أول وردة  ..

 

توقفت نظراتها عند عقارب الساعة مثقلة مجهدة .. وكأن وطأة مرضها وعناء إعدادها الطعام قد حطا على كاهلها بمعناة الدهر .. فجاهدت لتنظيم نَفَسها فى إيقاع رتيب وهى تعيد القراءة : " الثانية إلا عشر دقائق " ! وهالها أن يبدأ قلقها قبل موعد القلق بأكثر من ساعة ، بينما اسئلتها الصماء تتلاحق فى شبه تهكم ، و أطياف فرحتها بأنها اعدت له أحد أطباقه المفضلة ما زالت متعلقة بأنفاسها المتهدجة . فراحت تتساءل عن موعد عودته : " فى الخامسة  ؟ .. قرب السادسة ؟ .. ربما فى السابعة ؟! .. ترى هل سيأكل ، سيقول لها كالمعتاد انه ابتلع أى شىء ليواصل العمل، أم تورط  فى دعوة غذاء طرأت فجأة  ؟! " ..   

ومع كل سؤال يتوالى عدد المرات التى تأخر فيها بتفاصيلها ، و قلقها ، ومرارة انتظاراتها .. ويا لغرابة ذاكرة الإنسان ! حتى الترّهات تختزنها لتطفو فجأة وقد خالتها تلاشت أو انمحت . فما أن تقترب من بدء موعد انتظاره حتى يتوقف كل شىء فى حياتها ، فى لحظاتها كما فى خلجاتها .. يتوقف انتظارا لعودته .. 

وبينما هى تستبعد شبح آخر أزمة قلبية اعترته ، غمرتها دوامة أعماله ومشاغله وارتباطاته ما بين الكلية وإدارتها ، واجتماعات مجالسها ، والرسائل التى يشرف عليها واهتمامه بتوجيه الباحثين والباحثات، وتوقف ذهنها برهة، ثم واصلت: استعراض اللجان التى يشارك فيها، وانتداباته كمستشار فى أكثر من مكان ، ومؤلفاته العلمية التى لا تعرف متى يكتبها ، والمقابلات والندوات والبرامج الإذاعية والتليفزيونية ، والمؤتمرات المحلية والخارجية ، فكل ذلك  ـ  وما قد تكون قد غفلته،لا يسمح له أبدا بالتحكم فى موعد عودته . ويالها من دوامة جارفة .. 

 

وابتسمت لابتسامته الحائرة فى خيالها وهو يقول لها كلما سألته  :

 

ـ أعمل إيه .. ما باقدرش أقول لأ  ..

 

واحتضنته فى بسمة مخيلتها .. مُحبة لطيبة قلبه المعطاء حتى بدأ ذلك القلب يعلن العصيان !.. دوامة جارفة ، لا تعرف الفرق بين الأيام والأجازات .. طاحونة دوارة تبدأ مع إشراقة الصباح لتتقاذفه فى تواصل بين أرجاء المدينة وزخمها ، لتقذف بكيانه المجهد عند انتصاف الليل أو بعده أحيانا ، ليعاود الكرة من جديد .. 

وارتفع عتابها الأخرس رغم مشاغلها هى أيضا .. لكن ، متى يلتقيان إذن ؟! وكم من وعد جرفته الأحداث والمشاغل .. وساحت فى ذهنها مع لحظات لقائهما بنفس التدفق الذى تجولا فى رحابه بعيدا عن الزمان والمكان ، بحثا عن يقين مجهول.. وحط  كلا منهما رحال حياته على الآخر ليمتزجا فى سموات الغيب والوعود .. وعود يبدو أنها  تتلاشى بانتظام  تحت طغيان الأعمال و المشاغل. 

وانتشلتها فجأة ضحكة باهتة ، فاضت على السطح بكل  المرات التى اعتذر فيها عن تأخيره وتلك التى فاته حتى أن يعتذر ! مما دفعها على الإصرار بأن يجتمعا ولو مرة فى الأسبوع   على الغذاء ، وكأنهما أغراب وليسا زوجان .. وكم من مرة أعدت كل شىء ، وجلست تحت ذلك الوقت الراسخ المثقل بالقلق لينتزعها رنين الهاتف بدوّى صارخ حتى وإن كان خافتا ! ويأتيها الصوت من بعيد ، حنونا محبا كالمعتاد رغم خليط الحرج والإرتباك :  

ـ  حبيبتى ..

 

وتجتاح صدرها حزحزة ضارية ، بينما حنينه يغمر كيانها ، فتغوص فى صمتها الصموت لتتمتم بلا وعى :

 

ـ  ولا يهمّك .

