عوالِم متجاورة ؟! . .

 

ما كادت تنتهى من قراءة المقال حتى طوَت الجريدة ببطء وهى تضعها جانبا، فنادرا ما يتم تناول هذا المجال إن لم يكن للإستخفاف به ، بينما ذهنها يغوص فى كل ما تعدد فيه  من موضوعات .. فاعتدلت فى مقعدها وهى تسند برأسها إلى الوراء بكل ما به من هموم  واحباط . فالنفور من التكالب على الماديات ، وصخب المدينة ، وجشع المدنية ، صارت تمثّل فى قرارة نفسها  ردّة تجمدت فيها أوصال الأخلاق والقيم .. حتى الشمس بدت لها شاحبة  فاقدة البريق ، ليغلفها شعور ما بالتباعد عن كل شىْ ، بينما عتمة مساء كالح تنوء تحت الغيوم ، فى واقع انسدّت فيه الآمال ، وتوقف فيه نبض التواصل بين الأجيال ، بين أفراد الأسرة  الواحدة ، بل بين الأصدقاء والمعارف ..

 

لم يكن الموضوع الذى طالعته ينم عن أية مأساة جديدة تضاف إلى كل ما ينبثق ويتراص يوميا من مآس و فضائح فى مجتمع آسن إختلّت موازينه .. ولا يدرك مساحة ذلك الخلل وعمقه  إلا من عاش أجيال متعددة.. بل على العكس تماما ، كان ما قرأته حول واحدا  من تلك الموضوعات القليلة التى لا تزال تحتل مكانة لم تخدشها الأيام .. وإن كان  اهتمامها به يرجع  إلى أيام الطفولة ..

 

وانسابت اللقطات واضحة  وهى تتبيّن منها بهدوء : لقطة وهى فى المهد ، ربما فى حوالى  الثانية من العمر ، وغالبا ما كانت  تتكرر، لذلك ثبتت فى اللا وعى. فكلما وضعوها مساء لتخلد إلى النوم ، تشعر بعد فترة  بانسحابها من الجسد وصعودها فى خطوط حلزونية رأسية ، كمن يغطس فى السماء ، إلى أن تتلاشى عن الوجود  أو تغوص فى المجال الآخر..ولا تذكر متى توقفت مثل هذه اللقطة .. ولقطة وهى فى الرابعة تقريبا، حيث كانت تقبع فى الشرفة بالطابق الثانى من المنزل ، وقت الغروب ، لترقب مرور تلك الكائنات وقد قاربت رؤسها مستوى وجهها .. كانت كائنات ممشوقة القوام ، شفافة كالدخان ، رهيفة الألوان باسمة وهى تتحاور ، وكانت تفرح بانسيابها أو بانزلاقها على الطريق  أكثر منها تسير بخطانا.. وكانت تطلق عليهم عبارة "أصحابى" ..فكلما لمحها أحد فى المنزل وهى متجهة إلى الشرفة عند المغرب وسألها إلى أين هى ذاهبة ، أجابت فرحة، بجد واهتمام : "أشوف أصحابى"!.. ولا تذكر أيضا متى تباعدت أو تلاشت هذه اللقطة ..

 

و فيما بين هذا السن والعاشرة من العمر كثيرا ما كانت تستيقظ قبل الفجر لترقب أحد هؤلاء "الأصحاب" ، أو إحدى تلك  الرؤيا ، فلم يكن لها موعد أو رابط : أحيانا تراها وأيام أخرى لا ترى فيها شيئا ! ومنها لقطة لوجه حنون ، من الدخان الأبيض شبه الكثيف ، يقترب باسما من جدتها ، وهى نائمة ، ثم يختفى ..  أو ذلك الطيف لسيدة ممسكة بشمعة  مضاءة  فى يدها  ، تعبر الغرفة  بهدوء  لتختفى من  الحائط  المقابل ، مثلما  دخلت ، عبر الحائط ..

