عبر الأثير ؟! ..

 

التقينا صدفة ، عبر ابتسامة تلقائية  متبادلة ، بينما  تداخلت نظراتنا  بعمق فى ومضة ! أو  لعلها ومضات متتالية مكثفة ، من تلك التى يتم تبادلها فى الأثير الممتد  رغماً عنّا ، أو حتى دون أن يكون لنا أية سيطرة عليها .. ومضات هى أشبه ما تكون بنفحات أو بأصداء من العالم الآخر ، تُرسل إلينا دون ان نلتفت إليها أحيانا – أو فى الغالب الأعم .. 

 

كانت من تلك الوجوه التى تشعّ بهجة ما ، بغض الطرف عن تكوين ملامحها أو عن عدم رهافة تكوينها إجمالا ، والتى ما أن يلمحها المرء حتى يشعر بألفة قديمة، أو يخيل إليه أنه التقى بذلك الوجه من قبل ، فيستكين إليه باطمئنان بلا سبب واضح .. مجرد معرفة سابقة ، مبهمة التفاصيل ، عبر الزمان والمكان برحابتهما .. ولعلها مرت هى بنفس الشعور والخواطر فى نفس اللحظة ، فذلك هو الإنطباع الذى انتقل إلىّ فى نفس الصمت الذى ربط بيننا .. فهناك شحنات أو موجات تنتقل بين الأشخاص أشبه ما تكون بذبذبات مشحونة ، يتم التقاطها بنفس سرعة صدورها ، وكأنها تنتقل من شخص إلى الآخر فى ومضة ، ليستقر ذلك الإنطباع فى الأعماق حتى دون أن ندركها بشكل ملموس.. ذلك هو الإطار العام الذى التقينا خلاله فى لحظة ..

 

رحت فى إغفاءة خاطفة بينما الطائرة تغوص فى سحاب كثيف متكاثف الطبقات ، وكأنها تسبح مع ما أسبح فيه من خواطر فى اللاوعى  .. وكانت هى تجلس بجوارى ، فى الطائرة المتجهة إلى وارسو ، على الجانب الآخر من الممر الضيق الذى  يفصل بيننا ، عندما التفتت نحوى والتقينا فى تلك النظرة المشحونة ، ثم عاد كل منا إلى صمته  ، وإن كنا نود – فى قرار كل منا ، أن نتبادل أطراف الحديث استكمالا  لتلك الإنجذابة الخاطفة ..

 

وعبر إبتسامة أخرى سألتنى بالبولندية والسعادة  تتدفق من كل كيانها الممتلىء نسبيا :

 

-     هل أعجبتك الرحلة ؟!

 

كانت الطائرة البولندية تحمل فوجا من تلك الأفواج التى تنظم لها رحلات اسبوعية إلى الأراضى المصرية وآثارها . وربما كنت الراكبة الوحيدة المصرية وسط ذلك الفوج الذى لم يكف عن الصخب والهرجلة بعشوائية و بسعادة واضحة . فابتسمتُ إليها قائلة بالإنجليزية  أن رحلتى لم تبدأ بعد !

 

أختلت ابتسامتها وهى تقطب جبينها وتجمع فيض من التساؤلات التى اندفعت فجأة ، لتقول بشىء من الإستنكار :

 

-     ألستِ بولندية ؟! .. خلتك من الفوج ، وأننا كنا معا طوال الرحلة ! 

 

فهززت لها رأسى باسمة لأجيبها بأننى مصرية ، بينما ملامحها ترفض ما تسمع . وبعد لحظة استنكار مكتوم ، قالت بنبرة جادة وإن كانت تحمل الكثير من الخلجات وهى تهز رأسها بكل ما به من صور متداخلة :

 

-     معذرة ! إن عمق شعورى بأننا التقينا قبل الآن ، وشعورى العارم بأننى أعرفك يقينا جعلنى أندفع فى الحديث دون التفكير فى أى احتمال آخر ..

