أولا، ثمّ على مستوى أرقى بكثير، الوحدة بين الفكرة والفعل. وفى مواجهة مثل هذه السيطرة على الذات، لا يعد بامكان أى شيء أن يسيء لهذا الإنسان.

  

وفيما يلي الآيات الأساسية في القرآن التي تبحث الجهاد، رغم أنّ معظمها ذُكرت في الفصل السابق:

 

§        - {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ}               (2:190،191)

§        - {فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} (2:192،193)

§        - {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (2:216)

§        - {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (2:217)

§        - {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (3:146)

§        - {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (3:169)

§        - {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} (3:195)

§        - {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (4:74)

§        - {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا} (4:75)

§        - {إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} (4:90)

§        - {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ. لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (8:7،8)

§        - {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (8:17)

§        - {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (8:39)

§        - {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (8:47)

§        - {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (8:61)

§        - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (8:70)

§        - {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (9:5،6)

§        - {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (9:111)

§        - {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ   بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (22:39،40)

    

مع أنّ المعايير في هذه الآيات أُخرجت في الفصل السابق، إلا أننا لا نملك إلا أن نعيد أكثر أو نوضح، والنصوص بين أيدينا، أنّ الإسلام بعيد كل البعد عن كلّ الاتهامات المنسوبة إليه، وأنّ معنى كلمة جهاد ذات أبعاد ومعاني جد مشرّفة، وأنّه لا علاقة لها بالمعنى العدواني الذي يضيّقون نطاقها فيه ليجعلوها مرادفا للحروب الصليبية.

   

 وفيما يلي أحاديث الرسول:

1       يقول الترمذي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أمر أمير على جيش أو سرية، أوصاه خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا. ثم قال (اغزوا باسم الله. وفي سبيل الله. وقاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال). فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين. وأخبرهم أنهم، إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين. يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين. ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء. إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه. فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه. ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك. فإنكم، أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله. ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا).

 

2       عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته، بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة).

 

3       حدثنا الحسن بن الصباح، ثنا إسماعيل يعني ابن عبد الكريم حدثني إبراهيم يعني ابن    عقيل بن منبه عن أبيه، عن وهب قال: سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطتْ على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك يقول: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا".

 

4       دخلت على محمد بن مسلمة فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف. فإذا كان كذلك فأتى بسيفك اًحدً فاضربه حتى ينقطع ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منيّة قاضية"

  

5       سعيد بن جبير قال: خرج علينا او الينا بن عمر رضى الله عنهما فقال: كيف ترى فى قتال الفتنة. فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس بقتالكم على الملك.

 

6       حدثنا آدم حدثنا شعبة: حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت أبا العباس الشاعر، وكان لا يتهم في حديثه، قال: سمعت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: (أحي والداك). قال: نعم، قال: (ففيهما فجاهد).

 

7       حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: حدثني عطاء بن يزيد الليثي: أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه حدثه قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله). قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمن في شعب من الشعاب، يتقي الله، ويدع الناس من شره).

8       حدثنا سليمان بن حرب: حدثنا شعبة، عن عمرو، عن أبي وائل، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله).

 

9       قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله).

 

10  خرج عدد من المقاتلين في معركة أحد. فتأهبت للعمل عائشة بنت أبي بكر و أم سلمة، وكانتا تملآن القرب ثم تسقيان الجرحى ثم ترجعان و تملآن القرب من جديد و تسقيان الجرحى.

 

11  حدثنا مسدد: حدثنا بشر بن المفضل: عن خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوذ قالت: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنسقي القوم، ونخدمهم، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة.

 

12  ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏رضي الله عنها ‏ ‏أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه

 

13  كان الرسول صلى الله عليه و سلم يدعو للإسلام بقوله الآيتين التاليتين: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (3:64) {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}  (6:79)

 

14  حدثنا أحمد بن يونس: أخبرنا الليث، عن نافع: أن عبد الله رضي الله عنه أخبره: أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان. 

 

15  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني، يعني: الأسير، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض).

  

وقبل استخراج ما يبرز في هذه الآيات والأحاديث من معايير أو شروط، ومن تعليمات، نشير أولا إلى دور المرأة التي كانت تخرج في الغزوة مع المقاتلين، وتقوم بدور الممرّضة وتعالج وتنقل الجرحى أو الموتى، وهذا يعني أنّها لم تكن تبقى حبيسة في البيت، وفقا لتلك السورة الاستشراقية المشهورة والمفروضة خاصة منذ القرن الثامن عشر. وتبرز من هذه النصوص أساسا، أنّ هدف الحرب في الإسلام، في خطوطه العريضة، مُعرّف بالنقاط التالية:

1.     نُبل الاخلاق، ووضوح الوسائل والهدف.

2.     لا تُقاد أى معركة أبدا إلا مع المقاتلين فقط؛ ولا عدوان ضد المدنيين.

3.     عدم قتل النساء، والأطفال أو الشيوخ قطّ.

4.     ردّ العدوان، تولّى الدفاع عن النّفس، عن الوطن وعن الدين.

5.     نصرة الحقّ والعدل.

6.     إذا مال العدوّ إلى السّلم وأوقّف القتال، فلا يجب القيام بأيّ عدوان ضده، ولكن ضد الظالمين فقط.

7.     المُطالبة بالحقوق المُغتصَبة.

8.     حماية الأسرى أمر واجب. لهم الحق بأن يُعاملوا بشكل يليق بكلّ إنسان.

9.     حماية البيئة أمر واجب أيضا، بما في ذلك حماية الحيوانات، وعدم قتلهم أبدا ّ بدون سبب، وعدم حرق الأشجار أو الاضرار بالنّبات أو بالفواكه أو الماء، وعدم تلويث البئار أو تدمير المنازل.

10.            تحقيق الدّعوة إلى الله، إعطاء الفرصة للمُعدمين الذين يريدون اعتناق الإسلام، والالتحاق به.

11.            حماية حرية العقيدة منصوص عليها بوضوح، خصوصا لأصحاب الاديرة                 والرهبان؛ وعدم النّيل منهم قطّ.

12.            عدم الذهاب للقتال بتفاخر قطّ، ولكن حبّا لله وفي سبيله.

 

نستخرج مما سبق بوضوح، أنّ الجهاد في الإسلام يتميّز أساسا بنُبل الهدف ونُبل الوسائل.     وليس بغريب أن تكون هذه النّتائج والعواقب التي تنجم، متناسقة تماما مع هذا المنهج، منهج يتسم بالوضوح والأخلاق الرّاقية المستوى. وبما أنّ النّتائج مُرتبطة مُباشرة بالمقدمات، فليس بغريب رؤية نظام يخرج عن العادي المُعاش يتميّز عمّا كان يحدث في عصور ما فبل الإسلام أو بين الكُفّار. إنّ الوضع الاجتماعي والسياسي لبلد ما أو لأمّة هو أن يكون دائما في علاقة مُباشرة مع تكوين وطبيعة جيشها. وبالتالي فهو من الطبيعي أنه في وقت ما من تاريخ كل ّأمّة، أن تسود المفاهيم الأخلاقية والقانونية والسياسية والدينية وتشكل ملامح الجيش وتحدد معالم المعارك التي تقودها.  ويمكن تلخيص المفاهيم الإسلامية في هذا المجال في النقاط التالية:

1.     تكوين الشخص المقاتل، حسب معايير تربية سموّ الروح، والتعاون                 والفروسية الحقيقية.

2.     حذف الأصنام، والتي لا تُعين بشيء؛ حذف الشر الذي يُؤدي إلى اختلال            وتفكّك الأمّة.

3.     يجب أن يتم تحقيق العدل والحرية لكل الناس، مهما كانت معتقداتهم.

4.     إعطاء الأسبقية للشؤون العامة قبل المصالح الشخصية.

5.     تكوين قوّة دفاع مُناسبة، للإبقاء على حماية الناس في مساكنهم وكذلك في وطنهم.

 

      بما أنّ الحرب واحدة من الظواهر الأكثر قِدما في التاريخ، فقد مرّت، مثلها مثل المجتمعات، بمراحل عديدة في تسلسلها عبر الأزمان. إنّها واحدة من نتائج العلاقات الاجتماعية. والمواجهات بين الناس لها كنتائج، تصادمات عديدة، لأنّ الإنسان عامة، وخاصة إذا ظلّ في مستوى مُعين من التربية الأخلاقية المحدود، يظلّ دائما مجبول على غريزة الامتلاك والتى تدفعه أن يقاوم ويتشبث بما يملك. وهو ما يُؤدّي إلى غريزة الصراع، حتى ولو في شكله الأبسط: الدفاع عن حقه في الوجود، وفي الحياة. ومع التربية الروحية المُكتسبة بذلك المجهود المتواصل على الذات، بذلك الجهاد الكبير، تتطور وجهة النظر وتصبح أكثر تأثيرا. فلا يقاتل إذن من أجل معيشته الخاصة، أو من أجل الدفاع عن النفس وعن ممتلكاته الشخصية، ولكنه سوف يقاتل أيضا وخاصة من أجل الجماعة، من أجل الحرية ومن أجل استبعاد الظلم ومن أجل كرامته.

  

وما أكثر كتب التاريخ والأدب العربية التي سجلت حياة العرب في عصور ما قبل الإسلام. وهناك عدد كبير من الملاحم الحربية، والمغامرات أو المآثر التي تمت كتابتها قبل بعثة النبي. ولا يسع المجال هنا لاستعراضها، لأن الأساسي هو أن نتوقف على بعض النقاط التي يمكن استخدامها للمقارنة، ولا نذكر منها على سبيل الثال إلا الأسباب، المدة، وعواقب هذه الحروب.

 

يتحدث محمد أمين البغدادي في كتابه المُسمى "سبائك الذهب" خاصة عن الملاحم الحربية التي مرت في الجاهلية؛ فى العصر الذي سبق بعثة محمد. والحروب المعروفة أكثر هي: البسوس، داهس الغبرة، يوم النصار، يوم الجفار، يوم الفُجار، يوم ذي قار، يوم شعب جبلة، يوم رهرهان، الخ.  ومن يتأمل في هذه الحروب والملاحم، سوف يرى الحماس الشديد، الانطلاق، التحمس الطائش، بل وأيضا اللاّمُبالاة بالنتائج. لم تكن هذه الشجاعة المُندفعة تأخذ في الاعتبار العقل أو المنطق، لكيلا نقول   شيئا عن تفاهة الأسباب التي تُحدث هذه النزاعات، ولاعن إطالة مُدَدِها، بما أنّ بعضها قد دام عشر سنين، ولا عن العواقب المخيفة التي أحدثتها. ومع أنّه لا توجد إحصائيات تبين الخسائر التي سببتها هذه الحروب، فإنّ النصوص، والقصائد والخطب المكتوبة لوصف الإنقاذ والدّمار وتيتيم الأطفال والتّرمّل؛ توضح أهمية المصائب التي حلّت بالأماكن.

