حلوة يا بلدى ...

 

فاجأنى  خبر وفاة المغنية دليدا هذا الصباح .. اعترتنى مسحة حنين عارمة ، آلمتنى مثلما يؤلمنى  فراق أى إنسان  أعرفه ولو من بعيد .. حنين شاحب  جرفتنى بعيدا .. وسرعان ما تلاحقت الصور لترتطم بالآلام ، لا لشدة معرفتى بها ، وإنما لسماعى الخبر وأنا  بعيدة وحيدة فى الغربة .. بعيدة متباعدة عن كل شىء ، وكأننى مقتلعة بلا جذور .. أحلق فى الإبهام ، أعيش وسط  جدران ناصعة البياض وحضارة آلية جرداء ، خالية حتى من الذكريات  !.. و أعقب المذيع الخبر بأغنيتها  الشهيرة : " حلوة يا بلدى " .. التى كانت قد غنتها بالعربية ، رغم  إقامتها فى فرنسا ..

 

ومن الواضح أننى كنت مشحونة الوجدان متوترة  فى تلك الغربة ، رغم السكينة الواضحة على السطح ، فما كدت أستمع إلى بداية اللحن حتى ارتجفت واهتز كيانى حتى النخاع ، ليتماوج  فى أصداء  جياشة كالإعصار .. دموع تنساب فى القلب مثلما ينهمر المطر على مدينة رمادية الآفاق .. تنهمر وتتسلل كمن يبحث لنفسه عن مكان فيما بعد الأعماق ..  هدير كاسح لم أدرك من أين انبثق ، أطاح بكل السدود الشاهقة التى أحتمى خلف جدرانها ولا يظهر منها إلا ذلك الهدوء الناصع .. دموع مكتومة الأصوات ، مقهورة الأصداء ، تغلف الرؤيا المتلاحقة فى تداخل جياش ، وامتزاج غريب لتواكب لحن " حلوة يا بلدى " ..

 

حلوة .. حلوة يا بلدى بطينك و ترابك ووساختك .. حلوة بوحلك الأسود  يا مصر، يا أمى ، وأم الحضارات ..  حلوة بصبرك الأخرس رغم الغليان الكامن فى الأغوار .. حلوة حتى فى أنينك الطيّب .. وانساب الريف الساكن بكادحيه بأيام الصبا  فى  كلمة .. " كلمة حلوة وكلمتين " .. حلوة يا أرضى  يا وطنى  يادم الأجداد..  تلوثت مياهك وافترشت الدود شطآنها ، وصار الريف يستورد علفه  وقمحه وناقص يستورد طينه يا أمى !

 

                                                   " أمللى دايما كان إنى أرجع لك

 

                                                   وأفضل دايما جنبك على طول "..                              

 

 لكن الهجرة مكتوبة .. مفروضة على الجنبين .. تخرّب و تدمّر  فى الأصل الشامخ ، وتبنى وتعمّر  فى  البر الغاشم .. طارت أسراب مطرودة ، وأسراب  سلبتها الأوهام ، والغربة بتبلع فى النازحين وتحط الورد على الخدين .. فاكرة يا أمى ؟!

 

قلبى مليان بالأحزان والذكريات .. ذكريات كل اللى فات .. أحكيها لمين فى الوحدة الباردة والمسافات بحور وجبال .. أحكيها لمين وسط  المقابر والسجون وكلها أوجاع .. أحكيها لمين والبيوت خابت يا بلدى ، حتى المآذن مالت وانشرخت .. كان أملى أفضل جنبك على طول  ، يا بلدى .. أخفف عنك .. أشيل فى آلامك وأزيح من همّك  .. أبكى على صدرك وأبوس فى ترابك .. لكن الزحام دهسنى ، زحام رهيب يا أمى ، كله أكاذيب برّاقة .. كان نفسى فى بسمة حلوة .. فى كلمتين ، أسمعهم منك .. كلمة صدق يا أمى ، يا بلدى ،  بدلا من صمت القبور ، بدلا من نبش الغيوم وأنين الناى المخنوق ونحيبه فى القلوب .. وتتوالى الأصداء :

 

                                                        " قلبى مليان بحكايات

 

                                                          فاكرة يا بلدى .. "

 

فاكرة بجد يا بلدى ؟!

