الوان و الحان ..

 

لا تعرف كيف نمت فى ذهنها منذ الطفولة أنها مختلفة .. مجرد كائن مختلف عن كل من وما يحيط بها من أشخاص و أشياء . طفلة بدت و كأنها اجتازت حافز اللهب الفاصل بين العوام و كل ما هو مقدس فى الأذهان ، أو كمن اجتاز باب يؤدى إلى ما وراء الواقع .. فتتنقل من عالم لآخر وكأن لا فاصل هناك بينهما مثلما تتحول المعادن عند الإنصهار فى ميلاد جديد ـ كأنها تغوص فى حضن أمها .. فى حضن أشبه ما يكون بليالى الكون المترامية الأبعاد ، تتراقص فيها الغياهب و تتجدد فيها ملكاتها الروحية بالتدريج . فالليل و فراغه الرحيب عالم واسع ينبثق فيه الحب المصقول بشباب دائم .. 

طفولة تمسك العالم بين راحتيها كمن يمسك بسلطان ونفوذ إلهى ملكىّ .. سلطان دفعها إلى حب المعرفة ، إلى ذلك الحب النبع و نموسه ، إلى تقدم متواصل يغلف روحها الرمز، المحركة  للرمز فى تكامل غريب. ورغم الحيرة حينا والإحباط أحيانا دفعت بأبوابها إلى شطآن و آفاق يرعيانها و يعدّانها  لعرس يفترش أعلى القمم ..  

وراحت تنهل ..  

تتلقى فيه العلوم و أطياف من الفنون بعيدا عن قيود الوعى لتمزج الواقع بالخيال بالرؤيا الصافية ..

 

واختارت الرسم ، واختارت الإيقاع و النغم .. اختارت تلك الخطوت المتولدة دوما عبر الأثير أو تلك التى تبحث عمّن يجسدها فى لحن بديع ..فالنغمات كالكلمات والكائنات ، تموج فى فلكها حتى لحظة اختيار تتجسد خلالها إلى الواقع الملموس . اختارت لغة ما وراء الكلمة .. فحيثما كانت تنقصها العبارات أو ترتفع أمامها السياج، كانت تسأل .. تسأل فى صمت ، فى محاولة للفهم ، فى محاولة للتخلص من العوائق والتعارض الزمانى لتصل إلى وحدة وليدة وكأنها تربط الروح بالجسد .. خالق و مخلوق ، لقاء المرئى باللامرئى ، تلاحماً خارج الزمان وكأن رقص الباليه ينبىء فى كيانها عن التوحد الذى لا يفنى .. فرقصت على بحيرات خيالها ، وحلّقت مع الطيور .. رقصات مقدسة يتحرر فيها المرء فى فرحة عارمة . 

كان إيقاع رقص الباليه و نظامه أشبه ما يكون بسلم عليها اجتيازه لتتحرر إلى ما وراء جسدها النحيل ، لتحلق فى عالم الروح و الآفاق بطلاقة تمزج بين أبعادها والخيال .. وكثيرا ما كانت تشعر بروحها وهى تنسلت بعيدا عن جسدها المسجى فى عتمة الليل، لتذوب فى نغمات الفضاء ، وكأن الإيقاع يقنن طغيان الطفولة المتدفق فى تعبير درامى دفين ، أشبه ما يكون بدين ٍ خاص بها ، بأعماقها الوردية اليانعة . 

كم من مرة خالت نفسها من الطيور ، تربط ما بين السماء و الأرض . تتحاور بلغة الطير مع الملائكة فى نقاء بينما تترسب فى الأعماق الحان ما من نغمات الخليقة ، من تلك النغمات و الألحان التى لم تتجسد بعد ، أو لم تجد من يخطها بلغة الأرض . فتهيم فى عالم الرقص و الغناء بحثا عن قمم لم تنعم بالوصول إليها ..  

كانت فرحة بتلك الملكات الإلهية التى تمكنها من الإنبعاث بعيداً عن الأرض لتحلق فى السماء وتفرح بأطيافها الهائمة من حولها ، وكأنها رسائل تأتيها من العالم الآخر بمنطق الطير و لغاته .. وظلت تتفتح فى ميلاد روحى كطائر يخرج من محارته الصدفية لتتحدث عن ذلك المجهول الذى يتفتح فى الأعماق تتويجا لعمل لا تعرف عنه سوى الإبهام . 