 

وقد تمّ المُنعطف الكبير مع النبي محمد، وبداية رسالته، عندما استقر في المدينة، وأسس بها حكومته الخاصة، بعد أن مرّ ثلاثة عشرة عاما في الدعوة إلى الله، والتي عانى فيها من الإهانات والاضطرابات والتي تخللتها ثلاث هجرات. وأثار القرشيّون البلبلة، وأشعلوا الحقد ضد الدولة الجديدة التي وُلدت حديثا: دولة بلا ظلم وطغيان أو سفك للدماء. لهذا تآمر المشركون والكفار لقتل الرسول، فلم يعد الإطمئنان يخالجهم على مصير مصالحهم، التى يحافظون عليها بالحدّة الحربية لديانة مشركة، والتي بواسطتها كانوا يسيطرون على شبه الجزيرة العربية باسرها. في حين أنّ هذه الدولة الجديدة أُقيمت على قاعدة دينية، مُوحدة، محورها وحدانية الله، وعلى معايير العدل والانصاف، والتي تُطَبَّق على الجميع دون تمييز. مما سبب في أعين الوثنيين ضياع شركهم.

 

إنّها ديانة السلام، انسانية وأنسية في نفس الوقت، وقد بلغ قمة هذا التسامح أوجه في هذه الآية: "فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون"، لكن على الرغم من هذا السلم، وعلى الرغم من هذا الصفح وهذا التسامح العميق، كان من الضروري أو بالأحرى كان لزاما على المسلمين أن يفكروا في المجال الحربي للدفاع عن دولتهم الوليدة. لهذا ذُكر في القرآن: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (22:39،40).

 

وكما نرى فإن معنى الآية يشمل نقطتين أساسيتين: أولا، الإباحة للمسلمين بالقيام بالحرب، والرد على الهجوم، بسبب ظلم تكبدوه، أو طردهم من ديارهم دون سبب حقيقي، وانما لمجرد قولهم إنهم مسلمين. ثانيا، هذا يثبت أنّه حتى الوحي بهذه الآية، لم يكن مسموح للمسلمين الرد على العدوان بالأسلحة، وأن كل الردود الحربية كانت ممنوعة طول عهد مكده، وبعض الوقت في عهد المدينة.

 

ولكنّ منح الإذن لإقامة الحرب، وإن لم يكن إلا للدفاع عن الأمة، لا يعني أنّها كانت رخصة للتمادي غير المحدود في العدوان! ولم يتأخر تقنين حال هذه الحرب تحديده: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (8:61). مما يُثبت بلا ريب أنّ القتال لم يُشرَع للإسراف أو لإقامة الحرب من أجل الحرب، من أجل الإبادة أو القتل بحد السيف! ولكن لكي يكون الرّد حسب حدة الهجوم، كما رأينا سابقا. وعند ميل العدوّ للسلم، فالمقاتل المسلم يجب عليه أن يقبله.

 

في الدراسة التحليلية للدكتور علي جمعة عن المعارك التي قادها الرسول، والتي تُثبت أنّ الإسلام لم ينتشر بالسيف، قام بوضع جدول لجميع القبائل التي قاد الرسول المعارك ضدها. وحسب تسلسل الأربع عشرة قبيلة، نستطيع استنتاج أنّ أغلب القبائل وليس كلها كانت مرتبطة بمودار، جد الرسول، وأنّ هذه المعارك كانت نتيجة الغضب بين الأقرباء الوثنيين والمعتنقين الجدد للإسلام، أو بسبب التكبّر والتفاخر من جهتهم.

 

غير أنّ النتائج الحقيقية لهذه المعارك التي قادها الرسول، والذي كان من عادته أن يقول لإعدائه، بعد السيطرة عليهم وكسب المعركة: "اذهبوا، أنتم أحرار"، هكذا، ببساطة وحتى دون أن يفرض عليهم اعتناق الإسلام. إنّها نتائج لا تقبل الجدل، وتكشف عن عظمة الإسلام وعظمة أوامره، ولا نذكر منها إلا النقاط التالية:

1.     حدوث تغيير واضح في المجتمع: من العرب المتوحشين إلى العرب المُتحضرين؛ من العرب المشركين، الوثنيين، إلى العرب المسلمين، المُوَحّدين.

2.     إبطال أعمال النّهب والخراب.

3.     تقوية الحماية العامة للبلد.

4.     إقامة الأخوة الروحية في المجتمع محل العداء والكراهية.

5.     تثبيت مبدأ الشورى، كنظام سياس بدلا من الاستبداد.

 

وهذا النظام الإسلامي الجديد، كانت له خصائصه التي تُميزه، منذ بداية تكوينه. خصائص تكشف، لماذا في الواقع تتم محاربة الإسلام منذ تأسيسه وإلى أيامنا هذه، حيث أنه ضدّ ما كانت تتم ممارسته، وحيث أنّه يتميّز بالنقاط التالية:

1.     تحريم إبادة الشعوب أو السكان.

2.     تحرير العبيد والمُشاركة في تربيتهم، بحيث وصل البعض منهم إلى منصب الحاكم.

3.     لم يُؤسس المسلمون قطّ محاكم تفتيش لإجبار الناس على اعتناق الديانة الجديدة.

4.     لم يَفرضوا أبدا تصفية عرقية أو عقائدية؛ فاليهود والمسيحيون والهندوس مَكثوا في بلدانهم.

5.     أقاموا روابط نسب مع هؤلاء الناس في هذه البلدان ولم يَتصرَفوا أبدا بعنصرية أو تكبّر.

6.     الجزية المفروضة على غير المسلمين، الذين فضّلوا البقاء والعيش في بلدان الإسلام، لم تكن قطّ ضريبة تمييزيّة كما يُصرّ على قول ذلك المستشرقين، والمُبشّرين أو غيرهم، ولكنّها مبلغ يُدفع مقابل الخدمة العسكرية، التي تُركت لاختيارهم، وللتّكفّل بنفقات الدّفاع عنهم، والتي يتحمّلها المسلمون.

7.     منطقة الحجاز، مركز الدعوة الإسلامية، ظلت في مجموعها بلدا فقيرا إلى حين اكتشاف النفط، عندما اتزع المُستعمرون مُمتلكات البلدان المُستَعمَرَة ووجّهوها إلى أوطانهم.

8.     عرفت بلاد المسلمين كل أشكال العدوان والشراسة، ولا نشير هنا إلا إلى الحروب الصليبية، والعبودية المفروضة من طرف المُستعمرين، وطرد المسلمين من مساكنهم في الأندلس، وتعذيب من بقي منهم بواسطة محاكم التفتيش، والتصفيات العرقية التي لا مُبرر لها، خاصة في هذه العقود الأخيرة، والكراهية العتيدة، المنغرسة ظلما غشا، بحيث أصبحت بمثابة طابع فطري عند معظم الغربيين.

9.     عانى المسلمون من التمييز على جميع المستويات، كيفما كان بلد الاستقبال.

 

إنّ الحقائق التي ذُكرت في الفصل السابق وفي هذا الفصل، لا تستلزم أي تفسير لتفنيد كل ما أُلصِق ظلما بكلمة جهاد، خاصة في الأيام الأخيرة، وذلك لتشويهه أو لتفريغه من كلّ اتساع معانيه الإنسانية، الشاسعة الأبعاد.

 

 

 

الإرهاب والإرهابيين

 

 

 

   

 

من الناحية اللغوية، تعني كلمة "terreur" المشتقة من الكلمة اليونانية "terror" حوالي سنة 1356 "هلع، ذعر ورعب" وتُطلق كناية على "كل ما يثير الرعب". وتستخدم للتعبير عن الشعور الحاد بالخوف، ومنها جاء استعمال عبارة "terreur panique" (1625) للتعبير عن كل ما يثير هذا الإحساس.  ومنذ 1789، أصبح اللفظ يشير إلى كل الوسائل القمعية للضغط السياسي، والذي يُتيح لسلطة ما السيطرة التامة على المعارضين. وأُطلق اسم " Terreur" على النظام السياسي الذي حكم فرنسا من يونيو1793 إلى يوليه 1794، والذي شهد إقامة إجراءات استثنائية أرغمت المواطنين على الإذعان لأوامر الحكومة الثورية. وتُعتبر هذه الفترة هي المصدر لكل الاشتقاقات اللاحقة لكلمة "terreur".

 

ويكون بذلك قد تأكد منذ 1794 استعمال لفظ "terrorisme" (الإرهاب) للدلالة على نظام الاضطهاد السياسي، وتوازيها كلمة "terroriste" (الإرهابي) للدلالة على الفرد الذي يحافظ      على مثل هذا النظام أو يحبذه.

 

قد أصبحت كلمة "الإرهاب" من الناحية التاريخية، تشير إلى كل سلطة سياسية أو نظام حكم قائم على هذا الخوف الكبير الذي يتم فرضه بشتى الوسائل القمعية والاستبدادية. وتأتى بعدها تنويعات أخرى منها عبارة: "الإرهاب الأحمر" وتطلق على نظام حقيقي للدولة، يتخذ من سفك الدماء منهجا له.  وعبارة "الإرهاب الأبيض" للدلالة على الفترة القصيرة التي حكم فيها الملكيّون في جنوب-شرق فرنسا في ربيع وصيف 1795 ضد البونابرتيين.

 

وكما تبين مما أسلفنا ذكره، فان كلمة "الإرهاب" وكل ما ينحدر منها من اشتقاقات مختلفة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياسة، أو بقول آخر، فإن الأحداث السياسية في الغرب هي التي أفرزتها. ومن هنا يصبح الحديث عن تفعيل هذا المصطلح مقترن بالتطرق إلى مواضيع عدة، نقتصر هنا على اثنين منها كانا مصدرين للمصائب والنكبات في العصر الحديث، وهما: الاستعمار والتعصب الكنسي. سواء عند توازيهما معا أو عند تناحرهما في حروب طاحنة. وسواء أكانت حروب بين دول غربية، أو حروب ما بين القارات، أو حروب بين المسيحيين، فإن المسيحية لم تتمزق أو تسحق أو بكل بساطة لم تعاني في جوهر مفاهيمها إلا من المسيحية نفسها، منذ رفُع المسيح إلى يومنا هذا. وهنا لا بد من وقفة عند هذا المعنى: نقول "رفُع" لأنه بالنسبة للمسلمين إن المسيح لم يُصلب وإنما رفُع. فالقرآن يقول: "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ إتباع الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" (سورة النساء 157/158) ونجد في آية أخرى: "ِإذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " (سورة آل عمران 55). وهو ما يمثّل اختلافا جوهريا بين المسيحيين   والمسلمين. اختلاف يستحيل تجاوزه أو التحايل عليه بما أن عملية الصلب، من الناحية الكنسية يُعتبر الدعامة الأساسية للمسيحية الحالية، فى حين أنه بالنسبة للمسلمين يمثل تحريفا للحقيقة لا يمكن تقبله. وقد بحث الكثير من العلماء في هذا الموضوع وأثبتوا بالأدلة أن يسوع لم يصلب، ونذكر منهم على سبيل المثال جيرار ميسادييه الذي ألف كتاب " الرجل الذي أصبح الله" (L’Homme qui devint Dieu)، إلى جانب العديد من رجال الكنيسة أنفسهم الذين تناولوا نفس هذا الموضوع عبر التاريخ.

 

لم يكن ما تقدم نقدا عشوائيا، وإنما لفهم كلمة الجهاد بصورة أفضل وأسباب بتر معانيها     والطعن الذي لحقا بها عبر تاريخ الغرب. لأن الجهاد في الإسلام، حتى عندما ينحصر معناه في القتال والحرب ينهى عن بدأ الهجوم وينهى عن قتل الشيوخ والنساء والأطفال، وينص فقط على مقاتلة المحاربين القادرين على حمل السلاح، وينهى عن إتلاف الزرع وقطع الشجر وحرق البيوت أو هدمها. وهذا في ذاته قانون شرف، وقيم الفروسية الحقة بأوسع معاني الكلمة. أنه قانون شرف يوصي بألا يتعدى الرد أبدا مستوى الهجوم، وألا يدور القتال إلا من منطلق الدفاع: دفاع عن النفس، عن الوطن أو الدين.