 

وتبتسم بشىء من المرارة وهى تسترجع الإجابات المتكررة التى كانت تحصدها كلما سألت عن هذه الأطياف أو الكائنات ، فيُسكتونها بعبارة واحدة : "بكرة لمّا تكبرى " ! وقد يضيفون أحيانا رجاء مصحوب بشىء من التحذير بألا تصارح أحدا بتلك التخاريف .. فتقطب حاجبيها  بغضب أصم وتبتعد.. كانت تتخيل أن ما تراه هو عالمها الخاص بها ، أو هو جزء لا يتجزأ منها ، بما أنه لا يراه سواها ، كما يقولون ، فكيف يبعدونها عنه أو كيف يسبّونه ؟!

 

وكبرت ..

 

 وتنوعت معها الرؤيا وإن اختلفت ، وتباعدت المسافة بينها بصورة ملحوظة خاصة بعد سن العاشرة أو الحادية عشر.  لكن الرد عليها لم يتغيّر كثيرا ما بين الرفض والإستنكار ، أو الصدّ ، أو حتى النظر إليها بعين الشك  والارتياب.. بتلك النظرة التى كانت تلحظها فى عين من تحدثه عن هذه الرؤيا ، و أبعدت عنها  العديد من الناس –  فكم من زميلة فى الدراسة بمراحلها  أو من المعارف آثرن الإبتعاد على أنها "غير طبيعية" . وكم آلمها ذلك الوصف فى قرارة نفسها ، خاصة وأنها لم تفعل شيئا لاكتساب هذه الملكات .. ولا تنسى رد فعل  إحدى زميلاتها فى الجامعة عندما سألتها ببساطتها  البريئة عمّا  دفعها إلى الرقص أمام المرآة ، شبه عارية ، مساء الأمس ؟! وصُعقت الزميلة وهى تسألها مذعورة : "يا نهار اسود ، لم يكن أىّ  إنسان بالمنزل "! أما هى ، فقد صُدمت بذهول : فلأول مرة تدرك خطورة وحرج مثل هذه الرؤية التى اعتبرتها نوعا من التدخل فيما لا حق لها فيه ، أو هو نوع من التجسس ! ولم تنم ليلتها ، إلا أن عزائها الوحيد كان أنها لم تتعمّد ذلك مطلقا ، بل لا تعرف حتى كيف تقوم به إن أرادت ..

 

فآثرت عدم السؤال ، إلا فيما ندر ، أى إلا  إذا ما خانتها العبارة لسبب ما ..

 

وما كان  يلفت نظرها فى تلك اللقطات المتعلقة بالرؤية  أنها كانت شديدة الوضوح حادة المعالم ، وضوح يفوق بأضعاف ما وصلت إليه أجهزة التصوير من دقة ونقاء . مجرد لقطة ، لكنها صادقة فى محتواها ، حتى وإن لم تتبيّن مغزاها فى حينها  أو لم تدرك لها سببا واضحا .. إلا أنها كانت ترى إجمالا ان أغلبها يمكن إدراجه تحت بند الإخبار  بمعلومة ما  بمعنى الحماية أو الحيطة ، أو ربما  لتدرك  أنها ليست وحيدة كما كان يترسّخ فى ذهنها كلما تقدم بها العمر ،  أو  أن هناك من يؤنس وحدتها  و يمد لها يد العون فى بعض المواقف ، لم تستطع التحديد .. إلا أن ذلك لم يمنع شعور ما بالقلق الدفين يستقر فى الأعماق خشية أن تؤذى أى  إنسان – وهو ما لم تفعله أبدا فى حياتها ..

 

 وأحيانا أخرى كانت تسمع عبارة أو جملة ، وكل ما كان يميّز تلك المعلومة أنها "توضع" دفعة واحدة فى ذهنها أيا كان طول هذه المعلومة .  أى أنها لا تأخذ وقت الإستماع العادى لها ، وكأنها لمبة تضاء فى قاع رأسها فيشعّ المعنى فى ذهنها  أيا كان طول العبارة !..

