حمدى الطيار ...

 

وقف الجميع فى وجوم أخرس حول المقبرة التى لم ينته الجندى بعد من ردمها .. وما أن بدر عليها آخر حفنة من التراب حتى أُطلقت إحدى وعشرون طلقة نارية صمّاء ، تبعها البروجى بوداعه الحزين .. أخذ اللحن يتردد فى الفضاء ببطء كنحيب الناى الأليم ، متباعدا منزويا ، إلى أن تلاشى ، تاركا خلفه فراغ  رهيب ..

 

كان ذلك المشهد هو آخر ما ناله حمدى الطيار من دنياه .. لحن البروجى الحزين ، وحفنة هشيم ، هى كل ما تبقى منه ، من إنسان كان بالآمس محلقا فى السماء ، محققا لأعز أمنية تمناها كبديل ضئيل ، لا يُذكر ، لكل ما عاشه من صراع وتخاذل من السلطات ..

 

ترى هل كانت هذه النهاية الخاطفة خير له ؟ من يدرى .. فحينما يتحول المرء إلى كتلة من القلق المرتج ، كتلة تناطح الإبهام فى معركة محتومة النهاية ، يصبح الموت أملا بعيد المنال .. يصبح الموت أملا ومخرجاً – حتى وإن كان حداً فاصلا .. فالموت يعنى النهاية المطلقة لشىء إيجابى ، سواء أكان إنساناً أم حيوانا ً أو نباتاً أو صداقة ، أو حتى حقبة من الزمان الممتد.. فهو رمز لما يفنى و يتحطم ليتلاشى  من الوجود ..

 

كان حمدى الطيار متأكدا من نهايته ، يعيش يقينها فى كل لحظة .. ورغمها ، كانت تشوبه أحيانا مسحة من الأمل ، عبر بريق باسم يشع من عينيه الواسعتين ، ليختفى مسرعا  تحت قهر المكابرة ، ترويضا للنفس الأبية ..

 

لم تكن صور مصرع زملائه تبارح ذهنه .. تطفو إلى السطح أو تستكين ، دون أن تختفى .. يشاهد نهايتهم فى صمت أصم وهلع مكتوم ، مدركا يقيناً أن ذلك هو عين المصير .. الإحتراق داخل الطائرة أو التحطم معها .. وصورة مريرة أخرى تلازم تلك الصور و لا تبارح خياله ،  يرتفع فيها صوت الضابط آمرا بعض جنوده بكنس الحطام سريعا  ليستمر التدريب – خاصة إذا ما كان هناك استعراضا عسكريا سيجرى فى اليوم التالى !..

 

كانت الطائرة تشعره بالإرتقاء وكأنها تعبّر له عن تطلع روحى لتحرير الذات  بالدخول فى الإرتفاعات السماوية .. أو كأنه يدخل فى نشوة أشبه ما تكون بالميتة الصغرى ! .. مجرد الشعور بالإنطلاق إلى الجو كان يغمره بسعادة لا حد لها لتحرره من الجاذبية التى تربطه بالإرض.. أو كأنه يستعد لملاقاة القوى العليا فى أتونها بكل ما بها من أفكار و تطلعات – كمغامرة كبرى فى مجال الغيب و مساحاته اللانهائية .. وانطلاقة جامحة للفكر المكبوح ..

 

وما أكثر تساؤلاته حول جدوى حياته .. بل حول الحياة برمتها ، تلك التى تختفى فى  لمح البصر وكأنها لم تكن .. لماذا يعيش بينما توفى كل رفاق دفعته ؟! دفعة بأسرها سافرت لتكون أول من يتقن التحليق بالطائرات الميج .. ترى هل ستكنس اشلاؤه ؟! كيف سيموت ؟ محترقا أو متناثرا فى الفضاء ؟ متى ؟ وكيف ؟ .. تلاحمت تساؤلاته وكأن قلبه أصبح لا ينبض ألا بهما : كيف ؟ متى ؟ كيف ؟ متى ؟ كيف ؟ متى ؟!