 

استوقفتنى تلك البداية غير التقليدية وأنا أتأمل كل ما يعلوها من مشاعر وانفعالات جادة ، وإن كنت تواقة إلى معرفة المزيد عنها . فابتدرتها قائلة :

 

-     والآن، هل لى أن أطرح عليك بنفس سؤالك ، لأعرف رأيك أنت فى هذه الرحلة وفى مشاهداتك ؟

 

فسألتنى باقتضاب :

 

-     مصر القديمة أم الحديثة ؟

 

-     الإثنان وجهان لأرض واحدة ، وإن تناقضتا فى الشكل والمضمون !

 

تحركت رؤاها بسرعة خاطفة وكأنها تتغربل فى لمح البصر ، ثم  قالت بعد أن رتبتها بصورة إجمالية :

 

-     لى الكثير من المآخذ على الوضع الراهن .. ربما كنا فى بولندا نمر بأزمات متشابهة إلى حد ما فى المجال السياسى والإقتصادى – إذ أننا نخضع لضغوط متقاربة رغم اختلاف ونوعية تبعيتها .. إلا أن الفوارق الطبقية فى مصر تفوق كل ما شاهدته فى حياتى ، أو كل ما سمعت عنه فى أى بلد آخر.. انها فوارق مذهلة مهينة  إلى درجة لا إنسانية ..

 

توقفت هى برهة ، بينما الحرج يجتاحنى تصاعديا ، ثم استطردت وقد اكتست ملامحها بخليط من المرارة و الإستنكار ، وقد فاتنى بداية كلامها لمرور المضيفة بيننا :

 

-     ... وذلك العدد المفزع من الشحاتين والعاطلين و المتسكعين والمشوّهين.. وخاصة ذلك الكم المهول من الأطفال المستجْدين بإلحاح لذج .. إلحاح يفوق طنين الذباب العالق على وجوههم ..

 

أرتفعت الأصوات والصور فجأة بيننا .. ثم لم أعد أتبيّن سواها : " بقشيش .. بقشيش .. والنبى ياست .. هالو .. جيبت بقشيش .. بقشيش يا بيه ، والنبى يا ست " .. وجوه تتزاحم لتلوك تعبير متكرر مرير الإهانة .. أيادى نحيلة إخشنّت جلودها برماديات كالحة ، ترتفع وسط ثياب بالية ، رثة الشكل والرائحة .. أقدام تتعثر فوق فتات الشذرات التى تلقى إليها بنفور و تباعد ، أو بتعالٍ رغبة فى الإبتعاد ..

 

وبينما صهد إنفعالاتى يغمرنى بحرج ومهانة ، عدت أتنبه إلى محدثتى ، لأتبيّن ما كانت تواصله من انتقادت :

 

-     .. وخاصة إنعدام الخدمات العامة والمرافق فى المناطق السياحية ، و ..

 

ودون وعى منى ، وجدتنى أقاطعها بشىء من الحدة ، بأدب ، لوضع حدٍ لمشاعرى وما يعتليها من مهانة جارحة :

 

-     مشاكلنا أعرفها .. أعيشها كل يوم منذ الصغر وأعيش ما طرأ عليها من إنحدار ، ولن نعدّل منها شيئا بحديثنا .. لننتقل إلى مصر القديمة بآثارها ، وهو مما لا شك نمط  مختلف تماما عما لديكم من آثار ..

 

فرمقتنى بابتسامة ذكية ، إلتقطت خلالها كل ما كان يعترينى من حرج وغيرة على البلد.. ثم استطردت وهى تغوص فى هدوء بعيد :

 

-  كانت رحلة غريبة .. لم أكن أنوى القيام بها .. فحينما ذهبت إلى مكتب السياحة ، كنت أود زيارة اليونان ، لكننى لم أجد إلا تذكرة واحدة فى الرحلة المتجهة إلى مصر، وبما انها أجازتى الوحيدة فى هذه الفترة  ..

