أبراج وأعداد ..

 

توقف نظرها على ما تقرأ فى بريدها الإكترونى ، وراحت تعاود القراءة عدة مرات وهى تكرر  فى نفسها باستغراب : " إيه ده ؟!" .. لم تفهم سببا لهذا الإنفعال وحدّته ، رغم أنه لم يفصح عنه بوضوح ، لكنها استشفته مثلما كانت تستشف الكثير من الإنفعالات والخلجات  فيما يكتب ، وكأنها تعرفه من سنين ،  رغم أنها لم تره فى حياتها ولا تعرف عنه أى شىء .. وراحت تقرأ من جديد :  

" وهل يدل البرج على العمر !! هل يشين لإنسان عمره ؟ " .. 

ضايقها ذلك الاستنكار الخافت بين السطور ، بل أزعجها مجرد التساؤل فى صدق نيتها ! وراحت كعادتها تسترجع الحكاية ، حكاية الأبراج والأعداد ..  

كان قد هنأها بعيد ميلادها هاتفيا ، ورأت أن تجيبه – لا من باب الذوق فحسب ، ولكن  فى محاولة منها لتفهم  بعضا  من ملاح  شخصية إنسان إلتقت به  عبر الأثير ، وتعلقت به لمجرد شعورها الدفين بأمانته . كان يعاونها لله ، مراعيا حدوده الإنسانية فى أمانة واقتضاب ،  أمانة افتقدتها فى كثير ممن  يضطرها  العمل  للتعامل معه.. وفرحت حين علمت أنها تقبع فى أرشيفه الخاص منذ حوالى عقدين ، وأنه يتابع ما تكتب من مقالات وأبحاث ، وشعرت لبرهة  كأنها تربطه بالوطن الأم  فى تلك الغربة القارسة التى رحل إليها من عقود..   

و تسترجع من جديد ، لترى أن كل ما سألته عنه هو البرج الذى وُلد فيه وتاريخ اليوم ، ولم تسأله حتى عن العام ليغضب أو لمعرفتها أنها تكبره سناً ، لكن لتهنأته فى نفس المناسبة.. فتأمُل مثل تلك الشذرات ، أيا كان مجالها ، أرقام أو الوان، والإنسياق فى تسلسلها ومعانيها ، والربط  بينها  فى خيالها ، والخروج بمعطيات جديدة ، لنفسها ، هى لحظات اللعب الوحيدة أو الترويح الوحيد الذى يعترى حياتها بخلاف العمل المتواصل ..  إذ ألفت  الراحة من عملٍ بالإنشغال بعملٍ آخر بعدا عن الناس والدنيا ..  

راحت تتأمل التاريخ الذى كتبه وتبتسم وهى تردد فى صمت : برج الأسد ! ما كانت تعرفه عن ذلك البرج أنه يمثل الحياة ، الحياة فى أزهى تألقها وعز إزدهارها تحت الشمس الساطعة ، ودون تفكير منها انتقلت إلى برجها وما يشير إليه من إرتقاء إلى العلا وموت الدنيا فى النفس  فى قمة البرد والسكون ! والغريب أنها لم تنظر إلى أى تناقض  أو أضاد بين البرجين ، وإنما راحت ترى ما يجمع بينها من عناصر فى دائرة  تكاملية الأبعاد .. 

ومالت برأسها إلى الوراء كمن يسترجع قراءات ولّت من انشغالاتها.. الأبراج رمز فى حد ذاتها ، مجموعة من الرموز المعيّنة ، تختلف معانيها وفقا للعلاقات التى تعتمل بين كل منها . وهو من أقدم العلوم التى تنتشر فى العديد من الحضارات بنفس تقسيماتها  الإثنى  عشر،  بنفس شكلها الدائرى وعلاماتها المميزة وغالبا بنفس الأشكال .. ويطلق على عددها ، فى مجال الفلك ، العدد الكامل، فالواحد هوأول الأعداد الفردية والإثنين هوأول الأعداد الزوجية ، وحاصلهما يعطى العدد ثلاثة وهو من أثرى الأرقام من حيث المعانى والتركيبات. وتعد دائرة الأبراج المدار الذى تتحرك فيه الكواكب والنجوم .. وكلما انتقل فكرها إلى عبارة كانت تُترجم أمامها وتحتل مخيلتها وكأنها تراها رؤية العين .. وذلك النذر القليل هو ما كان يسعدها ويملأ سمائها الموحش فى عزلتها .. 