وتراقصت الألوان ..  

كانت تحويها فى رحاب يشمل كل المجالات وكل المستويات من النفس والمعرفة  والكون فى إيقاعات التسبيح العميق، وكأنها دعامات لأفكار رمزية تحلق فى السماء، كمن يحصى درجات الطيف وهى ترتسم على صفحة السماء .. قالوا أنها سبعة ، لكنها تراها بالمآت .. فروقات جد رهيفة متدرجة متداخلة . وراحت تسبح فى ذلك الرقم الرسمى : سبعة ! .. سبعة ألوان ، سبعة نوت موسيقية ، سبعة سماوات تحلق فى أرجائها ، سبعة كواكب تدور من حولها أو ترسو عليها بخيالها . ثم تغوص إلى الأرض لتحصى سبعة أيام ، وسبعة دورات ، و.. توقفت فجأة متسائلة: ترى هل هناك سبعة حيوات ؟ هل هى أكثر ، أم أقل .. هل هى حقا واحدة ـ رغم كل ما هو مكتوب بوضوح ؟! 

وانزعج أبويها ـ وما أكثر انزعاجهما من اسئلة تهز الراكد  والثابت .. حتى جدتها الحبيبة رأت بها مس من جان ! لكنها واصلت القراءة عن الألوان قبل أن تلامسها وتتحسس درجاتها . وعرفت أن الأحمر الأرجوانى يمثل النار ، وأن الأصفر أو الأبيض يمثل الهواء و النغم ، وأن الأخضر يرمز إلى الماء وليس الأزرق.. وأن الأسود هو الأرض . فقطبت حاجبيها .. وتهلل وجهها الرهيف وهى تطالع أن الألوان ترمز أيضا إلى الأبعاد و إلى الفراغ .. إلى ذلك الفضاء الرحب الذى يحويها .  

الأزرق يمثل البعد الرأسى ، ويتدرج فى شفافية النقاء كلما ارتقى إلى العلىّ ، بينما الأزرق الداكن يوحى إلى القاعدة الثابتة ، الرصينة الثبات . أما الأحمر فيرمز إلى البعد الأفقى الممتد ، ويزداد نقاء كلما اتجه إلى الشرق ، بينما تتزايد عتامته الداكنة كلما اتجه إلى الغرب. وعرفت أن الأسود يرمز إلى الزمن ، الزمن الغدّار ، والأبيض اللازمان و اللامكان . نقاء ممتد . وأن كل ما يواكب الزمان هو مجال تتناوب فيه الأضاد .  الظلام والنور ، الوهن والقوة ، النوم و اليقظة .. أما التضاد فتراه فى الأسود والأبيض حيث تنصهر كل الألوان ، نوراً  أو ظلمة ،  ضوءأً أو عتامة ..  

وتراقصت اللوحات والألوان فى كل حياتها من أعماق الكون إلى خلجاتها الشابة .. فالأبيض يرتسم عليه الفجر الصافى ، وعلى الأبيض ترتسم الزرقة لتعلن عن الصباح . وتحت الأزرق يكمن الأصفر ليعلن عن غروب الشمس . ثم تخيّم ظلمات الليل بسوادها ..

وتتمعّن فى الإتجاهات بالألوان فترى الشمال أبيض كالوعد و الأمل .. والغرب أسود، كأنه شىء مخفى القاع كغياهب الليل  والمصائب و الموت .. وترى الشرق متألق فى تدرجات من صفرة العسل النقى . أما الجنوب فتراه كالأرض الأم . أرض من نار .. كانت تحاول إدراك معنى الألوان لترقى بها وتصبو إلى النور الخلاق ، وكلها موجات مرسلة ليدرك منها الوعى ما استطاع .  