 

وتضع السماعة ببطء أبكم ، ثم تنهض كالإنسان الآلى لتجمع أوانى المائدة بهدوء بارد ، نظيفة لامعة كما رصتها ، ثم تضع الطعام فى الثلاجة بنفس البرود الشاحب ، ثم تنزوى فى برودة وحدتها ..  

والتفتت عيناها إلى المائدة ، بنفس الصمت البارد الذى احتواها ، ترى هل ترفعها ؟ .. تبقيها ؟ وعادت ترمق عقارب الساعة وهى تتساءل : "ألم يؤكد فى الثالثة؟ ! "  وقفذت فجأة وهى ترى العقارب تتعدى  الثالثة والنصف فصاحت :     "زمان الأكل برد " ! . وهرعت إلى المطبخ لتسخينه حتى يكون معدا عند عودته ، ثم أطفأت الشعلات فى رتابة آلية وعادت إلى مقعدها بخطى مترددة  : أتجلس أم تلقى بجسدها المتعب على الفراش ، فحتى إن غفت لحظات ستقفذ قبل اقترابه من باب الشقة ! لكن قدماها توقفتا عند المقعد كالأمل المحبط وهى تكاد تهمس :

 

ـ " جوازة إيه دى يا رب ؟ "

 

وارتعدت فرائسها من هول ما نطقت ، كمن كفر بنعم الكون و ملكوته ! فيقين حبها تجاوز السماوات و الأرض ، لكن .. وغاصت فى ثورتها الدفينة ، فحيح الغضب يتزايد مع صفير أذنيها الحاد ، ليقذف بها بعيدا عند شاطئها الممتد بساحله الحزين . وغاصت فى حوار الصمت .. حوار لا نهائى كصمت الموت فى هيكل معبد أوحد.. معبد منعزل العزلة وسط هَوَس الدنيا و ضجيجها. فتهيم فى الصحارى بحثا عن خالقها و تستجدى الوِرد بالأوراد .. أهى تطلب الكثير يا رب ؟!  أن تتشابك أناملهما فى رحاب الكون ، أن تمتزج النبضات وتتداخل الخلايا .. أن يتساحلا معا بطول شاطىء الحياة و يمتزجا فى وهج الحب ؟! .. أن تكف عيناه عن متابعة عقارب الساعة ! وكادت تصيح وهى تستبعد تعليق أختها  ( "يمكن فيه واحدة تا نية" ) لا ،    لا يمكن أن يكون خائنا .. وارتسمت عيناه بعرض السماء . ارتسمتا بنظراتهما الثاقبة الهيام والإقناع ، واتسعت حدقات سوادهما الفاحم لتغوص فى شموسها السوداء ..  

وسبحت فى سوادهما .. لا ، لم يكن كسواد العدم ، والغضب ، و المحن .. لا، ولا حتى كسواد الإقتناص الضارى أو سواد الشمس الغاضبة .. كان سوادا حيّا ، يموج كعباب اللاوعى ، أو كلَيلٍ ينتهى بوهج النور .. عينان حبيبتان كتلك الشموس السوداء  ، نبع الحياة و اللهيب ، عينان هما روح متقدة توقد الهمم والعزائم ، تصقل العواطف ، تذيب الأعماق ولا تذوب .. عينا الحنين و الآمال ، تومضان بفجر المعرفة ، تشعان بنور دفئها الحالك السواد وسوادها المتموج فى بحر من نور كشمس الربيع وشمس الهلع الرابض خلف ظلال الموت .. كأنها النور الكاشف للظل الملعون، بين شفافية العتمة  وعتمة الضوء الساطع .. وكادت تصيح " هل كل ده تمثيل ؟! " و فاتها كل التناقض الذى اعترى الأوصاف فى خيالها .. 

و تتلألأ الشموس على سطح الماء ، تعلوها قطرات الندى والعرق البارد يفترش جبينها الناصع ، بينما تساؤلها يقرع فى لج الأعماق : أأطلب الكثير يا الله ؟! وكادت  تصرخ : (احجبوا الشمس عنى حتى لا يرى عمق الجراح !) بينما أجراس أنينها الحاد تدوى فى الفضاء . والتفتت فجأة إلى الهاتف الأسود برنينه وسالت الوان الذكرى و دفء الأحلام ، سال النور على وجنتها فى دمعة شاحبة ، بطيئة ، وتوقفت بينما طبول صدرها  تقرع فى تلاحق مكتوم . فمدت يدها بنفس البطء الشاحب وهى تعد إجابتها المغلفة بالبسمة : "ولا يهمّك" ، لكنها لم تنطقها بينما غمرتها الفرحة :

 

ـ  شركة ؟ لا يافندم ، النمرة غلط .

