عودة حبيب ..

 

امتلأت السماء بالغيوم و تلونت أطراف سحبها الداكنة ، بينما كانت الرياح تدفع و تعصف بخلجات من تسير فى عجالة ..  كانت تتجه إلى محطة الجيزة والإبتسامة  تداعب ملامحها بين الحين والآخر ، وهى تردد فى صمتها :" عما قليل سوف ألقاه " !..

 

امتد الطريق أمامها نازحا ، لكنها لم تشعر بطوله ولا بالهواء الذى يلفح وجهها المرح ، بل ولم تشعر حتى بقدميها المتورمتان ولا بالآلام المصاحبة لخطاها.. فقد انحصر تفكيرها فى أمل واحد : وصول قطار الصعيد لكى تراه ، ول..

 

ـ  إيه يا ست ، مش تفتّحى عالصبح وتبصى قدامك ؟!

 

ولم تدرك لماذا كان يصرخ فيها ذلك البائع وهو فوق دراجته ، وواصلت تفكيرها فيمن تحب .. وعلى الرغم من سؤالها بالتليفون ، فقد توجهت إلى ناظر المحطة لتسأله عن موعد وصول القطار . فاهتز شاربه الضخم ليجيبها ببطء ملول :

 

ـ  فيه تأخير .

 

فغمرها إحساس بارد حتى الأعماق . ظلت ساكنة برهة وقد عصفت إجابته بأفكارها . وعبثا حاولت أن تنتزع منه أى استفسار آخر ، فقد غاص فى ملله الملول .

 

ما جدوى صراخها المكتوم وما جدوى حنقها ؟ وقفت برهة كمن يصارع المجهول المبهم .. كيف لها أن تُحضر القطار ؟! فاتجهت إلى بوفيه المحطة وهى تكاد تجر قدميها بكل ما بهما من انتفاخ وألم ، بينما خالت الزمن وقد تحجر ! لم تدر كيف تحسبه : بالدقائق أم بالساعات ؟! ثم جالت بنظرها فى أرجاء ذلك البوفيه أو المقهى .. كل شىء بارد لا معنى له ، طبقات متراكمة من الإهمال ، ضاعفت كل  ما تشعر به من وحدة واغتراب فى ذلك المكان. لا .. لن تجهش باكية ! كيف تستقبله بعينين يشوبهما الإحمرار  و البلل ؟ وبحركة خاطفة نادت بائع الجرائد .

  

ـ أيوة يا ست .. "أهرام " ، "أخبار " ، "جمهورية " ، "كواكب " ، "إذ..

 

ـ  أى حاجة !

 

فنظر إليها الغلام ببلاهة وارتباك .

 

ـ  إيه يا ابنى ، بتبص على إيه ؟! قلت لك أى حاجة .. اللى يطلع فى إيدك .

 

أخذت الجريدة و واصلت حوارها فى صمت : " أهه كله كلام ! شوية عناوين على شوية صور وإعلانات .. واللى هنا هو اللى هناك بلا خيبة " .. ربما بدت لمن يراها فى غاية الإنهماك ، لكنها  فى الواقع كانت تواصل صب حنقها الصامت على الصفحات التى تقلبها وهى تتساءل بارتباك عن مدى صدق كل هذه الكلمات .. : " أهه كله كذب فى كذب هو الكلام عليه جمرك ! "   ألم يخبرها الموظف المختص فى التليفون أن القطار قادم فى موعده فى الثامنة ؟! " وتساءلت باستنكار فى حنقها الصامت وهى تمر بنظرها بطول الصفحة: " همّا بيجيبوا الكلام ده كله منين كل يوم "؟

 

وانتقل نظرها من دوامة الكلمات ليتوقف على كومة صغيرة من النفايات   و البقايا تزحف على الأرض بقفذات مقتضبة  ، بينما يدفع بها الجرسون ليواريها خلف الباب !