 

-     هل تغيّرين إتجاهاتك بهذه السهولة ؟!

 

-     عادة لا ، إطلاقا .. لكننى اشعر أحيانا بأن هناك حكمة ما فى هذا التغيير الخارج عن إرادتى، وإنه يتعيّن علىّ أن اقبله بلا تردد ، أو إن شئت  بلا تدخلات منى .. وكثيرا ما تتضح لى الأسباب فيما بعد .

 

-     أى انك جئت دون إختيار مسبق أو

 

-     فى الواقع ليس تماما ، فمصر لها سحرها .. مصر أم الحضارات القديمة .. انها تتميّز بقوة جذب متفردة ، لذلك كنت أنوى زيارتها.. أنها .. الأرض-الأم ، أو .. الأسطورة-الرمز ، منذ الخليقة ..من ذا الذى لا يرتبط بها حتى قبل أن يشاهدها سواء من خلال الكتب أو عبر الأصداء ؟!

 

-     أصداء ؟! .. أية أصداء ؟

 

-     أشعر أنك تدركين كل ما أعنيه .. هناك أشياء كثيرة يشعر بها المرء أو يلتقطها ولا علاقة لها بالزمان والمكان .. أو ، إن شئت ، لا علاقة لها بمفاهيمنا الحالية .. إن الحضارة المصرية القديمة ما زالت تنبض فى صمت ، رغم كل ما أصابها من إنتكاسات ، أو رغم كل ما فرضوه عليها من تحريف وسوء فهم ، لكى لا أضيف لفظ  " تزييف " فى التاريخ وفى معانيه !

 

رحت أستعرض ما قالته ببطء يشوبه الحنين .. أخذت الصور تتلاحق وتتداخل ، مع كل ما عايشته من تجارب فى مجال الآثار ، تتابع غريب بين الماضى والحاضر ، بين المجد البعيد والزيف الذى يطمس معالم  الكثير .. وانتبهت على صوتها وهى تواصل الحديث قائلة :

 

-     .. لذلك فاقت الحضارة المصرية القديمة حضاراتنا الحالية .. نعم ، بفضل ربطها بين المجالين الأساسيين

 

  فقاطعتها وأنا أحاول ربط الحوار أو القفذ إلى بدايته وكأننا على خط تواصل ممتد ، فمثل هذه الموضوعات عادة ما لا تفتح بين غريبين ، أو بين شخصين فى أول لقاء عابر بينهما :

 

-     تقصدين المادى والغيبى ؟ .. للأسف ، ذلك تحديدا هو ما ينقصنا حاليا .. أو ، ذلك هو – بقول آخر ، الحل الحقيقى  لما تمر به الأرض حاليا من صراعات وتخبط ، ولكل ما يعتريها من أزمات طاحنة ..

 

-     أنا معك تماما ..

 

-     أعرف أن ذلك هو الهدف الذى يجب أن نسعى إليه ليتم التوازن على كوكب غارق فى وحل الأنانية والماديات .. لقد وصل التقدم فى الماديات التقنية وغيرها إلى درجة البذخ ، بل تعداه إلى درجة العته والتخريب .. بينما معلومات معظم الناس لا تزالت تحبو وتتعثر فى المجال الروحى .. لذلك نحن فى هذا العرج أو عدم التوازن الرهيب

 

-     بل هناك من لا يزالوا ينكرون وجود المجال الروحى ! أو لا يطيقون سماع كلمة عن الروح، وكأنها ارتبطت فى ذهنهم بالموت أو بالمحرمات الكبرى !