 

ولا يخفى على أحد أن توسع أوروبا منذ القرن السابع عشر إلى القرن العشرين يعتبر أهم الأحداث التاريخية التي عرفتها البشرية، وذلك في النطاق الذي تكشف فيه عن اتهام لا مواربة فيه ضد الطبيعة الاستعمارية للغرب. لأن هذا التوسع حدث على حساب شعوب لها الحق في الحياة مثلها مثل الغرب. ففي الواقع، يبدأ الاستعمار باحتلال الأرض وإخضاع البلد المحتل، ويستمر الاحتلال على حساب الشعوب التى تم تحويلها إما إلى الإبادة، أو إلى حالة التبعية بالذل   والهوان.

 

فلو تتبعنا المسار التاريخي للاستعمار بمختلف الأشكال التي ظهر بها، سواء كان استعمارا تجاريا أو استعمارا استيطانيا من أجل الاستغلال و النهب، أو استعمارا من أجل خلق مجال لتسويق الفائض أو لجلب الموارد،  أو استعمارا استراتيجيا أو حتى استعمارا غير معلن عنه، فالإستعمار دائما وفى نهاية المطاف ،  هو  تعبير عن بشاعة إنسانية واحدة : إخضاع البلد المستعمر لضغط اقتصادي ، مباشر أو غير مباشر، من أجل إمداد أوروبا بالمواد النادرة،        والمواد الأولية الزراعية،  والثروات المنجمية، ومواد أساسية ، دون نسيان المتاجرة بالرق     والعبيد، و استوطان مهاجرين من أصل أوروبي لتأمين السيطرة، إلى جانب الفرق العسكرية   وقوافل المبشرين، التي تعتبر جميعها أعمالا تدينها الأخلاق الإنسانية.

 

وبغض النظر عن كل الأسباب المدعاة التي تحاول تبريره، فإن الإستعمار عمل مغرض المقاصد، ظالم وجائر إلى أبعد الحدود، يتم عبر ثلاثة أشكال: اقتصادية، سياسية وثقافية. فالأرض تُسلب من أهلها، ويُوجه الإنتاج وفق مصالح المستعمر الذي لا يغفل عن إقامة نظام استعباد وولاء يفرض من خلاله حضارتَه بكل جبروت، ولغته، وخاصة دينه، بثمن لم يعد أحد يجهله...  فكل شيء يسير وفق مشيئة المستعمر ولصالحه على حساب المستعمَر. وفى عبارة واحدة، انها عملية تمثل نقيض التصور الإسلامي للجهاد، أو حتى مفهوم الإسلام في حد ذاته.

 

وما من شك فى أن أى استعمار يفضي إلى أشكال من العنف والدمار لكل المجتمعات التي تقاومه أو ترفض الخضوع له، فهو يقوم أساسا على ركيزتين اثنين: الهيمنة والاستغلال. إثراء على حساب القارات الأخرى، من خلال حركة نهب و سلب لا تشبع، ونظام قائم على زراعات موجة وعلى العمل الإجباري، و اقتصاد قائم على جشع الربح الإحتكارى، وكذلك على تلك التجارة المربحة للرق التى تتم عن طريق المستعمرين وفيما بينهم : فلقد "تم استقدام ما لا يقل عن 15 إلى 20 مليون إفريقي إلى الأمريكتين[...] وكان للقرن الثامن عشر الحصة الأكبر منها، إذ بلغ عدد العبيد الذين تم جلبهم فيما بين 1701 و1810 إلى ستة ملايين عبدا، أي ما يقارب 63% من إجمالي العبيد الذين عبروا المحيط" ، و هذا هو ما نطالعه في "التاريخ الاقتصادي و الاجتماعي للعالم" (Histoire économique et sociale du monde  ص 55).

 

لكن قبل هذا التاريخ بكثير، يعد الكونكيستادورز (الغزاة الإسبان) وعصابات المغامرين التابعين لهم على أنهم الغزاة الذين منحوا اسبانيا إمبراطوريتها الأمريكية. فخلال سنوات قليلة، من 1513 إلى 1535 تمكنوا من القيام بغزوات حاسمة معتمدين في ذلك على بعض المرتزقة السكيرين الذين كانوا يلهثون وراء الدماء و الذهب، و السلب و النهب، ودائما برفقة مبشرين ! فهم الذين سهلوا الاحتلال الدينى لأمريكا بثمن أعمال بشعة من العنف الدموي.

 

يقول الأسقف الاسباني بارتولومي دولاس كازاس ((Bartholomé de Las Casas واصفا أشكال الإبادة التي اقترفها الأسبان في حق الهنود الحمر قائلا: "كانوا يتراهنون على من يشق رجلا نصفين بضربة ساطور، أو من يقطع رأسا بحد السيف، أو من يمكنه إظهار أحشاء آدمى" (لمحة سريعة عن تدمير أمريكا. (Très brève relation sur la destruction des Indes) ولا داعي لإضافة أنه ليس الوحيد الذي كانت له الشجاعة على ذكر ما جرى.

 

لكن مهما اختلف شكل المستعمر أو تعددت أسمائه، فالوسائل كانت نفسها: " ان السوط جزء لا يتجزأ من النظام الاستعماري، فهو أداته الأساسية، وهو روحه المحركة، السوط هو الجرس الذي يقرع للأهالي[...] بكل بساطة، السوط هو صوت العمل في بلاد الأنتيل" (الاستعمار        والرق ص.49) (Esclavage et colonisation (ويمكن للقارىء أن يواصل في نفس الكتاب ليقرأ: "لم يكن القساوسة يؤدون عملهم في المستعمرات، فقد لجّم الإستعباد ألسنتهم عن قول الحق، فتراهم يكتفون بأن يوعظوا بالصبر! هي السمة المطلوبة للعبيد والمستضعفين [...]وكلمة الحق لا تصل إلى العبيد إلا محرفة" (ص 49).

 

وعلى عكس الإسلام الذي يوصي بتحرير العبيد وإلغاء الرق، فإن دعوة المبشرين إلى الخضوع ليست بالحديثة. فالقديس بولس يوصي العبيد في رسالته إلى أفسس بطاعة الأسياد بذل وخوف كطاعتهم للمسيح. وفي رسالته الأولى إلى تيموثاوس يأمرهم بأن ينظروا إلى أسيادهم على أنهم أهل شرف. ولا يحيد عن ذلك كثيرا إذ يدعو العبيد في رسالته إلى تيطس الامتثال للأسياد من أجل تكريم عقيدة المسيح. ويحذو القديس بطرس نفس المنهج في رسالته الأولى.    واقتدى آباء الكنيسة بدورهم بهؤلاء، إذ يرجع القديس سيبريان ((Saint-Cyprien والبابا جريجوار الكبير إلى النصوص الإنجيلية للدعوة إلى ضرورة قبول العبودية.  ويتوجه القديس سان ازيدور ((Saint Isidore de Péluse إلى العبد المسيحي قائلا: "حتى وإن مُنحت لك الحرية، فإني أوصيك بالبقاء عبدا". أما طوما الأكويني فإنه تبنى فكر الذين ادعوا بأن الطبيعة قد جعلت من العبودية لبعض الناس قدرا محتوما. ويرى القس بوسوي ((Bossuet أن تحويل المهزوم الى العبودية عملا خيّرا ورحمة. وبايي (Bailly) يؤكد شرعية الرق استنادا الى الفصل 21من سفر الخروج والفصل 25 من سفر اللاويين.  أما الأب بوفييه (Bouvier) أسقف لومان (أواخر القرن التاسع عشرة) فإنه يقر العبودية ويعتبر تجارة الرق تجارة مشروعة! ولا داعي أن نشير إلى أن كتابه: "مؤسسات دينية" ((Institutions théologiques كان مقررا للتدريس في المدارس الاكليركية. ويضيف بيير لاروس: "بما أن الممثلين الرسميين للمسيحية قد أقروا مشروعية الرق فلا غرابة أن يمتد وجوده إلى اليوم في المجتمع المسيحي [...] وخلاصة القول فإن المسيحية قد ألفت العبودية والاسترقاق ومن المستحيل أن ندعي بأنها حاولت يوما القضاء عليها. وكان لابد من ظهور وتطور أفكار ومبادئ جديدة كي تختفي أخيرا هذه المؤسسة" (القاموس العالمي الكبير للقرن التاسع عشر، باريس، 1870) (Grand Dictionnaire Universel du XIXe (siècle, Paris, 1870. ويسوقنا الحديث عن العبودية إلى تناول موضوع آخر يمت إليها بصلة وثيقة، ألا وهو: التنصير.

 

الارتداد ((conversion هو كل تراجع أو تغيير عن مواقف سابقة والتحول عنها. وفي المجال الديني بالذات، هو تغير ذهني وتحول كامل للشخصية، كما يدل أيضا فى نفس الوقت على أن هذا التغير للحقيقة الإنسانية إنما يحصل بفعل قوى خارجية طاغية ومجبرة قد تصل أحيانا إلى حد القتل.

 

     ان الصلة بين الإرتداد والتنصير في تاريخ المسيحية لم تكن صلة ظاهرية فقط وإنما هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بها، بما أن التنصير دعامة أساسية للعملية التبشيرية المسيحية. فحتى وإن اختلفت الأشكال التي اتخذها تاريخ التبشير، سواء في عهد جريجوار الأكبر، أو تلك التي واكبت الاكتشافات الكبرى، أو التي صاحبت الحركات الاستعمارية، أو حتى تلك التي ظهرت مع الحركات المناوئة للاستعمار، فهي كانت دائما مواكبة للحركات السياسية والعسكرية، ودائمة الحرص على إخضاع الدين وربطه بالسياسة. ويلجأ المبشرون في مسعاهم إلى وسائل عنيفة لفرض الارتداد، تمتد من الدعاية السازجة إلى الجرائم. والتاريخ يحتفظ بأعداد لا تحصى عن هذه العمليات الإجبارية. نسوق على سبيل المثال تنصير السكسونيين على يد شارلمان ما بين سنة 772 و798، وحملات لويس الرابع عشر الكاسحة ضد البروتستانت، وسلسلة من الحملات والمؤامرات والقمع، إلى عمليات غسيل المخ الحديثة. فنظام الغزو يتكرر تقريبا بنفس المعارك والمشاهد. ولكي يحددوا نوعا من السلم يفرضون اعتناق المسيحية كشرط للسلام.  وما أبعدنا بذلك عن زمن الرسول محمد والمسلمين من بعده، الذين طبقوا بالفعل حرية العقيدة التزاما بالنص الصريح: "لا إكراه في الدين" (2: 256). وهل لنا أن نضيف، للأسف، أن الرغبة في الاستحواذ على العقول بشتى الوسائل هى سمة أساسية للفكر الغربي؟ وهو موقف لم يتبناه أبدا الإسلام والمسلمون، لأن القرآن ينهى قطعا عن فرض الإسلام علىالناس كرها: "أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن" (16: 125).  

