درس فى الأداء..

 

كانت قد وعدت طلبة الدراسات العليا أن تقدم لهم درسا عمليا فى الربط بين الفنون بعامة، وخاصة فى الربط بين معنى الموسيقى والأداء وترجمة معانيها .. كانت قد رجتهم أن يحضر أحد هم جهازا محمولا لإدارة اسطوانة مدمجة، إذ أن الجهاز الذى لديها يفترش الحائط لإرتباطه بعدة أجهزة سمعية أخرى ولا يمكنها فكه من مكانه. وتبتسم  لتلك الفرحة التى انتابت طلبتها لمجرد فكرة الإستماع فعلا  إلى الموسيقى فى المحاضرة والخروج عن المألوف بمعايشة حدثا لم يصادفونه مع أى أستاذ آخر .. وكاد الهرج يندلع لولا شدّت لجامه فى لحظة كالمعتاد .. فبقدر ما كانوا يحبونها كانوا يرهبون ردود أفعالها  ويتجنبون إثارة غضبها ..

 

وبعد أن تم وضع الجهاز وتوصيله بالكهرباء وساد الصمت ، بدأت بهدوء قائلة  بالفرنسية :

 

" رأينا فى المحاضرات السابقة أن الفن إجمالا هو شكل مححد للوعى الإجتماعى ، للنشاط الإنسانى ، وإنعكاس للواقع من خلال الإبداعات الفنية . وهو من أهم وسائل إدراك العالم المحيط بنا  فى المستوى الجمالى . كما رأينا أنه يعتمد على ثلاث ركائز هى : الموهبة ، والدراسة ، والممارسة المستمرة . أما الخلق والإبداع فهو من النشاطاط  الإنسانية ، ويؤدى إلى تكوين قيم مادية وروحية جديدة . وتتمثل قدرة الإنسان على الخلق بصور متفردة ، بدأً من معطيات مستمدة من الواقع ، للتعبير عن واقع جديد ، يُشبع حاجات إجتماعية إنسانية جديدة . وهى إمكانية تجمع بين الوعى واللاوعى ، وكأن الخالق هنا يلامس أطراف ما وراء الواقع "..

 

وما كادت تنهى عبارتها حتى ابتدرها أحد الطلبة ، بعد أن إستأذن كالمعتاد ، قائلا بالعربية :

 

- هو مش حرام نقول الإنسان بيخلق ؟!

 

فابتلعت المقاطعة ، ومستوى السؤال ، لتجيبه بنفس الهدوء الذى ألفته مع أى سؤال يُطرح عليها أياً كان مضمونه أو مستواه : " فى الحضارة الفرنسية ، ولعلكم لاحظتم ذلك منذ السنة الأولى فى هذا القسم ، أو حتى فى الحضارة الغربية بعامة، والتى فقدت إيمانها بالله ، لكل ما رأيتم من أسباب فى  السنوات المختلفة ، يستخدمون كلمة خلق وخالق ويخلق للإنسان ولله ، بلا أى تمييز بينهما ، أما فى اللغة العربية فهى كلمة متروكة للخالق ، وعادة ما يستخدم الإبداع الفنى بدلا عنها " ..

 

ثم عاودت الحديث قائلة : " وقبل أن نتناول شرح كلمة الأداء ، سنعود إلى مجال الترجمة إجمالا قبل ربطها بالموسيقى" . وكانت فى ذلك العام قد تولت مادة الترجمة إضافة إلى جدولها لمادة الحضارة ، لإعارة استاذ الترجمة وعدم إمكانية العثور على من يقوم بها ، خاصة وأن جدولها دائما أقل من النصاب لتخصص مادتها .. فواصلت قائلة :

 

