ضحكة فارقة ..

 

ما أن سمعته ينطق اسمه ، لأول مرة عبر الهاتف ، حتى غمرها جُرُف من الرؤيا والمشاعر  المتضاربة  فى فرحة وارتباك .. تدفقت الأصداء لتنقله  دفعة واحدة – فى خيالها ، من إبهام الإنترنت ، الذى تعارفا وعملا فترة من خلاله ، إلى حقيقة الواقع الملموس ، ويا لها من نقلة!

 

نطق اسمه مجردا ، بلا ألقاب علمية ، بهدوءٍ وتحفظٍ  كمن يتلمّس رد فعلها فى أول مكالمة هاتفية تجمعهما عبر الأثير ، من كندا إلى مصر..

 

تدفقت مشاعرها فى طرفة عين بسعادة أفزعتها ، لم يكن صوته يدل على وجود من يحدثها فى الواقع فحسب، وإنما كانت نبراته تتحول تلقائيا مع تدفقها إلى ذبذبات متزايدة الإيقاع ، لترسو فى الأعماق .. وهذا التداخل الغريب هو ما أفزعها حتى كادت تصيح فرحةً من أن مجال الأنترنت يمكن أن يتحول الى حقيقة ..

 

ومع تزايد شعورها بتلك الفرحة ، كأنهما كائنان أثيريان يلتقيان فى توافق  منسجم الإيقاع ، فكثيرا ما كانا يلتقان على نفس النسق من الأفكار ، كانت تحاول فى نفس  فرحتها ، وفى  آن واحد ، ان تتابع ما يقوله باقتضاب ، وتشكر اهتمامه ، وتقنن من درجة سعادتها ،  بينما طاقة الفرحة تتزايد و تتدفق ، كبُركانٍ من المشاعر الفياضة تفور  لتندفع متألقة  فى  ضحكة  رنانة صافية ، مجرد ضحكة صافية من القلب ،  ظنت أنها فقدت رنينها البلورى مع فقدانها  لكل  ما  ومن فقدت فى الحياة ..

 

أما هو ، فقد اختلّت الرؤيا والموازين أمامه لحظة ، فرماها  بصُماته المنزعج  وسكت !

 

 لقد سكن  كل  شىء  بينهما  كما تسكن الرياح ، وسكت الصوت فجأة عبر الأثير، لتنغرس مكانه هاوية بلا قاع .. شعرت به بعيدا فى آخر قارات الدنيا ، فأنهت المكالمة بأدب واقتضاب – رغم علمها بأنه من أبجديات الأخلاق الإجتماعية أن طالب المكالمة هو الذى يتعيّن عليه إنهائها ! ولم يعترض ، وأطال السكوت .. هالها الصمت ، وهالها أكثر ان تفقده للا سبب  أو لما لا ذنب  لها  فيه ..

 

وحارت فى الصمت .

 

كانت تفرّق بين الصمت والسكون . فالسكون يبدو لها كمقدمة لبداية انفتاح أو كشف جديد ، يفتح أفقا لم يتولد بعد ، كالفجْر بأصابعه الوردية ، كرمز الصحوة المرحة فى النور.. الفجْر الحامل لكل الإمكانيات المتفتحة ولكل الوعود المثمرة ، رمز الأمل المتولد دوما .. أما الصمت  أو ذلك الصمت الفجائى الباتر، فيوقف الإنفتاح ويبدو لها كانغلاق أصمّ ، كنوع من التعبير عن اختلاطٍ  أو خلط المشاعر والرؤيا .. كانت تفرّق بين السكون العميق ، المرادف للهدوء ، الذى يواكب الأحداث الكبرى ، وتجلّه ، وكانت تسمع صوتا للصمت ، أما الصمت الأصمّ  فيخيفها بمعنى التقليل من تلك الأحداث أوتقليل مكنونها ، و لعله فى الواقع يخسفها  أويخسف بها الأرض ..