 

 وكم من مرة كادت تقع فى مواقف حرجة ، إذ أحيانا كانت تجيب أو تتعامل مع الشخص الذى أمامها بناء على ما سمعته منه فرضا –  حتى وإن كان  لم ينطقه فعلا.. فبدأت تزداد حرصا رغم قلة حدوث هذه الظاهرة ، إلى ان قالت لها إحدى صديقاتها بشىء من التحدى والإنفعال : "نعم ، فكرت فى ذلك فعلا ، لكننى لم أتفوه به لمخلوق ، فكيف عرفتِ ذلك ، أتضربين الودع أم تخاوين الشياطين ؟!" .. وكم أهانتها العبارة ، أهانتها إلى درجة الشعور بالقىء ، فما  أبعدها عن هذه الشعوذة !

 

 فآثرت الصمت  وهى  تدرك تلك الإمكانية الجديدة التى لم تتبينها فى الصغر، أو لعلها لم تكن موجودة . وكانت تعتبرها نوعا من المساعدة الإلهية والإختبار فى آن واحد ، فكثيرا ما أنقذتها مثل هذه المعلومة حتى فى ندرة ورودها  إليها.. واكتفت بما كان يختزن فى ذهنها من معلومات وتجارب ، تتراكم عبر المراجع وسنوات الدراسة، بل وسنوات ما بعدها من مؤهلات  ومناصب ، فقدت أثناءها  ما ومن فقدت.. وما أكثر ما كان يتساقط من حولها ، فتغوص  فى نفس الصمت الصموت..

 

وهكذا تولدت لديها ما يشبه الألفة بين أرجاء وحدة شامخة ، لا تفصح عن آلامها ، وبين عالم الغيب ، أو بين عدد من مجالاته –  كالجلاء البصرى ، والجلاء السمعى ، والشعور عن   بُعد ، والتنبؤء بوقوع الأحداث ، والطرح الروحى .. والغريب أنها لم تتعمد ممارسة أىّ منها  عن قصد حتى بعد أن كبرت واتسعت دائرة مطالعاتها.

 

كانت تؤمن بالغيب ، خاصة وهو أول ما تطالعه فى بداية سورة البقرة ، ولا تفهم  لماذا يخشى الناس ذلك الغيب ؟ أليس من أهم المجالات المطلوب من المؤمن أن يؤمن بها ؟ كانت تدرك تماما أن هناك الخير والشر ، وأن المفترض فى الإنسان ألا يختار ويتعامل إلا مع كل ما هو خير ، ويتجنب كل ما هو شر. فكانت تتجنب الإنسياق في أية محاولة من جانبها للتعمق عمليا ، مكتفية بما كان يأتيها من تجارب لا دخل لها فيها ، أو  لا سيطرة لها عليها .. وبقدر ما كانت تفرح بتلك النفحات ، وهكذا أسمتها ، مثلما يقول بعض  المواظبين على التسبيح الممتد ، بقدر ما كانت تزداد حرصا على الإكتفاء بتنمية مختلف القيم والتعاليم الأخلاقية والدينية العليا  التى تشربتها منذ الصغر ، سواء من إلتزامها الدينى أو مما استخلصته  من قراءاتها فى مختلف المجالات الجادة المتعلقة  بالغيب : تلك  القيم  التى  تمثل فى نظرها  الطريق  المستقيم المؤدى  إلى الكمال الإنسانى ، وهو طريق لا يعرف الإلتواء ولا السير فى منحنى ، وقد وضعت نصب عينيها  الإستعداد للعالم الآخر كهدف تصبو إليه.. فالحرمان  من الكلمة ومن الحوار الإنسانى الصادق جعلها  كمن يحاور الصمت ، ويحاور الموتى ..

 

 حوار ممتد ، يكاد يخترق الحواجز فى غياهب العزلة ..