كانت تعرف كأى شخص ، أن الأبراج  تنقسم إلى أربعة مجموعات أساسية ، المجموعة الأولى منها تعكس المرحلة الأسطورية للسماء ، ومبادىء الطاقة الكونية، والطبيعة التلقائية ، وسيادة اللاوعى والملكات الخيالية .. وأن المجموعة الثانية ، التى تضم برج الأسد ، ترمز إلى أسطورية الزمن ، وإلى وقفةٍ لتأمل التطور .. زمن تسوده الحاجة إلى الترتيب والتبويب والتصور الذى يغلب فيه النظام على التقدم ، ومبدأ فصل الأشياء حيث تنتقل فيه البشرية إلى مرحلة الوعى بالذات والتفرد والصراع بين الأضاد .. 

وكم هالها انسياب ما كانت قد طالعته وكأنها لم تركنه فى تلافيف بعيدة ، كأنها تسبح بطلاقة رغم توقفها عن العوم . وراحت تواصل ما تضمه المجموعة الثالثة ، والتى تمثل بداية مرحلة جديدة من التطور ، مرحلة قائمة على التوافق ، وتولد الشعور والبحث عن التوازن .. أما المجموعة الرابعة والتى تضم  برجها ، فتنمحى فيها الأساطير وتتطور لتصل إلى التديّن الصافى  ومبدأ التصعيد ، ويصبح فيها الحدس هو المرشد لطريق العودة إلى اللامتجلى ، حيث يعمل الوعى بحريّة وطلاقة بعيدا عن التجليات .. وبتحرره من عوائق المادة والزمان والمكان ، يسهم من جديد فى الطاقة الخلاقة . 

وما كادت تسترجع أساسيات الخطوط  العامة لتلك الأبراج  حتى تساءلت  ومن أين لها بالمزيد عن ذلك  الأسد ؟! وتذكرت فجأة تلك المجلات الدورية التاريخية التى تشتريها أحيانا إذا عرفت أن بها أحد الموضوعات التى تهم كتاباتها. وفى ثوان كانت تربط الفكر بالحركة بحثا عن المجلات فى مكانها ، فى أسفل رف بالمكتبة ، بينما شىء من الإحباط يعتريها ، فما أدراها أن الأعداد التى لديها ستجد فيها ما تبحث عنه ؟ وفى ثوان كانت تجلس على الأرض وتمسك بالمجلات لتبحث ، ويتهلل وجهها وهى تطالع :  

" برج الأسد يحتل المرتبة الخامسة فى ترتيب الأبراج ". وتفر التفاصيل التقنية ليتباطأ إيقاع نظراتها الباحثة : "برج الحكمة ، والعدالة ، القوة والسيادة ، رمزالشمس المضيئة فى أقصى درجاتها تألقا ، يعبّر عن فرحة الحياة بدفئها وطموحها ورقيها ".. واتسعت ابتسامتها بفرحة عارمة مع تصور النور الساطع وحبها الجنونى للنور .. فكل دعائها لله عز وجل أن يجعل لها نورا من نوره ، والنور هو الناقوس الذى يحويها و تعيش فى رحابه ! وبلا وعى منها فرحت به ، مجرد فرحة صافية ارتبطت به فى خيالها .. 

 وتعاود التصفح فى عجالة : " قد تبهره قدراته ، فهو رمز للطاقة الإلهية والشجاعة وهادم الشر فى بعض الحضارات ، يرمز إلى أرقى مراتب القوى ويتميز بإرادة تم ترويضها لأهداف و طموحات بعيدة المدى ، كأنه طاقة خُلقت لتجعل الحياة تتغنى فى صيحةِ فرحةٍ مدوّية "  .. وراحت تعلق ساخرة وهى تستعرض كل الذين صادفتهم فى الجامعة وفى المؤتمرات واللجان بل و حتى فى الأسرة ، وكل الذين يحتلون الصدارة فى آلة الدولة وسنوات الإنحطاط  العام المتواصل ، ولا شك انه من بينهم "أسود بالمولد " ، فمدت يدها لتضع المجلة مكانها وهى تقول :" واضح أنها مجلة تاريخية .. إسم على مسمّى !"..  

وما كادت تنهض  من على الأرض حتى تساءلت وكأن جزء آخر منها يحدثها : وما ذنبه هو بذلك التعميم ؟! .. أجابت نفسها نفيا  فى نفس الصمت ، واتجهت إلى غرفة  الكمبيوتر لتطفئه . وما كادت عينها تقع على تاريخ ميلاده حتى اندفعت بتلقائية طفولة غريبة لازالت  فيها ، رغم الدهور التى عاشتها ، لترى ما بها من توافقات ، وجلست تحسب ..  