 

ورغم ولعى الشديد بالمجال الغيبى إلا أننى حاولت تغيير الحديث ، فلم أتصور أن يكون مثل هذا الموضوع الجاد ، الشائك ، حوارا بين شخصين يلتقيان لأول مرة ، وفى لقاء عابر على متن طائرة ! وبعد فترة صمت سألتها عما أعجبها من آثار ، وأى عصر بالذات قد لفت ظرها ؟

 

رمقتنى بنظرة شبه إستنكارية باسمة .. وازدادت حدقتاها إتساعا ليحيط بهما إشعاع واضح ، ثم عادتا إلى الإبتسام الهادىء وهى تقول :

 

-     قبل أن أجيب على سؤالك ، هل لى أن أعرف لماذا تستغربين لقاءنا ؟! أننى أشعر يقينا أن هذا المجال يعنيك ويشغل حيّز ثابت من تفكيرك .. ضوء الهالة المنبعثة من وجهك يدل على مدى تقدم روحك ، وعلى مدى درايتك .. انك تعرفين الكثير .. بل أكثر مما قد تتصورين !

 

كدت أتمتم ساخرة مازحة : أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذى يعرف ، ولا يعرف أنه يعرف ! لكننى قلت باقتضاب :

 

-     ان جهلنا ، أو إن شئت جهل الناس عامة بالمجال الغيبى وعدم معرفته معرفة علمية واضحة، قد سمح بدخول الكثير من الشعوذة واستغلاله بغية تحقيق مكاسب أخرى .. لذلك ، عادة ما أتفادى المناقشة فيه ، خاصة إذا كان الموقف فى مثل لقائنا !

 

-     ألا تعرفين أنهم توصلوا فى التجارب الدائرة بين أمريكا و الإتحاد السوفييتى إلى الحد الذى يحتم عليهم تغيير النظام السائد ، وتغيير المفاهيم والقيم التى يحكمون بها العالم ويتحكمون فيه ، لذلك يتكتمون نشرها والتعريف بها ؟!

 

-     أعرف ما هو أحزن من ذلك .. أعرف أنهم يسعون لتدمير جزء من العالم فى سبيل مصالحهم وأوهامهم  إعتماداً على نصوص محرّفة ونبؤات قد تحققت فى الماضى ، إعتمادا على فرض أنها لم تتحقق بعد ..

 

-     أعرف أنهم يعدون العدة للتخلص من العالم العربى .. لكن ، هل نملك شيئا ؟!

 

-     ستأكل النار مشعليها ! .. لنعد إلى الآثار ، ترى أى العصور قد جذبك اكثر ؟

 

-     تعرفين ردى ، فلماذا تسأليننى؟

 

-     لتغيير الموضوع من جهة ، ومن جهة أخرى من باب التأكد !

 

-     عصر أخناتون ، بلا شك .. أول الأنبياء وأول من نادى بالتوحيد وبعبادة الإله الواحد ..

 

-     وأول من نادى بالواقعية فى الفن ، أم نسيتى ؟

 

فابتسمت حدقتاها وهى تضيف وكأنها أدركت شيئا لتوها :

 

-     أنه عصرنا .. العصر الذى عشنا فيه أختين صديقتين متلازمتين ..

 

وبعد فترة صمت ، أضافت بصوت خافت وكأنها تلتقط شيئا عبر الأثير :

 

-     الآن أدركت سبب مجيئى ! .. طوال الرحلة لم يحدث لى ما يفسره ! لم ينتابنى أكثر من مجرد الإحساس بأننى عشت هنا من قبل .. لذلك عايشت إنطباعاتى بهدوء ، لكننى لم أدرك أن .. يا لغرابة الأقدار ..

 

وانطلقت فى ضحكة خاطفة مرحة وهى تضيف :

 

-  أرأيت ِ ؟  كان علينا ان نلتقى !!

 

وبعد فترة صمت ، وبينما المضيفة تقوم بتوزيع الطعام وتقطع سير الحوار بيننا ، قدمت لى بطاقتها لأتصل بها أثناء وجودى فى بولندا ، ورحت اقرأ فى صمت:

 

 " ماريا  بواتشيشن

 

طبيبة تحاليل

 

رئيسة الجمعية الروحية فى وارسو "

  

1989