 

كانت تشعر بأنها منفية فى لغاتها ، فكلما أثرت مفرداتها شعرت بعمق البحر الممتد .. معزولة فى بلدها ، فكلما اقتربت من المجتمع ، خاصة بعد أن تغيرت تركيباته ، ولّت فذعة من سطحية منفّرة باتت تطمس معالم  أفراده ، وكأن هناك نمط معيّن  تم  فرضه بأى وسيلة وبأى ثمن ، نمط تدميرى بكل المقاييس .. وبذلك صارت غريبة  فى بيتها ، وحيدة فى غربتها ، وكأن  معابد الأعماق وحصونها لا تشيّد إلا فى العزلة .. عزلة تتنقل فيها من الحلم والأمل  الممتد إلى الواقع ، ومن الواقع إلى  التأمّل ، ومن التأمّل إلى السياحة فى الملكوت ورحابه ، وقد ألفَت الإقتراب من تخومه ، انتظارا للقاء الأعظم ..

 

والغريب أنها آثرت التمسك بكل ما تشربته من قيم وتعاليم ، لتجعل منها محرابها الباسم المنيع فى زمن كاد الإنفلات فيه يصبح هو المعيار الأعظم !. فمهما صادفتها من منحنيات الدروب ، كانت تردد بإصرار وجلَد فى جوف ذلك   الصمت : " أيّا كانت المغريات ، لا شأن لى بها"..  فتصمد  و تتشبث بما خطّته لنفسها من طريق ..

 

 كانت تؤمن بأنه كلما تمسك  الإنسان برسالته و ارتقى فى قيمه وأفعاله ، ارتقى روحيا . وذلك هو ما كانت تسعى إليه حقا ، بمعنى يقينها بأن الجسد فان ، أما الروح فخالدة ، وبالتالى فالإنسان –  بحكم أنه روح أساسا ، لا يأخذ معه إلا كل ما استطاع أن يكتسبه من تقدم ورقى ، وكل ما استطاع أن يقدمه من عطاء بكافة مجالات العطاء الصافى ، وهى درجة أخرى من الرقى الروحى ، فالمِلكية ، فى أى مجال كانت ، كانت تترجم فى نظرها بنوع ما من الأنانية ، لذلك آثرت التعامل معها وفقا لما تعلمته .. فذلك هو ما خرجت به  من نص القرآن ، و ما خرجت به من  قراءاتها الجادة  المتنوعة  فى مختلف هذه المجالات ، لإدراكها بأن جهلنا بمجال الغيب قد فتح الباب للشعوذة على مصراعيه ! . فلم تقرب إلا مما  يقبله العقل والضمير و كل ما نص عليه الدين ..

 

كما كانت قد أدركت أن الكمال، وجمال النفس ، والنقاء ، وحب العطاء من الصفات الأساسية التى يجب على الإنسان أن يرتكز عليها ، يرعاها  وينمّيها ، فالصفات والأخلاق ، مثلها مثل كل الملكات الإنسانية ، بحاجة إلى التنمية  والصقل المتواصل، وان الحب الصافى هو القاعدة الأساسية للتعامل ، الحب فى الله ولله ، إعتمادا على التسامح والعطاء ، ومحاولة الفهم. الفهم  بعقلية صادقة من أجل المساعدة ، وليس   للّوم أو لإصدار الأحكام..  والرحمة ، نقاء وتربية  للذات ..  تلك كانت مجمل  المفاهيم الأخلاقية التى كانت تضفى عليها نوعا من السعادة القانعة  ، وتعاونها على تحمّل الغيوم   المحيطة بها  ..

 

وعادت تسترجع ذلك المقال ـ الخبر ، الذى طالعته للتو ، وتدهش لسطحية التناول الذى تم عرضه به واقتضابه ، وكأن الكاتب يتعمد غلق الملف أو التشويش عليه ، وليس فتح الموضوع   والتعريف به كما يجب ، أو على الأقل لعرض ما توصل إليه الغرب من أبحاث وتجارب فى هذه المجالات .. وفى تلقائية بسيطة راحت تستعرض فى عجالة وضع المجال الغيبى أو الروحى  فى مصر ، لتلحظ  كيف أن تلك الشعلة المعرفية التى كانت  قد بدأت تتفتح علميا فى مطلع القرن العشرين ، خفتت بعد رحيل من حملوها  حتى النصف الثانى من القرن ، أى بعد بضعة أجيال .. وكيف أن ذلك الصوت قد خبى تقريبا فى مطلع  السبعينيات منه ، حتى وإن كانت هناك ثمة محاولات فردية أو غير معلن عنها  أو عن أصحابها ..

