معايدة متفردة !

 

كانت منهمكة فى بحث تكتبه وقد إنعزلت عن العالم من حولها لتغوص فى معطيات تجاهد للربط بينها ، والتفتت فجأة على صوت رنينٍ مقتضب ، وبينما هى تدرك أنها مجرد رسالة ، نظرت الى نور المحمول الذى ماكاد يسطع حتى خبى .. توقفت لحظة وهى تحاول العودة لأفكارها ، لكن يدها امتدت بفضول وهى تتساءل عن الساعة . وانتقل نظرها لتقرأ : الرابعة ، سبع وعشرون ..

 

بدأت تعبث بالأزرار لتقرأ الرسالة فى نظرة كما تفعل منذ البارحة ، لكنها لم تدرك شيئا ، فقد اهتزت الكلمات وتداخلت الحروف واحتاجت  للحظة تغمض عيناها وتفتحها بسرعة خاطفة .. لم تكن هناك عبارة "كل عام وانت بخير " أو "عيد مبارك" ، وإنما رسالة  استحال أن تدركها فى لقطة ، لكنها توقفت عند التوقيع وارتبكت . كادت تقفذ من الفرحة وكأنها طفلة فى الثالثة ، تنتفض وتهلل بسعادة فطرية ، تصيح بكل كيانها .. كم تمنت فى صمت أن يتجاذبا أطراف الحديث ، ان تعرفه عن قرب ، أو أن يعملا معاً لكل ما تكنه لعلمه ورؤيته الإنسانية الجادة من إحترام .. تداخلت فى أعماقها ، فى لحظة واحدة ، العديد من الرؤيا الملونة بالفرحة والمطر والفرحة المبهجة ، بجبل الرحمن  وبهجة الأنوار المتداخلة بالدعاء والأعماق البشرية ترتسم على وجهه الوقور ، تمتزج الصور وتتداخل بملامح عربية أصيلة ، دقيقة ، أبدعها الرحمن فى توافق .. بدا لها حين التقيا لأول مرة فى المؤتمر ، من اولئك الذين يعيشون عبارة "العمل عبادة" ، بينما سعادة جامحة تتفجر من خلاياها .. فتوقفت برهة كالطائر الخارج من الماء ، لتنفض كل ما تداخل فى ذهنها وهى تحاول أن تفهم .. أن تفهم ما سبّب لها هذا الخلط المتداخل من المشاعر والأحاسيس ورهافة سعادة متدفقة، خالت أنها قد نسيت وجودها فى رحاب الدنيا .. رسالة أدركت انه لا يمكن ان تحويها بنظرة عابرة . بدأت تقرأ ببطء وخلجاتها ما زالت تنبض سعادة :

 

     " صباح البشريات والأفراح ، تهمى كالمطر ، لقاؤك إحتفال .."

 

وقبل ان تستكمل قراءة هذا الجزء تداخلت ، بنفس الفرحة المرتجفة ، معانى المطر ، لتغرَق باقى الأحرف وتتوالى الصور وتتشعب فى خيالها.. فالمطر من نِعَم السماء المرسلة ، وأثره على الأرض خصوبة الفكر والنور والتأثيرات الروحية والإنجذابات المتوافقة .. خصوبة الأرض والإحياء .. والحكمة ، أشبه بحبات المطر ، تتألق نقطة نقطة أو تنهمر وتعصف بالعقل الراسخ ، أو هى كالندى فى تجانسه الوردى مع الكون .. وتسللت صور قراءاتها عن الهند بالأفراح والإحتفالات والألوان ، وكيف يشبّهون هناك المرأة الخصبة بالمطر ، ينبوع الرخاء ، ويدعون الرب ان يرويهم بلبن السماء : المطر ، والموهبة ، والخلود .. وسرحت فى حنايا خياله بحثا عن ملامح أعماقه .. وبعد فترة راحت تعاود القراءة ، بينما الفرحة تتشكل وتموج عبر كيانها ونبضات قلبها ، المتفحم ، تنبض من جديد فاندهشت :

 

    " لقاؤك احتفال .. كم يشبهك العيد يا ثالث أعيادى !" ..

 

 وابتسمت . إبتسمت لتشبيه لم تسمعه فى حياتها ، إبتسمت كمن يستعذب شيئا لم يعرفه ، وأن تكون هى العيد ، هى تلك الأنوار والبهجة بالوانها وصياح الأطفال وذكرى طفولة غمرتها سعادة بالغة ، أو ان تكون هى بمثابة عيد لإنسان .. ياه ! كم ودّت لو كان أمامها لتشكره ، تشكره على شاعرية تعبير لا يصدر إلا ممن يحب الكلمة ، يتحسسها ويعيش خلجاتها .. أن تشكره  على لحظات كم أسعدتها .. وعادت تعيش إحتفالات ولّت ، ترتسم على سماء خيالها عبر طيفه النحيل وهو يمر بخفه كالريح الخافت من مقعده إلى باب القاعة ، وكان يومها أول مرة تلتقى به فى حياتها، ثم تراه يعود ، بنفس الخفة والحياء الإنسانى ، رغم كل ما يبدو عليه من إنهماك ومهام متواكبة ..