 

وانتابها غثيان عارم .. تحسست بطنها ببطء وهى تتماسك لتخرج إلى الهواء . ثم راحت تعبر الكوبرى المعدنى لتقف على الرصيف الآخر . وقد تداخلت مشاعر القرف بالقلق. وفجأة شهقت ضاحكة بصوت خافت ، فقد خيل إليها صفير حاد . واتجهت نظراتها بلهفة ناحية الصعيد .. لكن القضبان ظلت تمتد فى فج عميق وكأنها تصل إلى ما بعد الأبعاد .. وازدادت حدة الضربات فى صدرها بينما تلاحقت الصور فى تتابع خاطف وسط الدخان ، والجرحى و لهيب متراقص .. فاحتضنت بطنها وهى تكتم صراخها فى الأعماق ..

 

وبينما راحت ترفع رأسها ببطء ، لمحت مفتش المحطة يقف على مقربة منها . فاتجهت لتسأله وهى تغالب اضطرابها . لكنه ابتدرها قبل أن تفتح فمها :

 

 ـ  فيه تأخير ساعة !

 

ومرة أخرى راحت تواجه الإبهام وعدم الفهم .. تلاعبت الريح بأوراق الشجر ، وتناثرت البقايا والنفايات .. فاتجهت إلى مقعد خالى تحت السلم المعدنى ، وأغمضت عيناها باصرار وهى  تسند رأسها على الحائط . فسرت برودة فى كيانها بينما راحت تدفىء بطنها بكفيها ..

 

لم تكن أول مرة يفترقان فيها ، فكثيرا ما سافر خلال أعوام زواجهما المعدودة ، ورغم تكرار سفره لم تألف غيابه أبدا ، ففى كل مرة كان ينتابها نفس الشعور بالغربة و الضياع ..

 

وابتسمت فى صمت وهى تسترجع بعض مواقف عاشتها :

 

ـ  تيجى نلعب ؟

 

ـ  نلعب إيه يا حبيبتى ؟

 

ـ  الأولى .. السيجة !

 

وتتسع ابتسامتها وهى تتذكره وقد راح يعاونها على رفع سجادة الصالة ليخططان الأرض حول البلطات .. ثم حركت برأسها الباسم وكأنها تقلب الصفحات.. وتراءت لها صورته وهو يجلس إلى مكتبه ، بينما تقف هى خلفه تعبث بأناملها فى شعره الأملس ..

 

ـ  بتعمل إيه ؟!

 

ـ  خلّصتى مذاكرتك ولا لسّه ؟

 

ـ  خمسة استراحة ! ..

 

وتهز رأسها بفرحة وقد اعتلتها حمرة خاطفة وهى تستكمل ، كأن أناملها ما زالت تعبث فى شعر رأسه ، بينما هو ينظر إلى الساعة أمامه : الثانية عشر مساء!

 

ـ  بقول خمسة استراحة !  أعزمَك على واحد قهوة ؟!

 

فينهض وما زال محتضنا خصرها بذراعه ، بينما تسأله مازحة وهى تتابع خطاة : ـ  هى القهوة فى المطبخ ولا فى الأودة "!

 

شهر ونصف مضى على غيابه متنقلا بين بلدان الصعيد. شهر و نصف وهى تعيش على خطاباته دون أن تكتب له إلا فى ذاكرتها طيلة الوقت : فسرعة تنقلاته لا جدول لها ولا تتفق و "انضباط " خط  سير البريد !

 

وتداخلت الأحداث فى ذهنها منذ لحظة غيابه وكأنها انبثقت فى آن واحد ! ثم تساءلت فى حنين : " ترى كيف سيستقبل النبأ بعد هذه المدة ؟ " ..

 

أخذت تسترجع الأحداث منذ سفره . ستبدأ بالغربة التى تنتابها .. لا .. ان ذلك سوف يؤلمه ، فكم من مرة رجاها أن تغالب ذلك الشعور ، أن تعتمد على نفسها، وأن تكرس وقتها للعمل بدلا من القلق ! ستخبره بمرضها . وهزت رأسها بعنف . لن تبدأ بأخبار سخيفة ! وتوقفت برهة ، فهى لم تتعود أن تخفى عنه شيئا . ستحكى له عن أقاربهما الذين أمضوا فى ضيافتها بضعة ايام ، وعن الفراغ الرهيب الذى يعيشون فيه .. لا .. ستبدأ بتفاصيل امتحانها و بنجاحها فى الفصل الدراسى الأول . فهزت رأسها وهى تلوح بيدها كمن تنفض شيئا بعيدا عنها . لن تبدأ إلا بأن تبوح له عن مشاعرها وكم افتقدته ..  لا ، عليها أن تبدأ بذلك الخبر .. وتوقف تفكيرها فجأة وهى تنظر إلى الساعة المستديرة المعلقة أمامها : " العاشرة والنصف !"