" وقد رأينا أن معانى الترجمة تتعدد وإن كانت عموما تعنى نقل نص أو معنى من لغة إلى أخرى ، أو من مجال إلى مجال آخر ، وهو الأصعب والأقل شيوعا. وهناك مستوى آخر من الترجمة ،  قائم على نقل فكر أو هدف المؤلف الأصلى للنص ، وهو يعتمد على عملية الإختيار بين الكلمات الأقرب أو الأنسب لما ارتآه الكاتب. وهنا تميل الترجمة إلى أن تصبح مرادفا  لظاهرة ما ، تعبّر عن شىء أعمق بكثير من المعنى السطحى للنص . لذلك تعد الترجمة مجال شديد الإتساع ، يضم ، كما رأينا ، الترجمة الحرفية ، والترجمة بالمقابل ، والترجمة الإجمالية ، إلى جانب الترجمات المتخصصة الخاصة بمختلف العلوم .. وهناك الإتجاه الذى لا يحاول الإلتزام بالكلمة فحسب وإنما بالإسلوب أيضا . أما الترجمة من مجال إلى مجال آخر ، فتختلف تماما ، وذلك كأن نترجم الموسيقى إلى نثر ، أوبالعكس ، الإستلهام من قصة أو من قصيدة  لتحويلها إلى موسيقى ..

 

" وهنا يمكن القول أن الترجمة تصبح إعادة إنتاج مكونات الموضوع بمجاله إلى مكونات الموضوع فى مجال آخر ، إعتمادا على محاولة البحث عن مقابل للتعبير عن نفس المشاعر والرؤيا الكامنة فى أحدهما و نقلها إلى مجال الآخر.. وهنا يلعب المفهوم المرادف دورا يصعب تعريفه ، إذ يعتمد من جهة  ، على الجانب اللغوى ، ومن جهة أخرى على الجانب الجمالى بكل أبعاده .. ثم يأتى دور التأثير والإنعكاس على القارىء ، أو على المستمع أو المشاهد ، أيا كان المجال .. إذ من المفترض أن يصبح تأثير العمل الذى تم النقل إليه فى مجاله هو نفس التأثير الناجم عن العمل الأصلى . وهو ما يصعب التوصل إليه ، بمعنى : ان كل الفنون متقاربة ، كما رأيتم فى مجال تاريخ الفن ،  وتعتمد على أجرومية أساسية مشتركة من حيث المضمون ، والتوازن ، والإيقاع ، والأبعاد ، إلى آخره .. إلا ان كل فن فى حد ذاته يتميّز بصفات معيّنة ، هى جوهر كيانه ، وإلا لما كانت هناك  فوارق أساسية بين الفنون "..

 

فمدت طالبة يدها لتسأل : كيف ؟ كيف يمكن تحديد هذا الفرق ؟!

 

حاولت أن تجد لها مثالا يمكنها استيعابه بسهولة ، فقالت : " لو نأخذ فن الباليه وفن التصوير الزيتى ، يمكن إيجاد كل العناصر العامة المشتركة بينهما ، إلا أن فن الباليه  قائم على الحركة المتحركة  فعلا  وأساساً ، أما فن التصوير فحتى وإن كان يعبّر عن الحركة ، كتصوير حصان جامح مثلا ، فالحركة هنا ثابتة ، بمعنى أننا نتأمل جزء معيّن منها ، جزء ثابت ، من الحركة المتحركة أصلا "..

 

وما كادت توضح ذلك المثال حتى ارتفع صوت أحد الطلبة يسأل عن الأداء ، فأوضحت أنها سترجىء الرد إلى ما بعد الإستماع إلى الموسيقي .. كانت قد اختارت لهم السمفونية السادسة لبيتهوفن ،  ليستمعوا إلى تصوير العاصفة بها ، فهو لا يعد أول نموذج تعبيرى وصفى فى مجال الموسيقى فحسب ، فى المدرسة الرومانسية ، وإنما  هو من أشهر النماذج لترجمة المتصور الفكرى والعاطفى إلى موسيقى يكاد المستمع لها أن يلمس ما بها من صور ومشاعر وإنفعالات .. إلى جانب تسجيلان مختلفان لجزء من سوناتا "ضوء القمر" ، إذ ان الحركة الأولى منها تعد من أصعب المقطوعات فى الأداء رغم بساطتها المتناهية ، وأكثرها اختلافا من عازف إلى آخر.

 

وقبل أن تبدأ بالتعليق ، استأذن الساعى فى الدخول قائلا :

 

-     البيه العميد عايز سيادتك .