 

ان هذا التعنت المطلق والجامح في الاستيلاء والاستحواذ من أجل السيطرة لم يتحقق أو يتم فقط ضد المستعمرات، وإنما تم أيضا بين الأمم "المتحضرة". فعبارة: "الحروب الدينية" لا تعني فقط النزاعات بين المستعمرين والمستعمَرين، لكن تعني بالأخص المجازر التي عرفتها دار المسيحية. هي مجازر عُرفت أيضا باسم الحروب الصليبية. ودون أن نقصر هذه الحروب على تلك التي دارت رحاها بين الكاثوليك و البروتستانت، خاصة بين يسنة  1562 و 1598، شهدت المسيحية الحروب الصليبية ضد المغول في بولونيا و المجر (1241)؛ و الحروب ضد ماركوارد  بآنويلر (1199 )  التي خاضها انويسنت الثالث ((Innocent III ؛ و تلك التي قامت ضد فريدريك الثاني؛ وتلك التي قامت ابتداء من 1209 ضد الألبيجوا ((Albigeois ؛ و ضد  الهوسيين (نسبة إلى جان هوس) (Hus Jan) من 1419 إلى 1436؛ دون أن ننسى ثورة الكاميزار (1702-1710)؛ و حروب الخلافة التي اشتعلت في مواطن عدة من أوروبا و البطش الذي أوقعه كرومويل ((Cromwell في حق ايرلندا. تلك كانت أمثلة سقناها على سبيل المثال لا الحصر، لأن القائمة أطول من هذا بكثير. ضف إليها حرب السبع سنوات، وحرب المائة سنة، وكل الحروب التي تدور بين شتى الطوائف حتى اليوم... والحق يبدو أن كنيسة روما قد استهلت حروبها الداخلية مع ولادتها، دون أن نخوض هنا في تلك الحروب الصليبية الطاحنة ضد الإسلام والمسلمين. 

 

فقبل القرن السادس عشر بكثير، اعتادت المسيحية الغربية أن تلجأ إلى السلاح من خلال الأزمات والمجازر والحروب الطاحنة كلما انقسم صفها حول أي مسألة دينية كانت. ولا نشير إلى أن الطموحات السياسية و التحالفات أو الزيجات السياسية المغرضة كثيرا ما شابت المقاصد الدينية. وهنا لا يمكن أن نتجاهل للأسف أن الديانة المسيحية قد تدنت، ومن زمن بعيد، إلى مستوى السياسة، وأُقحمت في اللعبة القذرة للمصالح المادية، لتحطيم الآخر، لكيلا نقول شيئا عن مؤامرة الصمت التي تشمل حقائق عدة كلما تعلق الأمر باقتلاع الإسلام والمسلمين. فلا شك أن ما يحدث اليوم، وتم التخطيط له منذ زمن بعيد، وصدّ ق عليه المجمع الفاتيكاني الثاني تضامنا، لا اسم آخر له.

 

وسواء أكانت حروبا سياسية أو حروبا دينية، فكل منها مثقلة بما أسالته من دماء. ويكفي الحديث عن ذلك التاريخ الشهير الذي يسبب "الحرج": سنة 1793 بفرنسا، حيث شُكلت في ربيع ذلك العام حكومة إرهابية حقيقية فعلى الرغم من تدفق الإصدارات الأدبية والحماس الذي سبق الاحتفالات بالذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية، إلا أن تلك الكتابات لم تكن كلها تتغنى بأمجادها. فمجازر ونصيحة مارا ((Marat الشهيرة لا يشرفانها قط، حيث قال: "اقضوا على هؤلاء الرهبان المنشقين الخونة، الذين أدانهم قانون مايو 1792 وسوف يتوقف هلع المواطنين"، وتلك كانت نصيحة توحي بالكثير... كان هناك قرابة 300 راهب ينتظرون مصيرهم في سجون سان جرمان وسان سولبيس، و200 آخرون في سجون أخرى... ونطالع: " وقعت مجزرة بشعة على يد السفاحين الذين تفننوا في أنواع التنكيل والتقتيل". وانطلقت هستيريا دموية جماعية تكررت في كل من مو، بروفانس وأماكن أخرى، أودت بحياة ألف ومائة فرد من بين 2637 مسجون في باريس (الأرشيف الوطني، تقرير 10 نوفمبر 1792) الذين قتلوا ومثل بهم، من دون أن يشير التقرير تقريبا إلى اغتصاب السجينات في لاسلباتريير ((la salpêtrière اللواتي كانت البعض منهن لم يتجاوزن الإثني عشر سنة.

 

وكأن المحاكم لم يكن لها الخيار، على ما يبدو، سوى التبرئة أو الإعدام، ذلك لأنه لم يكن الأمر يتعلق بمعاقبة "أعداء الوطن" لكن "إبادتهم"، حتى وإن اقتضى الأمر تعويض المقصلة بوسائل أكثر سرعة: الغرق والرمي بالرصاص.

 

وانطلاقا من قانون 22 من الشهر التاسع للتقويم الجمهوري، ضاعفت حكومة "الارهاب الكبير ((la Grande Terreur" مجازرها بصورة بشعة. ذلك كان أوج ما بلغته "حمى" المقصلة، ويقول فوكييه تنفيل ((Fouquier-Tinville: "تتساقط الرؤوس مثل الألواح حتى سئمت الناس قرفا من الدماء، وحيث لم يكن بالفعل أى أحد في أمان". وبلغت حصيلة فترة الرعب تلك ما يقارب 300.000 سجين و40.000 حالة إعدام. ويتفق المؤرخون على أن باريس وحدها شهدت في "الأسبوع الدموي" في مايو 1871 إعدام 30.000 من دعاة كوميونة باريس على يد أنصار فرساي! ففي تلك الفترة التي أنشئت كوميونة باريس تحول نهرالسين إلى نهر من الدماء، واستبدلت البنادق بالرشاشات، وأحصت المحاكم العسكرية حوالي ثلاثون ألف ضحية. إذ تم حشر في فرساي 38.000 سجينا، وكان يكفي أن ترتدي المرأة ملابس بالية كي تعدم على أنها مساندة للمنشقين (الثائرات، ايديت طوما) ((in Les pétroleuses Édith Thomas

 

وفي حديثه عن ثورة الفنديين ((révolte vendéenne الذي أورده في أطروحته لنيل الدكتوراه، أوضح رينالد سيشر ((Reynald Secher كيف أن جيش "الحوافر" كما كان يُدعى بعدما كان منتصرا في سنة 1793، قد تم سحقه تماما مع نهاية السنة. ففي 1794 أقدم مجلس الثورة على إبادة "لصوص" منطقة لافندي. وإذا كان بارير ((Barrère قد أمر بتدمير منطقة لافندي، فإن تيرو ((Turreau أوضح قائلا: "يجب أن نجعل من لافندي مقبرة وطنية"!  وبالفعل، من مجموع 815.000 فردا من سكانها لقي 117.000 شخصا حتفهم في هذه الحرب المدنية (الإبادة الفرنسية-الفرنسية). وفي 28 فبراير قضت كتيبة كوردولييه ((Cordelier على 564 شخصا منهم 107 طفل. ويؤكد روني سيديو ((René Sédillot في كتابه المعنون: "تكلفة الثورة الفرنسية" (le coût de la Révolution française) أن عدد القتلى بلغ مليونين ما بين 1789 و1815، وخسائر مالية قدرت ب 40% من إجمالي إنتاج الذهب في القرن الثامن عشر. وفي الحقيقة، ليست حروب الإبادة الفرنسية-الفرنسية وحدها المسؤولة، ولكن كل النظام الذي أدى إلى سلسلة من الحروب الإبادية عرفها العالم الغربي وتخطت حدود القارات. نظام أثبت إفلاسه من الناحية الإنسانية، فلم يكن ليستمر لولا تلك القبضة الحديدية التسلطية والعنصرية التي ساندته.

 

ولم تكن تلك المرة الأولى التي خاض فيها الفرنسيون حربا ضد "المنشقين"، فالحرب بين سلطة الدولة وسلطة الكنيسة ليست وليدة اليوم. وحتى لو نجح نابليون في فصل الدين عن الدولة، وفى إرساء قواعد علمانية نسبية، فذلك لم يمنع السياسات الفرنسية المتلاحقة من دعم الفرق التبشيرية، ومن السماح بارتداء الكيبا (طاقية اليهود)، وتعليق الصلبان على جدران بعض المؤسسات التعليمية، لكنها لا تتحمل الحجاب الذي تم منعه، فهو» عثير الهضم «على ما يبدو!

 

والثورة الفرنسية هي التي ابتكرت كلمة الارهاب ومفرداتها، ووضعته حيز التطبيق كنظام حكم في العصر الحديث. لها السبق في الابتكار، لكن لم يكن لها وحدها الحكر في التطبيق. فلا يسعنا أن نصف كل الأشكال الأخرى لعمليات والإبادة الجماعية تحت تسمية أخرى. فلنذكر على سبيل المثال فقط السكان الأصليين لأستراليا، والسكان الأصليين لأمريكا، هنود كندا... فمن مجموع ثلاثة ملايين نسمة من السكان الأصليين، تبقي في 1870 الرقم الرسمي المتمثل في 25731 فرد. فلم يكن عبثا أن يسمي بارتولومي دولاسكاس (1474-1566) فى مذكراته المشهورة تحت عنوان "التاريخ الطريف لفظائع ووحشية الاستبداد الذي مارسه الأسبان في أمريكا الغربية" (1542). عنوان لم يفقد من دلالته اليوم أى شيء إذا ما قمنا باستبدال   الأسبان مكان الأمريكان والصهاينة، وبالطبع استبدال هنود أمريكا مكان فلسطين! فالسياسة الأمريكية حققت اليوم رقما قياسيا بغطرستها المتبجحة. وما نراه اليوم من حذلقة الأمريكان والإسرائيليين على أرض فلسطين لا يسعه وصف أخر.

 

ومهما اختلفت الأطراف التي ساهمت في تكوين المستعمرات وشتى أشكال الاحتلال، سواء أسبان، إنجليز أو فرنسيين، فقد عمدوا كلهم إلى نفس الاستراتيجيات والحيل الدنيئة. ونكتفي بذكر استعمال اللورد امهارست ((Lord Amherst للسلاح البكتريولوجي في عام 1759 حيث وزع أغطية ملوثة. والقبطان جون ماسون ((John Mason الذي أقدم على حرق سكان (كونكتكوت) أحياء، بنسائهم وأطفالهم. أما في جواتمالا، فالنظام العسكري الإرهابي قضى على 3000 شخص في 1971، و13000 في 1981، و15000 منذ 1982 حسب إحصائية الاتحاد الثوري الجوا تمالي. وعندما نطالع كل هذه الإحصائيات للمجازر التي حدثت منذ القرون الوسطى إلى يومنا هذا نصاب بالدوار بسبب هذه الأعداد الهائلة التي تعد بالملايين لأناس أعدموا بكل برود لمجرد الطمع والعنصرية. وما أبعد كل ذلك عن الإسلام الذي يمنع قتل الأطفال والنساء والشيوخ في وقت الحرب، والذي يمنع الإكراه على اعتناق الأديان والذي يقف عند هذا القول الفصل: لا إكراه في الدين!

 

ان أول ما ظهرت كلمة العنصرية كان سنة 1902، وشاع استعمالها خاصة ما بين الحربين. وتوطدت في لغات المجتمعات الغربية ثم انتقلت إلى باقي العالم. ولكنها هي أيضا مثلها مثل المصطلحات التي تناولناها في هذا الفصل، فالعنصرية مُورست قبل ولادة المفهوم بكثير. ومن البديهي أن العنصرية سايرت وصاحبت الاستعمار على مدى التاريخ، كما سايرت العمل التبشيري، وحركات الهجرة التوسع الرأسمالي وظهور التصنيع.

