أصداء على الشاطىء ..

 

سرت الفرحة عبر قدميها وهى تطأ  رمال الشاطىء ، لأول مرة منذ أعوام بعيدة ، بينما اعتصرتها آلام مكتومة فى الأعماق ..  خليط من الحنين القارس والحزن الدفين . فأسرعت الخطى إلى تلك الرمال المبللة التى طالما سارت عليها بفرحة الأطفال – مثلما اعتادا السير فى كل اجازة خاطفة يقضيانها بنفس اللهفة ، متشابكي الأصابع والفكر والخلاجات ، قبل أن يخطفه الموت .

 

وتبتسم بحنين بعيد وهى تتذكر:

 

كان يشبّهها بالنحلة ..

 

إنسانة صافية الهوية ، شديدة النشاط والتنظيم ، وكثيرا ما  شبّهوا إنضباتها بالآلة !  آلة  لا تكل عن العمل بصدق وإخلاص ، كأنها تحول الزمن المنساب إلى خلاصات صافية النقاء وهى تتغذى على رحيق  المعرفة .. فمهما صادفتها المحن لا تتوقف يأسا ولا تعرف الملل –  كأن  المحصلات  تتراكم فى الأعماق لتتولد فى بعث متواصل .. تتجاور فيها المعارف  والشاعرية فى رهافة حس متزايدة . كان يرى فيها تلك الشعلة الإلهية التى تصقل الإنسان  وتزيد العطاء ، فيحاول إلزامها بشئ من الراحة بتلك الأجازات الخاطفة ، والسير بطول الشاطىء ، على حافة الموج المنساب ، يتباريان فى لعبة الربط  بين الأشياء و تحليلها .. لعبة تبعدهما عن الأعمال ومشاغل الدنيا ولو للحظات .. 

ويأتيها صوته الهادىء الرصين : " عارفة ان أكبر قدر من الطاقة بيتجمّع عند إلتقاء مجالين مختلفين ؟ " .. وتتباطأ  هى  فى نفس اللحظة لتربت بقدمها الصغير على سطح الرمل ، وكأنها تتحسس تلك الطاقة المتدفقة ، بينما المياة تنسحب بانتظام  من تحت خطاها ..  

وتوقفت .

 

توقفت تستوعب مكانها أو لتفصل الحاضر عن الماضى . وبينما العبارات تتلاطم فى ذهنها المجهد ، اتجهت ببطء إلى صخرة فى أطراف  المسافة بين البحر و الشاطىء . جلست وهى تستند على أصداء الزمن المتباعد . وبعد لحظة ، وكأن الخلط أعياها ، اسندت برأسها وهى تقطب جبينها وراحت تربت على سطح الرمل كمن تبحث عن الراحة ، عن الأمن و الأمان وقد تاها  فى الغربة ، بينما تاهت نظراتها فى السماء  بحثا عنه و بحثا عن الطفولة ، رغم ضياعها شكلا ،  للإحتماء بصدره الأمين حتى على الشاطىء .. كانت تعيش اللحظة  و تعيش الذكرى فى تداخل غريب ، بينما اناملها تعبث بحبات الرمل ، ترفع حفنة ببطء فى الهواء وترقبها وهى تنساب من قبضتها . فتراءت لها تلك الآلة المملوء أحد أقماعها بالرمل ويرمزون بها  لانسياب الزمن المتواصل ، وتمتمت فى صمت : " الصورة المتحركة لثبات الخلود " ! 

الزمن و الخلود .. المتحرك الزائل ، والدائم الأزلى .. وتراءت لها صورة الزمن  كحد فاصل لمدة بعينها ، حد يفصل الواقع عن العالم الآخر ، عن عالم الخلود ، وتساءلت فى نفس الصمت الشاحب "أيتجدد الزمن حقا فى دورات متتابعة ؟  دورات حضارية قد توقظ الرموز المسلوبة من مائها الآسن ؟ " .. يا لها من تكرارية طقسية يتجاور فيها الزمان والمكان ! وقفذ  ذهنها إلى تلك الرواية التى طالعتها فى أواخر الستينيات " الطفلة فى صراع مع الزمن " وبحثها عن المطلق  ، عن زمن لا يعرف الحدود .. زمن الأفق المفتوح ! و حاولت الخروج من الزمان فى خيالها ، فوجدت نفسها خارج النسق الكونى وانتفضت ، أو ارتطمت ، فالزمان مرهون بالمكان وإن كان بموازين مختلفة . 

انسابت نظراتها بطول الشاطىء الممتد وهى تنفض ما علق بيديها وذهنها من رمال وتصورات متداخلة ، بينما الأمواج تمتد  و تتلاحق فى هدوء رتيب  وكأن ما يدور حولها لا يعنيها فى شىء .. هزت رأسها كمن يفيق نفسه أو يزيح عنها تداخل المشاهد ، وعادت تتأمل مفردات المشهد الممتد أمامها فى صمت . وابتسمت فجأة : " نلعب زى ما كنا بنلعب ؟ " ! وامتدت الإبتسامة على وجهها الكتوم ، بينما الهواء يعبث ببط ء بأطراف ثوبها الطويل. 