 

كادت تضجر من الخلط  والتداخل.. فجلست أمام الفجّ الساحق الذى ارتسم أمامها  وكأنه يفصل نوعين من الأحداث والمشاعر . جبال متراكمة  من الأحداث والذكريات  ترقبها فى صمت : عالمه ، الذى لا تعرف عنه أى شىء إلا ما شعرت به من خلال تعاملاتهما الإلكترونية ، وكل ما انحفر فى ذهنها ، من أنه إنسان أمين ، أمين بكل ما تعرفه من معانٍ فى هذه الكلمة ، وشذرات شحيحة عرفت منها انه من الصعيد أصلا.. وعالمها الذى عاشته وعاشت كل نبضة فيه.. فأدركت بحسها الفطرى أن هناك شيىء ما قد آلمه أو جرح مكنوناته من ضحكتها .

 

فراحت تبحث فى مخازن الذاكرة علّها تفهم ..

 

 تعرف سمعاً  أن كثير الضحك يعاب فى الإنسان .. لكنها لم تكن مضحاكة فى حياتها .. لم تعرف فى مسيرتها سوى ما يُطلق عليه فى فرنسية ثقافتها : الطريق الملكى ! وهو الطريق الشديد الإستقامة ، الذى لا يعرف المنحنيات ولا كل ما يشتت النفس أو يصيبها ، طريق يؤدى إلى تطور الروح فى استقامة لا  تبارك خطاها إلا ملائكة الرحمن ، و التزمت به  منذ الطفولة  ، منذ سن العاشرة بل وما قبلها ..

 

لا تذكر كم مضى من الوقت فى جلستها ، لكنها واصلت البحث لتفهم ، كما يتواصل الليل مع النهار .. كانت تشعر به وقد  انزوى فى جذور نشأته الضاربة فى غياهب الصعيد بقوانينه الصارمة وتقوقع فى تلافيفها .. هالها ان تغمره مسحة من الألم بسببها  أو بسبب  سوء فهم حبيس التقاليد والأعراف، خاصة وأنها لا تعرف أية تفاصيل لعقدة ما ، ولا عن مجهولات حياته التى لاحظت أنه يستبعدها تماما .. ولعل ذلك هو ما طمأنها من جانبه وأن الخط الأساس عنده هو الإهتمام بالعمل.. وراحت تستعرض حياتها ، متفادية كل ما اعتراها من فواجع ، لترى ما له صلة بضحكتها ..

 

واتسع الكون من حولها لترتفع الموسيقى بدرجاتها وايقاعاتها وآلاتها المختلفة، لترى فيها نوع من التواصل مع الحياة الكونية وتكاملها .. كانت الموسيقى الكلاسيكية تلعب دورا فى حياتها لتوسعة المعارف والتواصلات النفسية والوحدانية المؤدية إلى مشارف المقدسات .. جذبتها آلة البيانو لتنساب عليها أناملها بمختلف الخلجات والمشاعر ما بين البسمة الفرحة  والنحيب .. كانت تشعر بأن الموسيقى هى الفن المؤدى إلى الكمال خارج زمن المكان وتقلبات البشر.. وتواكبت معها دراسة الغناء الأوبرالى .. حددت لها استاذتها أن صوتها من درجة "السوبرانو كولوراتورا"، وهو أرفع وأندر الأصوات النسائية فى عالم الغناء .  وكان الغناء فى نظرها  رمز الكلمة التى تربط  بين القوى الخالقة بما خلقت ، فالمخلوق يعبّر عن تبعيته لخالقه  فى الفرحة ، و التعبد ، والدعاء ، كما فى التعبير عن النحيب والبكاء الدفين ، فالصوت يتشكّل برهافة جديرة  بالإنسان كاستجابة لنفحة الخالق.

 

لكنها توقفت عن الغناء ، كما توقفت عن العزف ، بل وتوقفت حتى عن الضحك .. لتغوص أعواما ممتدة فى ظلمات الحداد ..

 

جلست حبيسة إبهام ما انتابهُ من صدمة، وحرجها المضطرب ، لا تعرف كيف توصل له أنها كانت فرحة  بصدق ، فرحة  بمكالمته  الإنسانية  ، وأن تلك الضحكة البلورية  كانت ، فيما مضى ، من سماتها المميّزة.. وخالتها قد ضاعت مع كل ما ضاع فى حياتها ..