 

غمرتها برودة الإحباط وهى تحسب ساعات انتظارها منذ الثامنة ، ثم راحت تتفحص الوجوه من حولها . حاولت أن تستشف أية تعبيرات عن كارثة ما ، لكن الوجوه بدت جامدة متحجرة وكأنها تآلفت مع الإنتظار والكوارث. . أليست حياتهم اليومية فى حد ذاتها بكارثة ؟!

 

وانتقل نظرها إلى السحب المتراكمة وهى تحاول النهوض ، ودهشت لذلك الكم من الرماديات .. رمز التحول المرئى و الآفاق اللانهائية وبعث الموتى ، لون الرماد واالضباب وشبه الأحزان الشاحبة واحلام اللاوعى المبهمة .. وانتابها الحنين إلى رؤيته وكأنها تحتمى به من تلك الغيوم . هالها ذلك الحجم من التكوينات الرمادية كحقل شاسع للقوى الهائمة  .. رماديات متداخلة فى توازن غريب وهى تموج وتتداخل فى تلك المساحة المتعددة الأبعاد والتى لا اثر فيها للألوان الأساسية    المطلقة .. لكنها نظرت إلى الأرض فجأة بحثا عن قدميها ! لقد فقدت الإحساس بهما، فنهضت مذعورة متألمة وكادت تفقد توازنها لولا تمالكت .

 

نهضت كمن يحمل عبأ يود التخلص منه ، بينما نظراتها تتنقل بين الأشياء المتناثرة على الأرض ، نظرات لا مردود لها فى وعيها  إلا كما أطلقت عليها فى صمت " مقلب زبالة " !.. أعشاب جافة ، بقايا مأكولات ، أوراق مكرمشة وأخرى عليها دهون وأشياء لم تتبينها .. أعقاب سجائر ، ودون ما سبب توقف بصرها فجأة عند ورقة صغيرة وقد انشق كيانها فجأة من الصوت : صفير قطار حاد دوّى أوقف تفكيرها . ويا للغرابة : لم تحرك ساكنا ! كم من مرة قفذت من قبل لكل صوت ولكل قطار يقترب من الرصيف بكل ما عليه من عناقيد بشرية متراصة..

 

وبينما القطار يقترب ببطء شديد ، كانت هى تنظر إليه ببرود أشد ، وكأنه لا ينعكس فى مخيلتها بأى شىء .. لكنها ما كادت تلمح عربات النوم بلونها الأصفر المميّز حتى انطلقت  تبحث عنه وقد نسيت آلام قدميها المتورمتان ! ودت لو أمكنها غربلة القطار بنظرة ! واتسعت ضحكتها وسط أنفاسها اللاهثة ..

 

كان يطل من النافذة ملوّحا . وتعثرت ضحكتها بخطاها وهى تتعلق برقبته فى استكانة فرحة . ولم تقل شيئا . لم تجد ما تقوله فى ذلك البحر الذى غمرها وعصف بمشاعرها .. وفى نفس هذه اللحظة العارمة  تلاشى عبء غيابه من الزمن بمجرد رؤيته .. أحست وكأنه لم يبارحها ، وأنه كان طيلة الوقت معها فى أعماقها وفى نبضات كيانها ..

 

           تحرك القطار وهما يسيران بجواره وقد تشابكت أصابعهما .. لم يشعر أىّ منهما برغبة فى كلام .. واقتربا من السلم المعدنى ليعبرا القضبان إلى الجانب الآخر. فضغط على يدها بكل ما يكنّه لها من حب بينما امتزجت نظراتهما فى فرحة عارمة.. أخذا يصعدان السلم معا لكن خطواتها بدأت تتباطأ ، فسألها بلهفة بالغة :

 

ـ  انتى دايخة ولا إيه ؟  أشيلك ؟!

 

واتسعت ابتسامتها المطمئنة وهى تجيبه بفرحة :

 

ـ  تشيلنا !!