 

وفى لحظة تنبّهت ، وكأنها أدركت لتوّيها شىء ما كان غائبا عنها ، أو هى فى واقع الأمر لم تنظر إليه لترى خلفياته أو لتكوين رؤية شاملة تدلها على الأسباب الحقيقة لمثل هذا التعتيم .. وأول ما استوقفها هو  أن الإعلام فى الغرب يتّبع إلى حد  ما  نفس النهج ، منذ نفس  الفترة  تقريبا.. فعلى الرغم من الفارق الشاسع و الشديد التنوع فيما يتم هناك  من أبحاث  وتجارب ، فى مختلف  تلك المجالات ، فإن شُحّ ما يكتب عنها أو يذاع فى مختلف وسائل  الإعلام ، لم يعد يجعل من السهل  متابعتها إلا عن طريق  ترقب الإصدارات وقوائم  الناشرين .. فراحت تتمتم  ببطء  أسيف  أنها لم تدرك ذلك من قبل  : " وكأن هناك اتفاق ضمنى عام  لإستبعاد هذه المجالات عن ساحة الإنتباه فى مختلف بلدان الدنيا"!.. وتوقفت برهة كمن يقارن بين المجالين لتفهم الغرض من ذلك الإستبعاد .. فالمجال الروحى ، إجمالا ، قائم على تنمية ملكات الخير والرقى  فى الإنسان ، أما المجال المادى فقائم على جعل الماديات بكل  انحرافاتها وإنفلاتاتها هى المقياس و المسعى !..

 

 ثم عادت تسترجع  بهدوء ما فى مخزونها..

 

ابتسمت بهدوء لطول المشوار الذى قطعه العلم ، منذ طفولتها ،  فى كل تلك المجالات .. فمن توارد الخواطر إلى ملكَة انتقال البعض من مجالنا المحسوس إلى مجال المنظور ، وكل ما طالعته عن وجود اشكال أخرى من الحياة ، وكأنها عوالم متجاورة ، بل ومتداخلة إلى حد ما ، مناطق مجهولة مبهمة ، منها ما هو فى الطبقات العُلى ومنها ما   يُفهم  أنها فى أغوار الأرض وبواطنها ، جعلها تدرك عمق المشوار.. فهناك نوع ما من التلامس بين الحاضر الذى نعيشه ومستويات زمانية أخرى ، ماضية أو مستقبلية .. أليس الحاضر فى الواقع مجرد لحظة ، لحظة إنتقالية خاطفة : فما نكاد ننطق بالكلمة حتى تندرج علميا إلى الماضى ليحل المستقبل مكانها   فورا ، أو بقول آخر : كأن الحاضر غير موجود إلا للربط بين الماضى و المستقبل! وهو ما يتم مع وجود  الإنسان على الأرض وانتقاله ، وإن كان ذلك بمقياس زمانى مختلف ..

 

وما أكثر ما  قرأت عن الإنتقال من زمن إلى زمن آخر، أو الإبحار فى الزمن.. إذ يقال أن جوهر الأشياء يتواصل فى حاضر ممتد إلى الأمام أو إلى الوراء، تتواجد فيه مختلف المعطيات فى إيقاع متتالى ، فالعمل لا يُمحى ، وهو ما يؤكده لنا القرآن الكريم ، وما قاله العديد من الذين إنتقلوا وأمكنهم الإتصال والإخبار عن أن أول ما يطالعه الإنسان بعد  إنتقاله هو سجل أعماله ، كبيرها وصغيرها !..