كانت هناك أرقاما تحبها ، تحبها لذاتها  بغض الطرف عن معانيها حسابيا وفكريا أو حتى وفقا لعلم الأرقام ، وأخرى  ترى فيها صورا  كالواحد ، رمز الإنسان القائم ، ذلك المخلوق الوحيد الذى وهبه الخالق تلك الميزة ..  

 وتحب رقم سبعة لكل ما به من معان وإشارات ، فهو يرمز إلى إكتمال الزمان والمكان ، ويحوى الأيام السبعة ودرجات الكمال السبعة ، والسماوات السبع ، ومجمل الطاقات السبع، وأشواط الطواف السبعة .. وحيثما بحثت وجدت أنه يرمز إلى إكتمال ما ، إكتمال فى ديناميكية كاملة . . اللطائف السبع فى الإنسان ،وكلمات الشهادة السبع ، وأبواب الجنة ، وراحت فجأة تقول له فى صمت : ما أثرى الشهر الذى احتوى مولدك وأحاطك بكل ما به من معان !.. وكأنها لم تتوقف تواصل : وطبقات معانى القرآن السبع، والطريق إلى الله ؟ وراحت تسترجعها ببطء لغة الطير: الطلب، العشق ، المعرفة ، الإستغناء ، التوحيد ، الفقر إلى الله ، والفناء .. وكادت تقشعر  من ذلك التداخل فى الخلايا فكريا  لمجرد الشعور بوجوده قريبا منها رغم المسافات والقارات .. فأخذت نفسا طويلا لتعاود تأمل أرقامه .. 

بدأت بتحويل أرقام  يوم مولده إلى أصغر وحدة لا تقبل القسمة ، وتوقفت عند العدد ثلاثة . واتسعت دهشتها بفرحة حين وجدت أنه نفس عدد العام الذى وُلد فيه ، فابتسمت . وما أن حولت اسم الشهر إلى رقمه حتى اتسعت ابتسامتها وهى تتأمل الأعداد وكأنها تتأمل لوحة ارتسمت أمام عينيها : 3 – 7 – 3  !! توقفت برهة ، ثم قررت التمادى فى البحث حول ذلك العدد الذى ارتسم بوضوح ليؤكد لها أنها أرقامه الأساسية ، أو رقمه الأساس. 

راحت تسترجع ما قرأت وما اختزنت : فالعدد ثلاثة له مكانة واسعة فى العديد من العلوم ، إذ يعبّر عن النظام الفكرى والروحى فى الكون . وبخلاف ضمه بين أول عددين فى المفرد وفى الجمع ، فهو يربط بين السماء والأرض . إذ يقولون أن الواحد عدد السماء ، والإثنين عدد الأرض فى بعض الحضارات . لذلك يرونه يرمز إلى إكتمال التجلى الأدبى ، فالإنسان إبن السماء بروحه وإبن الأرض بجسده يجمعهما رباطه الأثيرى .. وكلما تتالت الأمثلة فى مخيلتها اتسعت ابتسامتها وهى تبحث عن المزيد لترى ثراء عدده فكريا ، فعادة ما ينعكس ولو جزء منها فى الإنسان.. وما أكثر ما انساب أمامها لتلتقط منه أن عدد ثلاثة يرمز لجمع الماضى والحاضر والمستقبل ، الخالق – جل جلاله، والسماء والأرض ، حتى الدين الأساس، فهو قائم فى نظرها على الفكر الطيب والكلمة الطيبة والعمل الطيب .. وواصلت : الوضوء ثلاثة ، حركات الصلاة قيام ركوع سجود ، وفى مجال الأخلاق يحتل هذا العدد مكانة خاصة ، فما يهدم إيمان الإنسان الكذب والسفاهة والسخرية ، وما يقوده إلى الجحيم الفرية تحجّر القلب الكراهية ، وما يقود خطاه إلى الإيمان الحياء التواضع وخشية يوم الحساب ..  

والتفت نظرها إلى الرياح وهى تهز الأشجار فى الحديقة أمامها ، فتمتمت: "حتى الأشجارثلاثية الأبعاد : الجذع القائم ، الفروع والأغصان وكل ما تعيشه فى السماء ، و الجذور الغائرة بكل ما تقوم به من أدوار فى باطن الأرض ! الخالق وعملية الخلق والمخلوق ! .. حتى تكوين المجتمعان قائم على ثلاثة ركائز : المقدس، الحروب ، العمل .. ودهشت لكل ما بقى من مخزون فى الذاكرة وإن كانت واثقة من وجود أضعاف هذه المرادفات والمجالات و الأمثلة .. 