راحت تردد : البحر ، الرمل ، الهواء .. أو الماء ، الأرض ، الهواء .. ثم سكتت متسائلة وهى تحرك رأسها : " أين النار ؟ النار لتكتمل العناصر الأربعة ؟ " واجتاحتها الفرحة كطفلة عثرت فجأة على ضالتها وهى تلمح صيادين عن بُعد ، أشعلوا راكية نار لشى بعض الأسماك . وتمتمت بنفس اللهو : " نكمّل اللعبة ، ولا يهمّك " !!  

راحت تستعرض تلك العناصر وهى  تبحث فى حنايا ذهنها وفيما قد بقى فيه من قراءات كانت شغوفة بها .. " ألا تتداخل العناصر ، تؤثر على بعضها بعضا ، ويتميّز كل منها بما يجعلها تتفرد عن العناصر الأخرى ؟  .. وتزاحمت الصور ، تداخلت مع تدفق المعلومات لترتطم بالتأملات والخلجات .. ألا ينقسم كل عنصر من هذه العناصر إلى العديد من النوعيات التى يمكن إدراجها تحت نفس المسمّى ؟ .. النار يمكن تعريفها باللهب الحارق .. النور اللهب .. و بقايا الإحتراق ! والهواء ألا يمكن وصفه بالرياح والعواصف .. التحليق والسمو .. السقوط  أو التقلبات .. 

وكم آلمها ذلك الشعور الدفين بأنها " تلعب " ، أو بمعنى أدق : تعرف أنها تلعب ولا تعيش اللعبة مثلما كانت تعيشها معه .. تطفو على سطح اللعبة ببرود واغتراب! وتداخلت الصور وكأنها مدفوعة برغبة جامحة للتوغل فى مكنونات الأشياء لتعايشها ، لتحلم فى أرجائها ، لتجوب الأعماق فى خيالها كمن يجمع شتات الواقع المتناثرة فى الأشلاء والرؤيا .. 

وجاهدت .. جاهدت لترى كيف تتداخل هذه العناصر وكيف ترمز علاقاتها المتداخلة إلى التنوع اللانهائى للأفراد ولكل التجليات .. بل رأته يسرى حتى على المجال الذاتى أو الروحى ، فالتطور النفسى يخضع لسيطرة عنصر من العناصر .. ألا تدفع النار بالمادة وتنقلها من حالة إلى أخرى ؟ الصلابة ، السيولة ، الغازية أو التبخر ؟ وبدت جميعها فى نظرها وكأنها ترمز إلى دورة الحياة : فكل شىء يبدأ من الماء لينتهى إلى الأرض ، مرورا بالهواء و النار  أو بالأحرى : بالنار و الهواء ، فى أرجاء الكون . 

وراحت تردد ببطء فى ذلك الصمت الذى لا يكل ولا يهدأ : " وكأننا نتبع نظاما رباعيا وحالات أربع ، و مراحل أربع فى حياتنا البشرية ! الشتاء ، الربيع ، الصيف ، الخريف .. طفولة، شباب ، نضج ، كهولة .. تكوين ، إزدهار ، تالق ، أفول .. وكلها دورات لمراحل زائلة".. وانتبهت على صوته وهو يردد فى خيالها :

-     و كلها دورات متطورة متجددة ..  

أحتوتها بسمة شاحبة الفرحة ، وبعناد وإصرار جاهدت لتواصل اللعبة ! ولا تعرف ما الذى دفع ذهنها إلى الصوفية وإلى وصفهم العناصر الأربعة برؤية مخالفة .. فالواقع بالنسبة للصوفى  مجرد خيال ، وهم ، لا صفة مادية له . انه الهواء .. ومن يتخذ الطريق طريقاً للكمال يبدأ بالإحتراق ، فيحرق بداخله كل الصور لذلك الواقع الوهمى الذى نعيشه .. وتلك هى النار .. وهذا الإحتراق هو ما يسمح له بالتوصل إلى الواقع الإلهى الوحيد بكل ما به من سيولة و لا تحديد ، وذلك هو الماء الذى خُلق منه كل شىء حىّ .. وفى النهاية يصل السالك إلى معرفة الواقع المطلق، يصل إلى الحق ، إلى الثابت فى الوجود ، وذلك هو الله-الصمد ، وتلك هى الأرض الصلبة ! 

وتنهدت بمرارة من يحاور نفسه فى جوف الغربة .  

ابتعدت بنظرها إلى زرقة البحر ، إلى أعمق الألوان ، وغاصت كمن يتوه فى لا نهائية ممتدة متتالية الأبعاد .. هالتها تلك الزرقة الشفافة فى نقائها وكأنها فراغ متراكم الطبقات .. فراغ الهواء ، فراغ المياة ، فراغ الضوء الساطع ، فراغ كالبللور .. لا ، فراغ أشبه بالماس ! وتحرك إبهامها تلقائيا و بلا شعور منها ليتحسس مكان الخاتم – هدية العيد الأول لزواجهما ، واقشعرّت فى امتعاضة قاسية لضياعه – من  ضمن ما ضاع من أشياء.. 