 

وتعود الأصداء ..

 

عاش حمدى بين أسرته سعيدا مرحا إلى أن دخل كلية الطيران . فلم يعد ينادى اخوته وأصدقاءهم إلا  ب "المدنيين الحقراء" ! ولا أحد  يعلم من أين أتى بتلك الأوصاف .. هل إلى هذا الحد لم يدرك معنى الجندية ، أم أن الجندية هنا تعنى التعالى والتفاخر إلى درجة الإبتذال والتفرقة بين الناس ؟ .. هل تفانى فى ولائها إلى درجة جعلته ينفصل عن غير العسكريين ؟ أم أن النمط العسكرى هو البتر الحاد بين المجتمعين ؟ وسرعان ما أصبح إحتقار المدنيين والطاعة العمياء لما يتلقاه من دروس هى كل ما انطبع فى كيانه الجديد .. ذلك الكيان المتعالى الطبع والتطبع .. بل لقد أصبح التراشق بالكلمات من معالم الفترة التى يقضيها بالمنزل فى أجازته الأسبوعية أو الشهرية..

 

وارتفع جدار غريب بين الشقيقين .. جدار لبناته الحمقاء من مفاهيم محرّفة مغلوطة :

 

- ما قيمة الشعب ؟ ما قيمة المدنيين ؟ أولئك الذين لا يضحون بحياتهم فى سبيل الوطن ! شذرمة من الجبناء الكسالى .. ويزداد حزن أخيه المحامى الناشىء ، وهو يزن أبعاد هذه الكلمات :

 

- أتعتقد أنكم أنتم  فقط من تَشْقون ؟ من ذا الذى يحمل عبء البلد  ؟ من يقوم   بالإنتاج ؟ من ..

 

-  لو رأيت التدريبات التى نقوم بها لأدركت معنى قولى..  أتدرك معنى ان تجلس فى زنزانة حديدية ترج فى أوصالك حتى تنسى كيانك  ووجودك ! هل تعلم ما هو ثمن الطائرة ؟ أتدرى معنى أن تتحمّل مسؤلية ربع مليون جنيها ؟ !

 

-  أتعتقد أن أى إنسان فى الدولة لا يساوى أكثر من ذلك ؟! أى شىء فى الدنيا يمكن تعويضه مهما كان ثمنه ، إلا الإنسان ..

 

ويكاد تفكير حمدى أن يهتز لحظة ، كاد أن يخرج عن تلك القولبة المحكمة الحصار، لكنه تمالك ليواصل قائلا :

 

ـ  أنتم هنا تجلسون على سجيتكم ولا تشعرون بنا .. ما الذى تقومون به  أنتم فى المكاتب أو حتى فى الغيطان ؟ أنتم تعيشون فى امان ..

 

فأوقفه شقيقه مقاطعا :

 

-  ويحك يا أخى ! ما معنى أنتم أنتم ؟ ما معنى هذه التفرقة أنتم و نحن ؟! هل نسيت إننا إخوة ؟ أم أصبحنا أعداء بدخولك الجيش ؟! هل تحولنا إلى يهود فى نظرك !

 

تضخم كبرياء حمدى الطيار و ازدادت مكابرته حتى تأليه الجندية .. وتعالى فى تضخم ذاته حتى التأليه .. وفى دقائق معدودة انهدم البنيان ! فبعد العدوان الثلاثى، وانتهاء تلك المعارك التى تم فيها إخفاء سرب الطائرات ، وانمحت فيها كرامة الجيش والعاملين به ، فكر حمدى فى الإستقالة . لم يدرك مغزى هذا القرار ، بل لم يفهم منه أكثر من أنه حُرِم من فرصة إظهار ما امتصه وتشبع به من تعاليم ..