 

 فاكرة تاريخك  ومجدك وكل الثورات الصادقة قبل أن يكسوها الزيف يا أمى ويبدّل معالمها ؟ .. ثورات ومواقف محفورة فى قلبك من جوة .. أيمحوها الأوغاد ؟! نضالك فين يا بلدى ؟ ولادك فين يا بلدى ؟ رجالك و نسوانك وخَلَفك  التايه كله يا أمى  ؟ حتى جذورك قلعوها .. سحلوها وبدّلوها .. حسرة عليكى وعلى سواد ليلك الطويل .. إصحى يا أمى إصحى .. إصحى  ابنى وازرعى البسمة  الخضراء زى زمان ، فاكرة يا بلدى ؟ ..

 

                                               قلبى مليان بحكايات ، فاكرة يا بلدى ..

 

                               وارتفع العلم الأخضر وسط الهتافات بنشيد الأمل ..

 

                                             " لك حبى و فؤادى " ..

 

ده كان زمان .. لكن الفؤاد قد مات يا أمى .. ذبحوه  ، خنقوه فى الزمن الأغبر على عتبة الزيف والنفاق واللأكاذيب البجحة ..   حتى الوعود .. الوعود غشّوها يا بلدى وبقت سراديب .. 

 

فاكرة الحب ؟ عمرى كله ؟.. فاكرة يا أمى ؟! .. خفتى علىّ من أول كلمة .. من أول همسة .. من أول لمسة لتراب الأرض ونضالها .. وناضلنا .. كافحنا من أجل حبك يا بلدى .. وفات العمر خلف القضبان ، وفضل الحب على الخدّين  ، دمعة حبيسة ، و وردتين ..

 

دفنته صاحى يا أمى .. ونبضه جوة فى قلبى ، فى قلب بلدى ، فى قلب الصمت المخروس .. و النبض المدهوس ..

 

وتواصل الأغنية عن بعد :

 

                                                  " فاكره يا بلدى ؟

 

                                                    أول حب كان فى بلدى ،

 

                                                    مش ممكن أنساه يا بلدى " ..

 

ومين ينساكى يا بلدى يا أجمل حب .. يا مصر ، يا أم الدنيا وأم الأحزان .. أيادى تحفر وتبنى وغيرها تنبش وتلوى الأعناق .. أيادى تعالج وتشفى وغيرها تبتر وتنحر بسكينة تلمة يا أمى .. ويبقى فنارك يا اسكندرية منارة لدفن الأشلاء ! .. مش ممكن .. مين ينساكى يا بلدى و ينساكى يا أمى وينسى الدم اللى سال ، دا  لسه  دافىء ، صاحى بينبض ، لسه سيّال ..

 

                                             " كنا بنقول أن الفراق ده مستحيل ،

 

                                               وكل دمعة على الخدين كانت بتسيل ،

 

                                              مليانة بأمل أن إحنا نبقى موجودين

 

                                              فى بحر الحب على الشطين " ..

 

فاكرة يا أمى ؟  كنا بنقول .. فاكرة المتاريس و الحجارة ؟ ..

 

ان الفراق مستحيل ، واتفرّقنا .. والبحور جفّت وبقت مجرد  دمعة على الخدين .. وبقى الفراق هو الصحيح ، هو الحاكم على قلبين ..

 

 وضاع العمر على الشطين ..

 

زمان ..  كانت البحور ممتدة والأمل سيال ،والشطآن حواليكى و النبض يزغرد فى الأعماق  ، أصبحت الناس عطشى وسط الميّه يا بلدى .. الناس عطشى لكلمة  حق ، لكلمة صدق فى بلدى .. عطشانة لكلمة حب حلوة .. لكلمتين :

 

إصحى يا بلدى ..

 

فوقى يا بلدى ،

 

انفضى همّك ، ده كابوس مدجج بسلاحين !

 

والدمعة حفرت عظم الخدين ..

 

2 / 5 / 1987