 

 وهناك  تلك التجارب التى تدور حول إمكانية معايشة أحداث الماضى وكأن المرء ينتقل إلى فترة زمانية بعينها ، ويعيش انسياب تفاصيلها بنفس مدة وقوعها ، بينما تكون فترة الغياب عن الوعى – لمن يرقب ذلك الشخص من الخارج ، عبارة عن لحظة كالبرق الخاطف ، وكأن هناك تداخل ما بين الأزمنة أو مقاييس مختلفة لها.. وصمتت فى صمتها وهى تذكر اختلاف طول اليوم فى القرآن : " فاليوم مقداره ألف سنة مما نعدّ ، و مقداره خمسون ألف سنة " .. وهذا دليل إلهى  على اختلاف المقاييس الزمانية ،  اعتمادا على اختلاف السرعات المحرّكة لها ، وفقا للمستوى الروحى أو وفقا لدرجة  الطاقة والذرّات  أو الذبذبات الكامنة فيها وسرعة دورانها ..

 

 فمن آخر ما توصل إليه العلم ان كل شىء فى الوجود عبارة عن طاقة ومادة، أو طاقة وذرّات. والذرّات  تتحرك فى سرعات  مختلفة ، واختلاف و تنوّع سرعة هذه الذرات و ذبذباتها  وكثافتها هو الذى يحدد مختلف المواد المكوّنة  للكون وتنوع درجاتها .. وهو ما بدأ يغيّر أو يقلب موازين  العديد من المفاهيم القائمة على نظريات الفزياء السابقة .. فبدت لها تركيبة الكون وكأنها عبارة عن مجالات من مجموعات متتالية أو طبقات متراصة ، لا نهائية ، من الطاقة والذرّات تدور بسرعات  مختلفة ، و تدور كل مجموعة منها فى إطار نطاق ما ، وقد تتداخل أطراف تلك المجالات أحيانا ، فيمكن بذلك إلتقاط بعض منها ، مثلما يمكن لجهاز الراديو إلتقاط موجتان  إذاعيتان فى آن واحد  إذا ما كانتا على نفس  طول الموجة !

 

 أو  أن هناك  لحظة  تداخل  ما  من مساحات اللا زمان  تلتقى فيها خلايا  أو ذرات كل مجال بالآخر وتتحد لتولد ظاهرة متفردة .. فكل علماء الفيزياء اليوم يؤمنون بفكرة العوالِم المتجاورة ، بمعنى أنهم استبعدوا تماما فكرة تفرّد الإنسان بالكون أو أن الكرة الأرضية هى  نهاية المطاف .. فما أكثر ما توصلوا إليه بعد أن ظنوا أن الذرّة لا تنقسم ، ثم ها هم يرون أنها   لا تنقسم فحسب ، وإنما كل جزء من جزيئاتها  يتبع قوانين تخرج عن إرادتهم ،  قوانين بدأت تفرض  على العلمانيين منهم فكرة وجود "طاقة عظمى" محرّكة للكون ! وابتسمت وهى تضيف فى    صمت "إلى أن  يؤمنوا بالله عز وجل ، فالوقت ممتد !!" ، بل هناك منهم من بدأ "يعترف" بوجوده  سبحانه وتعالى  صراحة أو حتى على استحياء !

 

بينما واصل ذهنها متابعة تجليات الأرواح أو الأطياف التى لم تعد  بقاصرة على غرف الجلسات المغلقة بإحكام ، فهناك ما يقع منها فى وضح النهار ، وقد يراها عدة أشخاص أو مجرد شخص واحد .. و مر بخيالها كل ما تذخر به المراجع العلمية أو حتى الروايات  عن قصص  أو تجارب بلدان الشمال والمناطق كثيفة الضباب التى تسمح بتجسد أشياء اخترقت حواجز الزمان والمكان ..