 

والعنصرية هي تلك النظريات والمعتقدات التي تضع تدرجا لترتيب الأعراق والشعوب. وهي خاصة نظرية سياسية تقوم على أحقية العرق الذي يدّعي التفوق للهيمنة على الأعراق الأخرى، وعلى وجوب إخضاع مصالح الأفراد لمصالح الأعراق. وهو سلوك عدائي قد يصل إلى حد العنف والاحتقار والإذلال للأفراد الذين ينتمون إلى عرق آخر، وعادة ما يُنظر إليهم بنظرة الدونية. فمن العجب أن يقوم الغرب الذي يدعي التحضر بتبنّى المعيار العرقي في التمييز بين الناس، ويستخدمه على أنه الأساس الحاسم في تصنيف البشر.

 

وإن كان الإغريق قد عرفوا أشكالا من العنصرية في زمن قديم في التاريخ، فإنها شائعة الممارسة في أوروبا، منذ توسعها وإطلالها على باقي العالم، تصاحبها المجازر، بكل أنواع الاستغلال والتفرقة والإذلال. فهي عبارة عن نظام يتكون من أشكال متعددة للتفرقة يساند بعضها البعض. انه نظام سرعان ما أصبح جزءا في أداء بنى المجتمع نفسه، متبوءا في أوروبا كما في أمريكا تلقائيا السيطرة والهيمنة على السود وعلى سكان المستعمرات، في جل المجالات الحياتية؛ ولا نذكر منها إلا مجال السكن والمدرسة وسوق العمل.

 

والعنصرية التي تتجدد وتتشكل ضد المهاجرين، ضد أبنائهم الذين تم تهميشهم وإقصائهم عن فرص العمل، تتضح معالمها أكثر في التضليل العمدي وإقصاء الآخر، الأمر الذي يخلق حواجز عنصرية تفسح المجال لأشكال أكثر تعقيد للتفرقة، خاصة كلما تعلق الأمر بالإسلام      والمسلمين.  وهنا تظهر العنصرية تجاه العرب، العنصرية تجاه المسلمين، والتي انتشرت خاصة في أرض فرنسا عندما تفاقم نشاط الحركة الوطنية الجزائرية وتطلعت للاستقلال. مما عجل باندلاع حرب ضروس وصمت السياسة الفرنسية بوصمة عار لن تنجلي آثارها أبدا. ويكفي أن نتذكر شعار الحرية، والأخوة، والمساواة كي تتضح الهوة الكبيرة التي تفصل بين الشعارات والأقوال وبين الحقيقة، وتظهر جليا خيبة أمل الذين آمنوا بتلك الوعود الجميلة والذين استيقظوا على مرارة واقع لا يمكن لشيء أن يبرره.

 

وهؤلاء الذين زُهقت أرواحهم وبلغ عددهم أكثر من مليون شهيد، ليسوا مجرد وصمة عار في جبين فرنسا. فنحن نقرأ في كتاب لـ فاوستو جيوديتش ((Fausto Giudice بعنوان أرابيسيد (1992) (أى قتل العرب) الذي يُعد دراسة رائعة ومثيرة في نفس الوقت عن الجرائم المرتكبة في فرنسا على يد الفرنسيين في حق العرب. وهل من داعي لإضافة أن من بين الذين اقترفوا تلك المجازر هناك كتائب شارل مارتيل التي فعلت الكثير؟ وما ذكرنا هذا الاسم إلا لنوضح جذور الحقد الذي غرسه ونمّاه التعصب الفرنسي. لأن الفضل الوحيد لشارل مارتيل ((Charles Martel الذي تمجده القواميس المدرسية هو تصديه للعرب في مدينة بواتييه سنة 732.

 

ترى هل تكبد أحد يوما مشقة السؤال: ماذا لو لم يُهزم العرب في ذلك الحين، هل كانت طباع الغرب ستكون أكثر إنسانية وأكثر تحضرا؟؟ من الأكيد أنهم لم كانوا يقدمون على كل هذه المجازر والجرائم. فذكرى الأندلس لم تندثر بعد من ذاكرة الغرب والعالم كافة. ولا شك فى أن اسهامات العرب هي التي أدت الى انبثاق الحضارة والتحضر في الغرب. وهنا لا نملك إلا الابتسام عندما نفكر في الطريقة التي كفيء بها العرب على ذلك الفضل. ولا نذكر هنا إلا كيف تم تشويه وتغريب أسمائهم: أبو بكر أصبح ابوباصير، وأبو القاسم أصبح أبولكاسيس، وابن رشد أصبح أفيرواس وابن سينا أصبح أفيسان... الخ. ألم يحن الوقت لكي نعيد لهؤلاء العلماء أسمائهم الأصلية، وكتابتها بشكل سليم كما تنطق، بدءا باسم الرسول (ص) الذي حرفه الغرب، خاصة الفرنسيين الذين لا يزالوا يكتبونه باعوجاج مثير للسخرية: "ماأوميه"   بدلا من محمد، والذي لا يخفى على أحد انهم يعرفون تماما كيف يكتبونه عندما يتعلق الأمر بأي محمد أخر غير الرسول عليه الصلاة والسلام!

أم أن الغرب العنصري، خاصة فرنسا يحسون بحرج ما أن يكونوا مدينين للعرب، مدينين لذلك العالم الثالث الذي صنعوه باغتصابهم خيراته، وبممارستهم الكيل بمكيلين، هذا العالم الثالث الذي يريدون محوه بعدما اعتصروه؟!  ومن العجيب أن هذه العنصرية لا تزال مستمرة، ويستمر تحريف الأسماء وتغريبها حتى مع أحفاد المهاجرين الذين يعيشون بفرنسا اليوم، بدافع الرغبة في إدماجهم، والرغبة في محو آثار الوجود الإسلامي. وتحيا العلمانية!  وتحيا الحرية، المساواة   والأخوة!

 

ويأتي مصطلح العالم الثالث كنتيجة مباشرة لسياسة المصدرين الرئيسيين اللذان تطرقنا إليهما في هذا الفصل. وقد ظهر لأول مرة في أغسطس 1952 في صحيفة أوبسيرفاتير بوليتيك (الملاحظ السياسي) بقلم ألفريد سوفي ((Alfred Sauvy. وعلى الرغم من أن تعريف المصطلح يشمل مجموعة من البلدان المختلفة عن بعضها البعض، إلا أنه يجمعها في عامل مشترك، كونها مستغلَة، مهمَشة ومذلولة تماما مثل رعية الأنظمة الإقطاعية في الماضي. لأن هذا العالم الثالث يتميز عن البلدان الغنية، المهيمنة على الساحة السياسية والاقتصادية العالمية، بكونه يعيش فقرا جماهيريا واسعا لا تذكره بالضرورة الإحصائيات العالمية والرسمية.

 

فهناك عشرات الملايين من الناس يعيشون في فاقة تامة، أو بالأحرى، في عالم من الفقر الجماهيري. فأكثر من المليار ونصف من الأفراد يعيشون تحت عتبة الفقر المطلق. أما فيما يخص النمو الذي تحرزه هذه البلدان، فإنه دائما يتم بناء على اختلال مزدوج. اختلالات قطاعية، في نفس البلد الواحد، حيث يزداد الفرق بين الأقلية الغنية والأغلبية الفقيرة، واختلالات على نطاق أوسع، بين العالم الثالث وبلدان الشمال التي تستغله.

 

والمحاولات التي لا تكل لتغريب الثقافة ونشر المسيحية في البلدان غير المسيحية، إنما هي نتيجة لاستعمار مستديم منذ قرون، يهدف إلى الإبقاء على حالة التبعية والذل التي أفرزها. مما يِؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار وانعدام الأمن التي تزداد حدة. حالة من اللا أمن الغذائي، اللا أمن الصحي، وخاصة اللاأمن السياسي الناتج عن الاستعمار الذي يضيق الخناق بشراسة أكثر. يضاف إلى كل ذلك حالة من اللاأمن البيئي ناتج عن الآثار المناخية للجفاف، والفيضانات، والزلازل...الخ. و الأرقام تثير الخوف عندما نفكر في ذلك "المنطق الصائب" للغرب الذي لا يعير أدنى اهتمام إلى أن 1.3 مليار على الأقل من سكان المعمورة لا تصلهم مياه الشرب، وبأن 1.5 مليار على الأقل لا يتوفر لهم  نظام قنوات الصرف الصحى، و لا يبدو أن ذلك الغرب مستعد لمراجعة مسؤوليته تجاه الموارد الطبيعية، و يكفي أن نذكر إفرازات غاز ثاني أكسيد الكربون و انحسار طبقة الأوزون، اللذان يعتبران كآثار مباشرة للنموالمتزايد الحاصل في البلدان التصنيعية، وكلها آفات  يُعد الغرب هو المسؤول الأول عنها بسبب تصرفاته التعسفية العنصرية.

 

أليست محاربة الفقر والبؤس الذي يفرضه ويغذيه الغرب، أولوية أخلاقية من أجل إنقاذ البشرية؟ ان حالة البؤس غير المقبول التى يعيشها العالم الثالث اليوم ناتجة عن التبعية             والاستغلال، عن النهب الذي احترفه "الرجال الأحرار" بكل الطرق وبشتى الوسائل منذ عهد المستعمرات إلى اليوم، وذلك على حد رأيهم، "إفريقيا السوداء متسول قابع على جبل من ذهب"!  وإن كان باطن الأرض في إفريقيا يزخر بثروات هائلة، كاليورانيوم، والماس، والذهب، والفضة وخاصة البترول، فهذا لا يعد أبدا ذريعة لسلبها ونهبها. فالنزاهة تفرض، إن كانت هناك ثمة نزاهة، أن تُقام العلاقات في إطار تجارة عادلة تكاملية وليس ما هو كائن بالفعل في الواقع. لو أن كل "رجل حر" كانت لديه القوة الذهنية والشجاعة اللازمة لكي يدرك في أعماقه وبأمانة ضميرية أن الهناء والرفاهية اللذان ينعم بهما، يدفع ثمنهما كل يوم عشرات من البشر الذين تُزهق أرواحهم أو تُدمر حياتهم، لَتغيرتماما الوضع الذي عليه العالم اليوم.

 

وتمثل التدخلات السياسية والعسكرية الوجه الآخر لهذه الممارسات التي لا تشرّف إطلاقا البلدان الغربية التي نعنيها طوال هذا الكتاب، تلك الدول الناهبة ذات الأنانية المفرطة وغير الأخلاقية. فالإدارة الأمريكية تحت رئاسة ريغان مثلا، لم تكتفي بخلق شبكة إرهابية بل تمادت إلى أبعد من ذلك، إذ كونت مجموعة من دول مرتزقة-عميلة، أبرزها العون اللامحدود الذي تخص به المعقل الإسرائيلي. وهو عمل لا يمكن وصفه إلا بانه إرهاب الدولة الى أقصى الحدود.