 

فأوأت له برأسها وهى تقول عندما تفرغ ، ثم  واصلت :

 

 " الأداء من المفاهيم الخاصة بعلم الدلالة ، ويقوم بدور هام فيما وراء الرياضيات وفيما وراء المنطق ، أكثر مما يقوم به فى باقى المجالات. و من الناحية التقنية ، فإن الأداء يتم بناء على ترجمة أو قراءة النص ، الذى هو هنا "النوتة" فى مجال الموسيقى ، إعتمادا على إيجاد مقابل للنوتة فى طبقة الصوت من جهة ، ومن جهة أخرى فى محاولة لنقل توجيهات المؤلف من حيث كيفية التعبير عن تلك النوت الموسيقية ، التى هى عبارة عن جُمل وألحان ، بأكبر قدر ممكن من التعبير عن الشعور الذى عاشه المؤلف عند كتابة اللحن . أى ان الأداء والترجمة إلى حد متشابهان وإن إختلف مجال كلٍ منهما ..

 

ورفع أحد الطلبة يده ، فأشارت له بيدها بمعنى بعد برهة لتواصل :

 

" وهو ما يتم عادة عند عزف أى مقطوعة موسيقية ، حيث يجتهد العازف لإتباع التعليمات التى دوّنها المؤلف بأكبر قدر من الدقة ، وكذلك قائد الأوركسترا –عند قيادته للفرقة الموسيقية . وهنا لنا أن نتساءل : هل يمكن للأداء أن يصل إلى نفس درجة الشعور الذى كان يعيشه المؤلف عند كتابة هذه المقطوعة ؟ وهنا ترتسم مساحة كبيرة من معادلة جد صعبة ، إذ يتعيّن على العازف أن يصل إلى نفس درجة المشاعر العاطفية والفكرية والوجدانية بكل أبعادها وخلجاتها كما كان يعيشها المؤلف فى تلك اللحظة .. وهو ما نطالعه من تفاوت فى المدارس المختلفة لكل عازف لنفس المقطوعة الموسيقية ..

 

" أما الموسيقى واللغة ، فكلاهما يعتمد على التباين بين الأصوات . وهو تشابه شكلى ، فالوصف الشكلى للأصوات فى اللغة لا يكشف بدقة عن إنبثاق المعنى، ومن الصعب إدراك معنى اللغة إلا من مفرداتها وصور مدلولاتها ، وليست من أنغامها أو موسيقاها . وهناك محاولات عدة لنقل التعبير من الموسيقى إلى لغة فى العصر الحديث، وإن كان جان جاك روسّو، فى القرن السابع عشر ، فى كتابه حول أصل اللغات ، قد حاول البحث عن الكلمة الأولى ، الكلمة  الأصلية ، النقية والتلقائية، عن تلك الكلمة التى تؤدى إلى التصور وليس إلى الإقناع ، وأضافت باسمة : عندئذ سيتغنى المرء بدلا من الكلام !

 

وارتفع صوت طالبة لتسأل :

 

-     وهل ينطبق هذا على الموسيقى والآداب ؟

 

وكم تعجت من سرعتهم فى طرح الأسئلة بدلا من محاولة الصبر والإستماع، فواصلت قائلة :

 

" تتقارب العلاقة بين الموسيقى والآداب فى مجال الشعر تحديدا – خاصة وأن التعبير الإيقاعى قد سبق النص الأدبى ..كانت الموسيقى قديما هى كل ما يمكن للآلهة أن تأتى به من تعبير .. فهناك كلمات موسيقية للغة موسيقية ، كما يوجد تداخل شديد بين الأصوات ونوعية الآلات ، مثل آلة الهارب والكمان أو الألات النحاسية .. فكل آلة لها مجالها ودنياها .. وليس بغريب أن نتحدث عن موسيقية الشعر أو موسيقية الآداب ، أو دراسة القالب الموسيقى لشعر بودلير أو فيكتور هوجو، أو القصائد الشعرية لدى موسيقى لِيستْ أو أوبرا فاجنر .. وعلى العكس من ذلك ، فإنه من الصعب ترجمة الموسيقى ، فهى لا تحمل أرقام العالم وأعداده ولا أسرار القلوب بصور مقروءة  وإنما تتعامل مع مجال الحس الأثيرى .. إن الموسيقى تعكس العالم فى حاضر مطلق ، و إنسياب أصداؤها يعد بمثابة المعيار المُعاش للزمن ..