 

واتبادر إلى ذهنها فجأة أيام الدراسة الجامعية ، واستفسار  الدكتور يوسف مراد ، أستاذ علم النفس وكان يدرّس لفصلها مادة الحضارة و تاريخ الفن فى السنوات الأربع ، حينما دخل المدرج  باحثا عنها بنظراته  فى صمت : " أين زميلتكم ؟ ". وتتساءل نظرات الطلبة عن أية زميلة يسأل ، فيقول فى بسمة تثقلها أعوام  عمره المديد وإنحناءة ظهره الحزين : "زميلتكم .. ذات الضحكة البلورية ! ".

 

 كانت الطالبة الوحيدة التى تناقشه كالند فى فن التصوير الزيتى وتاريخه ، ويستمع لها باهتمام، فهى تناقشه عن تجربة واطلاع .. وانطلق صوت من القاعة ليجيبه : "فى المستشفى !"، بينما سأله آخر لِما وصف ضحكتها بالبلورية ؟ حاول شرح ما فى ذهنه ، وهو غير موقن إن كان هناك من سيفهم. فذلك هو ما دوّنوه فى كشاكيلهم، وذلك هو ما طالعته عند عودتها لمتابعة المحاضرات.. وانسابت الأسطر أمامها  كرؤية العين :

 

" البلور أشبه ما يكون بالجنين ، يتولد من الأرض ، من الصخر الأصم النبضات .. نقاؤه من أجمل المعانى الدالة على إمكانية إتحاد الأضاد ، فهو مادة صلبة لكنها تسمح بمرور  تام  للضوء من خلالها ..  أنه يرمز للحكمة فى بعض الحضارات وللقوى الغامضة الممنوحة للإنسان . فالبلور الصخرى كحجارة من نور تساقطت من عرش الرحمن والحجاب المكشوف .. مادة مقدسة تشع بقوى الكشف والحكمة والقدرة على الإنطلاق ، وضحكة زميلتكم إنطلاقة صافية النقاء ، لم أسمعها من قبل .. وكأنها باب مفتوح يؤدى إلى العوالم العليا و رؤية اللامرئى " .. وتوقف ، توقف كمن يبحث عن شىء يُدركونه فأضاف : " أن صوتها أشبه بالكمان .. كمان .. أو كما يقول البعض : "دى كمنجة ربنا" !"

  

واشرأبت دمعة واحدة فى طرف عينها ، كأنها تخشى مغادرة حصنها المنيع،  وتعلقت بالأهداب .. كيف تشرح له أنها لم تقصد جرح مشاعره  ، لم تضحك سخرية منه أو من أى عبارة قالها ، وإنما أفلتت منها الفرحة ، فرحة صادقة  بسماع صوته ، بوجوده فعلا ، بأمل ان تمتد بينهما تلك الحوارات المعرفية  الصافية  ..

 

ولم تتصور  أنها كانت ضحكة  فارقة !

 

 اعتصرها ألم شاحب غريب..

 

 خليط من المقارنات الخاطفة للعادات والتقاليد المتباينة بين أبناء البلد الواحد، شمالها وجنوبها ، وهى تتنقل باستنكار بين كل  أبعاد ثقافتها : هل يمكن لمجرد ضحكةٍ  أن تطيح بتعاون علمى حقيقى  بين شخصين ناضجين؟ شخصان جاوزا الستين من العمر ؟! شخصان يدركان أهمية العمل والتعاون العلمى المشترك ؟!  ألم يدرك أهمية ما يقومان به من تعاون فى العمل وهو ما نفتقر إليه  فعلا كمسلمين؟!  هل يمكن لفرق الثقافات والنشأة أن تدفع بإنسان، وصل إلى أعلى  الشهادت العلمية وأعلى المناصب الجامعية ، أن يظل حبيسا  لكل ما تحمله جذوره الصعيدية فى طياتها من تخلف وتعصب أو حدود ؟! ..

 

أإلى هذا الحد لم يتمكن من التفرقة بين ضحكة طلقائية سعيدة ، فى زمن إنمحى فيه التعاون والعطاء ؟

 

هل يمكن لضحكةٍ طلقائية بريئة أن تحجب عنها  نور التعاون الصادق الوحيد الذى لاح فى أعوامها ؟! .. 

 

2005