غاصت فى العلم لتدرك الرمز فى سلم الألوان و تجليات النور المطلق ، وكلها سلالم ودرجات .. فهناك سلّما يبدأ بالأزرق و ينتهى بالأحمر والأصفر مرورا بالأبيض والأخضر والأزرق السماوى حتى اللون بلا ألوان .. وهناك سلما يبدأ من الأبيض ـ  عرفت أنه لون الإسلام ، والأصفر لون المؤمن ، وداكن الأزرق لون الخير كأعماق البحر المتدفق . والأخضر لون السماء منبع الخيرات ، والأزرق الفاتح هو وحى اليقين ، والأحمر هو المعرفة ، والأسود لون الوجود الإلهى فى بعض الدرجات ، فهو اللون الذى يضم كل الألوان .  

وواصلت التأمل و الدراسة لترى نور قلبها أصفر مضىء و القلب أحمر قانى اللون..و نور روحها أحمر ، والروح كدخان هائم لا لون لها .. و نور مركز السر أبيض ، والخفى أسود ، والأخفى يميل إلى الخضرة ـ رمز البعث والإنبات ..  

وفى مجال آخر عرفت أن الأزرق لون الفكر ، والأحمر لون العاطفة ،  والأصفر لون النور و الحدس ، والأخضر لون الواقع ، لون الإنماء و النبت النامى، و الأسود لون الملكوت .. 

أهو خلط فى المفاهيم ؟!   

إقشعرت مؤخرة رأسها بتلك الإهتزازات الخافتة التى الفتها ، و انبثق الصوت فى ذهنها كالنور ، لتدرك بعدها الإجابة دفعة واحدة :  

ـ " لكل مجال ألوانه " .. 

وانسابت الأعوام كانسياب المياة الجارفة حتى لم يعد ذلك الجسد النحيل بقادر على الإستجابة لتعبيرات الحركة وانطلاقها .. فجلست تتأمل فيما خرجت به من تساحلها حول شطآن اللون والنغم .. النقاط المشتركة بينها أو تلك الفوارق التى تميّز كل منها .. محصلة ما عاشته بصدق فى كل اللحظات .  

بدأت بتلخيص معنى التصوير و التفرقة بين الخط واللون . فكل منهما مجال له عالمه وأبعاده .. اللون يعتمد على التوافق ، بينما الخط يؤدى إلى تكوين الشكل .. إلى تلك الأشكال التى تتولد من تجميع الخطوط  أو من تلاقيها فى الأثير .. أما اللون والتوافق أو التجانس بين تدرجاته فهو أقرب ما يكون من المجال الأرضى . فاللون ينبثق من نور الشمس وآشعتها ، والتوافق بين درجاته ينجم عن الربط  بين آشعة الشمس والأرض عبر تلك السعادة التى يعيشها الفنان وهو يجسدها فى عالم الواقع .  

و النوت الموسيقية مثلها مثل الألوان .. تحوم فى الفضاء حول الأرض فى الهواء .. وتصورت الهواء حاملا للنوت الموسيقية الأساسية : كم من مرة حاولت الإنصات إلى عصف الريح و تلتقط  نغماته فى الخلاء ، وبين الجبال فى سيناء أو فى صحارى النوبة الواسعة .. وكانت ترى أن من يمكنه الإستماع إلى الهواء برهافة خلاّقة يمكنه استخلاص تلك النوت الأساسية وما تكوّنه من الحان .. حتى الصمت .. كانت تسمع له صوتا فى الخلاء !  

وأدركت فى تجوالها أن الخط  والشكل ليسا أرضيّا الطابع كالألوان ، و إنما هى روحية بحتة. أشبه ما تكون بالموجات.. موجات الخلق الأثيرية التى  تحيط بذلك العالم المادى . فالخطوط  موجات مرسلة ، والشكل يتكون من تلاقى هذه الموجات . كالألحان والنغم . كلها موجات يبعثها الخالق لمن يمكنه إلتقاطها بالوحى  والإلهام .  

ولم يعد لديها من تسأله : أهو خلط  فى المفاهيم ؟!

 

وانبثق الصوت فى مؤخرة رأسها بتلك الإهتزازات الخافتة لتدرك دفعة واحدة من ذلك النور الذى يرشدها  :

 

 " فن التصوير هو الشمس بالنسبة لهذه الأرض ،

 

   والموسيقى هى الهواء الذى يحيط  بها " ..

 

فحاولت تدوين العبارة ، خشية أن تنساها ، لكن القلم انساب من بين أصابعها بنفس الهدوء الذى انسابت به  روحها ..

 

 ( 2005  )