 

       " مازال العيد سعيدا ما دمنا أصدقاء .. ! "

 

واستوقفتها العبارة فجأة : " أصدقاء " ؟ ( هل تصادقنا صمتاً دون حتى ان نتبادل النظرات ؟! ) و ابتسمت . راحت تسترجع فى صمت : ( كنا نجلس على منطدة طويلة تضم ثلاثون عضوا ، نجلس على نفس الجانب وكل منا على طرف ) .. وابتسمت وهى تتساءل بشئ من الإستغراب : ترى هل توارد الأفكار حقيقة نعيشها ؟! هل تلتقى الأفكار والأمنيات وهى تعرج عبر الأثير الى ان تستكين فيمن يلتقتها ويستكين اليها ؟!.. هل تتعارف الأفكار وتتقارب مثلما تلتقى الأرواح وتتعارف بعد فرقة ولقاء؟! وجذبت نَفَساً عميقا لتستكمل الرسالة وكأنها تسحب جوف خيالها لتعود به إلى الواقع:

 

     " فى عرفات شكرت الله على عطاياه التى أنت منها ،

 

       وخصصتك بدعوة  أرجو أن تجد أثرها فى روحك ،

 

       كل عام وأنت العيد " ..

 

صمتت .

 

 وَجَلت من صدى العبارات فى الأعماق كأصداء طبول يصل عمق صداها السماوات السبع. وَجَلت من صدق العبارات ، من جلال المكان .. ورهبة الذكريات ..

 

غاصت فى مشاعرها وصدق مشاعر عباراته فى صمت .. وتسللت ذكرى أيام أدت فيها مناسك الحج ، متشحة بسواد أصم ، فى رفقة شقيقها، رحمه الله .. وانساب مسرد الآلام .. سواد فاحم ، ظل يغلف جسدها  وكل ما يحيطها  طوال عشر سنوات بدأب أخرس ، لتعزل نفسها وعالمها الدفين بعيدا عن الدنيا .. حدادا وعنادا ورفضا لفكرة وفاة زوجها ، لرحيل من تدين له بفضل كل ما وصلت إليه .. كم عاونها على تحصيل العلم ، وكم شجعها ، وكم حثها على مواصلة الطريق والا تتوقف أبدا ، بوصية واحدة : ألا تخشى إلا الله .. وطفت دمعة هلعة..

 

تناثر خيالها بين الماضى والذكرى ، و ما تطالعه من عبارات تنبض بين كفيها وكأنها تمسك بالدعاء ، ثم هزت رأسها ببطء وهى تكرر " لا ، لا يمكن أن أكون أنا مصدر هذه المشاعر "..

 

 تعجّبت من تقارب العبارات أو استخدامه لها فى التعبير عما عاشه فى عرفات.. فقد تمنت فعلا حينما تحدث عن الحج واندمج فى مشاعره بحديث صادق الإيمان والتعبّد ، عن رهبة الوقوف بعرفات ، وصلة الإنسان بربه ، ورجاء صادق يرفعه العبد لمن خلقه بتضرع  يعتصر الكيان .. كم تمنت  لحظتها لو وقفت بجواره فى عرفات ، وتشكر الله معه على كل عطاياه ، فما اكثر كرمه  .. وأن تسبّح الرحمن ، ملتصقة بحمايته ورحابة صدره .. ترى .. هل تلك أيضا كانت دعوته لله ؟

 

وبينما تحاول الخروج من هذا الفيض المتضارب من المشاعر والرؤيا ، بين الآمال والأمنيات ، وفرحة العيد بألوانها المتالقة ، إهتزت على صوت رنين مقتضب يهز كفيها . فربتت على المحمول وهى تهز رأسها و تردد شبه ساخره : " من سيمكنه كتابة معايدة فى صدق وشاعرية ما أعرب عنه ".. وتوقفت نظراتها وهى تقرأ ببطء :

 

      " أعتذر إحتراما ، لخطأ فى الإرسال "

 

ركنت رأسها على الحائط لحظة  بينما ابتسامة ترتسم بهدوء وهى تنظر الى الساعة : " ياه .. سبع دقائق ؟! " ..  خالتها حقبة ممتدة ، عاشتها بنشوة الفرحة الصافية ..

 

ثم تمتمت : "أكرمك الله وأسعدك كما أسعدتنى"..

وأمسكت بالقلم وكأنها شُحنت بطاقةٍ متجددة .                                     17/11/2010