إلى إبنٍ فى الغربة ...

                                                          

        أسمع صرختك تشق الظلام ، تنساب مع السحب ، تمتزج بأضواء الأجرام ..أسمعها تسوخ ببطء ، تفسح لنفسها مكانا  فى قلبى الحزين.. ترى ، كيف أهدىء من روعك ؟! كيف يمكن الحد من معاناتك وكيف التوصل إلى الأسباب و الدوافع ؟

 

       فقليلة هى الكلمات ..

 

        قليلة هى ، فلا تبك على كل الأحلام المُجهَضة .. أحلام طفولة ولّت فى طيات زمن صارم الأبعاد .. لا تبك على كبرياء مطحون بالأنّات ، ولا حتى على كل تلك الكفاءات التى لم تتمكن من صقلها ، إذ جرفها التيار مع كل ماجرف من طيور دُفعت للهجرة ..

 

        لا .. لا تجذع ، لا تجذع من صورتك على سطح النسيان وتذكر ، تذكر أنك ذات يوم اسندت برأسك على وسادة العشب الأخضر،  وتأملت السماء ، فلا تبك ..

 

        محت السنين الكثير من الذكريات ، مثلما يمحو الموج المنساب ما على سطح الرمال من خطى وآثار، حطّمتها على صخور الشك فى اليقين ، فلا ترجف : لم يعد هناك موضع لذكرى ولا أثر واضح  فالموج دوّار ، يصطك ألماً و برداً  لكل ما يمحوه من خطى ..

 

       لا .. لا  تبكى ، لا تبكى ولا حتى بأنّات خرساء فلست وحيدا ، كلنا ، كل تلك الذرات الهائمة  فى صحارى الغربة  التى تحيط  بك ، بخلجاتك ، عبر الكلمات ، فلا تحزن ،  وليدفن الموتى موتاهم ! أما زلنا أحياء ؟!..

 

       إفرح بمولدك الجديد ، المتجدد دوما ، إفرح بحياة لا تعرف الخوف و الفشل .. وأضىء الشموع ، واقرع الدفوف ، ولسوف تعلو و تحلّق من جديد ، بحثا عن إنسان ، عن ذلك الكائن المبدع الكامن  فى القاع ، عن أعتى الثروات الحقة ، فالإنسان أيّما كان فهو أكبر معجزة أبدعها الرحمن ..    

 

       لا تسخر من كونك معجزة ، نعم . معجزة أبدعها المولى ،  ورغمها ، تحيط  بها الآلام          والأوهام  وسط تلك الأسراب التى هجّت ،  تخلط  ما بين الإقدام و التردد ، رغم كل ما توارد عليها من رسل و أنبياء ، رغم كل ما تألق بينها  من شعراء و مبدعين ، رغم كل ما حملوه من رسائل وكلمات و آيات ..  تطايرت مع كل  تلك الأجنحة التى ولّت، ولم تستجب ، لم تع أكثر من سطحها الأملس ، وحلّقت مع الطيور المهاجرة ، فلا تحزن .

 

       لا تحزن لأنك لست وحيدا  فى هذه الغربة الموحشة ، بل ولا حتى وحيدا فى وحدتك :   كلنا نئن فى  نفس الشرنقة الرافضة لتبعية الآلة ، وفى  نفس الإغتراب ، أينما كنا وأينما كان موقعنا فى الدنيا .. فكلنا  نحلّق فى سموات الذهن المتعب، ونجوب الغياهب بحثا عن بسمة نور، عن أمنية ضالة، أو حتى عن أمنية  مترامية البعاد ، من أمنيات الأولياء ، لنعيد رسائل السماء ..

 

      لا تبك ، ولا تئن ، ولا تأسف ، فاليد ممدودة دوما .. اليد  ممدودة عبر صحارى الصمت ، ولا تخبو .. لا تخبو لأنك لم تعلم ، ولم تسمع ، ولم تع معنى الكلمات .. لم تفهم إنك إنسان ، وإنك أحسن ما أبدع الرحمن : إنسان  متميّز !. تتميّز بأنبل القيم وأصدق  الملكات ، تجوب الكون كالطود المنساب ، شامخ النفس فى عباب الزمان ، لتترك بصمة .. مجرد بصمة ، لكنها تعلو كل البصمات ، فالبناء دوما يتراص لأعلى ..

 

       أتتك رسائل مَنَحَتك القوة و القدرة من رب السماوات ، عبارات وآيات منحتك القدرة حتى على تحريك الجبال وفعل المعجزات ، لكنك لم تع الرسالات ، لا أنت ولا تلك الطيور التى ولّت فى أسراب، وأحرقت السبل، ودهست الشموع ،  وراحت تغوص بدأب إلى ما بعد الأحزان ، واصطكيت ..