 

وإن كان من ناحية أخرى لم يدرك أن الطيران يعبّر – بالنسبة له ، عن الرغبة فى التصعيد ، البحث عن التوافق الداخلى لتخطى صراع ما ، وهو ما يبدو من عصبيته .. وحلم الطيران دائما ما ينتهى بالإصتدام – وكأنه التعبير الرمزى عن الواقع المعاش ومختلف أنواع الفشل ، كإنعكاس لموقف خاطىء تجاه الواقع .. كانت الرغبة فى التحليق وتملك السماء تبدو له كنوع من التعويض عن الشعور بالعجز على أرض الواقع ..

 

احتوته الهزيمة ، لكن الكبرياء منعه : لن يهرب من مشاركة زملائه عين المصير .. وظل حمدى فى مهنته وإن احتلت الكراهية الصماء كل أعماقه .. كراهية من عرف  التمجيد إلى حد التأليه ، ومن عاش العظمة والتعالى إلى أقصى مغالطاتها، ليرتطم فى لحظة ، على مرارة أرض بلا قاع .. وكأنه ظل يهوى إلى ما لا نهاية ..  فالمثاليات تصتدم بحدة عند ملامستها صلابة ومرارة الواقع بكل ما يحمله من زيف وتواطوء ..

 

وذات يوم أحب .

 

 أحب بنفس عنف وقْع الهزيمة عليه ، أو لعله كان رد فعل لها .. و بادلته هى الحب بكل ما فى إمكانات كيانها المتفتح للعطاء .. وفجأة انقطع عن ملاقاتها . أسقطها بنفس العنف الباتر فى قهر النسيان : أليس من الأفضل لها أن تفقده الآن بدلا من أن تتزوجه وتفقده هى و جنينها ؟!

 

عاد حمدى الطيار يتخبط فى الفضاء .. فضاء مبهم ، لا أفق له وقد خلت حياته من أى ارتباط .. فضاء لا وجود فيه إلا لأصداء هزيمة كبريائه الحربى، وهزيمة وجدانه وكيانه العاكفى ..

 

وفى أحد الأيام ، عاد إلى المنزل بعد فترة غياب ، محملا بالهدايا لإخوته .. ولم يستغرب أحدهم  هذا التصرف ، فتلك كانت عادته فى الآونة الأخيرة خاصة إذا ما تخلّف عن الزيارة بسبب التدريبات أو بسبب حالة الطوارىء . وكأنه يحاول ترك بصمة ما ، شىء من الذكرى .. لكن أحدا لم يلحظ أنه حضر فى غير موعد أجازته ، إذ كان بمجرد وصوله يملأ المنزل حيوية وصخب ..

 

مضى الوقت مسرعا وبدأ حمدى يحوم فى أرجاء الشقة .. كادت يده تربت على الأشياء فى تردد ملحوظ .. لكنه سرعان ما أعادها إلى سكونها الأخرس ..لم يبق إلا لحظات ليغادرهم إلى المطار ..  بدأت أعماقه تهتز وكأنه يعيش ذبذبة الموتور مسبقا .. فاستوقفه أخيه وقد لفت نظره ما استشفه من ارتباك  مكتوم :

 

- حمدى ، ما الذى  تنوى عمله غدا ؟

 

توقف حمدى فى مكانه وقد تداخلت الأشلاء برائحة الشياط  والوقود .. وأعاد الأخ سؤاله . فابتسم حمدى بعينيه الواسعتين وقد كساهما فجأة حنين عارم لاحتضان أخيه .. لكن ، ما معنى الحوار حين لا تجدى الكلمات ! وعندما كرر السؤال لثالث مرة، لم يقل حمدى باقتصاب  سوى :

 

إصابة هدف ..

 

وما الغريب فى هذا وكل تمارينكم إصابة هدف !

 

فأجابه بنفس الآلية الجرداء وهو يحملق فى الفضاء :

 

يجب أن أسجل رقما قياسيا فى الإقتراب من ..

 

.. لكن ،

 

لكن ماذا ؟ إلى متى سأظل فى هذا الوضع ؟ يجب أن أصنع شيئا فى حياتى .. بأى وسيلة وبأى ثمن .. شىء  ما  يسمح لى  بأن أرفع رأسى من جديد ..