كانت ماسة زرقاء ناصعة النقاء ، ناصعة الضياء النابضة ، ماسة تنبض كالقلب الحىّ .. وتأتيها الأصداء ، أصداء حوارهما من بعيد : " إشمعنى ثلاثة  ؟ " ، وكانت تقصد وزن الماسة. وتتألق السعادة من عينيه وهو يجيب : " علشان بحبك بالتلاتة ، بقلبى وروحى وعقلى "  ، ثم يصمت برهة وهو يعاود باسما كعادته : " حتى اسمها بالثلاثة ، ويضيف بالإنجليزية " إكستر بلو هوايت " ويضمها  إلى صدره كأب فخور بابنته.. ويالها من صور تفترش بحر خيالها !.. 

أغمضت عينيها باعتصارة ألم جارفة ، ودّت لو شقت نحرها لتتنفس ، لكنها عاندت لتوجه نظراتها إلى صفاء أكثر الألوان نقاء وتاهت مثلما يتوه الطائر فى السماء بعيدا عن الأنظار .. زرقة ناصعة تذيب كل شىء فيها حتى الأضاد .. زرقة تنتمى للخلود الهادىء فى حركاته المتباعدة لتنقل الفكر إلى عالم آخر ، إلى عالم الموت .. 

إعتدلت كمن  ينتزع كيانه من حال ليدفعه فى حال آخر . لكن ذهنها ظل عالقا بعالم الموت ، بعالم الحق .. فالحق و الموت والآلهة تتجاور على جدران المعابد المصرية القديمة . وانسابت جولاتهما بين المعابد والآثار فى رحلات متعددة ، لكن فراغ غيابه كان أقوى . راحت تعاند نفسها فى إصرار غريب : " انه معى ، انه ناظر إلى ، انه شاهد على استمرار حبى " .. وتوقفت فجأة : لم تألف الحديث " عنهما " أبدا  فى  صيغة  المفرد ! راحت تصوّبها ببطء يتأرجح بين الواقع و الخيال .. 

عادت تنظر إلى البحر الممتد .." نبدأ بالمياة وننتهى فى الأرض " أصرت على مواصلة اللعبة فى محاولة لوصف المياة .. رأتها ناصعة البسمة ، انسيابية الحركة ، نقية الصوت وكأنها تتغنى بكل قطرة فيها بأنشودة.. منبع الحياة ومنبع الموت ، ألا يُخلق من الماء كل شىء حىّ ، وبها  نغرق.. خلاقة هادمة . تساقطها يبعث الإنبات وغيابها يعنى القحط والفناء .. وغاصت فى بحر آخر ، فى طاقات اللاوعى وقوى الروح المنطلقة فى تلاحق الأسباب والمجهول . تاهت فى تنويعات المياة الصافية ، ومياة الربيع ، والمياة العاشقة ، والمياة عميقة الغور ، والساكنة ، والعنيفة الصاخبة .. مياة عذبة وأخرى مالحة .. وياله من عالم يصعب ضمه فى حفنة كلمات ! انسابت الرؤيا كلحن سائل ، مبلل القسمات ، على حقل من التنويعات.  

وهبّت نسمة باردة فجأة جعلتها تتحسس ذراعها بحركات مقتضبة ، لكن خدر الساقين أبقاها جالسة برهة سرحت خلالها فى الهواء وهو يلامس أطرافها . حاولت تتأمل ذلك المجال الرهيف الذى يربط ما بين السماء والأرض .. الهواء ، مجال النور والإنطلاق والعطر ، مجال طيف الألوان والكون وما بين الأجرام والكواكب ؟ مجال للإتصال والربط  بين الكائنات والبشر..  

وفى لحظة همّت وكأنها تود اللحاق به فى الهواء .. فى الفضاء الرحب الذى يحويه .. وانتقل نظرها من لهب الراكية الخافت إلى قرص الشمس وقد اكتست بحمرة شاحبة الحزن رغم قلبها النابض .. فخبطت الأرض بكفيها . كانت تلعب لتهرب ، وتعرف أنها تحاول الهرب من الغربة ، تهرب مما لا مهرب منه ، فالغربة صارت بداخل خلاياها .. استوقفها ذلك الصوت الأصم المنبعث من خبطة كفيها .. صوت تعيشه فى الجدران الأربعة ، صمت الوحدة وصمت القبور ..  

امتدت نظراتها بطول الشاطىء تستودع وتتأمل بقايا آثار الخطى وهى تُمحى بانتظام تحت انسحاب الموج فى صمت ، وراحت تكرر بشىء من اليأس الغائر وهى فى اتجاه العودة : "كل شىء يمحى .. كل .." 

 

-  إلا الذكرى الطيبة .. والأعمال ! 

 

فاستدارت بلهفة  جامحة على نبرات صوته  اليقين ،

 

   و لم ترى إلا الشمس وهى تغرب !..

 

                                                                         ( 2000 )