 

ارتجفت من برودة الصمت ، ولعَنت الأقدار، والظلمات ، ولكن .. هل أفاقت الأسراب ؟

 

        اليد ممدودة دوما  من السماء ، تدعوك ، لا تيأس وتأمّل الزهور ، تأمل نبتة يانعة تطفئها الأقدام ، ورغمها، تواصل النمو، تتفتح رغم الآلام  و تزدهر الوريقات .. تأمّل الطيور والنجوم وتأمّل الصخور و موج البحر وهو ينساب حتى  ليمحو الخطى ، و رغمها ،  تخطو الأقدام  وتعاود السير من جديد .. تأمّل بعين الحب الصافى ، وبسمة  الإطمئنان ، فلست وحدك فى الوحشة القاتمة : كل تلك الأسراب المهاجرة ، كل تلك الجحافل التى ظنت أنها ولّت من الجحيم ، لم تدرك أن ما ولّت منه يكمن فى القاع .. المرء لا يفرّ من ظله ولا من بوتقة تصهره حتى النخاع ..  فلا تدع الوحدة تخنق الأحلام ، ولا تترك الغربة تمحو الآفاق ، فالحب هبة من عند الله ، يطهّر بها القلوب وهى تضخ ملايين النبضات ، وهى ترتل ملايين التسبيحات ، لتجدد خلاياك ، فلا تكفُر و احص نعم المولى الخلاق ..

 

       لا تبتئس فى تلك الغربة القاتلة ، فقد وهبك المولى ملكة الإبداع ، ملكة تخطى الصعاب والغوص فى قطوف سعادة النجاح .. وكلها معدّات تشيّد بها الحياة فى تواصل و استمرار ، لأنك متفرد. نعم ، متفرد  نادر القدرة والكفاءات. كنز يفوق كل الثروات لأنك تعرف من أوجدك ، ومن منحك الحياة .. فابدأ من جديد ، وواصل الخطى ، بكل ما لديك من مشاعر وأحلام وجذور راسخة تمتد عبر الغربة و رغمها ، جذور تربطك بالأجداد ، وابدأ بكل ما لديك من نعم  تتغنى  بندرتك  المتفردة  كالبصمات ..

 

       لا  تغرق فى اليأس .. فمن يحمل تلك الهبات والنفحات التى بعثها رب السماوات والأرض  لا  يحق له  أن يذوب ويتلاشى فى الألم والأحزان كذوب الملح فى الماء ، ولا يحق له أن يتلفع ببحر العدم من أجل النسيان .. فلقد وهبك الله القدرة على الفكر والتأمل، و القدرة على الحب والعطاء ، والقدرة على الإبداع والتنسيق فى اتزان  و توافق ، والقدرة على النطق بالكلمات وترتيل الصلوات ..

 

       لذلك أنت متفرد ..

 

       متفرد فى كل ما منحك من صفات  لا تعرف الحدود  والحواجز ، و جعل منك معجزة حيّة تجابه التحديات . معجزة تعايش الأحلام والرؤيا بقدرةٍ  لا  تعرفها الملائكة - فهى  لا تعرف ولا تملك سوى الطاعة الطيبة !.. منحك قدرة متفردة فحياتك ومصيرك ينساب مترابطا وفقا لما قدمت من أعمال و خواطر ، فلا تغضب من الزمان واضحك . انطلق فى الإبداع ، واظب على الإستمرار وعلى الحمد ، فكل ما حُرمت منه فيك ، فى داخلك وبسبب الإختيار، فى خلايا الأعماق .. تتلمس بخيالها أبعاد الأسفار بين مجرات ممتدة فى الحيوات ..

 

       اليد ممدودة يا صاح لتصطحبك .. لتتساحل مع الشطآن ، لتحلق فى الآفاق ، تستطلع مكنونات الروح وتصل إلى نبع اللا مرئى و اللا مسموع .. فمعرفة الآخر هى الحكمة ، ومعرفة الذات هى الحكمة العليا ، و الحكيم هو من يعرف بلا أسفار أو انجراف مع الأسراب ،  يفهم دون أن ينظر ، و يُنجز دون أن يثير الصخب ليستأثر بالكون .. تساحل لاستكشاف التوافق ، لإدراك ما هو دائم ، فمن يدرك ما هو دائم  يصبح كالعارف بالله ..

 

       لذلك أنت قادر على صنع  المعجزات بقدرات  لا  محدودة الأبعاد ..

 

       فلا تقبل بالفُتات ، لا تقبل أحزان الندم لتخفى الآلام ، فكل يوم يولد مثقل بالتحديات ومثقل بالآمال وما على أىّ منا إلا أن يختار...

 

     لا تيأس أبداً ، و تذكر أنك متفرد القسمات والملكات ، متفرد الخلجات والنبضات ، متفرد فى كل ما تملك من بصمات ، وتذكر دوماً.. تذكر أنك أنت معجزة من معجزات السماء لأن الله قد  منحك – كإنسان ، القدرة على الإختيار ..

 

       والحياة بكلها : مجرد إختيار ..

 

2006