وفجأة تذكرت أنها لم تبحث فى أهم ما يميّز ذلك العدد الثلاثى ويربطه بالمثلث .. فهو وفقا للهندسة الأفلاطونية يمثل أولى المساحات ، فهم بالتتالى : المثلث، المربع ، وخماسى الأضلاع . ومعروف أن المثلث هو أساس الشكل الهرمى.. وانتقل تفكيرها تلقائيا إلى الأهرامات عبر الحضارات ، وكلها مرتبطة بالعقائد و الطقوس السحرية والعبادات ، إلى جانب رمزية الإتصال بالعالم الآخر ، ليستقر عند الهرم الأكبر .. وصدرت عنها آهة ممتدة بعيدة عبر السنين لكل ما كُتب عن الهرم الأكبر ، ولكل ما قرأته أو لخصته فى مجال عملها .. 

فإن كان الهرم يرمز إيجازا إلى مجمل الترابط التصاعدى إلى الأرقى والأسمى ، وهو ما هُرى بحثا ، إلا أن  أسراره الدفينة لم تستكشف بعد .. وغاصت فى المثلث متساوى الأضلاع الذى يرمز إلى التأليه والتوافق والتناسب – فبخلاف قيمته فى فكر فيثاغورث ، ان المثلث يرمز كيمائيا إلى النار كما يرمز إلى القلب . وهو ما يطلق عليه أحد المذاهب " الدال المضىء " ( نسبة إلى حرف الدال فى الأبجدية اليونانية ) أو " المثلث الأسمى " وثلاثية المعانى المطلقة عليه ومنها  : الحكمة ، القوة ، الجمال.. 

وبلا وعى منها ، راحت تحدثه بحماس عما وجدت – مثلما اعتادت أن تفعل منذ أن تعارفا فى الأثير! وسرعان ما توقفت فى  حوارها الأخرس ، لتنساق فى البحث عن التوافقات بين البرجين –  وكأنها ، حتى حين تلعب، لا تنسى اسلوبها العلمى ..  

وبدأت بترتيب الأبراج لتجد أنه البرج الخامس وهى البرج العاشر ، وكلاهما يحتل طرفا من نصف دائرة الأبراج عملا بأن قطرها يمثل خط التطابق بين ما هو فوق وما هو من تحت. ويرمز برجه إلى الحياة ، الحياة الأرضية المشمسة بكل تألقها وعطائها ، بينما يرمز برجها فى قمة الشتاء إلى المثابرة للصعود والتصعيد أو تصاعد القوى الكامنة فى الأعماق.. وكأنهما يجمعان فى  رحابهما ما بين السماء والأرض!  

وحاولت أن تجد المزيد من إمكانيات التوافق الفلكى ، فهو بالنسبة لها غيب يحلق فى الفضاء .. وهزت رأسها كمن فرغ من اللعبة !  وفجاة ، تذكرت الأعداد ، أعداد اليوم والشهر والسنة ، وأنها لم تبحث فى مدلولاتها !  وراحت تجمعها  أمامها على الورق ، و ما هى إلا لحظات حتى انطلقت ضاحكة مما ارتسم تحت عينيها ، لأن جمع أرقامها  29  ، و جمع أرقامه 30 ! وتنهدت إطمئنانا ، فقبل  أن  تحسبها خشيت من رؤية  تنافر أو  تباعد  ما بين الأعداد .. و كم  اطمأنت نفسيا لمجرد رؤية  أنهما متقاربان  فى الجوار وسط  ذلك الإبهام  المطلق .. 

راحت تتمعن فيما  رأت من تكامل  شكلى غريب ، وكأنها تتأمل لوحة جدارية شاسعة قد  افترشت السماء أمامها ، أبدعتها عملية البحث عن التوافق بين الأبراج والأعداد .. و ما هى إلا لحظات  حتى انتفضت من تأملاتها كطائر ينفض عنه رزاز الغيوم والبلل ، على سؤال يرتفع فى صمت :   

" ترى ، هل تتوافق الأشخاص ، ولو فى الغيب ،  مثلما تتوافق الأعداد والأبراج ؟ "

 

وعادت إلى مكتبها بانهماك  لتغرق فى  دوامة  العمل..

  

                                                                   21 /1 / 2007