 

وربما لم ينتبه البعض إلى حقيقة ضلوع الولايات المتحدة في الإرهاب الدولي إلا مع التحقيقات التي أُجريت حول الحرب التي خاضتها ضد نيكاراجوا عن طريق منظمة "كونترا" التي أمرتها بمهاجمة المدنيين والتعاونيات الفلاحية خاصة. فمن جهة، استهدف ذلك إقحام الدولة في الحرب واستنزاف مواردها بعيدا عن البرامج الاجتماعية من أجل إبقائها في دوامة المشاكل الاقتصادية، ومن جهة أخرى أُعتبر ذلك جزءا من الحرب التي خاضتها أمريكا ضد الاشتراكية.

 

ونذكر كيف أن رئيس محكمة العدل الدولية أُقيل من منصبه غداة إدانتها للولايات المتحدة الأمريكية لاستخدامها غير المشروع للقوة. وهذا ليس المثال الوحيد الذي يكشف عن عنصرية السياسة الأمريكية التي تمس بشعبها وتضعها من غير جدال في خانة الدولة الإرهابية.

 

وتتكرر نفس الوقاحة لكي تبرهن هذه الدولة الإرهابية للعالم على أن مواقفها تُعتبر أمر واقع وحق مشروع مهما كان رأي باقي العالم.  وهو موقف تنجم عنه   وقاحة أكبر، وهي: أنه ليس من حق أي دولة أخرى أن تقف ضد الإدارة الأمريكية. مبدأ يرفض بالطبع أي معارضة، والعالم الغربي ينقاد وراءها ويهلل بإجماع. وصحيح أن الدول الغربية تتحد لمواجهة الهيمنة الأمريكية كلما تهددت مصالحها، ولكنها لا تتوان في مد يد العون والمساندة عندما يتعلق الأمر بالآخر، غير المرغوب فيه: الإسلام والمسلمين.

 

وهذا ينجم عنه واقع آخر لا يقل عنه مرارة، وهو تكوين معقل حرس لقمع كل شعب لا ينصاع أو يتجرأ على طلب حقوقه، ويدافع عن أرضه المسلوبة أو يطلب حقه في الحياة. لأن ذلك يعتبر أمرا يجب مواجهته بالاقتلاع. والعالم المتحضر يرى ويسمع، بل ويتواطأ ما دام الأمر يخص الإسلام والمسلمين الذين يجب إبادتهم فى نظرة.

 

وفي الثمانينات أصبح الإرهاب موضة: فكل حركة تحررية أو مقاومة في العالم الثالث على اختلاف مشاربها، كان يعتبرها ريجان وكأنها هجوم شيوعي. أما الآن فجورج بوش يعتبرها هجوم إسلامي ويجب الا ننسى كيف أن الإدارة الأمريكية وعلى رأسها ريجان عزمت في بداية الثمانينات على شن "حرب صليبية" ضد الشيوعية في العالم بأسره، ناعتا الاتحاد السوفيتي "بإمبراطورية الشر"، رافعا من تلك الحرب النفسية الى كونها سياسة الدولة... وبعد الأكذوبة المرعبة للحادي عشر سبتمبر 2001، المصنعة محليا، نرى جورج بوش يتحدث عن شن "حرب صليبية" ضد الإسلام. ومهما اعتذر عما صدر منه، فإن نفس الحرب النفسية التي استهدفت الإتحاد السوفيتي، يُعاد تكرارها ضد الإسلام وكل البلدان الإسلامية، مع تلك السمة الشهيرة: التحريض على الكراهية، الاتهام بدون أي دليل، القمع بلا أى خجل. استعراض استفزازى للقوة... ومن يتحرك؟ لا أحد.

 

لا أحد يتحرك لسبب بسيط: أصحاب القرار وصانعي السياسة الغربية متواطئون أو متفرجون. وأصحاب القرار في الدول العربية والإسلامية هم أيضا متواطئون أو متفرجون لكن لغرض آخر... فلا يخفى على أحد أن المستعمرين عندما رضخوا لإرادة الشعوب التي انتزعت استقلالها حرصوا قبل الانسحاب على تولية أنظمة عسكرية تضمن لهم الهيمنة عن طريق زعيم أوحد، أو  حزب أوحد، وحرية مزعومة للتعبير عن الرأى أو للصحافة. أما الشعوب، هنا أو هناك، في الجنوب أو في الشمال، حتى وان كانت لها مساحة أكبر من الحرية، فهم يُضيَقون عليها الخناق تارة ويُخفَفونه عنها تارة أخرى، حسب درجة الانفتاح والحرية، بشرط عدم المساس بالخطوط الفاصلة بين حكام ومحكومين، بين المسموح والممنوع.

 

وقد بدأت الهيمنة المخادعة لهذه القوة الكبرى الوحيدة بأكبر عملية إبادة، إبادة الهنود الحمر، الاصحاب الحقيقيين لأمريكا، وتواصلت بالعبودية، وبالتمييز العنصرى فى جنوب إفريقيا، وبحماية ورعاية الديكتاتوريات الدموية، ووصلت ذروتها بكارثة هيروشيما، ومجازر العراق، وقصف ليبيا، ومختلف أنواع الحصار، والمؤامرات الخفية أو العلنية. وكلها أعمال جهنمية حقيقية نزعت المصداقية والنزاهة عن المؤسسات الدولية، وأولها الأمم المتحدة.

 

ففي 16 أبريل 2002، قدمت الحكومة الهولندية استقالتها نتيجة لتقرير كشف عن المسؤولية السياسية لهولندا في الأوضاع التي سمحت بحدوث مجزرة سريبرنيتسا. وكان الوزير الأول فان كوك ((Wan Kok حينذاك نائب الوزير الأول في الحكومة الديمقراطية-المسيحية التي يترأسها رود بلرز ((Ruud Rublers.  وتم اسناد "مهمة مستحيلة" للخوزات الزرق الهولنديين، سمحت للصرب بتنفيذ أبشع جريمة عرفتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية ... في سريبرينيتسا: أكثر من 7500 مسلم قُتلوا تحت مراقبة الأمم المتحدة وبتواطؤ منها، أو بالأحرى: بمشاركتها. فالجنود الهولنديون بدلا من أن يحموا المكان، شاركوا في "انتقاء" الرجال الذين كانوا في سن القتال، وأُعدموا بعد ذلك. ويؤكد تقرير IVK: "كان من الممكن تفادي مجزرة سريبرينيتسا لو أن الحكومة الهولندية وكتيبتها تصرفوا بطريقة أخرى".

 

نزاهة متأخرة أو تواطؤ فاضح؟  أيا كان التعليق، وأيا كان العقاب الهزلي الذي ناله بعد ذلك المسئول عن تلك الجرائم الجماعية، كما جرت العادة، هذا لا يمنع من أن نفهم من نص الخبر الذي نشرته الصحف الفرنسية ضلوع الحكومة الديمقراطية-المسيحية التي كانت في الحكم آنذاك       والتي كلفت كتيبتها بـ "مهمة مستحيلة"، كما يتراء لنا أيضا بصمة التعصب السياسي-الكنسي.

 

وهذا التواطؤ، أوتلك المناورات السياسة الأمريكية الغربية التي أخذت على عاتقها مهمة إقتلاع الإسلام وأتباعه من على وجه الأرض، في  عقد التسعينيات،  حتي  تبدأ ألالفية الثالثة  وقد تم تنصير العالم، هذه المهمة كان مُخطط  لها بإحكام من قبل: تفكيك مفهوم الأمة الإسلامية، إقحام الدول الإسلامية في خلافات مفتعلة كي تتناحر فيما بينها، خلق الكراهية و العداء بين البلدان الإسلامية و افتعال مشاكل تزعزع استقرارها، و فرض حالة من التضخم المفرط عن طريق صندوق النقد الدولي، البنك الدولي أو منظمة التجارة العالمية، وتوسيع الفجوة بين الحكام والمحكومين، وإحكام القبضة على رقبة الجائعين. كانت تلك هي القرارات التي أُتخذت والتي أُعلن عنها بطرق مختلفة والتي أذاعتها "صوت أمريكا" في 6 مارس 1991، وتضمنتها أيضا تقارير مختلفة، وكتب وبرامج إذاعية وتلفزيونية.

 

فالإرهاب، والإرهابيين، كما رأيناه باقتضاب من خلال بعض المفردات الهامة التي تتفرع عنها في هذا الفصل، هى فى الواقع وبكلها محصلة لتلك السياسة العنصرية التي ينتهجها الغرب منذ القرون الوسطى (الحقبة الممتدة بين سقوط روما في 476 إلى سقوط القسطنطينية في 1453) تلك الحقبة التي تميّزت خاصة بالانقسامات السياسية وبمجتمعات منقسمة إلى طبقة من النبلاء وطبقة من الفلاحين المستعبدين. وسواء أكانت طبقة النبلاء تلك مكونة من رجال الدولة أم من رجال الكنيسة فلم تكف أبدا عن تطبيق مبدأ الكيل بمكيالين. حروب صليبية، محاكم التفتيش، استعمار، تنصير، التواطؤ مع فرانكو، التواطؤ مع بيتان، تدخلات، مؤامرات، مجازر، والقائمة طويلة لا يسعها هذا الكتاب المتواضع لكنها تُوجت كلها بإنشاء معقل العار الإسرائيلي.

 

وهذا المعقل الهجين الذي فرضته الأمم المتحدة في 2 مايو 1949 بإيعاز من الولايات المتحدة، وضع نفسه دفعة واحدة فوق القانون الدولي بفضل ضغوط اللوبي اليهودي. والحقيقة أنه لم يتم قبوله إلا بثلاثة شروط: عدم المساس بالوضع الخاص لمدينة القدس، السماح للفلسطينيين بالعودة الى اراضيهم، احترام الحدود التي رسمتها الأمم المتحدة. ولا داعي لإضافة انه ما من قرار من هذه القرارات قد تم احترامه. فهذا تاريخ عشناه، وكلنا يعلم من، متى، كيف ولماذا تم غرس هذا الخنجر في قلب العرب والمسلمين.

 

قانون الغاب أو قانون الاغتصاب الوحشى، تلك هي الأساليب الإرهابية الحقة التي تمت ممارستها وكرستها ودعمتها الدول الإرهابية والعنصرية الكبرى. لقد اندلعت حملة استنكار واسعة انطلق صراخها في كل أنحاء العالم، عندما أقدم الطالبان على هدم صنمين! ولكن أن يتم سحق الشعب الأفغاني المسلم من طرف السياسة الأمريكية   بدون أي حجة أو دليل، فذلك ما تسارع إلى مساندته القوى الكبرى بدون أي حرج أو استنكار.  وأن يقدم المعقل الصهيوني على تدمير بلد بأكمله وتشريد شعبه، على مشهد ومرأى من العالم، الجميع يتابع التلفزيون دون أن يتحرك أحد: اللهم بعض الاحتجاجات الواهية، في حين أن الاستئصال متواصل، مصحوب ببعض المظاهرات الشعبية تحت المراقبة والتى سرعان ما يتم إخفاقها. لكن دون أن يصدر أي إنذارفورى كتلك التي أعطيت للبلدان الإسلامية، مثل إيران وليبيا، ودون فرض أي حصار أو أى رد فعل عملي.  ويحيا قانون الصمت القاتل!