 

ولهثت ضاحكة. أغمضت عينيها وكادت تغوص فى حبها المشمس وبحوره ، لولا ارتطمت نظراتها بعقارب الساعة : " الرابعة والنصف "! ومرة ثانية انطلقت إلى المطبخ لتعود بعد إطفاء الشعلات بنفس رتابة الصمت الحائر. أهى زحمة المرور ؟ محاضرة إضافية ؟ عطل فى السيارة ؟ إجتماع طارىء أم حادثة فى الطريق ؟ وكلها ردود تتوالى تنويعاتها  مع كل تأخير !

وبلا مقدمات نثرت كل شىء عن مخيلتها كمن صمم على أن يضع حدا لكل ما تعيشه من قلق صبيانى منذ عام ونصف هو عمر زواجهما ! لكنها راحت تطرق السمع بغرابة ، لتردد باستنكار غريب  ودهشة أكثر غرابة : هى ؟! هى تلقنه درسا ؟ حبها و بحرها وكل وجودها وابعادها فى الكون ؟! وانفجرت ضاحكة . ثم توقفت فجأة مطرقة ، "ولم لا " .. وأمسكت باللعبة : ستأكل و .. ولم تستكمل عبارتها ، فمن المحال أن تأكل قبل عودته. ترددت ، وفكرت ، وقررت : لن تأكل معه ! وانبثق الرد صاروخا : بحجة إيه ؟! بأى حجة . ستتركه يأكل بمفرده عقابا له ! واتسعت ابتسامتها وهى تردد باستنكار : مش ممكن ! ستبدأ بأن الطبيب قال لها ، فقاطعها عقلها المناكف : "الطبيب لم يقل شيئا عن الأكل" .. وبعد برهة قررت أنها ستبدأ بالعتاب، على غير عادتها ، فهى لا يمكن أن تلقاه إلا فرحة ..وهالها أن تنساق فى لعبة صبيانية لم تألفها . وابتلت عيناها وهى تشيح بسؤال أصم : " أيمكن أن ينساها بهذا الشكل ؟"   

وكادت تطلق صيحة صمّاء خالية حتى من الأصداء لتزيح وجه اختها باعتصارة ألم فى الصدر ، لكنها انسلتت فجأة من كل ما هى غارقة فيه لتنطلق إلى باب الشقة ! وتداخلت كل الإيقاعات ، أنفاسه بأنفاسها وضربات قلبه بنبض كيانها بدقات الساعة وهى تعلن السادسة وآذان المغرب وهو يشق الصمت بحنين بعيد .. والتقت نظراتهما فى لهفة .. وبنفس اللهفة تطاير كل ما أعده من عبارات واعتذارات.. غمرتها الفرحة واحتسى فرحتها فى ومضة .. اختلط الصمت بأنواعه أغنى وأروع من أيّة عبارات .. وعاشا الصمت فى عمق اللحظة.  

وفى نفس الصمت ، وبحركة رشيقة خاطفة أشبه ما تكون بحركات الحواه ، أخرج وردة من جيب سترته وقدمها لها بنفس الصمت .. انطلقت فرحتها فى شهقة وهى تمد يدها برفق لتحتويها بكفيها ، وحلّقت فرحتها فى فضاء الردهة فى رقصات منطلقة الإيقاع ، وارتجف كيانها من نفس الفرحة .. كانت تتأمل رهافة لونها الوردى وهى ترتل فى الأعماق بحب فياض : " أول وردة "! .. وبكل الحرص وكل الشوق راحت تتبع عطرها الممتد كوعد البعث ولحظة نور .. وردة أمل متألقة الروعة .. يقين يؤكد لها حقيقة ما تعيشه وهماً فى خيالها .. 

وفى لحظة ، تجلّى لها عالم الورد النورانى .. سبحت كالوهج فى النور بألوانه، وجابت حول إشعاع ضيائه و كأنها جسد من سحاب .. نباتات و غصون وورود   و سيقان أزهار من نور .. كأنها رؤيا نور من نور بألوان من نور .. وعادت لوريقات وردتها المستكينة بين كفيها ، هبة فى نبض تجلّيها .. نبض يسبّح بعظمة الخالق ، ينبوع الحب . استكانت الوردة فى حضن كفيها كوليد يغفو باطمئنان. قصيدة شعر بلورت فيها كل الخلجات و أنين عمرها الصموت ! 

ورفعت وجهها .. التقت نظراتهما فى صمت الفرحة .. وفجأة ،  ضمها إليه فى حضن واسع ، مغمور بالفرحة ،  لأنها لم تسأله : من أين أتى بتلك الوردة !! 

 

1993