 

وبينما كانت تُعيد فكرها  إلى سبب اختفاء تلك العلوم من الساحة الإعلامية ، فى كل مكان وفى نفس الوقت تقريبا ،  انتقلت فى نفس اللحظة  إلى مجال العلوم التراثية لبعض الملل ، وكأن ذهنها  يعمل فى اتجاهين فى آن  واحد ، لترقب ما تحكيه تلك العلوم . وتوقفت عند ذلك السد الشاهق  من النيران وطبقاتها المتتالية بلونها  الملتهب  شديد النقاء .. لون  لا تعريف له   بين الألوان من شدة نقائه .. وكأنه لهب من  نور ، يتعين على المريد فى تلك الجماعة اجتيازه ليرقى إلى مستويات أعلى من تلك التى تكبّله على الأرض .. أو اختبارات الصبر ، أو التحمّل ، والمثابرة، وعدم الخوف ، و أهمية الثبات ، وعدم الإلتفات للمغريات ، وإنما مواصلة الإلتزام والعمل  .. وما أكثر ما وجدته من نقاط تشابه بين  الجاد من مختلف تلك المدارس والمذاهب ، وإن كانت بكلها تعتمد إجمالا على الإيمان بالله ، و على التمسك بالأخلاق والقيم ، مع الزهد فى بريق الدنيا ومادياتها ، من جهة ،  ومن جهة أخرى ، التدرب على ضبط  إيقاع  التنفس بإيقاع  نبضات القلب ..

 

وتوقفت برهة عند عبارات وصف وهج تلك النيران المضيئة ، وكأنها نار أثيرية ، لتربط بين مكونات ألوانها  و مختلف ما طالعته عن جمال ألوان العالم الآخر ومناظره ، وكادت  تسكت ، فكلها أوصاف تكرر عبارة عجز أى لغة بمفرداتها عن وصف ذلك الجمال . إلا أنها تذكرت فجأة تجربة  وحيدة كانت قد مرّت بها ، وفهمت منها أنها تجربة مما يُدرج فى  تجارب الطرح الروحى ..  فقد جالت فى أحد تلك  المناظر الطبيعية  وشاهدت بالفعل ما لا عين رأت من جمال ،  و أدركت  أن مفردات اللغة تفتقر فعلا إلى ما يمكنها أن تنقل به جمال الألوان فى العالم  الآخر.. وأقصى ما استطاعت أن تصف به تلك الألوان هو : كأنها طبيعة كل جزء فيها  مصنوع من   نور ، مادتها من نور.. مساحات شاسعة من  نور تنبض بنغمات رهيفة خافتة ، يمتزج  فيها عطر رهيف بنفس الرقة و الهدوء .. عالم عبارة عن درجات عالية الصفاء والسكينة من الألوان النورانية  المضيئة ، والنغم شبه الهامس ..

 

و فجأة ، أشاحت بوجهها بعيدا ، كمن آلمته الفوارق الرهيبة بين كل ما يمكن للإنسان أن يصل إليه من جمال ورقى ، وكل ما تم إغراق العالم فيه من  همجية  شرسة  لا رحمة فيها ولا أخلاق. همجية إلى درجة البذخ فى الإنحدار والإنفلات - إن أمكن القول ! مجرد آلة  طاحنة  تدور رحاها  لسحق كل ما هو إنسانى  فى الوجود ، آلة طائشة  تقود العالم إلى الدمار ، بفرض مادية دونية ، لا رادع لها  ولا حدود إلا  أطماعها الموغلة فى السفه  الممجوج .. 

 

وعاد ذهنها إلى عبارة " إغراق العالم " و توقفت ..

 

ففى لحظة ، تداخلت فى مخيلتها مختلف الصور لأواخر الستينيات من القرن      العشرين ، وماقبله ، بكل ما كان باقيا فيها من أخلاق وقيم ، تداخلت وذلك الإنحلال الطاغى ، الذى تم فرضه بصورة قهرية ، فى  جميع انحاء العالم ، فى توقيت واحد تقريبا ، بكل ما به من إمكانيات الفساد والإفساد. فأخرسها الحزن  فى صمت رهيب..

 

و كأنها بدأت تفهم .. تفهم سبب ذلك التعتيم  وهى تربط بين الأحداث ..

 

2007