 

كل هذه التجارب التاريخية، بل كل هذه المآسي الإنسانية التي اقترفها بكل رباطة جأش إرهاب الدولة الأمريكي-الغربي والمنظمات الدولية التابعة لها، دون أن نذكر قرابة ألفين منظمة إرهابية توجد أغلبها بالغرب، تستلزم وقفة. وقفة يفهم أثنائها القائمين على هذه اللعبة الدنيئة والا إنسانية أن الإسلام بريء من كل ما يُنسب إليه، بعملية إسقاط بحتة، وأن يبحثوا في أغوار دهاليزهم الدفينة عن الدلائل الخفية لتبرئته. تماما مثلما فعل الفاتيكان عندما "عثروا" في دهاليزهم الدفينة صدفة، أو بقصد، على ما أتاح لهم تبرأة اليهود من مقتل يسوع، بعدما أمضوا قرابة ألفي عام يلعنون فيها اليهود في كل قداس يوم الأحد وفي كل كنائس العالم! 

 

ليفهم من شاء، لكن ذنب المسلمين الوحيد والحقيقي هو أنهم الحجة الحية على كل عمليات التحريف التي تمت فى المسيحية وفرضت عليها، والتي انتهت بمحو أو إخفاء النصوص الصحيحة التي أُنزلت بها، حتى أنها تمكنت من محو الرسالة التوحيدية التي تضمنتها. فكثيرة هي عمليات التحريف التي تمت بالمسيحية عبر القرون، ولا نذكر منها إلا تأليه المسيح في مجمع نيقية الأول سنة 325، واختلاق عقيدة التثليث في 381، وكل ما سمح به من حريات التصرف الأخرى التي سمحت باستبدال التعميد بالختان، وإجازة أكل لحم الخنزير وشرب الخمور! والكثير من الناس للأسف لا يتنبهون إلى أي مدى تم تحريف وتزييف المسيحية عبر المجامع الدينية والخطابات الرسولية البابوية المختلفة. والكثيرون من الناس أيضا لا يدري بأن القرآن هو الكتاب المنزّل الوحيد الذي لم ينله التحريف ولو في حرف واحد منذ نزوله حتى يومنا هذا. ولنذكر على سبيل المثال بعض الآيات التي تشير إلى هذا التحريف:

 

*   يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (النساء 171)

*    لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (المائدة 17)

*    لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ (المائدة 73)

*    مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ (المائدة 75)

*   قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران 64)

*   أفتطمعون أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (البقرة 75)

*    فبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (المائدة 13)

*    يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُئونَ (الصف 8)

*    قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ / اللَّهُ الصَّمَدُ / لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ / وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ. سورة الإخلاص التي توجز بكل بساطة العقيدة الحقيقية لكل المسلمين، ولكل الذين يؤمنون بحق بوحدانية الله، تلك هي الرسالة التوحيدية التي بعث بها الله للمرة الثالثة والأخيرة.

 

انها عقيدة إيمان يجاهد من أجلها كل مسلم لكي يحفظها من أن ينالها أي تلاعب يفرضه الإرهاب الغربي. لأن الغرب، أوبتعبير أدق سياسة الغرب المسيحى هي الخالق الحقيقي للإرهاب والإرهابيين. أنه المصدّر الحقيقي للرعب والإرهاب في الأرض وعبر القرون وليس الإسلام. فكما رأيناه، ليس الإسلام مصدر وأصل ابتكارات وممارسات الإرهاب وإنما مصدرها الغرب. ذلك الغرب الذي ابتكره ومارسه. فليس المسلمون هم من يستوجب القضاء عليهم، وإنما يتعيّن على هذا الغرب أن يعترف ويقر بكل الجرائم التي ارتكبها في حق الإسلام والمسلمين، وأن يعتذر عنها رسميا وعمليا كما عرف كيف يعتذر عن جرائم أخرى مشكوك فى مصداقيتها! على هذا الغرب أن يتخذ التدابير اللازمة من أجل تغيير سلوكه ومخططاته، من أجل سياسة أكثر إنسانية، ترتكز على التكافؤ والتكامل. على هذا الغرب تقع مهمة أن يعيد ما سلبه من العالم الثالث، ويرد له كل ثرواته، كل حقوقه المغتصبة، وخاصة أن يعيد لشعوبها حقها في التصرف في شؤونها بنفسها.

 

أنه دَين حقيقي، ثقيل ومثقل، يعيشه العالم الثالث ويعاني منه، بعد أن اصطنعه الغرب وفرضه ظلما وجبروتا، ويجب عليه الوفاء به...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخـاتمـة

 

 

نظرا لأهمية كلمة الجهاد ومردود الإتهامات التي ألصقت به عبر التاريخ، وخاصة في الوقت الراهن، فكان من الضروري أن نتناوله من كل جوانبه وأن نبدأ بدراسة مقارنة.

 

أن القتال في اليهودية يبدو عبارة عن مجزرة شنيعة البشاعة، لا ينجو منها الشعب المهزوم أو الذي تم غزوه من حد السيف بل أسوأ من ذلك، بما أننا نرى المتعدي يضع شعبا بأسره تحت المناشير، وتحت ادوات من حديد، وبلطات من حديد، ثم يمرره على الأفران المعدة لطهي الأجر، ليس فقط في معركة متفردة، ولكن في كل مدائن أولاد هامان (صموئيل 2. 12:13). يضاف إلى كل هذا جميع أصناف الهمجية التي لا يتصورها العقل، بلا رحمة نتيجة لهذا الأمر الإلهي الذي يبررها ويفسرها: "اللعنة على من حفظ سيفه من إراقة الدماء" (إيرميا 48:10). وهي نصيحة لا يزال يعمل بها الصهاينة المتعصبين في أرض فلسطين، في هذه الأرض المغتصبة بلا حرج على مرأى ومسمع من الجميع، وخاصة تحت أنظار ومباركة العالم الغربي وصمته العنصري الشهير!

 

والمسيحية، على الرغم من تسامحها الذي استقر ملمحه على مر العصور، فإنها تعطى صورة على النقيض من تلك السمة. فالمسيح المسالم يدعو حوارييه للتزود بالسيف ولو اضطروا لبيع ردائهم من أجل ذلك (لوقا 22:36) كما كان قد أوصى بالكراهية بين أتباعه وذويهم (لوقا 26:15) وقال بأنه آتى ليأجج النار في الأرض (لوقا 49:12) وبأنه آتى ليزرع الشقاق بين أفراد الأسرة الواحدة (لوقا 12 53:51).

 

وإذا كان المسيح قد عارض صفعة الإهانة التي تلقاها أو نصح بالتسلح بالسيف، فذلك كان دفاعا عن النفس وعن أنصاره، أما التعصب الكنسي فقد أتخذ منها ذريعة لنشر المسيحية بحد السيف. وفعلا، المسيحية انتشرت بالقوة والسيف عبر الأرض. وتعسفات الكنيسة والصراعات من أجل السلطة التي عاشتها لم ينساها أحد. والصراعات التى خاضتها للإستيلاء على السلطات المدنية والكنسية ليست ببعيدة.  والحروب التي خاضتها ضد الطوائف المرتدة، ومن بعدها ضد الإسلام متواصلة إلى اليوم بالسلاح والكراهية، ليس فقط عبر الحملات التبشيرية والمهمات الخاصة والإعلام، بل أصبحت أهدافا سياسية وقضايا دولة. ولا داعي أن نضيف أو نذكّر بعصور الظلمات المفروضة والحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، والرقابة الدينية وصكوك الغفران وفضائح التنصيب وقوائم الكتب الممنوعة والمصادرة (الإيندكس) وكمّ من التجاوزات التى أدت بالغرب الى اعتناق العلمانية والالحاد، وإلى حدوث ذلك "النزيف الصامت" للإشارة إلى أولائك الذين يغادرون الكنيسة على أطراف أصابعهم...

 

أما في الإسلام، يُعتبر الجهاد الذي يستمد وجوده من جوهر الدين بالذات فله قواعده حتى عندما ينحصر معناه في نطاق القتال، فهو قتال له قواعده وقوانينه، وهي: ألا يبادر أبدا بالهجوم، ألا يتعدى الرد مستوى الهجوم، ألا يتم أى تخريب أو هدم، ألا يتم قتل الشيوخ والنساء والأطفال. بل أكثر من ذلك، إذا توقف العدو عن القتال، فعلى المجاهد المسلم أن يكف عن محاربته، وإذا استجاره عدوه فعلي المجاهد أن يستجيره. 

 

وبفضل هذا الفارق الإنساني الكبير في المفاهيم الإنسانية انتشر الإسلام بسرعة فائقة أو لافتة للنظر ومثيرة للفضول، كما يقول بعض المؤلفين، عبر بُعد أخلاقي لم يُعرف من قبل ويجعل من الجهاد انطلاقة هى على نقيض كل ما هو مكتوب فى الأناجيل أو التاريخ المعاش للغرب المسيحي.

 

وفي الدراسة الخاصة بالجهاد من خلال رؤية إسلامية، أوضحنا من جهة المعنى الواسع لكلمة الجهاد، ومن جهة أخرى أوضحنا النحو الذي سارت عليه المعارك التي دارت بين الرسول وأبناء عمومته. لأن الجهاد كلمة تتضمن معان كثيرة، تمتد من الإباء والفروسية الحقة، إلى ذلك النظام الروحي والداخلى الخاص. فالمجاهد هو فارس في أسمى معاني الكلمة، انه محارب يتقيد بالأوامر والحدود الإلهية التي تفرض عليه ضبط النفس قبل، أثناء وبعد المعركة.  التى هى فى الواقع ليست إلا الجهاد الأصغر، الذي لا يدوم إلا زمن المعركة. أما الجهاد الأكبر فهوذلك العمل المتواصل لتقييد هوى النفس، على مدى الحياة وفي كل لحظة كي لا نحيد عن الطريق المستقيم الحق. انه سمو روحي يعاون النفس على التطور.

 

وفي الفصل الثالث والأخير، بيننا كيف أن التاريخ يعلمنا أن الإرهاب والإرهابيين إنما هي ابتكارات وممارسات غربية. فنظرة سريعة على مسار الكنيسة منذ تأسيسها مرورا بنضالها من أجل السلطتين السياسية والدينية توضح لنا أن الأحداث لا تشرفها إطلاقا. أحداث بدأت بانقسام المسيحية إلى طوائف والى خلافات عقائدية لا يمكن تجاوزها، ومن ثم أدت الى انقسام العالم تبعا لذلك. لأن التقسيم الفعلي للعالم لم يبدأ مع الحربين العالميتين، لكنه بدأ مع معاهدة طورساديلا (كاستيلا القديمة) في 7 يونيو1494، معاهدة وقعها البابا ألكسندر السادس، والتي تم بموجبها تقسيم إفريقيا بين الاحتلالين الاسباني والبرتغالي، لتنشأ على إثرها أول إمبراطوريتين استعماريتين في التاريخ.

  

وعلى مشارف القرن العشرين، أصبح تقسيم العالم أمرا مقضيا، واستقر الصراع بين القوى الاستعمارية التي أضحت مطامعها لا تعرف لها حد سوى مصالح زميلاتها!

 

     إن الحديث عن الحربين العالميتين الأوليين، و إن كان من الأجدر أن نسميهما الحربين المسيحيتين العالميتين، لا يعدو أن يكون فى الواقع إلا حديثا عن الخلافات الإمبريالية التي بلغت درجة أضحت فيها المواجهة بين تلك القوى لا مفر منها، وهم مسؤولون عن خسائرها و توابعها.