 

وكاد الأخ يجيبه بأنه لو أخطأ فى الإقتراب من التصويب على الهدف ، كما يود ، فلن يعيش ليخبره بنجاحه ! لكنه آثر الصمت . سكت برهة حاول خلالها البحث عن حجة يقنعه بها ، لكن حمدى قاطعه بصرامة :

 

لن نضحك على بعضنا .. محسن ، أنا إنسان ميت .. إن لم يكن غدا ، ففى اليوم التالى .. ألم تلحظ أننى آخر من بقى من دفعتى ؟ الدفعة  بأثرها  قد تحطمت !

 

وبعد فترة صمت استطرد قائلا :

 

إن لم أحقق ذلك الرقم القياسى غدا ، ما الذى أكون قد صنعته فى حياتى ! كل ما تشربناه  من كبرياء وحماس و وعود انمحى  فى لحظة ..

 

وتصافحا فى صمت رهيب .. صمت اندمجت فيه كل معانى اليأس الأجوف . وقبل أن ينصرف ، ربت على كتف والدته قائلا :

 

أمى ، وحياتى عندك ، لا تنسى الورد كل اسبوع !

 

وخرج مسرعا قبل أن يسمع إجابتها ، بينما ظلت هى واجمة .. ألا تملأ البيت زهورا  بلا  رجاء من أحد ؟! ..

 

أمضى حمدى ليلته فى صراع الأصداء .. صراع تداخلت فيه صور الأحداث بأضغاثها، عبر طنين حاد يملأ تجويف رأسه المكلوم .. كأنها عواصف تتلاطم فى تجويف الرأس ..

 

أهو فى حلم ؟ ..

 

هل مات وانتهى  كل شىء ؟ ..

 

وانتشله صوت النفير الحاد من دوامته ، ليبدأ يومه بنفس رتابتة المعهودة . وفى التاسعة صباحا جاء موعد تحليقه .. توجه حمدى إلى طائرته فى ثبات ظاهرى واضح . وفى الداخل ، بدأ يربط الحزام حول وسطه باهتمام شديد ، بينما راح ذهنه ينبض ، جامعا عدة خيوط فى آن واحد : ما تعكسه عيناه ، ما تتطلبه مهمته من تركيز وانتباه ، ما يعتمل فى نفسه من مصارحة لعملية إنتحاره شبه المقنّعة ، ضغوط هزيمة مصر الحربية ، شرفه العسكرى المهان ، حبه المبتور ظلما ، يجمع بينها أنين وطنين لا يهدأ .. لكنه تداخل فجأة بأزيز الطائرة وهى تنطلق .

 

كان عليه أن يصيب هدفين ، لكنه لم يصل إلا إلى الحد المألوف فى الطلعة الأولى .. فارتفع محلقا استعدادا للإصابة الثانية ..

 

وفى لحظة ، لحظة باترة خاطفة ، هى اللامعقول بعينه ، توقفت خلالها أنفاس الحاضرين فى شهقة ، اندمجت فيها الفرحة بالإبهام والعته  بالصيحة .

 

فقد اقترب حمدى الطيار من الهدف إلى درجة لم يسبقه إليها أحد .. وسجل الرقم القياسى الذى سيحمل اسمه ، وكأنه الجنين الوحيد الذى تمكن من تركه على تلك الأرض .. وحينما حاول الإرتفاع بطائرته ، احتكت مؤخرتها بالأرض واشتعلت فى أقل من لمح البصر ..

 

وفى الثانى من شهر سبتمبر 1959 ، طوى الظلام الأسود حفنة هشيم فاحمة السواد و الآلام ، هى كل ما تبقى من الإثنى وعشرين ربيعا ..

 

ترى ، هل عرف الإجابة على سؤاله :

 

 كيف ؟ ومتى ؟ .. أو حتى : لماذا ؟!! ..

 

1959