 

" يمكن الإستعانة بأحد مشاهد الباليه أو بقصيدة و تحويلها إلى موسيقى .. وعندئذ سيوجد بالنسبة لكل من الدال والمدلول حاكٍ ومحكى إن أمكن القول . فالرسالة النصية تتحدد بعلاقتها بالقصة ككل . لذلك نرى العديد من المحاولات اليوم – فى الحضارة الغربية ، للبحث فى السميوطيقا الموسيقية ، أو نظرية الرموز والعلامات الموسيقية وإشكالية السرد الموسيقى . فالموسيقى يمكنها أن تعبّر عن قصة أو عن أسطورة بوسائلها الخاصة ، سواء عن طريق التجاوب المباشر : ما تقوله الموسيقى وما يقوله النص ؛ أو عن طريق تجاوب ناقص – وهو ما يلاحظ فى اللحن المتردد كاللازمة (الليتموتيف) مثلما فى أعمال فاجنر أو بيتهوفن حيث يطغى النص على الموسيقى ، أو عن طريق الفصل بينهما  بحيث تطغى الموسيقى ويختبىء النص "..

 

وكعادتها عقب كل محاضرة ، ما كادت تنتهى من الشرح حتى فحصت المدرج بنظرة لترى مردود كلامها على الوجوه .. فابتسمت بهدوء شاحب، و جمعت حاجياتها واتجهت مسرعة لتذهب إلى العميد. وبينما هى فى طريقها إلى الباب لمحت اسطوانتان مدمجتان فى يد إحدى الطالبات فى الصف الأول. وكم كانت فرحتها لمعرفة أن هناك بين الطلبة  من يهتم بالموسيقى الكلاسيكية ! فمدت يدها لتقرأ اسم المؤلف والمقطوعة ، بينما كانت الطالبة تحاول إعادتهما إلى حقيبتها ، لكنها لم تفلح إذ  سبقتها يد استاذتها ..

 

 وكم كانت فجيعتها كالصفعة وهى تقرأ ان إحداها  بإسم عدوية والأخرى بإسم حكيم !!

  

دخلت غرفة العميد وهى تجاهد لكتم ما أصابها من إحباط ومهانة ، بينما ابتدرها هو قائلا :

 

        -  حفلة إيه اللى حضرتك عاملاها ومزيكا وهيصة من غير ما تاخدى إذن أو تصريح ؟!

 

تداخلت الصدمتين لتهز القاع المغتم .. قاع آمالها ومحاولاتها لإيجاد جيل على علم  ، بأن تنقل لهم تجاربها ولو بشكل غير مباشر ، ولو بأبجديات  مختلف جوانب الحضارة الإنسانية ، مادتها الأساسية .. وحاولت أن تجيبه بهدوء ، أن تشرح له فكرتها من بعض  الدروس العملية أو الإستشهادات مثلما تعمل بإحضار بعض المراجع للوحات مشاهير الفنانين .. وأن ما قامت به بالنسبة للموسيقى هو من هذا القبيل التطبيقى فى الشرح حتى تستقر النماذج فى ذهن الطلبة .. مشيرة بأنها لم تتصور أنها بحاجة إلى تصريح لإلقاء محاضراتها !

 

-     وما دخل مادة الحضارة بالفن والموسيقى ؟! إننا لسنا فى كلية الفنون الجميلة أو فى الكونسيرفاتوار !

 

ومرة أخرى تحاول أن تشرح له أن مادة الحضارة ، وفقا لما قامت بتقديمه عند إعادة صياغة برنامج المواد التى تدرّس فى القسم ، وأقره مجلس الكلية ومجلس الجامعة ، تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، جزء لتاريخ القرن الذى تتم دراسته فى ذلك العام ، وجزء لتطور المذاهب الفكرية بعامة ، والجزء الثالث للفنون  .. ويبدو أن السيد العميد لم يُقنع تماما بما تفعل أو تقول ، رغم إتباعها للوائح ، فقال باقتضاب وهو يعود إلى الأوراق التى أمامه وكأنه يصرفها بأدب  :

 

- على كل حال ما تنسيش يا دكتورة  إننا هنا فى كلية الآداب ، وانك هنا فى قسم اللغة الفرنسية وآدابها !!

 

وقفت برهة  كالبلهاء ، لا تعرف بما تجيبه ، فاستدارت خارجة وهى تتسائل عن أسباب كل ما أحاط  بيومها ، ومستوى من تجاهد من أجل تعليمهم ، وما تراه أنه مجرد أولويات أو شذرات ..

 

1990