 

ففي 1917، سبعة عشر مليون محارب أُبعدوا عن ساحات المعارك بسبب الجروح           والعاهات، وقُتل ثلثهم. كان الفرنسيون يحلمون بتفكيك الإمبراطورية الألمانية. والإنجليز، والفرنسيون والألمان يترقبون تقسيم الإمبراطورية التركية (اتفاقية لندن، معاهدة سايكس-بيكو)، والانجليز يتدبرون الاستيلاء على المستعمرات الألمانية التي كانت قد غزتها في عام 1916 أما الحرب العالمية الثانية فقد جرت في ظروف لم تكن تختلف كثيرا عن الأولى، بمواجهاتها الإيديولوجية والعسكرية، وانتهت بموت أربعين مليون شخص في أوروبا، وكمّ من الخراب الذي لم يعرف له مثيلا إذ تم محو مدن باسرها من على سطح الأرض.

 

هذه الحروب التي خاضتها القوى الاستعمارية فيما بينها وخاضتها تباعا او فى نفس الوقت ضد الشعوب المستعمَرة، كان هدفها الوحيد هو الاستيلاء على الموارد الأولية، أو تأكيد السيطرة على الطرق التجارية، وتمخضت عنها مفاهيم وأحداث جديرة بأن يحمر لها جبين هؤلاء "المتحضرين"...

 

فمن الاتجار بالعبيد، إلى خلق المعقل الإسرائيلي، فإن هذا الطريق الطويل حُف بالمؤامرات، بالتعصب، بالاغتصاب، بالأكاذيب، بذلك الهدم الممتد والمتواصل الذي قادته الدول الاستعمارية، والمبشرين والمستشرقين، تساندها مختلف أنواع الهيئات الدولية والإعلامية. طريق شهد وقائع مزرية، معاشه، نذكر منها: العبودية، التنصير الإجباري، الحروب الصليبية، الحروب الدينية، العنصرية وتدخلاتها السياسية، البؤس المفروض، وسببه مفهوم، وتكوين العالم الثالث، لينتهي بنا المطاف إلى تلك الهيمنة الأمريكية الخدّاعة، المدعومة بتواطؤ الدول الغربية. انها هيمنة تنزع أى مصداقية عن الهيئات العالمية والدول الغربية.

 

وما من شك إذن فى أن الإرهاب والإرهابيين إنما هي نتيجة مباشرة لسياسة عنصرية يسلكها الغرب المسيحي منذ القرون الوسطى، وأبعد من ذلك، تُوجت باغتصاب الدولة الفلسطينية، التى وهبوها بمختلف الحيّل المزورة، إلى صهاينة متعصبين، يعتقدون أنه بإمكانهم حماية جرائمهم بجدار يبلغ طوله 150 كلم وتكلفته مليون دولار للكيلومتر الواحد دون أن ننسى كل التدخلات الحاصلة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، أو بالأحرى في كل أرجاء العالم.

 

قانون الغاب أو إرهاب الدولة، لابد من وقفة. وقفة يتعيّن فيها ان يتدخل المتحضرون الحقيقيون، الرجال الأحرار الحقيقيون فى هذه الدول لإيقاف هذه العربدة، العربدة اللاأخلاقية والتي تقودنا جميعا مباشرة إلى الهاوية بحجة واهية ومزعومة، هي: "الحرية المطلقة" في حين أنه، في الواقع، الإسلام هو المستهدف من أجل اقتلاعه، حتى تبدأ الألفية الثالثة وقد تم تنصير العالم باسره (فاتيكان 2 وغيره).

 

وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية للعب دور امبريالية عالمية كبرى، بالتحكم في النظام الامبريالي العالمي، مدعية بأنها مكلفة بمهمة قيادة العالم "الحر" أو "المتحضر"! هذا الادعاء الذي أضفته لنفسها لا يلاقي بكل أسف أي معارضة من أي كان، بما أنه منطق المصالح المتبادلة هو السائد. وتعتمد في ذلك على استيلائها على الوسائل الكبرى للإندماج الإقتصادي العالمي، إضافة إلى وسائل الاندماج السياسي العسكري، التي هي تحت سيطرتها، عن طريق القواعد العسكرية المنتشرة هنا وهناك، لكيلا نقول شيئا عن آلات ووسائل اخرى، لتُحكم بإحكام السيطرة على علاقات وبنى الاستغلال والتبعية التي هي ضرورية لبقائها على قيد الحياة! بل هى ضرورية لبقاء عقلية العصابات، والنذالة اللاأخلاقية التي ينبثق منها نظام دولي ظالم وجنوني، ديالكتيكية سلبية قائمة على الكيل بمكيالين: أنه تفاخر سياسيي لم يسبق له مثيل، قانون الأقوى الذي يحكم العلاقات الدولية ويقسم العالم إلى قسمين: مسيحيون يفرضون أنفسهم، مستخدمين في ذلك شتى الحيل والاساليب، متصورين أن لهم التفوق والغلبة، ومسلمون محرومون من جميع حقوقهم، ومطلوب القضاء عليهم بكل الوسائل.

 

هذا التقسيم غير العادل للعالم بين شمال وجنوب، عالم حر، متحضر، وعالم تابع، متخلف، ليس إلا نتاج سياسة استغلالية عنصرية غاصبة، ذات وقاحة وأنانية لا إنسانية، يعد سبب وجودها الوحيد واستمرارها هو عمي لا حدود له. فهذا العالم الحر، الذي يزعم أنه "متحضر" مسؤول عن أكبر تل من الجثث عرفه التاريخ، عن الجرائم وعن الظلم الذي عرفته الأرض. هذا العالم الحر، المتحضر، مدين لنا، نحن شعوب الدول المنهوبة والمفروض عليها التبعية، بكل الرفاهية التي يعيش فيها بفضل مواردنا الأولية، بفضل جهد عقول مهاجرينا، بفضل مختلف أشكال الحرمان التي فرضها علينا. هذا العالم الحر، الملحد أو العلماني، لا يكف، بموجب منطق غير منطقي عن أن يفرض علينا، وبكل الوسائل، مسيحية هو أول من يعلم إلى أي مدى تم تزويرها وتحريفها عبر المجامع والخطابات الرسولية.

  

عندما نفكر في كل هذا الجور الغاشم، فى كل تلك المظالم المقترفة برباطة جأش، من الصعب أن نتخيّل أنها من فعل أناس يتجرؤون على الادعاء بأنهم أحرار، ديمقراطيين، أو متحضرين.

 

وبدلا من إهدار كل هذه الطاقة، كل هذه الموارد، وكل هذه الأرواح من أجل اقتلاع الإسلام، أليس من الأبسط والأشرف محاولة فهم الإسلام على حقيقته، لأن الإسلام لا يفرض نفسه على أحد: " فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ" (الكهف 29) لأنه قد قيل قبلها: " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" (البقرة 256).

 

يعتبر السلام العالمي من الركائز الأساسية التي تقوم عليها أوامر الإسلام وحدوده. لكن السلام لا يمكن استتبابه إلا تحت راية العدل والمساواة. لذلك أولاهما الإسلام أهمية كبرى، لأن العدل لا يتحقق إلا بالقضاء على الظلم. ومن هنا تنبع ضرورة الجهاد، لأن أي نداء مخلص للسلام يستوجب نداء للعدل بنفس الإخلا ص.

 

ترى هل بإمكان الغرب في إجماله، والولايات المتحدة بخاصة، أن ترتقي إلى مستوى هذه المهمة الإنسانية، العادلة، والضرورية لمحو كل المآسي التي تسببت فيها وكل المصائب التي لم تكف عن فرضها على العالم وخاصة على العالم الإسلامي، منذ نزول الوحي وبداية انتشار الإسلام وحتى يومنا هذا!؟ هل بإمكانه أن يكون على المستوى الذي يتيح له أن يتخذ قرارا بتصويب كل التعسفات التي قام بها، بدءا بالاعتذار رسميا عن كل ما صدر عنه من سلوكيات عدوانية ولا إنسانية عبر القرون، والاعتراف بالإسلام على أنه ثالث وآخر رسالة توحيدية، ومحو الديون التي تراكمت زورا وظلما وتم فرضها على دول العالم الثالث؟ ترى هل سيجيد القيام بدأ بالتفريق بوضوح وحسم بين الإرهاب الحقيقي والدفاع المشروع؟ بين الغاصبين    والمغتصبين، بين الغزاة والمستعمَرين؟ هل سيقدر خاصة   على تغيير التوجه تماما وأن يعامل الجميع على حد سواء، بناء على نظام تكاملي، نظام إنساني دون أي تفرقة؟

 

من المحزن أن نقول إن كل ما يحدث اليوم، بإرادة متزايدة السلبية والتسلط، بوقاحة استفزازية وعنصرية، يُثبت، بكل أسف، أن هذا الغرب هو أقل بكثير مما كنا نحن، مقهورو العالم الثالث، نرجو الحصول عليه ...

 

ترى هل سيكون على مستوى معالجة وتصحيح كل هذه المصائب التي اقترفها بمحض اختياره، عبر القرون، والتي لا يزال يقترفها بكل إصرار ودون أن يحاسبه أحد؟

 

إننا نتحدث عن حقوقنا الشرعية الكاملة المنهوبة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

 

 

المراجع

 

 

 

 

1               Le Qur’ān : Traduction du sens de ses Versets, par Zeinab ABDELAZIZ, éd. Organisation Mondiale de l’Appel Islamique, Libye, 2002

2                Abdel-Wahab, Ahmad : al-Harb al-Machruah fil adyan  (la guerre légitime dans les religions) éd. Maktabet al-Turath al-Islami, le Caire, 2000

3                El-Bouti, Muhammad : al-Jihād fil Islam (le Jihād en Islam) éd. Dar el-Fekr al-Moasser. Beyruth 1997

4               Braudel, Fernand : Grammaire des Civilisations. éd. Artaud-Flammarion, Paris, 1987

5                Al-Bukhari:  Sahih al-Bukhari, éd. Dar al-Salam, Riyad, Arabie Saoudite, 1997

6                Charnay, Jean-Paul : L’Islam et la guerre. Fayard, Paris, 1986

7                Guénon, René : Symboles de la science sacrée. Paris, Gallimard, 1962

8               Kepel, Giles : Jihād, expansion et déclin de l’islamisme. Gallimard, Paris, 2000

9                Khalil, H. Imam, dr : al-irhab wa hurub al-Tahrir al-Wataneyya (Le Terrorisme et les guerres de libération nationales) Dar al-Mahrusa, le Caire 2002

10        Kotb, Sayed : Dirasat islamiyya  (Etudes islamiques) éd  Shuruk,  le Caire, 10e  édition,  2002

11        Léon, Pierre : Histoire économique et sociale du monde. Paris, Armand Colin, 1978

12        Schoelcher, Victor : Esclavage et colonisateur. Paris, P.U.F. 1948

13        Sédillot, René : Le Coût de la Révolution Française. Perrin, 1987

14        Sévillia, Jean : Le Terrorisme intellectuel de 1945 à nos jours. Perrin, 2000

15       Wieviorka, Michel : Le Racisme, une introduction. éd. la Découverte/Poche, Paris 1998

16       Ziegler, G. & Popov, Y. : Un Dialogue Est-Ouest.  éd. P.-M. Favre, 1987

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محتوى الكتاب

 

 

 

 

المقدمة            ...........                                  3

 

الجهاد في الإسلام (دراسة مقارنة)   ........           6

 

الجهاد في الإسلام (مقارنة إسلامية) ...........         17

 

الرهب، الإرهاب والإرهابيين    ..............         27   

 

الخاتمة         .....................................         40

 

كشف المراجع    ............................ .....        44

 

محتوى الكتاب      ...............................         45